القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 رباب



رباب

كنت حامل فى الشهر السادس وطلع نوع الجنين بنت وقتها جوزى فرح جدا واتفاجئت بجوزى عايز يسمى بنته رباب استغربت الاسم وكنت رفضاه وكنت عايزه نختار الاسم سوا لكن لقيته مصمم وبالنسباله مافيش نقاش خلاص فى اختيار الاسم ده أمر واقع والمفروض ارضى بيه

سكت وقولت مش هعمل مشاكل عشان خاطر الاسم

عدت الأيام، وكنت بحاول أقنع نفسي إن الاسم ملوش لازمة، وإن المهم إن البنوتة تيجي بالسلامة، وإن جوزي أكيد كان عنده وجهة نظر أو يمكن بيحب الاسم ده من غير سبب خـ,ـفي. لحد ما في يوم، جت أخته “نهى” تزورني.. كانت دايماً بتحسسني إنها عارفة عن أخوها حاجات أنا ماعرفهاش، ونظراتها كانت دايماً فيها نوع من “الشماتة” المستترة.

قعدنا بنشرب الشاي، والجملة جت كأنها نغزة في قلبي، بدأت تفتح موضوع الاسم بأسلوب فيه سم مدسوس في العسل:

“يا بختك يا احمد عملت اللى انت عايزه .. انتى عارفه أحمد متمسك بالاسم ده بشكل مش طبيعي، لدرجة إني كنت فاكرة إنه مستحيل يغير رأيه فيه.. بس قوليلي، هو مقالكيش ليه الاسم ده بالذات؟”


قلبي دق بسرعة، حاولت أبان طبيعية وأنا برد: “عادي يا نهى، هو عاجبه و مع الوقت هيعجبنى ، وبعدين أحمد كان حابب الاسم ده جداً فوافقت عشان خاطره.”

ضحكت ضحكة صفرا، ومالت عليا وقالت الكلمة اللي خلت الأرض تتهز من تحت رجلي:

“يا حبيبتي.. ده الاسم اللي كان هو و فاطمه حبيبته القديمة متفقين يسموا بيه بنتهم لما يتجوزوا! واضح إنه لسه عايش على ذكراها، والاسم ده كان العهد اللي بينهم.. مبروك عليكي يا اختي.”

شعور بالخديعة

كلامها نزل عليا زي الصاعقة. حسيت إن الدنيا اسودت في عيني، وكل كلمة قالتها كانت بتدبحني. يعني هو مش بس بيحب الاسم، هو بيخلد ذكرى حبه القديم في بنتي اللي لسه مجتش الدنيا؟

قمت من مكاني وأنا بحاول أتماسك عشان مبينش قدامها اني اتكـ,ـسرت، دخلت الأوضة وقفلت على نفسي. مش قادرة أستوعب، ولا قادرة أتخيل إني هبص في وش بنتي وأفتكر إن اسمها ده كان “وعد” بينه وبين واحدة تانية.

دلوقتي أنا مش عارفة أعمل إيه.. أواجهه؟ ولا أسكت زي ما سكت قبل كدة؟ بس السكوت المرة دي طعمه مر جداً.

حاولت أتماسك، مسحت دمـ,ـوعي بسرعة وغسلت وشي عشان محدش يلاحظ حاجة، ورجعت قعدت معاهم كأن مفيش حاجة حصلت. “نهى” كانت بتبصلي بطرف عينها وهي بتشرب الشاي ببرود، وكأنها رميت قنبلة ومستنية تشوف أثرها عليا.

أحمد كان بيضحك وبيتكلم في موضوع تاني خالص، مش حاسس إن العالم حواليا اتغير في لحظة. كل كلمة كان بيقولها دلوقتي بقت توجعني، وكل نظرة حب منه بقت بتترجم في عقلي إنها “تمثيل”. بقيت بسأل نفسي: هو شايفني أنا، ولا شايف “هي” في ملامحي؟ هو بيحبني أنا، ولا أنا مجرد وسيلة عشان يكمل الوعد اللي قطعه مع نفسه؟

لما نهى مشيت، دخلت الأوضة وقعدت على السرير، حطيت إيدي على بطني.. الجنين اتحرك جوايا، حسيت بوجع خفيف، بس وجع قلبي كان أقوى بكتير.

