القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 اخت جوزى كامله 



اخت جوزى كامله حكايات رومانى مكرم 


اخت جوزى كل ماتيجي تزورنا لازم تمسك الموبايل بتاعي وتفضل تفتش في الفيس والرسايل والواتس والمكالمات


مش عارفه ليه قله الذؤق دي بس بضايق واسكت واسيبها تمسكه


فى يوم عرفت انها جايه شلت الفون وخبيته راحت قالتلي فين الموبايل بتاعك قولتلها جوه قالتلي طب هاتيه


قولتلها ليه.. قالت عادي هتفرج شويه عليه


قولتلها ما معاكى تلفون وبعدين انتى بتفتشى فى تلفونى ليه


انتى ولى امرى


المهم شدينا فى الكلام واتخانقنا مع بعض ومشيت تعيط


وقالت لجوزى ان مراتك بتكلم رجاله على الفيس والواتس


ولبستنى مصيبه لكن الى حصل بعدين


 


البيت كان هادي، وصوت تكتكة الساعة في الصالة كانت هي الصوت الوحيد اللي مسموع. أنا قاعدة حاطة إيدي على خدي، وببص للشاشة بتاعة التليفون اللي في إيدي وهي منورة.. رنة ورا رنة، واسم “حسام” جوزي عمال ينور ويطفي. قلبي كان بيدق زي الطبلة، وعارفة إن المكالمة دي وراها بركان قايد.


عمرها ما كانت زيارة عادية.. “نجلاء” أخت جوزي، من يوم ما اتجوزت حسام وهي بتتعامل مع بيتي إنه ملكية خاصة، ومعايا أنا شخصياً كإني تحت المراقبة. كل أسبوعين تشرف، تقعد، وتعمل نفسها بتتكلم معايا، وفجأة تمد إيدها تسحب الموبايل من جنبي.. تفتح الفيس، تقلب في الرسايل، وتدخل على الواتس والمكالمات.. عيني عينك كدا! كنت بأكل في نفسي، وبسكت عشان خاطر حسام، وعشان المركب تسير، بس السكوت ساعات بيبقى زي اللي بيحفر حفرة لنفسه.


اليوم دا، عرفت إنها جاية في الطريق. حسيت بنار قايدة جوايا وقلت “لأ.. لحد هنا وكفاية”. دخلت الأوضة بسرعة، شلت الموبايل ورميته في أبعد درج تحت الهدوم، وطلعت وقفت في المطبخ وأنا بحاول أهدي نفسي.


الباب رن.. دخلت نجلاء، وسلامها البارد المعتاد، قعدت على الكنبة، ومفتش خمس دقائق ولفت عينيها في الصالة زي الرادار.


* “إلا فين موبايلك يا منى؟ مش شيفاه في إيدك يعني؟”


قلتها ببرود مصطنع وأنا بصب عصير:


* “جوه في الأوضة.. سايباه يشحن.”


نجلاء مالت بضهرها وقالت بنبرة فيها أمر مستفز:


* “طب هاتيه.. هاتيه اتسلى فيه شوية عقبال ما حسام ييجي.”


النار اللي كتمتها سنين طلعت في اللحظة دي. وقفت مكاني وبصيت لها في عيونها:


* “ليه يا نجلاء؟ هاتيه ليه؟”


* “عادي يا بنتي.. هتفرج عليه شوية، إيه القفشة دي؟”


* “ما معاكي تليفونك أهو في إيدك أحدث من تليفوني.. وبعدين إنتي بتفتشي في تليفوني ليه أصلاً كل ما تيجي؟ إنتي ولي أمري؟!”


الكلمة نزلت عليها زي الصاعقة. وشها احمر، وعينيها برقت:


* “جرى إيه يا منى؟ إنتي بتكلميني أنا كدا! تفتيش إيه وبتاع إيه، هو إنتي في بطنك بطيخة صيفي وخايفة من حاجة؟!”


* “أخاف من إيه؟ دي خصوصية يا نجلاء، بس إنتي اللي معندكيش فكرة عن الذوق!”


