عـزومـة بطعـم الخيـانة كاملة
عـزومـة بطعـم الخيـانة كاملة
بعتتـلي صـورة لجـوزي مـعاها على سريـري… فقومـت معلّـق الصـورة قدام الـعيلة كـلها قبـل العزومـة…
اكتشفت إن جـوزي بيخـوني مع مرات أبوه، بعد ما هي بنفسها بعتتلي صورة ليهم هما الاتنين على سريري. وبعدها بـ3 أيام، كنت مطبعة نفس الصورة بمقاس ضخم ومعلقاها في نص الريسبشن قبل ما العيلة كلها تيجي على العشا.
الرسالة وصلتلي الساعة 6:42 المغرب…فاكرة الوقت بالثانية، لأن حياتي اتقسمت من اللحظة دي لنصين…
قبل الصورة… وبعد الصورة.
كنت واقفة في المطبخ بجهز الفراخ المحمرة والرز، وريحتهم مالية الشقة.
وفجأة الموبايل رن.
فتحت الرسالة.
“من حقك تعرفي مين اللي متحكم بجد في البيت ده… ومين اللي مجرد ماكينة فلوس للعيلة كلها.”
وبعدها الصورة ظهرت…ثانية واحدة بس…
وحسيت إن جسمي نسي إزاي يتحرك.
جوزي “أحمد” نايم على سريرنا من غير قميص، وساند على “سعاد” مرات أبوه.
أما هي فكانت باصة للكاميرا ومبتسمة ابتسامة مستفزة، كأنها متعمدة تتصور بالشكل ده علشان توصلني رسالة واحدة:
إنهم مش عاملينلي أي اعتبار.
الموبايل وقع من إيدي واتخبط في الأرض لدرجة إن الشاشة اتشرخت على وشوشهم هما الاتنين.
فضلت واقفة في نص المطبخ…غسالة الأطباق شغالة.
الأكل على النار…السفرة متجهزة.
كل حاجة شكلها طبيعية…
#حكايات_مني_السيد
إلا إن جوازي كان انتهى من ثواني.
الغريب إني ماعيطتش…ماصرختش.
ماكسرتش طبق…ولا حتى وقعت على الأرض.
بالعكس…حصري على صفحة روايات و اقتباسات
حاجة ساقعة جدًا استقرت جوايا.
هدوء مخيف.
أنا بقالي 7 سنين الزوجة المثالية في نظر عيلة أحمد.
أعمل العزايم…أفتكر أعياد الميلاد.
أساعد وقت الأزمات…وأدفع فلوس لما حد منهم يتزنق.
لدرجة إني سبت فرصة شغل كبيرة جدًا في دبي زمان علشان أحمد قالي:
“أهلي محتاجينا قريب منهم يا مروة… العيلة أهم.”
وصدقته…لأني كنت بحبه…أما سعاد…
فكانت طول الوقت بتلعب دور الحما الطيبة.
قدام الناس كلها تناديني:
“دي بنتي اللي مخلفتهاش.”
تمدح أكلي…تمدح ذوقي…وتبين للناس إن علاقتنا مثالية.
لكن أول ما نبقى لوحدنا…كانت شخصيتها الحقيقية تظهر.
مرة قالتلي وأنا بعمل شاي:
“الست الناجحة حلوة… بس الرجالة مابيحبوش يحسوا إنهم أقل من مراتاتهم.”
ساعتها افتكرتها مجرد ملاحظة غريبة.
دلوقتي فهمت كل حاجة.
سعاد أصلًا مش أم أحمد الحقيقية.
أمه توفت من سنين.
وأبوه اتجوز سعاد بعدها بفترة قصيرة.
ست أصغر منه بسنين…شيك جدًا…وذكية جدًا.
وعندها موهبة إنها تخلي أي راجل يحس إنه مميز.
أحمد وقتها كان قايل إنه في اجتماع شغل متأخر في الجامعة…. حصري على صفحة روايات و اقتباسات
ضحكت….وبعدين بطلت ضحك.
لأن الموضوع بقى أكبر من خيانة.
أنا كنت عايزة الحقيقة كلها.
دخلت أوضة المكتب.
فتحت الحساب البنكي المشترك.
وبدأت أراجع المعاملات.
في الأول لقيت تحويلات عادية باسم:
“مساعدة للحاجة سعاد”
دي كنت أعرف عنها.
لكن بعدها لقيت حاجات أغرب.
“تصليحات.”
“ظروف طارئة.”
“سلفة مؤقتة.”
“مصاريف علاج.”
مبالغ كبيرة.
كبيرة جدًا.
رجعت لورا 3 سنين…وكل صفحة كنت بفتحها كانت بتخليني أبرد أكتر…أكتر من 7 مليون جنيه خرجوا من حسابنا من غير ما أعرف….وقتها الحقيقة خبطتني.
الخيانة دي مش عاطفية بس…ولا جسدية بس.
دي خيانة مالية كمان….كل حلم أجلته.
كل فرصة ضاعت مني…كل ساعة اشتغلتها علشان أساعد أحمد…حصري على صفحة روايات و اقتباسات
كانت بتمول حياتهم هما الاتنين…فتحت ملفات أكتر.
كشوف بطاقات ائتمان…إقامات في فنادق فخمة.
هدايا ومجوهرات..شاليه في الساحل باسم شركة تابعة لسعاد.
مطاعم كان أحمد بيقولي عليها إنها اجتماعات شغل.
وبعدين لقيت حاجة خلت الدم يتجمد في عروقي.
فاتورة طباعة صورة كانفاس ضخمة.
متسجلة باسم سعاد.
واضح إنها كانت مجهزة كل حاجة من قبلها.
وقتها فهمت.
هي مابعتتش الصورة علشان ضميرها صحي.
بعتتها لأنها كانت متأكدة إني هنهار في هدوء.
هعيط.
أسامح.
وأكمل أصرف عليهم.
لكن اللي ماكانوش يعرفوه…
إني كنت مجهزة مفاجأة أكبر.
لأني بالفعل طلبت طباعة نفس الصورة…
بس بمقاس أضخم.
