القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 بابا التاني كاملة 



بابا التاني كاملة 


عملت مفاجأه لمراتي وبنتي ورجعت من السفر قبل معادي، بس انا اللي اتفاجات لما سألتني بنتي يا بابا، هو بابا التاني هيتغدى معانا؟ ده قاعد تحت في البدروم... نزلت السلم، واللي شفته خلّى الدم يتجمد في عروقي.

بعد تلات أيام يفطّسوا من التعب في مأمورية شغل ب الإسكندرية، عرفت ألحق ميكروباص بدري ويرجعني القاهرة في وقت قياسي. ما قُلتش لمراتي ولا لبنتي.. كنت عايز أشوف الفرحة في عيونهم أول ما أفتح باب الشقة.

والمفاجأة نجحت بالملّي.

أول ما حطيت رجلي في الصالة، لقيت بنتي جنا جاية تجري عليا زي الصاروخ

بابااااا!

رمت نفسها في حضني، وكان هيروح مني توازن الشنطة من كتر لهفتها.

من وراها، ظهرت مراتي شيرين وهي خارجة من المطبخ، ملامحها كانت مكسوفة ومخضوضة بس الفرحة مش سيعاها.. لفت دراعاتها حواليّا وضحكت

إيه ده! حمد الله على السلامة.


. أنت جيت بدري إزاي؟

قلت لها وأنا ببوس رأسها وحشتوني يا ست البنات، مقدرتش أقعد ساعة زيادة.

في اللحظة دي، حسيت إن الدنيا ضاحكة لي، وكل حاجة مية مية وماشية تمام.

دخلت أفضّي الشنطة وجنا ورايا خطوة بخطوة، عمالة تحكي لي عن أسبوعها بالتفصيل.. فرجتني على لوحة شخبطت فيها بالألوان، وعرفتني على دبدوب قطيفة جديد سمّته سمسم، وقالت إنه بقى فرد من العيلة في غيابي.. فضلت ترغي من غير ما تفصل لحد ما جه وقت الغدا.

كانت من اللحظات الرايقة العادية اللي بتعدي عليك ومتبقاش عارف إنها هتفضل محفورة في ذاكرتك العمر كله.

قعدنا مع بعض على ترابيزة السفرة في الصالة.

شمس العصر كانت داخلة من البلكونة ومنورة المكان.

شيرين حطت الأكل.. شوربة لسان عصفور وسندوتشات بفتيك.

جنا قاعدة وسطنا، بتهز رجليها الصغيرة بفرحة من تحت الترابيزة.

وفجأة.. بُصت


لي بعيونها الواسعة وسألت سؤال، قلب كيان الأوضة في ثانية

بابا.. هو بابا التاني هيتغدى معانا هو كمان؟

في الأول، أخدت الموضوع بضحك.

ما هو العيال الصغيرة ساعات بيخرفوا ويقولوا حاجات غريبة.

قلت لها وأنا ببتسم باباكي التاني؟ مين ده يا جوجو؟

هزت رأسها بكل جدية وثقة

آه.. بابا التاني.

ضحكت وقلت لها وطيب بابا التاني ده قاعد فين دلوقتي؟

الرد اللي قالته خلّى ركبي تسيب وقلبي يسقط في رجلي

قاعد تحت في البدروم دلوقتي.

البيت فجأة بقى هس.. سكوت تام مفيش فيه نفس.

بصيت ل شيرين.

الدم هرب من وشها في ثانية، وبقت صفرا زي الليمونة.. منظرها كان يخلي الأعمى يشك.

ضحكتي اختفت تماماً.

هو البت دي بتقول إيه؟

شيرين حاولت تطلع ضحكة صفرا ومجروحة من كتر التوتر

دي عيلة عندها أربع سنين يا طارق.. أنت عارف العيال في السن ده وخيالهم الواسع.. بتألف


أكيد!

بس الموضوع مكنش مريح.. فيه حاجة غلط.

جنا مكنتش بتضحك ولا بتهزر.

ملامحها كانت سريعة وجادة جداً.

ردت بطفولية بس بنبرة حاسمة لا يا ماما.. مش بألف، هو تحت في البدروم فعلاً.

حسيت بضربات قلبي بقت زي الطبل البلدي.

يمكن الكلام ده يبان هبل دلوقتي، بس في اللحظة دي، دماغي مفيش فيها غير سيناريو واحد بس هو اللي ركب.