هنا الدنيا اتقلبت. الصوت علي، والكلام جاب كلام، والشتيمة بقت على وش الوش. نجلاء وقفت وهي بتترعش من الغل، لمت شنطتها ورزعت الباب وراها وهي بتعيط بهستيريا.. وأنا وقفت في نص الصالة، صدري بيترج من العصبية، بس كنت حاسة بنصر مؤقت.. مكنتش أعرف إن النصر دا هو بداية الكارثة.


الساعة بقت ١٠ بالليل. الباب اتفتح، ودخل حسام.. بس مدخلش حسام الجوز الهادي اللي أعرفه. دخل وعيونه حمرا زي الدم، وعروق رقبته ناطقة من الغضب. رزع الباب وراه روعة هزت الحيطة.


وقف قدامي والشرار بيطلع من عينه، وزعق بصوت زلزل البيت:


* “منى!!! الموبايل بتاعك دا فين؟ حالا يترمي قدامي هنا!!”


أنا اتخضيت من المنظر، رجعت خطوة لورا وقلت بلجلجة:


* “في إيه يا حسام؟ مالك؟ عشان خاطر أختك؟ أختك هي اللي غلطانة وعـ…”


قاطعني بصوت أرعبني وهو بيخبط بإيده على السفيرة:


* “أختي كلمتني وهي بتموت من العياط! بتقولي أنا كنت داخلة أنصحها وأقولها بلاش اللي بتعمليه ده، راحت طرداني! أختي بتقولي إنك بتكلمي رجالة على الفيس والواتس يا هانم! بتقولي إنها شافت بعينيها رسايل وقلة أدب، وعشان كدا إنتي كنتي بتخبي الموبايل منها و اتخانقتي معاها لما طلبت تشوفه!!”


#الكاتب_رومانى_مكرم


الدنيا لفت بيا.. حسيت إن الأرض بتهتز تحت رجلي. نجلاء ملبستنيش مجرد تهمة، دي لبستني مصيبة ومصيبة سودا تمس شرفي!


حسام قرب مني وعينيه فيها نظرة شك قاتلة، نظرة عمري ما شفتها منه قبل كدا، ومد إيده وقال بلهجة حاسمة ومرعبة:


* “الموبايل يا منى.. يفتح حالاً قدامي، وإلا وقسمًا بالله العظيم هيكون آخر يوم ليكي في البيت ده وفي حياتي كلها!”


وقفت مشلولة.. الموبايل جوه، وأنا عارفة إني نظيفة ومعملتش حاجة، بس الرعب من نظرة الشك اللي في عين جوزي، ومن الغدر اللي عملته أختها، خلاني مش قادرة أتحرك خطوة واحدة


 


الموبايل جوه، وأنا عارفة إني نظيفة ومعملتش حاجة، بس الرعب من نظرة الشك اللي في عين جوزي، ومن الغدر اللي عملته أختها، خلاني مش قادرة أتحرك خطوة واحدة.. وحسيت إن دقات قلبي واصلة لوداني. حسام كان واقف زي الأسد الجريح، أنفاسه عالية وسريعة، والشك اللي في عينه كان بيحرق كل سنيين العشرة اللي بيننا في ثواني.


زعق تاني بصوت هز جدران البيت:


* “إنتي لسه واقفة؟ الموبايل فين يا منى؟!”


بلعت ريقي بصعوبة، وحسيت إن صوتي طالع مخنوق:


* “حاضر.. حاضر يا حسام، هجيبهولك.. والله العظيم كدابة، أختك بتتبلى عليا عشان حطيت لها حد لقلة ذوقها.”


دخلت الأوضة ورجلي مش شيلاني، مدت إيدي في الدرج تحت الهدوم وطلعت الموبايل. كنت برتعش لدرجة إن التليفون كاد يقع من إيدي. طلعت الصالة، وقفت قدامه ومديت إيدي بالتليفون. سحبه مني بعنف لدرجة إن ضوافره علمت في إيدي.


* “افتحيه!”.. قالها بنبرة جافة زي الحجر.