وتـاني يـوم…
قبل عزومة عيد جواز والد أحمد بساعات…
كانت الصورة متعلقة في نص الريسبشن.
مستنية أول ضيف يدخل.
ومستنية أول صدمة تضرب العيلة كلها…
وأولهم والد أحمد نفسه ووو…..!!!!
#حكايات_مني_السيد
**الفصل الثاني**
البرواز كان محطوط على الأرض، مستند على الحيطة ومغطى بملاية سرير بيضا قديمة. مقاسه كان مرعب.. مترين في متر ونص تقريبًا. كنت واقفة قدامه في نص الريسبشن، ريحة الفراخ المحمرة والرز لسه مالية الشقة، والهدوء اللي جوايا بيزيد لدرجة خلتني أسمع دقات الساعة المعلقة فوق باب المطبخ وكأنها قنبلة موقوتة بتعد التنازلي.
الساعة بقت 7:30 بالثانية. العزومة المفروض تبدأ الساعة 8.
أول واحد وصل كان “عم محمد”، بواب العمارة، طالع شايل كرتونة المياة الغازية والعصاير اللي كنت طالباها. دخلت الحمام بسرعة، بصيت في المراية.. غسلت وشي بمية ساقعة بتلج. مكنش فيه أثر لدموع. عيني كانت حمرا شوية من قلة النوم بقالي تلات أيام، بس نظرتي كانت حادة، حادة لدرجة خضتني أنا شخصيًا. حطيت روج أحمر غامق، ولميت شعري لورا “كحكة” محكمة، ولبست فستان أسود شيك جدًا.. فستان كنت شرياه لعيد جوازنا اللي جاي، بس قولت خسارة يستنى.
طلعت لعم محمد، حط الكرتونة في المطبخ ووقف مستني الحساب. أديته الفلوس وعليها بقشيش محترم، وقولتله بنبرة هادية ومبتسمة:
“بقولك إيه يا عم محمد.. معلش هتعبك معايا. في برواز كبير ورا الباب هنا، عايزاك تشيله معايا ونعلقه على المسمار الكبير اللي في نص الحيطة بتاعة الريسبشن.. اللي فوق السفرة بالظبط.”
عم محمد هرش في راسه وقال بطيبة: “من عنيا يا ست مروة، بس ده مسمار تقيل، بتاع تابلوه الآيات القرآنية اللي كان هنا.. شلتوه ليه؟”
رديت بابتسامة أوسع: “بنغير الديكور يا عم محمد.. أصل النهاردة مناسبة مش ه تتنسي، وعايزة المفاجأة تبقى واضحة لكل اللي يدخل.”
شيلنا الملاية. عم محمد أول ما عينه جت على الصورة، اتسمر في مكانه. وشه جاب ألوان، وبص في الأرض بسرعة وهو بيبلع ريقه وصوته اتهدج: “يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم.. يا ست مروة.. هو.. هو ده..؟”
قاطعته بنبرة حاسمة بس هادية جدًا: “شيل معايا يا عم محمد من سكات.. وخد حسابك زيادة أهو.. واليوم ده يعدي على خير، ومسمعش صوتك في الموضوع ده خالص، ماشي؟”
الراجل كان بيرتعش وهو بيعلق معايا البرواز. الحيطة كانت بيضا، والصورة كانت بـ “كواليتي” عالي جدًا.. الألوان واضحة، تفاصيل وش سعاد وابتسامتها المستفزة، ونومة أحمد اللي مفيهاش نقطة رجولة.. كل حاجة كانت واضحة لدرجة تخلي الأعمى يشوفها. أول ما المسمار شال البرواز، عم محمد استأذن وجري برا الشقة وكأنه هربان من حريق.
وقفت لوحدي في نص الريسبشن.. وبصيت للصورة. تلات أيام وأنا مابنامش، تلات أيام وأنا بجمع كشوف الحسابات، بكلم المحامي في السر، وبنقل نص فلوسي اللي في الحسابات التانية لحساب والدتي.. تلات أيام كنت بتموت فيهم بالبطيء، بس دلوقتي.. وأنا باصة للفضيحة وهي متعلقة في شرف بيتي، حسيت بنوع من الارتياح المخيف.
الساعة بقت 7:55.
سمعت صوت المفتاح في الباب. قلبي دق دقة واحدة قوية، وبعدين رجع لبروده.
دخل أحمد. كان لابس قميص كحلي وبنطلون بيج، ووشه هلكان من التمثيل.. نزل من الجامعة، وطبعًا عدي على “الست الوالدة” يظبطوا الحوار قبل ما يجوا.
أول ما دخل، ريح الشقة عجبته، قال وهو بيقفل الباب وبيمط صوته بتعب: “يااااه يا مروة.. تسلم إيدك، الريحة قالية السلم.. أنا جيت بدري شوية عشان أساعدك لو فيه حاجة.. أهلي على وصول، وأبويا مكلمني في الطريق بيقول خلاص قربوا.. وسعاد معاـ…”
كلمته وقفت في زوره.
هو مكنش باصصلي أصلاً.. عينه جابت الريسبشن بالتعود، وفجأة اتسمر في مكانه. الشنطة اللي في إيده وقعت على الأرض. الأوراق اللي فيها اتبعثرت. وشه اتقلب من اللون الأسمر للون أصفر ليموني، شفايفه بدأت تترعش، وعينه وسعت لدرجة حسيت إنها هتطلع من مكانها.
بص للصورة.. وبصلي.. ورجع بص للصورة تاني.
أنا كنت واقفة ساندة ضهري على بار المطبخ، حاطة إيد في وسط الخصر وإيد تانية ماسكة كاس عصير ليمون ساقع، وبشرب منه براحة تامة.