أنا راجع من السفر فجأة ومن غير ميعاد.

مراتي وشها جايب ألوان ومرعوبة.

وبنتي بتتكلم عن راجل تاني مستخبي تحت في بدروم البيت.

دماغي هتروح لفين يعني غير كده؟!

زقيت الكرسي لورا وقمت.

شيرين زعقت بسرعة وخوف طارق.. بلاش يا طارق، وحياة أغلى عندك.

بصيت لها وعيني بتطق شرار

بلاش إيه؟!

قامت من على كرسيها بسرعة

عشان خاطري.. مفيش حد صدقني مفيش حد

هنا بقى.. اللحظة اللي كل حاجة اتأكدت فيها في نظري.

لو الموضوع سوء تفاهم هبل وعيال، ليه شكلها بيموت من الرعب وبتترجاني منزلش؟


 

قلت لها بصوت واطي ومخيف من كتر الغضب شيرين.. انطقي، مين اللي تحت في البدروم؟

محدش.. والله محدش.

أومال بتموتي في جلدك وتمنعيني ليه؟

عيونها كانت مليانة دموع ورعب

أرجوك ثق فيا.. ثق فيا للمرة الأولى والأخيرة.

أثق فيها؟!

في اللحظة دي، الثقة دي كانت أبعد حاجة عن عقلي.

سيبتها ومشيت بخطوات سريعة ناحية باب البدروم اللي في أرضية الصالة.

ورايا، شيرين عمالة تصرخ باسمي

طارق.. عشان خاطري!

بلاش تنزل هناك صدقني البنت بتقول اي كلام!

بس هي مكنتش بتفهم حاجة، كانت بتعيط وبس.

على ما وصلت لباب البدروم، كانت إيدي بتترعش زي ورقة الشجر.

أنا مدخلتش المكان ده من سنين.. مسكت المقبض الحديد.

ومن ورايا، صوت مراتي طالع مكسور ويائس تماماً

بلاش تعمل كده.. أرجوك.

فتحت الباب وجمّدت قلبي.

أول حاجة لطشت في وشي كانت الريحة..

تراب..

خشب مكمكم..

رطوبة وهوا كاتم النفس.

بدأت أنزل درجات السلم الخشب خطوة


خطوة.

دقات قلبي كانت مسموعة لدرجة حسيت إن صدري هيتفجر.

كنت غرقان في كوكتيل من الغضب والغل والرعب.

كنت متأكد إن الخطوة الجاية هشوف فيها الشوف اللي هيخرب بيتي وينهي جوازنا للأبد.

لحد ما رجلي لمست أرض البدروم تحت.

وهناك ....أنا هنا اتسمّرت في مكاني.. نشفت.

كل نقطة دم في جسمي هربت، ووشي بقى أبيض زي الحيطة من اللي شوفته والصدمه كانت اقوى مني بكتير ؟!!!!...

وهناك... وسط الضلمة اللي كاحلة، مفيش غير خيط نور ضعيف أوي نازل من الشباك الصغير اللي فوق، لمحت خيال قاعد في ركن البدروم.

الخيال كان لراجل كاشش في نفسه، ضامم ركبه لصدره، وقاعد على

مرتبة قديمة ملقوحة في الأرض. أول ما رجلي خبطت في خشبة مكسورة وعملت صوت، الخيال ده اتهز... ورفع راسه وبصلي.

النور الضعيف جه على وشه، وفي اللحظة دي... أنا صرخت، بس الصرخة ما طلعتش من حنجرتي، فضلت مكتومة جوة صدري وكنت هشرق بيها.

الراجل اللي


قاعد قدامي ده... هو أنا!

نفس ملامحي بالملّي، نفس الوش، نفس قصة الشعر، حتى القميص الكروهات الأزرق اللي أنا لابسه دلوقتي حالا ورجعت بيه من السفر، هو كان لابس واحد زيّه بالظبط! بس الفرق الوحيد إن وشه كان دبلان، عينيه غرقانة في الهالات السودا، وشكله كأنه طالع من الترب، وهدومه متبهدلة تراب وطين.