حطيت صباعي على البصمة، الشاشة نورت. حسام شد التليفون وبدأ يقلب ب جنون. عينيه كانت بتتحرك بسرعة مرعبة بين التطبيقات. فتح الواتساب أول حاجة، وبدأ يفر في الأسماء والمحادثات.. دخل على الأرقام المجهولة، وفتح كل شات بيني وبين أي حد. ملقاش غير جروبات المطبخ، ومحادثات مع أمي وأخواتي، وزميلاتي في الشغل.


ملامحه متهدتش، فتح الفيسبوك ودخل على “الماسينجر”، بدأ يفتش في خانة الرسائل، وحتى الرسائل المؤرشفة و”طلبات المراسلة” (Message Requests) فتحها ورسالة رسالة كان بيقراها. دخل على سجل المكالمات، وبدأ يطابق الأرقام اللي كلمتها.


أنا كنت واقفة دموعي بتنزل في صمت، قهر ووجع من إنه صدق عليا كلام زي ده بمجرد مكالمة من أختها. بعد حوالي ثلث ساعة من التفتيش الدقيق والنبش في كل تفصيلة، حسام هدي شوية، أنفاسه بدأت تتبطأ، وبص للشاشة وبعدين بصلي.. الشك اللي في عينه بدأ يتحول لعلامات استفهام وذهول.


سألني بنبرة أقل حدة بس لسه فيها عصبية:


* “أمال نجلاء بتقول شافت بعينها ليه؟ دي كانت بتبكي بالدموع وبتقولي لحق شرفك يا حسام! مش ممكن تتبلى عليكي بالحجم ده من فراغ!”


رديت عليه بقهوة مكسورة وصوت عالي من كتر الوجع:


* “عشان أختك حشرية ومريضة! عشان كل ما تيجي بتفتش في الموبايل وأنا بسكت عشان خاطرك! والنهاردة لما منعتها وقفتها عند حدها، حبت تلوى دراعي وتكسرني قدامك! أديك شفت الموبايل بنفسك، لقيت إيه؟ لقيت إيه يا حسام ينزل راسي الأرض؟!”


حسام قعد على الكنبة وحط راسه بين إيديه والتليفون في إيده، كان باين عليه التشتت بين كلام أخته اللي وثق فيها عمري كله، وبين الحقيقة اللي شايفها قدام عينيه في الموبايل.


وفجأة، وسط السكوت ده، تليفوني اللي في إيد حسام رن.. شاشة التليفون نورت، وكان رقم غريب مش مسجل!


حسام رفع راسه بسرعة، وعينيه رجعت تطلع شرار تاني لما شاف الرقم الغريب بيرن في وقت متأخر زي ده. بصلي نظرة موت وقال:


* “ومين بقى اللي بيرن الساعة حداشر بالليل دا يا هانم؟!”


مسك التليفون وفتح الخط بسرعة، وفتح الاسبيكر من غير ما ينطق ولا كلمة. صوت من الطرف التاني كان صوت راجل، بيتكلم بنبرة واضحة وفيها استعجال:


* “ألو.. مدام منى؟ أنا أسف جداً على الإزعاج في الوقت ده، بس أنا الأستاذ مدحت.. المحامي بتاع الأستاذة نجلاء أخت جوزك!”


حسام برق عينيه وبصلي بذهول، وأنا نفسي اتصدمت ومكنتش فاهمة حاجة. حسام رد بصوت جهوري:


* “أنا حسام جوزها.. خير يا أستاذ مدحت؟ أختي مالها؟ وتكلم مراتي ليه أصلاً وفي الوقت ده؟!”


المحامي سكت لحظة وكأنه اتفاجئ بوجود حسام، وبعدين قال بنبرة جادة:


* “أه.. أستاذ حسام، كويس إن حضرتك اللي رديت. أنا بكلم المدام لأنها هي اللي كانت وسيط بيني وبين الأستاذة نجلاء في موضوع القض..ية، وكنت بحاول أوصل لنجلاء تليفونها مقفول. القض..ية بتاعة الحجز على محلات جوزها القديمة اتحددت لها جلسة بكرا الصبح، ونجلاء كانت محذرة عليا أكلمك أو أعرفك أي حاجة عشان حضرتك متزعلش منها أو تتدخل في مشاكلها مع جوزها، وكانت مأكدة عليا المراسلات كلها والورق يتبعت على تليفون المدام مرتك!”