“مـ.. مروة..؟” صوته طلع مخنوق، كأن حد كبس على نفسه. “إيه.. إيه ده؟ إيه اللي أنتِ معلقاه ده؟”
رديت ببرود قـ*ـاتل: “إيه يا حبيبي؟ مش عاجبك الكادر؟ دي طباعة كانفاس فاخرة.. تكلفتها عالية بس فداك.. مش أنت وسعاد بتحبوا الحاجات الشيك؟”
أحمد خطى خطوتين بسرعة ناحية الصورة، كان عايز يشدها يكسرها، بس أنا بكل هدوء طلعت الموبايل من جيب الفستان وقولتله: “لو لمستها.. النسخة الـ HD هتنزل دلوقتي حالا على جروب العيلة على الواتساب.. وعلى صفحة الجامعة بتاعتك.. وعلى أكونت النادي اللي سعاد بتتنطط فيه قدام صحباتها.. خطوة كمان يا أحمد، وهخلي فضيحتك لايف.”
وقف مكانه كأنه اضرب بالرصاص. عرق غزير بدأ ينزل من جبهته، وبدأ يتلعثم: “مروة.. أنتِ فاهمة غلط.. والله العظيم فاهمة غلط! دي.. دي سعاد كانت.. كانت تعبانة وأنا كنت بساعدها.. الصورة دي متفبركة.. فيه حد عايز يخرب بيتنا!”
ضحكت.. ضحكت من قلبي وبصوت عالي رن في الشقة الفاضية: “متفبركة؟ هههه.. سعاد تعبانة ومن غير قميص يا أحمد؟ وفي سريري؟ وعلى ملايتي اللي شرياها من مالي الخاص؟ وباصة للكاميرا وبتضحك؟” قربت منه وبقيت في وشه بالظبط، ونبرة صوتي اتقلبت لفحيح أفعى: “تلات سنين يا أحمد.. تلات سنين و7 مليون جنيه من شقايا وتعبنا سوا، رايحين تصليحات وظروف طارئة وشاليه في الساحل؟ أنت مش بس خـ*ـاين.. أنت وحرامي ومغفل كمان.. كنت فاكرني هقعد أعيط؟”
أحمد انهار، مسك إيدي وبدأ يتوسل: “مروة عشان خاطري.. أبويا لو شاف ده هيجرى له حاجة.. أبويا مريض ضغط وقلب، هيموت فيها.. أبوس إيدك شيليها ونحل الموضوع بينا.. اطلبي اللي أنتِ عايزاه.. هطلقها.. هبعد عنها.. هكتبلك كل حاجة!”
“تؤ تؤ يا أحمد.. الوقت فات.”
في اللحظة دي بالظبط.. جرس الباب رن.
دقة الجرس كانت زي حكم الإعدام. أحمد نط من مكانه وبص للباب برعب، وكأنه شايف عزرائيل واقف برا.
رحت بخطوات هادية وواثقة، فتحت الباب.
كان حمايا.. “الحاج شاكر”. راجل وقور، هيبته تملى المكان، شعره أبيض وجلابيته وصدرته السيرما مخلية له هيبة ولاد البلد الأغنياء. ووراه.. كانت واقفة “سعاد”.
سعاد كانت لابسة عباية استقبال شيفون سودا ومطرزة بدهبي، ريحة برفيوم فرنسي تقيل سابقة خطواتها، ميك اب كامل، وابتسامة عريضة مالية وشها.. الابتسامة المثالية لمرات الأب الحنينة.
“مساء الخير يا بنتي.. كل سنة وأنتم طيبين” الحاج شاكر قالها وهو بيدخل وبيتسند على عصايته الأبنوس.
سعاد دخلت وراه وهي بتدلع: “يا مروة يا حبيبتي، وحشاني.. ريحة أكلك تجنن، تسلم إيدك يا قلب سعاد..” وجت عشان تبوسني.
أنا رجعت خطوة لورا، مديتش وشي ليها، وقولت بنبرة ترحيب كاذبة مبالغ فيها: “أهلاً وسهلاً يا حاج شاكر.. نورتنا. أهلاً يا طنط سعاد.. نورتي بيتك ومطرحك.. اتفضلوا.. اتفضلوا ادخلوا الريسبشن، أحمد جوه مستنيكم بفارغ الصبر.. وعاملينلكم مفاجأة بمناسبة عيد جوازكم!”
الحاج شاكر دخل وهو بيعدل نضارته، وسعاد وراه بضحكتها الرقيعة. أحمد كان واقف في نص الصالة، ضهره لينا، وكتفه بيترعش.
“إيه يا أحمد يا ابني.. واقف كدة ليه ومتنشن؟” الحاج شاكر قالها وهو بيمشي ناحية الصالون.
سعاد عديت من جنب أحمد، وبصت للحيطة الرئيسية اللي فوق السفرة..
وفي ثانية واحدة.. الضحكة اختفت من على وشها. كتفها سقط، الشنطة الـ “براند” اللي في إيدها وقعت على السجادة. وشها اتقلب للون رمادي زي التراب.
الحاج شاكر وقف، رفع راسه وبص للبرواز.. عدل النضارة بإيده اللي بدأت تترعش، وبدأ يقرب من الصورة خطوة.. خطوة.. وهو مش مصدق عينيه.
الهدوء اللي في الشقة اتقطع بصوت نفس الحاج شاكر وهو بيتحشر في صدره. بص للصورة.. وبص لأحمد اللي لف وشه ودفنه في الأرض، وبص لسعاد اللي كانت بتبصلي برعب وهي بتنهج وكأن روحها بتتسحب.
الحاج شاكر لف لسعاد ببطء مرعب، وعصايته وقعت من إيده على الأرض.. صوته طلع مكسور وضخم في نفس الوقت:
“سـ.. سعاد؟ أحمد؟”
أحمد رمى نفسه تحت رجلين أبوه: “يا بابا با صلي بس.. دي فوتوشوب.. مروة عايزة تنتقم مني عشان اختلفنا.. بابا اسمعني!”
في اللحظة دي، سعاد لفت وشها ليا، وعينها طلعت منها شرار وقالت بزعيق وهي بتحاول تنقذ نفسها: “أنتِ يا بت أنتِ.. أنتِ اتجننتي؟ إيه القذارة اللي أنتِ معلقاها دي؟ أنتِ عايزة تخربي بيوتنا وتتبلي علينا؟ يا شاكر متصدقهاش.. البت دي عقلها فوت منها!”