أنا رجعت خطوتين لورا وخبطت في السلم، كنت هقع لولا إني مسكت في الحيطة. دماغي لفت، وحسيت إن الأكسجين هرب من المكان. بصيت له ورجعت بصيت لنفسي... أنا بحلم؟ أنا اتجننت؟

الراجل اللي شبهي ده أول ما شافني، عينيه وسعت من الرعب، وبدأ يترعش ويرجع لورا لحد ما ظهره خبط في الحيطة، وطلع صوت حشرجة مرعبة من زوره وقال بنبرة ميتة وخايفة

أنت جيت تاني؟ سيبني في حالي بقى... سيبني أروح لمراتي وبنتي!

الصوت... الصوت كان صوتي أنا! نفس النبرة بس على أضعف ومكسورة.

في اللحظة دي، سمعت صوت خطوات سريعة ورايا.


شيرين نزلت السلم وهي بتنهج وبتعيط بانهيار. أول ما شافتني واقف، وشافت الراجل اللي في الركن، رمت نفسها في الأرض ومسكت رجلي وهي بتصرخ بهستيريا

سامحني يا طارق... والله العظيم ما كنت أعرف أعمل إيه! أنا مكنتش عايزة أقولك عشان متموتش من الرعب، بس أنا عايشة في الكابوس ده بقالي أسبوع!

أنا سحبت رجلي منها وأنا بزعق بصوت مش طالع من كتر الصدمة إيه ده؟! مين ده يا شيرين؟ مين اللي شبهي ده؟! أنتِ بتلعبي بيا؟ أنا مين وأهو مين؟!

شيرين قعدت على الركب وتغطّي وشها بإيديها وبتشهق من أسبوع... من أسبوع بالظبط يا طارق، أنت سافرت الإسكندرية يوم الأحد الصبح. يوم الاثنين بليل، لقيت الباب بيخبط، فتحت لقيتك داخل عليا... كنت متبهدل وتعبان وريحتك غريبة، ومبتتكلمش. دخلت علطول ونزلت البدروم وقعدت هنا. سألتك في إيه؟ مردتش عليا... البنت شافتك وقالتلي بابا التاني جه وقعد تحت، ومن ساعتها وأنا هموت


من الرعب... بس الصدمة مكنتش هنا...


 

شيرين رفعت راسها وعينيها كانت حمرا زي الدم: "الصدمة إني لما كلمتك في التليفون يوم الثلاثاء الصبح عشان أطمن عليك، أنت رديت عليا عادي من الإسكندرية! وقلتلي إنك في الشغل والشبكة وحشة وهتقفل! وقتها أنا صرخت وبصيت تحت السلم... لقيت الراجل ده لسه قاعد هنا ومبيتحركش! مكنتش عارفة أصدق مين؟ أصدق اللي بيكلمني في التليفون وصوته طبيعي وعارف كل تفاصيلنا؟ ولا أصدق اللي قاعد تحت في البدروم وشبهك بالملّي ومبيتكلمش مع حد؟!"

الكلام كان بينزل على وداني زي مية النار. بصيت للراجل اللي في الركن، لقيت دموعه بتنزل، وبدأ يتكلم وهو بيترعش:

"شيرين... أنا طارق جوزك... والله العظيم أنا طارق! أنا سافرت الإسكندرية، بس الميكروباص عمل حادثة وتقلب بينا على الصحراوي... أنا مش فاكر حاجة من بعد الحادثة غير إني صحيت لقيت نفسي بجري في الضلمة لحد ما وصلت هنا... جيت استخبى في بيتي، بس من ساعتها وأنا بشوف حاجات مرعبة... بشوف نفسي داخل وخارج، وبشوفك بتتكلمي في التليفون مع واحد تاني... أنا افتكرت نفسي مت وبقيت شبح، أو إني اتجننت!"

أنا رجعت لورا خطوة... الحادثة؟ ميكروباص؟

فجأة، شريط ذكريات غريب بدأ


يمر قدام عيني زي الفلاشات... أنا فعلاً ركبت الميكروباص... وكان فيه مطر... وصوت فرامل عالي أوي... وصرخات... وبعدها... بعد كده مفيش! أنا صحيت لقيت نفسي واقف على طريق مصر الإسكندرية الصحراوي، والجو كان شمس، وركبت عربية تانية ورجعت القاهرة!

أنا مسكت دماغي اللي كانت هتنفجر. بصيت على إيدي... مكنش فيها أي أثر لخدش. بس لما ركزت في نفسي... أنا مكنتش حاسس بضربات قلبي فعلاً! أنا كنت فاكر إنها زي الطبل البلدي من الخوف، بس لما حطيت إيدي على صدري... مكنش فيه نبض! مفيش أي حركة!