أحمد دخل ولقاني قاعدة سرحانة، جه جنبي وحط إيده على بطني وقال بصوت حنين:

“مالك يا حبيبتي؟ شكلك تعبانة.. البنوتة (رباب) مضايقاكي؟”

كلمة “رباب” خلت جـ,ـسمي يقشعر. بصيت له، كان عايزني أقول “لا”، كان عايز يطمن إن خطته ماشية تمام. فكرت أواجهه، أقوله “عرفت كل حاجة.. عرفت ليه متمسك بالاسم ده”، بس خفت.. خفت لو اتكلمت أكسر الصورة اللي هو راسمها لنفسه، وخفت كمان من إني أواجه الحقيقة اللي ممكن تنهي حياتنا سوا.

سكتّ.. وابتسمت ابتسامة باهتة وأنا جوايا نار، وقلت:

“لا يا أحمد.. مفيش حاجة، بس شوية إرهاق الحمل، رباب كويسة.. هي بس اللي شكلها متمسكة باسمها زي ما أنت متمسك بيه.”

هو ابتسم ولاحظتش أي تغيير في ملامحه، بس أنا.. أنا كنت بمـ,ـوت من جوه، وبقيت بحس إن كل يوم بيعدي وأنا ساكتة، بيبقى فيه جزء مني بيضيع، وجزء من كرامتي بيدوس عليه صمتي.

الأيام بقت تقيلة، والبيت اللي كان دافي بقى بارد في عيني. كل ما أحمد ينطق اسم “رباب”، بحس بسـ,ـكينة بتدخل في قلبي. بقيت بتجنب الكلام معاه في أي حاجة تخص البنت، وبقيت بتهرب منه ومن أسئلته عن “تجهيزات الغرفة” أو “شكل اللبس”.

في يوم، لقيتني بفتح دولاب قديم كان مركون، يمكن كنت بدور على حاجة، ووقعت في إيدي ورقة قديمة، باين عليها إنها مركونة بقالها سنين. قلبي دق، فتحت الورقة باديين بيترعشوا.. لقيت مكتوب بخط إيده: “أنا ورباب، هنبني حياتنا سوا”.

الورقة كانت تاريخها قديم، من سنين طويلة، قبل ما يعرفني حتى. قعدت على الأرض والورقة في إيدي، الـ,ـدموع نزلت من غير استئذان. يعني مكنش مجرد اتفاق، كان مشروع حياة.. مشروع حياة أنا جيت عشان أكون “بديلة” فيه، وبنتي جاية عشان تكون “الذكرى” اللي بتتحقق.

سمعت صوت مفتاح الباب، أحمد رجع. مسحت دمـ,ـوعي بسرعة وحاولت أخبّي الورقة، بس هو دخل الأوضة في نفس اللحظة. بص لي وبص للورقة اللي في إيدي، ملامحه اتغيرت في ثانية، الهدوء اللي كان على وشه اخـ,ـتفى، وبانت علامات الخوف.. الخوف من إن سري اتكشف.

وقف قدامي، والصمت كان سيد الموقف.. أنا كنت مستنية منه يبرر، يقول أي حاجة، حتى لو كدبة تانية.. بس هو فضل ساكت، ودمـ,ـوع عينه بدأت تلمع، وكأنه كان مستني اللحظة دي عشان يخلص من “حمله” اللي شاله لوحده سنين.

سألته بصوت مخـ,ـنوق:

“يعني أنا كنت مجرد صورة؟ كنت مجرد واحدة بتملأ مكانها في حياتك عشان تكمل اللي بدأته معاها؟”

بص في الأرض، وبعد فترة طويلة من السكوت، قال بصوت مكسور: واللى كلامه ده غير كل حاجه حوليه بعد كده وخلانى فهمت الحقيقه والمفاجأة


“يعني أنا كنت مجرد صورة؟ كنت مجرد واحدة بتملأ مكانها في حياتك عشان تكمل اللي بدأته معاها؟”

بص في الأرض، وبعد فترة طويلة من السكوت، قال بصوت مكسور:

“مكنتش عايزك تعرفي.. مكنتش عايزك تتألمي، بس الاسم ده.. الاسم ده كان أخر حاجة ربطتني بيها قبل ما تروح، وكان لازم أوفيه.”

“انتي فاهمة غلط يا أماني.. فاهمة كل حاجة غلط. أنا عمري ما اتمنيت بنت غير عشان أوفي بوعد قطعته لـ (تيته) الله يرحمها. رباب ده مش اسم حبيبة قديمة، ده اسم ست الحبايب اللي ربتني وشالتني من وأنا لسه عيل صغير، اللي كانت كل دنيتي قبل ما الدنيا تاخدها مني.”