أنا مشيت بكل برود، وقفت جنب البرواز الكبيير، خبطت عليه بإيدي وقولت بصوت سمعه الكل:
“فوتوشوب؟ طب كشوف البنوك اللي معايا جوه فوتوشوب برضه؟ الشاليه اللي في الساحل اللي متسجل باسم شركتك وفلوسه طالعة من حسابي أنا وأحمد فوتوشوب؟ الفواتير بتاعة الفنادق يا حاج شاكر اللي كانوا بيروحوها سوا وأحمد بيقولك عندي مؤتمرات في الإسكندرية والمنصورة.. فوتوشوب؟”
الحاج شاكر وشه بقا أحمر دموي.. عروق رقبته برزت لدرجة خوفتني.. مسك صدره بإيده الشمال، ورفع إيده اليمين وشاور على سعاد.. صوته مكنش طالع، كان بيطلع حشرجة: “أنتِ.. أنتِ وابني؟”
وفجأة.. الباب خبط تاني.. دقات قوية ومتتالية.. بقية العيلة وصلت.. أعمام أحمد وعماته وأولادهم.. العزومة كملت.
أحمد صرخ فيا وهو بيعيط ودموعه مغرقة وشه: “اقفلي الباب يا مروة.. متفتحيش.. الله يخرب بيتك متفتحيش!”
بصيتله وابتسمت ابتسامة النصر، واتحركت ناحية الباب وقولت: “ليه يا حبيبي؟ ده صلة الرحم ثوابها كبير.. والكل لازم يحضر العشا النهاردة.”
فتحت الباب.. والعيلة كلها دخلت.. وفي أقل من دقيقة.. اتحول ريسبشن بيتي لساحة من الذهول والصراخ.. والحاج شاكر فجأة.. وقع على الأرض وهو قاطع النفس..!!!
**(يتبع في الفصل الثالث…)**
**الفصل الثالث (قبل الأخير)**
في ثانية واحدة، تحول البيت اللي كان دايما مترتب وريحة الأكل الشيك مالياه، لخرابة من الصريخ والعياط والذهول.
الحاج شاكر وقع بطوله على السجادة البيروتية اللي في نص الصالة، عصايته الأبنوس رنت على الأرض رنة خلت قلوب الكل تقف. عمه “حسين” وعمته “فوزية” وأولادهم دخلوا من الباب وفرحة العزومة وسؤال “كل سنة وأنتم طيبين” لسه على لسانهم، بس الكلمة اتجمدت في الهوا. عمتهم فوزية أول ما شافت أخوها الكبير واقع على الأرض، صرخت صرخة شقت سكون الشقة: “أخوياااا! شاكر! جرى له إيه؟ الحقونا يا ناس!”
الكل جِري على الحاج شاكر اللي كان وشه أزرق، وعينه مقلوبة لفوق، ونفسه بيطلع بصعوبة وكأن الروح بتتحشر في بلعومه. أحمد رمى نفسه عليه، بيعيط زي العيال الصغيرة، يلطم على وشه ويهز في كتف أبوه: “بابا! رد عليا يا بابا! أنا أحمد يا حبيبي.. قوم عشان خاطري! متعملش فيا كدة!”
أما “سعاد”.. فكانت واقفة في ركن بعيد، لازقة ضهرها في الحيطة، وشها بقى لونه شبه لون الحيطة البيضا، عينيها بتتحرك برعب وجنون بين الحاج شاكر اللي بيموت، وبين الصورة الكانفاس الضخمة اللي فوق السفرة، وبين عيون العيلة اللي بدأت ترفع راسها وتبص للحيطة بالتدريج.
عم حسين، أخو الحاج شاكر، راجل حامش وصاحب كلمة، ساب أخوه ثانية ورفع عينه عشان يشوف إيه اللي ورا الصدمة دي. عينيه جت على الصورة. النضارة القراءة اللي كان معلقها في رقبته وقعت. الراجل بق صُباعه السبابة وشاور على الصورة وهو مش قادر ينطق، صوته طلع مخنوق ومصعوم: “إيه.. إيه الفجر ده؟ إيه قلة القيمة دي؟ أحمد.. وسعاد؟!”
في اللحظة دي، عمتهم فوزية سابت أخوها وبصت لفوق.. الصرخة اللي كانت بتصرخها عشان أخوها المغمى عليه، اتقلبت لشهقة رعب، حطت إيدها على بوقها وبصت لأحمد وبصت لسعاد، وقالت بصوت هسيس مليان قرف: “يا مـ*ـصـ*ـيبتي السودا.. يا فضيحتنا وسط الخلق! ده.. ده حقيقة ولا أنا عيني اتعمت؟”
أنا كنت واقفة بعيد.. بعيد تماماً عن دايرة الزحمة دي. ساندة كوعي على بار المطبخ، بتفرج ببرود غريب عليا، بس البرود ده كان طالع من وجع سبع سنين. كنت حاسة إني بتفرج على فيلم سينما، مش على حياتي اللي بتتفـ*ـرتق حتت. عصير الليمون الساقع في إيدي لسه مخلصش، وكل نقطة عرق بتنزل من أحمد أو من سعاد، كانت بتبرد ناري شوية.
أحمد لف وشه وعينه جت في عيني، صرخ بـ*ـغـ*ـل وجنون وهو قايم من على الأرض ورايح عليا: “أنتِ خربتي البيت! أنتِ مـ*ـجـ*ـرمة! أبويا بيموت بسببك! لو جرى له حاجة أنا هـ*ـقـ*ـتـ*ـلِـك يا مروة!”
قبل ما يوصل المطبخ، كان عم حسين واقف في وشه.. ضربه قلم على وشه رن في الشقة كلها، قلم خلا أحمد يرجع لورا ويقع على كرسى السفرة. عم حسين زعق بصوت هز الحيطان: “اتكتم يا واد يا قليل الأدب! ليك عين تتكلم وتتنطط؟ أنت وخـ*ـر*ة أبوك؟ أنت اللي مـ*ـوّت أبوك بالفضيحة دي! وِشك في الأرض ومتنطقش!”