الصدمة ألجمت حسام. التليفون كان هيقع من إيده للمرة الثانية، بس المرة دي من الذهول. المحامي كمل:


* “المدام منى كانت بتساعد نجلاء من وراك عشان تحل مشكلتها في السر، ونجلاء كانت بتبعتلي رسايل وصور للوصولات من تليفون المدام لما كانت بتيجي عندكم، عشان جوز نجلاء مراقب تليفونها الشخصي! فلو سمحت خلي نجلاء تلمحني حالا لأن الورق لازم يمضي بكرا الصبح في المحكمة.”


حسام قفل السكة والمكالمة انتهت.. الصالة رجع فيها السكوت القاتل تاني، بس المرة دي، الحقيقة ظهرت كاملة وبأبشع طريقة ممكنة.


نجلاء كانت بتستخدم تليفوني عشان تداري مصايبها وقضاياها عن أخوها وعن جوزها، ولما أنا قفلت الباب في وشها ومنعتها تمسك التليفون، خافت ليكون المحامي بعت حاجة وأنا أشوفها وأعرف السر، أو خافت إني أكون عرفت موضوع المحاكم، فقلبت التربيزة عليا ولبستني تهمة الشرف عشان تداري على نفسها وتخليني في موقف الدفاع!


حسام رفع عينه وبصلي.. كانت عينيه مليانة ندم وخزي، وشه اتخطف وبقى مش قادر يحط عينه في عيني. وقف وقرب مني وهو بيترعش وحاول يمسك إيدي:


* “منى.. أنا..”


سحبت إيدي منه بقوة، ورجعت لورا وأنا ببص له بنظرة عمري ما بصيتهاله قبل كدا.. نظرة قرف وكسرة نفس وعزة مجروحة. وقلت له بصوت حاد ومزلزل:



* “لحد هنا.. والبيت ده ميبقاليش قعاد فيه ثانية واحدة!”


 



دخلت الأوضة ورزعت الباب ورايا بقوة، وحسام واقف بره مشلول مش عارف يعمل إيه. طلعت شنطة الهدوم الكبيرة من فوق الدولاب، وبقيت ألم هدومي ب عشوائية وعصبيتي مخلية إيدي تترعش، دموعي كانت نازلة مغرقة وشي بس مكنتش دموع ضعف، دي كانت دموع قهر من جوزي اللي هانني وشك في شرفي في ثواني عشان كلام أخته الكدابة.


حسام فتح الباب ودخل ورايا، وشه كان خاطف وضهر الانكسار عليه. قرب مني وبقى يحاول يمسك الشنطة من إيدي وهو بيقول بصوت واطي ومبحوح:


* “منى.. علشان خاطري اهدي، أنا غصب عني.. أختي دخلت عليا بتموت وتقولي شرفك وعرضك، أي راجل مكاني كان عقله هيطير.. أنا أسف، حقك عليا.”


صليت له وبصيت في عينيه بكل قسوة وقلت له:


* “أي راجل؟ الراجل اللي بجد بيحمى مراته، مش بيبقى عاوز يذبحها وهو مش معاه دليل واحد! إنت صدقتها وعينك كانت بتقول إنك مستني تلاقيني غلطانة.. إنت هُنت عليا يا حسام، والكسرة دي مش هعديها.”


شديت الشنطة منه وقفلت السوستة بعنف، وخرجت للصالة. حسام مشي ورايا وبقى يقف قدام باب الشقة عشان يمنعني أخرج:


* “مش هتخرجي من البيت في وقت زي ده يا منى، والصبح اعملي اللي إنتي عاوزاه.. بس مش هتمشي وأنا مكسور كدا قدامك، اديني فرصة أصلح اللي حصل.”


ضحكت بوجع وقفت مكاني:


* “تصلح إيه؟ تفتكر في إيه ينفع يتصلح بعد اللي اتقال؟ وسع من قدام الباب يا حسام عشان منخسرش بعض خالص.”