اتجمت في مكاني، الكلمات نزلت عليا زي التلج اللي طفى النـ,ـار اللي كانت جوايا. كمل وهو بيقرب مني وعيونه كلها ندم:

“تيته (رباب) كانت دايماً بتقولي: ‘يا أحمد، لو خـ,ـلفت بنت، سميها على اسمي عشان تفضل سيرتي عايشة في بيتك’. أنا مكنتش عارف إزاي أقولك، كنت خايف تقولي إن الاسم قديم، أو إنك مش حباه، ففضلت ساكت ومصمم عشان ده كان عهدي لها. الورقة دي؟ دي كانت مجرد ورقة كتبتها وأنا لسه شاب صغير، بكتب فيها كل أحلامي لتيته اللي كانت بتشجعني.”

بصيت للورقة اللي في إيدي تاني، وقريتها بتركيز.. فعلاً، كان مكتوب بخط إيد مراهق: “أنا وتيتا رباب، هنبني حياتنا سوا”، الكلمة كانت مكتوبة بطريقة تدل على ارتباط طفل بجدته، مش علاقة غرامية زي ما نهى كانت حابة توهمني.

حسيت ببركان من المشاعر؛ خجل من شكوكي، وراحة غسلت قلبي من وجع استمر أيام، وفي نفس الوقت غـ,ـضب مكتوم من “نهى” اللي حاولت تدمر بيتي بكلمتين مسمومين عشان تغيظني وتكـ,ـسر فرحتي.

مسحت دمـ,ـوعي، وبصيت لأحمد اللي كان مستني نظرة سماح مني، وقلت بصوت هادي:

“ليه يا أحمد مكنتش صريح معايا من الأول؟ ليه سيبتني أحس إني بديلة لواحدة تانية؟”

قرب مني وخد الورقة من إيدي وقال:

“كنت خايف.. خايف نظرتك ليا تتغير، وخايف أكون بفرض عليكي حاجة تضايقك. كان غباء مني إني مكنتش صريح، بس أرجوكي.. صدقيني، رباب دي هتكون أغلى ذكرى لجدتي، وأغلى هدية ليا منك.”

في اللحظة دي، حطيت إيدي على بطني، وحسيت بنتي بتتحرك.. “رباب” مبقتش بالنسبة لي اسم غريب، ولا ذكرى وجع، بقيت حاسة إنها روح جديدة هتربطني ببيت جوزي وأهله أكتر. بس في نفس الوقت، عرفت إن الدرس اللي اتعلمته قاسي.. إن البيوت مابتتبنيش غير على الصراحة، وإن الشك لو دخل، ممكن يهد كل حاجة لو مفيش حقيقة توقفه.

قعدنا سوا في هدوء، والبيت كان لسه بيلملم جراحه بعد العاصفة اللي مرت علينا. كان أحمد لسه ماسك الورقة في إيده، وعيونه فيها لمعة حـ,ـزن وأمل في نفس الوقت. حسيت إن ده الوقت المناسب عشان أفتح قلبي وأحط النقط على الحروف، عشان ميبقاش بينا أي حاجة مخبية.

بصيت له وبدأت أتكلم بصوت هادي بس ثابت:


“أحمد، أنا كان لازم أعرف الحقيقة، لأن الكلام اللي سمعته مكنش سهل أبداً. نهى أختك جتلي من كام يوم، وكلامها كان زي السم اللي دخل في حياتنا، هي اللي فهمتني إن ‘رباب’ دي حبيبتك القديمة، وإنك لسه عايش على ذكراها، وإن الاسم ده كان عهد بينكم.”

أحمد اتجمد في مكانه، وملامح وجهه اتحولت من الهدوء للذهول، وبعدها للغـ,ـضب المكتوم. شد على إيده وهو بيسمعني، وكأنه مش مصدق إن أخته ممكن توصل للدرجة دي.

كملت وأنا بفرك إيدي من التوتر:

“مش بس كدة، ده هي كانت بتقولي الكلام ده بنبرة فيها شماتة، وكأنها كانت مستمتعة وهي بتشوفني بتـ,ـكسر. أنا عشت أيام من الجحيم، كنت براجع كل كلمة، وكل لحظة، وكل نظرة حب منك، وكنت بحولها في خيالي لتمثيل، وبقيت حاسة إن بنتي اللي في بطني مجرد وسيلة لإحياء قصة حب قديمة.”