الكل كان تايه بين الحاج شاكر اللي بيموت، وبين الفضيحة. عيال عم أحمد كانوا واقفين مش عارفين يعملوا إيه، حد يطلب الإسعاف وحد يبص للصورة بوكسوف وقرف. رح ت أنا بكل هدوء، مسكت التليفون الأرضي، وطلبت الإسعاف، وقولت العنوان بالراحة وبالتفصيل، وقفلت.
بصيت لعمتهم فوزية وقولت بصوت عالي وثابت: “الإسعاف جاية في الطريق يا عمتي. بس قبل ما الإسعاف تيجي، وقبل ما الحاج شاكر يتنقل.. لازم الكل يعرف إن المحترمة اللي واقفة في الركن دي، طنط سعاد اللي كانت بتقولي (دي بنتي اللي مخلفتهاش)، كانت بتدير حسابات بيتي من تلات سنين. 7 مليون جنيه يا عيلة الحاج شاكر.. 7 مليون جنيه اتسرقوا من شقايا وتغربي، ومن الحساب المشترك اللي كنت بساعد بيه ابنكم الدكتووور.. عشان يتفسحوا في الفنادق ويسجلوا شاليهات باسمها!”
سعاد حست إنها بتغرق، وإن مفيش مفر، فاتحولت من دور الضحية المصدومة لدور الأفعى اللي بتـ*ـبـ*ـخ سِـم. طلعت من الركن، مشيت بخطوات سريعة ووقفت قدامي، وشها كان قريب من وشي لدرجة إني شميت ريحة برفيومها اللي بقيت بقرف منه، وقالت بصوت واطي ومسموع للكل: “7 مليون إيه يا أم 7 مليون؟ أنتِ هتتبلي عليا يا بت أنتِ؟ الفلوس دي أحمد اللي كان بيدهالي برضاه.. سلفة! ومساعدات! هو أنتِ فاكرة نفسك إيه؟ أنتِ مجرد ماكينة فلوس.. أحمد عمره ما حبك! أحمد كان بيتجوزك عشان قرشينك وعشان تسنديه في أول حياته.. ولما شبع وعرف الستات بجد، جالي أنا! جالي عشان أنا اللي بعرف أخليه راجل! الصورة دي؟ أه أنا اللي بعتهالك.. وكنت عايزة أعرفهالك عشان تغوري من حياتنا بقى! بس مكنتش فاكرة إنك بالبجاحة دي وتعلقيها قدام أهله!”
الكلام نزل على عيلة أحمد زي الصاعقة. عم حسين متمالكش نفسه، تف على الأرض وقال: ” يا و*ـسـ*ـخة.. ده أنتِ في مقام أمه! شاكر عملك إيه عشان تعملي فيه وفي ابنه كدة؟ شالك من الفقر وعيشك في العز، وتقوم تـ*ـخـ*ـونـ*ـيه مع حتة عيل صايع من لحمه ودمه؟”
أحمد حط راسه بين إيديه وبدأ يصرخ: “بس بقا! بسسسس! كفاية فضايح! ارحموني!”
أنا مبصتش لسعاد ولا ردت على كلامها المستفز بشتيمة. بالعكس، طلعت من جيب الفستان كشكول صغير، ورميته على السفرة تحت الصورة بالظبط، وقولت: “دي كشوف الحسابات.. ده رقم التحويلات.. ودي فواتير الفنادق اللي متسجلة باليوم والساعة. والجميل بقى يا طنط سعاد.. إن الشاليه اللي في الساحل اللي أنتِ فاكرة إنك مأمنة نفسك بيه ومسجلاه باسم شركتك.. الفلوس طالعة من حساب بنكي باسمي أنا.. والمحامي بتاعي رفع قضية خيانة أمانة واستيلاء على أموال النهاردة الصبح.. يعني مش بس فضيحة، ده سجن كمان وتجريد من كل مليم خدتوه.”
سعاد عينيها وسعت، والمرة دي الرعب الحقيقي دخل قلبها. بصت لأحمد وقالتله بزعيق: “اتكلم يا أحمد! قول حاجة! مش أنت اللي قولتلي مروة هبلة وبتثق فيا وعمرها ما بتراجع ورايا؟ مش أنت اللي قولتلي إنها مغفلة وبتحبك ومستعدة تديك عينيها؟ اتكلم!”
أحمد مكنش قادر ينطق، كان بيبص لأبوه اللي بدأ يـ*ـشـ*ـهـ*ـق ونفسه يتقطع خالص. في اللحظة دي، سمعنا صوت سرينة الإسعاف تحت البيت.
شباب العيلة، ولاد عم أحمد، شالوا الحاج شاكر بسرعة ونزلوا بيه على السلم، وعم حسين وفوزية جروا وراهم. الشقة اللي كانت مليانة ناس، فضيت فجأة.. ومبقاش فيها غير تلاتة: أنا.. وأحمد.. وسعاد. والصورة الضخمة المعلقة شاهدة على الخـ*ـراب.
أحمد قفل الباب وراهم، ولف عليا.. وشه مكنش فيه نقطة دم، وعينيه كانت مليانة غـ*ـل وشر. قرب مني بخطوات سريعة، ومسكني من دراعي بقوة لدرجة إن صوابعه علمت في لحمي، وقال بفحيح: “أنتِ دمرتيني.. دمرتي اسمي في الجامعة، ودمرتي أبويا.. أبويا لو مات أنا هـ*ـشـ*ـرب من د*مِـك يا مروة.. مش هسيبك تطلعي منها كسبانة!”
أنا متهزتش.. بصيت لإيده اللي ماسكة دراعي، ورفعت عيني في عينه وقولت بنبرة هادية بس تخوف: “سيب إيدك يا أحمد.. عشان البواب والمحضرين واقفين تحت.. ولو صرخت صرخة واحدة، الشارع كله هيطلع يتفرج على الدكتور أحمد وهو بيمد إيده على مراته بعد ما اتفضح بخـ*ـيـ*ـانـ*ـة أبوه.”