"شيرين..." صوتي طلع غريب، وواطي أوي. "أنتِ... أنتِ كلمتيني في التليفون يوم الثلاثاء؟"

شيرين هزت راسها وهي بتعيط: "آه... كلمتك وأنت رديت عليا."

أنا طلعت موبايلي من جيبي وبصيت فيه... الشاشة كانت مطفية، ولما حاولت أفتحها مكنتش بتنور. مكنش فيه شبكة، ومكنش فيه شحن، الموبايل كان ميت تماماً!

في اللحظة دي، الراجل اللي في الركن (طارق الحقيقي) وقف على رجله بصعوبة، وبدأ يقرب مني وهو بيشاور عليا بصابع بيترعش:

"أنت مش بني آدم... أنت إيه؟ أنت اللي طلعتلي من الحادثة؟ أنت الحاجة اللي خدت مكاني وحياتي؟!"

النور

الضعيف اللي جاي من الشباك بدأ يتغير، والشمس اللي كانت منورة الصالة فوق بدأت تغيب فجأة والضلمة تزيد.

أنا بدأت أشوف ملامحي في المراية القديمة المكسورة اللي كانت متعلقة على حيطة البدروم... وشي بدأ يتغير... الملامح بدأت تسيح وتتحول لشيء مبهم، ملوش ملامح واضحة، مجرد خيال أسود بياخد شكل طارق!

أنا مكنتش طارق اللي رجع من السفر... أنا كنت "الشيء" اللي رجع مكان طارق!

الحادثة حصلت فعلاً، وطارق الحقيقي هرب وجري على بيته وهو مصدوم ومصاب ومحبوس في رعب البدروم مش فاهم حاجة... وأنا... أنا الكيان اللي اتغدّى على ذكرياته وخوفه، ولبس شكله، ورجع لبيته ومراته وبنته عشان يعيش حياته مكانه!

بنتي "جنا"... الأطفال بيشوفوا اللي الكبار مبيشوفوهوش. البنت لما شافتني فوق، حست بغربتي، ولما شافت أبوها تحت، عرفت إن فيه "بابا التاني".

شيرين صرخت صرخة هزت أركان البيت لما شافت شكلي وهو بيتغير في الضلمة، وجريت على الركن واستخبت ورا طارق الحقيقي وهي بتموت من الرعب.

أنا وقفت في نص البدروم، باصص لإيديا اللي بقت عبارة عن خيالات سودا بتتحرك زي الدخان. كنت حاسس بذكريات طارق جوة دماغي: حبّه لشيرين،

فرحته بجنا، تعبه في الشغل... كل حاجة كانت جوايا وكأنها بتاعتي، أنا حبيت العيلة دي في الكام ساعة اللي قعدتهم معاهم فوق! كنت عايز أفضل "طارق"!

بصيت لطارق الحقيقي اللي كان حاضن مراته وبيتنفض من الخوف، وبصيت لشيرين اللي كانت بتبصلي وكأني شيطان رجيم.

حسيت بحزن غريب وعميق... أنا مش مكاني هنا. الحياة دي مش بتاعتي.

رجعت لورا بضهري، وبدأت أطلع سلم البدروم خطوة خطوة وأنا باصص ليهم في الضلمة. طلعت الصالة فوق، لقيت "جنا" قاعدة على الكرسي، ماسكة الدبدوب "سمسم" وبتبصلي بعيونها الواسعة البريئة.

قربت منها، ملامحي الدخان عادت تتشكل تاني عشان تبان زي وش باباها لأخر مرة. نزلت لمستواها وبست راسها، وقلت لها بصوت دافي:

"جوجو... بابا التاني هيقعد معاكم علطول... متخافيش."

البنت ابتسمت وقالتلي: "وأنت يا بابا؟"

قلت لها وأنا بختفي بالتدريج وبتحول لدخان بيطير في هوا الشقة: "أنا كنت مجرد ضيف... وماشي."

فتحت باب الشقة وخرجت، ومع خطوتي برة العتبة، اختفيت تماماً وكأني مكنتش موجود. ونزل طارق الحقيقي من البدروم لحضن مراته وبنته، عشان يبدأوا يلموا شتات نفسهم بعد أسبوع من الرعب... أسبوع عاشوا فيه مع "بابا التاني".


تعليقات

التنقل السريع
    close