أحمد ساب الورقة من إيده وقام وقف، كان بيتمشى في الغرفة بعـ,ـصبية، وأخيراً وقف قدامي وحط إيده على كتفي:

“نهى؟ هي اللي قالتلك كدة؟ هي اللي حطت في دماغك كل الأفكار دي؟”

هزيت راسي بالإيجاب، والـ,ـدموع بدأت تلمع في عيني تاني. أحمد أخد نفس عميق وحاول يهدأ:

“أنا عارف إن نهى طول عمرها بتغير مني ومن استقراري، وعارف إنها دايماً بتحاول تتدخل في تفاصيلنا، بس إنها توصل للدرجة دي؟ إنها تحاول توقع بيننا وتخليكي تشكي في مشاعري تجاهك وتجاه بنتنا؟ ده اللي مش ممكن أعديه.”

حسيت إن الحمل اللي كان على قلبي بدأ يخف، وإن أحمد فعلاً حاسس بالوجع اللي مريت بيه. سألته:

“هتعمل إيه يا أحمد؟ أنا مش عايزة مـ,ـشاكل، بس أنا مش قادرة أتعامل معاها تاني وهي بتعمل فينا كدة.”

بص لي بنظرة كلها حزم:

“يا أماني، أنا هحط حد لكل ده. مش هسمح لأي حد، مهما كان مين، إنه يهد حياتنا أو يزرع الشك بيننا. نهى لازم تعرف حدودها، ولازم تفهم إن بيتنا ده خط أحمر.”

في اللحظة دي، حسيت إن الثقة اللي كانت مهددة بالانهيار، بدأت تتبني من جديد، بس على أساس أقوى.. أساس الصراحة والمواجهة.


أحمد طلع تليفونه فوراً، عروق رقبته كانت باينة من كتر الغـ,ـضب، وعينه فيها نظرة عزم مكنتش شفتها قبل كدة. مسك التليفون وفتح سجل المكالمات، وفي اللحظة اللي كان هيضغط فيها على زر الاتصال، حطيت إيدي على إيده بهدوء.

بص لي باستغراب، سحبت التليفون منه بالراحة ونزلت شاشة الاتصال. قلت له بصوت واثق:

“لا يا أحمد.. بلاش تتصل دلوقتي وتعمل مشكلة كبيرة، مش عايزة أكون أنا السبب في قطيعة رحم بينك وبين أختك، مهما كان اللي عملته.”

استغرب طلبي وبص لي بتساؤل، كملت كلامي:

“اللي يهمني دلوقتي مش نهى ولا كلامها، اللي يهمني هو إحنا.. أنا وأنت وبنتنا. إحنا النهاردة اكتشفنا إن أكبر عدو لينا هو ‘السكوت’ والغموض. أنا مش عايزة نهى أو غيرها ينجحوا في إنهم يلاقوا ثغرة يدخلوا منها بينا تاني.”

مسكت إيده وبصيت في عينه بصدق:

“عشان كدة، أنا بطلب منك اتفاق، وعهد بينا من اللحظة دي.. مهما كان الموضوع صغير أو كبير، مهما كان الموضوع ممكن يسبب سوء تفاهم أو لا، إحنا نتفق إننا ‘مانخبيش على بعض’ أي حاجة. الصراحة هي اللي هتحمي بيتنا، وهي اللي هتخلي أي كدب أو إشاعة تترمي علينا، تقع قدام سور ثقتنا.”

أحمد سكت لحظة، ملامحه هديت، وحسيت إنه استوعب كلامي. نزل التليفون على التربيزة، ومسك إيدي وباسها وقال:

“عندك حق.. أنا كنت غبي لما فكرت إني بحميكي بالسكوت، والنتيجة كانت إن السكوت ده هو اللي وجعك أكتر. أعدك يا أماني، من النهاردة مفيش أسرار، مفيش حواجز.. كل حاجة هنقولها لبعض، والحقيقة هي اللي هتكون أساس بيتنا.”

حسيت براحة كبيرة، كأن همّ كبير انزاح من على صدري. البيت اللي كان حاسساه بارد، بدأت تدب فيه روح التفاهم من جديد.

اتفقنا.. والاتفاق ده كان بداية صفحة جديدة في حياتنا، صفحة عنوانها الصراحة اللي لا يمكن أي تدخل خارجي يمسحها.





تعليقات

التنقل السريع
    close