نتر إيده من على دراعي بقرف، وبص لسعاد وقال بـ*ـعـ*ـصبية وجنون: “أنتِ السبب! أنتِ اللي قولتلي ابعتي الصورة عشان نلوي دراعها وتطلب الطلاق وتتنازل عن المؤخر! أنتِ اللي دمرتينا بغبائك!”
سعاد ضحكت بسخرية وهي بتلم حاجتها وقعت من الشنطة: “أنا السبب يا حيلتها؟ ولا أنت اللي كنت بتجري ورايا زي الكـ*ـلـ*ـب؟ أنت اللي كنت بتقولي أبويا كبر وعجز ومبقاش ينفعني، وأنتِ اللي بتفهميني؟ دلوقتي بقيت أنا السبب؟ المحامي بتاع مراتها هيحبسنا إحنا الاثنين يا فالح.. شوف كيريرك في الجامعة اللي انتهى النهاردة لما أعمامك ياخدوا الصورة دي وينشروها!”
أنا سيبتهم يـ*ـقـ*ـطّـ*ـعـ*ـوا في بعض.. السـ*ـم اللي كانوا بيبخوه في حياتي بقالهم سنين، بقوا يبخوه في وشوش بعض دلوقتي. دخلت أوضتي.. الأوضة اللي شهدت على الخيانة. لميت الشنطة الكبيرة اللي كنت مجهزاها بقالي يومين.. هدومي، أوراقي الشخصية، شهادات استثماري، ودهبي. مسبتش فتفوتة واحدة تخصني في البيت ده.
طلعت بالشنطة للريسبشن.. كانوا لسه واقفين بيجرجوا في بعض بالكلام والألفاظ القذرة اللي تليق بيهم. أول ما شافوني شايلة الشنطة، أحمد وقف وقال بذهول: “أنتِ رايحة فين؟”
وقفت عند الباب، بصيت للبيت، وبصيت للصورة الكبيرة اللي هتفضل متعلقة هنا لحد ما البوليس أو العيلة يجوا يكسروها، وقولت:
“رايحة للمكان اللي كان المفروض أكون فيه من 7 سنين.. رايحة أعيش حياتي اللي وقفتها عشان خاطر واحد زيك. ورقة طلاقي هتوصلك على الجامعة يا أحمد.. ده لو فضلت في الجامعة أصلاً. وشقا عمرنا اللي خريتوه أنت والست دي، هيرجعلي مليم مليم بالقانون.. والقانون مبيحاميش المغفلين.. ولا الخـ*ـايـ*ـنـ*ـين.”
فتحت الباب، وخرجت.. سحبت شنطتي ورايا، وسمعت صوت سعاد وهي بتصرخ وبتضرب أحمد على صدره، وصوت أحمد وهو بيـ*ـكـ*ـسـ*ـر في أطباق المطبخ والأكل اللي كنت تعبانة فيه.
نزلت السلم بخطوات ثابتة.. الهوا البارد بتاع الليل خبط في وشي، ولأول مرة من تلات أيام.. حسيت إني قادرة أتنفس بجد. حسيت إن الحمل التقيل اللي كان كاتم على نفسي انزاح.
ركبت عربيتي، ودورتها.. وأنا بطلع من الشارع، موبايلي رن.
كان رقم عم حسين..
رديت وبطني وجعتني ثانية: “أيوة يا عم حسين.. طمني، الحاج شاكر ماله؟”
صوت عم حسين جه من الناحية التانية، صوت باكي، مكسور، ومليان قهر: “مروة يا بنتي.. الحاج شاكر في العناية المركزة.. الدكاترة بيقولوا جلطة شديدة في القلب.. والوضع حرج جدًا.. بس مش دي المصيبة يا بنتي.. المصيبة إن عمك حسين وأولاده مش هيسيبوا الواد ده وعشيقته.. الليلة مش هتعدي على خير.. أحمد وسعاد النهاردة هيدفعوا تمن اللي عملوه، بس بطريقتنا إحنا.. بطريقة ولاد البلد!”
قفلت الخط.. وحطيت الموبايل جنبي. بصيت للطريق قدامي، وابتسمت ابتسامة غامضة.. الحكاية لسه مخلصتش، والفصل الأخير مجهز مفاجآت مكنش حد يتوقعها.. ووو…..!!!!
**الفصل الرابع والأخير**
الطريق قدامي كان طويل، وأنوار عمدان النور في الشارع كانت بتجري على قزاز العربية وكأنها شريط سينما بيقفل تتر حياتي القديمة. سبع سنين اتمسحوا في تلات أيام، والنهاردة كانت نقطة النهاية. ركنت العربية على جنب، قدام بيت والدتي.. المكان الوحيد اللي كنت متأكدة إني هلقى فيه نفسي. نزلت، سحبت شنطتي، وطلعت. أمي أول ما شافتني ووشي ثابت من غير دموع، خدتني في حضنها ومسألتش عن حاجة.. كأنها كانت حاسة إن بنتها كانت في حرب ورجعت منها، مش مهم خسرانة إيه، المهم إنها رجعت سليمة.
نزلت الشنطة، ودخلت الأوضة القديمة بتاعتي.. الأوضة اللي سيبتها وأنا عروسة فاكرة إن الدنيا ضحكتلي. نمت.. نمت لأول مرة من تلات أيام من غير ما عقلي يفضل يلف في سواية كوابيس الخيانة والفلوس. نمت نوم عميق، نوم حد أدى أمانته كاملة، ورمى الحِمل كله ورا ضهره.
صِحيـت تاني يوم الساعة 12 الضهر على صوت تليفوني وهو مابيبطلش رن.. الشاشة كانت منورة باسم “أحمد”. سيبته يرن مرة واتنين وعشرة، لحد ما فصل لوحده. وبعدها بدأت تيجي رسايل.. رسايل منه ومن أرقام غريبة، ورسايل من عمتهم فوزية وعم حسين.
فتحت رسايل عم حسين الأول.. كان كاتبلي: “مروة يا بنتي.. أبو أحمد اتنقل لمستشفى تانية، والجلطة أثرت على النطق عنده، بس حالته استقرت شوية. والنهاردة بالليل الكبار بتوع العيلة متجمعين في بيت الحاج شاكر.. أحمد جاي، وسعاد جاية غصب عنها بعد ما رجالتنا جابوها من شقة أختها. لازم تيجي يا بنتي.. حقك وحق شقاكي هيتاخد قدام الكل، والمهزلة دي لازم تتقفل.”