في اللحظة دي، تليفون حسام رن في جيبه. أخرجه وبص للشاشة، الملامح اتغيرت تاني وعروق جبهته برزت.. كانت نجلاء هي اللي بتتصل. حسام بصلي، وبعدين فتح الخط وفتح الاسبيكر وهو بيتنفس بصعوبة.


صوت نجلاء جه من الطرف التاني، وكانت لسه بتصطنع العياط والمسكنة:


* “أيوة يا حسام.. عملت إيه مع الـ… دي؟ طلقتها رمتها في الشارع ولا لسه مخبي الموبايل ومشترياك؟ أنا قولتلك أهو عشان تلم عرضك قبل ما الناس تتكلم علينا!”


حسام غمض عينيه وضغط على سنانه لحد ما بقيت سامعة صوت كز جزيرة سنانه، ورد عليها بصوت واطي ومرعب زلزل التليفون:


* “المحامي مدحت كلم منى على تليفونها يا نجلاء.. وأنا اللي رديت.”


الناحية التانية سكتت فجأة.. صوت العياط المصطنع اختفى تماماً، وظهر نفس مكتوم فيه رعب. حسام كمل وزعق بأعلى صوته لدرجة إن الشارع كله سمعه:


* “بتبلي مراتي في شرفها وتلبسيها مصيبة عشان تداري على قضاياكي ومحاكمك اللي مخبياها عننا وعن جوزك؟! بتخربي بيتي وتدخلي الشك بيني وبين مراتي عشان خايفة تتفضحى؟! ورب العزة يا نجلاء، لو ما جيتي حالا هنا وبستي على راس مراتي واعتذرتي لها، لكون مكلم جوزك وقايل له على كل الكوارث اللي بتعمليها من وراه، ومش هتشوفي وشي تاني ليوم الدين!”



قفل السكة في وشها ورما التليفون على الأرض اتفجر مية حتة. لف ليا وكان بينهج وكأنه كان في معركة:


* “أهي هتيجي.. هتيجي تبوس رجلك قبل راسك يا منى، بس متمشيش وتسيبي البيت.”


بصيت له ببرود وسحبت شنطتي وفتحت باب الشقة وقلت له قبل ما أنزل على السلم:


* “تيجي ولا متجيش، الموضوع مابقاش يخصني.. أنا ماشية لبيت أبويا، واللي بيني وبينك يا حسام مابقاش تليفون أو أخت.. اللي بيني وبينك ثقة اتهدت، ودي مابتتصلحش بكلمتين.”


نزلت على السلم وأنا سامعة صوته وهو بينادي عليا وبيركض ورايا، بس ركبت أول تاكسي قابلني وتوجهت لبيت أهلي.. وأنا في الطريق، كنت حاسة بنار في قلبي، وعارفة إن اللي جاي مش هيعدي بالساهل، وإن رجوعي لحسام تمنه هيبقى غالي قوي.



وصلت بيت أبويا والساعة كانت داخلة على واحدة بالليل. أول ما أمي فتحت الباب وشافت الشنطة في إيدي ووشي المخطوف، شهقت وحطت إيدها على صدرها:


* “ستر يارب! في إيه يا منى؟ مالك يا بنتي؟ إنتِ وحسام اتخانقتوا؟”


دخلت الصالة ورميت الشنطة من إيدي، وجسمي كله بدأ يترعش بعد ما كنت متماسكة طول الطريق. أبويا صحي على صوتنا وخرج من أوضته يخبط بعصايته وهو مخضوض:


* “في إيه يا منى؟ جوزك جراله حاجة؟ ولا عمل فيكي إيه؟”


قعدت على الكنبة وانفجرت في العياط، وجع السنين والظلم اللي عشته في الكام ساعة اللي فاتوا طلع كله دفعة واحدة. أمي قعدت جنبي تطبطب عليا وأبويا زعق:


* “اتكلمي يا بنتي نشفتي دمنا! إيه اللي جابك بالليل كدا؟”


حكيت لهم كل حاجة من طقاطق للسلام عليكم.. عن نجلاء وتفتيشها في تليفوني، وعن الخناقة، ولما كدبت على أخوها ورمتني في شرفي، ولحد مكالمة المحامي اللي كشفتها، وحسام اللي صدق في الأول وكان عاوز يذبحني. أبويا وعيونه بدأت تطق شرار من الغضب، ضرب بالعصاية على الأرض وقال:

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

* “يا جَبّارة! تتبلى على بنتي في شرفها؟ وعيال الحلال اللي مصدقوش فيكي دقيقة ورفعوا صوتهم عليكي! والناس دي فاكرة بنات الناس لعبة في إيديهم؟”


أمي كانت بتتحسبن وتعيط من الصدمة:


* “حسام يعمل كدا؟ حسام اللي كنا بنقول عليه عاقل وبيحبك؟ يشك فيكي عشان كلمة من أخته العقربة؟”


أبويا بصلّي وبصوت حازم قال:


* “ارتاحي يا بنتي في أوضتك، والبيت بيتك ومطرحك، ومحدش يقدر يمس شعرة منك طول ما أنا عايش.. والجدع ده لو جيه هنا، أنا اللي هعرفه مقامه ومقام بنتي.”


دخلت أوضتي القديمة، نمت على السرير وأنا بَبُص للسقف.. التليفون في إيدي مكنش بيبطل رن. رسايل من حسام ورا بعض: “منى ردي عليا”، “أنا بموت من غيرك”، “نجلاء عندي في البيت وبتعيط وبتعترف بكل حاجة.. أرجوكي ارجعي عشان نخلص الحساب قدامك”. قفلت التليفون خالص ومسحت دموعي ونمت من كتر التعب النفسي.



الصبح صحيت على صوت خبط رزع على باب الشقة بره، وصوت زعاق عالي. قمت بسرعة وطلعت الصالة.. لقيت حسام واقف ووشه في الأرض، وجنبه نجلاء واقفه بتترعش وعينيها متنفخة من كتر العياط، ووراهم أم حسام (حماتي) ووشها ملوى وخجلان.


أبويا كان واقف قدامهم وسادد الباب وجوا الصالة أخويا الكبير “أحمد” اللي عرف باللي حصل وجيه وعيونه حمرا من الغضب. أبويا قال لحسام بنبرة جافة:


* “إنت جاي تعمل إيه هنا يا حسام؟ وجايب معاك الحرمة دي ليه بعد اللي قالته في حق بنتي؟”


حسام اتكلم بصوت مكسور وقدام الكل:


* “يا عمي.. أنا جاي وشايل كفني على إيدي. أنا غلطت، وأختي غلطت وجاية تقر بذنبها وتعتذر لمنى قدامكم كلكم.. أنا عرفت الحقيقة والكلب اللي كان السبب أهو واقف قدامكم.”


أحمد أخويا قرب من حسام خطوة وقال بحدة:


* “تعتذر؟ الاعتذار دا يمسح كلمة طعن في الشرف؟ إنت لو راجل وبتحب مرتك كنت قطعت لسان أختك قبل ما تخطي خطوة لبيت أبوها! لكن إنت جيت تمد إيدك وتزعق وتشك!”


حماتي اتدخلت وقالت بصوت واطي:


* “حقكم علينا يا جماعة، نجلاء غلطت والشيطان عمى عينيها عشان تداري على مصيبتها، وإحنا ملناش عين نبص في وشكم، بس عشان خاطر العشرة والبيوت المفتوحة.. سامحوها المرة دي.”


أبويا بص لنجلاء وقالها بقسوة:


* “قولي اللي عندك يا ست نجلاء.. إيه اللي شفتيه على تليفون بنتي؟”


نجلاء قدمت خطوة وهي بتبص في الأرض وصوتها بيترعش:


* “أنا أسفة يا منى.. أنا كدبت على حسام. منى شريفة ومفيش حاجة على تليفونها، أنا اللي كنت بستخدم تليفونها من وراكم عشان أكلم المحامي في قض..ية الحجر اللي رفعاها على محلات جوزي، وعشان جوزي ميعرفش، ولما منى منعتني خفت تفضحني فتبليت عليها.. سامحيني يا منى، يبوس إيدك سامحيني حسام هيخرب بيتي وهيقول لجوزي.”