بصيت للرسالة.. وفكرت ثانية. هل أنا محتاجة أروح؟ أنا خديت حقي بالبرواز اللي علقته، وبالقضايا اللي المحامي رفعها. بس رجعت وقولت لنفسي: “لا يا مروة.. اللي بدأ الحكاية ينهيها.. وعشان محدش يرجع بعد سنة ولا اتنين يقول لو كانت صَبِرت، أو لو كانت دارت على بيتها.. لازم يشوفوا الوش الأخير للست اللي استغفلوها سبع سنين.”
لبست طقم شيك جدًا.. تايور كحلي وقور، وحطيت ميك اب خفيف يداري إرهاق الأيام اللي فاتت، ونزلت.
الساعة 8 بالليل، كنت واقفة قدام باب شقة الحاج شاكر.. البيت الكبير اللي كان دايماً بيجمعنا في الأعياد والمناسبات. خبطت، وفتحلي واحد من ولاد عم أحمد.. وشه كان حزين ومكسور، بس أول ما شافني، وسّع السكة باحترام وقالي: “اتفضلي يا ست مروة.. خطوتك عزيزة.”
دخلت الصالة الكبيرة.. الجو كان تقيل، كاتم، ريحة بخور مغرقة المكان كأنهم بيطردوا شياطين. في صدر الصالة، كان الحاج شاكر قاعد على كرسي هزاز كبير، متغطي ببطانية، وشه دبلان، وعينه اليمين مفيهاش حركـة تذكر من أثر الجلطة، وإيده الشمال بترتعش.. بس أول ما عينه جت عليا، شوفت فيهم نظرة كسرة وندم تخلي الحجر ينطق.
وعلى الكنب اللي على اليمين والشمال، كان قاعد أعمام أحمد وعماته.. رجالة كبار بجلابيبهم وعماماتهم، ووجوهم مفيهاش نقطة تفاهم.
وفي النص.. على كرسيين صغيرين، كان قاعد أحمد وسعاد.. كأنهم متهمين في قفص محكمة. أحمد كان دافن راسه بين رجيله، لابس نفس قميص امبارح ومبهدل، وشكله مطلعش عليه شمس. أما سعاد.. فكانت لامة عبايتها حوالين نفسها، وشها ورم من العياط أو الخوف، والـ “إيجو” والكبرياء اللي كانوا عندها امبارح اتمسحوا تماماً.. مكنش فاضل غير ست خايفة من الفضيحة والسجن.
أول ما دخلت، عم حسين وقف وقالي: “اتفضلي يا مروة يا بنتي.. اقعدي هنا جنبي.”
قعدت بكل هدوء وثبات، حطيت شنطتي الصغيرة على رجلي، وبصيت للجميع وقولت: “مساء الخير يا جماعة.. ألف سلامة عليك يا حاج شاكر، ربنا يشفيك ويعافيك.”
الحاج شاكر طلع من بوقه صوت مخنوق، وحرك إيده الشمال الرعاشة كأنه بيطلب مني السماح. هزيت راسي ليه براحة، ونقلت عيني لأحمد وسعاد.
عم حسين خبط بعصايته على الأرض وقال بصوت جهوري: “إحنا جمعناكم النهاردة عشان العار ده يتغسل.. وعشان كل واحد ياخد جزاءه. اللي حصل امبارح في بيت أحمد ومروة، مكنش خيانة لمروة بس.. ده كان طعنة في ضهر الحاج شاكر، وفي شرف العيلة كلها. الواد ده..” شاور على أحمد بعصايته “.. مبقاش ابننا، ولا يشرفنا يحمل اسمنا بعد النهاردة. طردناه من مجموع شركات العيلة، والنهاردة الصبح قدمنا فيه وفي السنيورة دي بلاغ رسمي للنيابة بتهمة التزوير والاستيلاء على أموال الحاج شاكر كمان.. لأني لما راجعت دفاتر أخويا، لقيتهم كانوا بيمضوه على تنازلات وهو مش في وعيه!”
أحمد رفع راسه، وعينيه كانت حمرا دم، وصرخ بصوت مبحوح: “يا عمي ارحمني! أنا اتعميت.. الست دي هي اللي جرجرتني! هي اللي بدأت! أنا خسرت كل حاجة.. خسرت مراتي وشغلي في الجامعة امبارح اتقدم فيا شكوى رسمية والعميد قالي قدم استقالتك بدل ما تترفد بفضيحة! أبويا مش عايز يبص في وشي.. هتعملوا فيا إيه تاني؟”
عم حسين بصلة بقرف وقال: “اللي هتعمله فيك مروة الأول.. اتفضلي يا بنتي، قولي شروطك عشان المهزلة دي تخلص.”
وقفت.. وبصيت لأحمد.. الراجل اللي كنت في يوم من الأيام مستعدة أسيب مستقبلي وشغلي في دبي عشان أرضيه. قولت بصوت هادي، مسموع وواضح:
“أنا معنديش شروط يا عم حسين.. أنا عندي حقوق، وحقوقي مابتتجزأش. أول حاجة.. ورقة طلاقي غيابي توصلي خلال 24 ساعة.. طلاق إبراء وبكل حقوقي القانونية؛ المؤخر، ونفقة المتعة، وكل مليم اتثبت في قسيمة الجواز. تاني حاجة.. الشقة اللي امبارح اتفضحتوا فيها.. الشقة دي مكتوبة باسمي أنا، وأحمد يدوب كان شريك بالربع وفلوسه أنا اللي مدياها له.. الشقة من النهاردة معروضة للبيع، وفلوسها هترجعلي كاملة، وهو ملوش عندي ولا مليم.”
أحمد بصلي بكسرة وقال: “ماشي يا مروة.. اللي أنتِ عايزاه هيحصل.. الشقة وخديها، والطلاق وهطلقك.. بس بلاش القضايا بتاعة البنك.. السجن هيضيع مستقبلي خالص.. أبوس إيدك!”
بصيت لسعاد اللي كانت قاعدة بتسمع وبتترعش، وقولت: “أما بخصوص الـ 7 مليون جنيه.. والقضايا اللي في النيابة.. فالمحامي بتاعي مش هيتنازل عن قضية خيانة الأمانة والتزوير إلا في حالة واحدة.. إن الشاليه اللي في الساحل اللي متسجل باسم شركة طنط سعاد، يتنازلوا عنه ليا رسمي كتعويض عن الفلوس اللي اتسرقت من حسابي بقالها تلات سنين. وكمان.. المحل اللي سعاد مأجراه في المهندسين وبتدير منه شغلها.. يتنازلوا عن عقد الإيجار بتاعه لصالحة.. غير كدة.. المحامي مكمل، والورق اللي معايا يودي حبل المشنقة مش بس السجن.”
سعاد نطت من مكانها وزعقت بصوت مرعوب: “أتنازل عن الشاليه؟ والمحل؟ ده شقا عمري! ده مالي ومستقبلي! أنتِ عايزة تخرب بيتي وتأخدوا كل حاجة؟ يا حسين بيه قول حاجة! أنا ماليش ذنب.. ابن أخوك هو اللي كان بيجيلي وهو اللي كان بيلف ورايا!”
عم حسين وقف وضرب الأرض بعصايته وزعق فيها: “اخرسي يا فاجـ*ـرة! ليكي عين تتكلمي عن شقا عمرك؟ شقا عمرك من فلوس البنت دي ومن فلوس أخويا اللي نايم مش قادر ينطق بسببك؟ هتمضي ورجلك فوق رقبتك.. وإلا وحياة جلال الله، هسيبك للنيابة تتسحبي بالكلابشات من هنا على التخشيبة.. والكلابشات تليق بيكي!”
سعاد عيطت بحرقة.. عياط الـ*ـمـ*ـقـ*ـهـ*ـور اللي عرف إنه خلاص اتكشف ومبقاش معاه كروت يلعب بيها. رميت نفسها على الأرض قدام الحاج شاكر، بس الحاج شاكر ببطء شديد، لف وشه الناحية التانية.. مكنش عايز يشوف وشها، ولا وش ابنه.
المحامي بتاعي دخل الصالة في اللحظة دي.. كان جاهز، ومعاه عقود التنازل الرسمية، وإقرارات بالتصالح مشروطة بنقل الملكية. قعد على السفرة الكبيرة، وفتح الشنطة بتاعته، وطلع الأوراق.
“اتفضل يا دكتور أحمد.. امضي هنا.” المحامي قالها بجمود.
أحمد مشى بخطوات تقيلة، كأنه رايح لعشماوي.. مسك القلم، وإيده بترتعش، وبصلي بآخر أمل في عينيه.. أمل إني أقوله (خلاص)، بس أنا بصيت الناحية التانية. مضى على التنازل عن الشقة، وعلى إقرار الطلاق، وعلى نقل ملكية أي حصة تخصه.
وبعده.. جيه دور سعاد. مشيت وهي بتجر رجليها، وبتبص للعقود كأنها بتمضي على وثيقة إعدامها. مضت على التنازل عن شاليه الساحل، وعن عقد محل المهندسين.. مضت وهي بتبكي بصوت مسموع، وبتقول كلام مش مفهوم عن الندم والفلوس.
أول ما الأوراق اتوقعت وبقت في إيد المحامي بتاعي، أخدت الشنطة، ووقفت. بصيت لعيلة أحمد.. للناس اللي كنت فاكرة إنهم أهلي.
“عم حسين.. عمتي فوزية.. شكرًا ليكم. أنتم ولاد أصول، وحقكم عليا لو كنت عملت الفضيحة دي في بيتكم، بس الخـ*ـيانة كانت أكبر من إني أداري عليها. الحاج شاكر.. ربنا يشفيك، وأنا مسامحاك في أي حاجة تخصك أنت بالذات.. لأنك عشت راجل وتموت راجل.”
الحاج شاكر هز راسه، ونزلت دمعة واحدة من عينه الشغالة.. دمعة ندم مكنتش محتاجاها، بس كانت دليل إن الحقيقة ظهرت.
لفيت ضهري ومشيت.. مابصيتش لأحمد ولا لسعاد.. مكنوش يستاهلوا حتى نظرة وداع. ورايا سمعت صوت عم حسين وهو بيقول لرجالة العيلة: “يلا يا رجالة.. خدوا الحاجات بتاعتهم دي وارموها برا البيت.. البيت ده ملوش مكان لخـ*ـاين ولا لـ*ـحـ*ـرامية.”
خرجت من باب الشقة.. السلم كان هادي، والشارع كان منور. ركبت عربيتي.. وبصيت في المراية.. شوفت مروة الجديدة.. مروة اللي مبقتش “الزوجة المثالية” اللي بتدفع وتضحي على حساب نفسها.. مروة اللي اتعلمت إن العيلة اللي بجد هي اللي بتصونك، مش اللي بتستغلك.
فتحت تليفوني.. ولقيت رسالة من المحامي بتاعي: “كل شيء تم يا فندم.. العقود بقت قانونية، وورقة طلاقك هتوصلك بكرة الصبح.. مبروك بداية حياتك الجديدة.”
مسحت الرسايل كلها.. وعملت بلوك لأحمد ولسعاد ولكل حاجة تربطني بالماضي ده. دورت العربية، وطلعت على الطريق السريع.. الهوا كان بيخبط في وشي، ولأول مرة من سنين.. حسيت بابتسامة حقيقية بتترسم على وشي.
الرحلة القديمة انتهت.. والفرصة اللي سبتها زمان في دبي؟ كلمت صاحبة الشركة النهاردة الصبح، وقالتلي: (مكانك لسه مستنيكي يا مروة).. وبكرة.. هكون في المطار.. رايحة للمستقبل اللي يستاهلني.. رايحة أبدأ من جديد، ومن غير ما أبص ورايا أبدًا.
**تمت الفصول.**


تعليقات
إرسال تعليق