كنت واقفة بعيد، وبصيت لهم كلهم ببرود.. الوجع كان لسه معلم جوايا، وبصيت لحسام اللي كان مستني مني كلمة، بس الكلمة اللي طلعت مني صدمت الكل..


 



بصيت لحسام ونجلاء وحماتي بنظرة خالية من أي مشاعر، وسبت الكل وتقدمت خطوتين وبقيت واقفة في نص الصالة، عيني في عين حسام مباشرة. الكل كان ساكت، مستنيين مني كلمة رضا أو حتى صرخة عتاب، بس أنا فاجأتهم ببرود قاتل وقلت:


* “أنا مش هقبل اعتذار حد.. والمسامحة دي مابقتش في قاموسي.”


نجلاء رفعت راسها بسرعة وعينيها كلها رعب، وحسام اتقدم خطوة ووشه اتخطف وقال بصوت مخنوق:


* “منى.. أرجوكي، أختي وغلطت واعترفت بكدبها قدام أهلك وفضحنا نفسنا بنفسنا عشان نردلك اعتبارك، متعمليش فينا كدا.”


ضحكت ضحكة صفرا وبصيت له وقلت:


* “ففضحتوا نفسكم؟ يعني إنتوا جايين عشان تردوا اعتباري أنا؟ ولا جايين تلموا الفضيحة وخايفين على بيوتكم؟ الست نجلاء دي مكنتش جاية تعتذر لو مكنتش هددتها بإنك هتقول لجوزها وتخرب بيتها! يعني جاية ملوية الدراع وخايفة على نفسها، مش ندمانة على اللي عملته فيا.. وحضرتك يا حسام، جاي ندمان عشان المحامي اتصل وظهرت الحقيقة غصب عن عين الكل، لكن لو مكنش المحامي اتصل؟ كان زماني مطلقة ومطردة في الشارع والكل بيبصلي في شرفي، صح ولا لأ؟”


حسام حط راسه في الأرض ومقدرش ينطق بكلمة، لأن الكلام لمس الوتر الحساس وعارف إن كلامي صح مية في المية.


هنا أحمد أخويا اتدخل وبص لحسام وقال بلغة حاسمة:


* “أختك دي يا حسام، حسابها مع جوزها ومع أهلها إحنا ملناش دعوة بيه، لكن حق أختي مش هيمشي بكلمتين اعتذار في الصالة هنا.. بنتنا كرامتها من كرامتنا، واللي يشك في شرفها، يبقى بيطعن فينا كلنا.”


أبويا خبط بعصايته على الأرض وقال بنبرة هزت المكان:


* “اسمع يا حسام.. إنت دخلت بيتي وناسبتني وأنا قولت عليك راجل وهتصون بنتي. بنتي مش هترجع معاك النهاردة، ولا الأسبوع ده، ولا الشهر ده.. بنتي هتقعد هنا معززة مكرمة لحد ما نشوف إنت هتعمل إيه في قلة القيمة اللي حصلت دي، ولحد ما هي ونفسيتها تقرر إذا كانت هتقدر تبص في وشك تاني وتعيش معاك ولا لأ.”


حماتي بدأت تعيط وتلطم على صدرها وقالت:


* “يا حاج بالله عليك بلاش تخريب بيوت، حسام بيحبها وميقدرش يعيش من غيرها، والصلح خير يا جماعة.”


أبويا رد عليها بقسوة:


* “الصلح خير لما تكون الخناقة على طبيخ ولا على خروج، مش لما بنتك تروح تتبلى على شرف مرات أخوها وتتهمها بالباطل! اتفضلوا خدوا بنتكم وامشوا من هنا، وحسام يقعد لوحده عشان الكلام اللي جاي هيبقى بين رجالة.”


نجلاء سحبت نفسها وهي بتعيط وتندب حظها، وأمها شدتها وخرجوا بره البيت وهما مش ملاحقين على الخزي والفضيحة اللي حطوا نفسهم فيها.



فضل حسام واقف في الصالة قدام أبويا وأخويا وأنا واقفة بعيد.. حسام بص لأبويا وقال وعينيه مليانة دموع:


* “يا عمي، أنا راضي بأي حكم تحكمه.. لو عاوزني أكتب لها شقة باسمها هكتبها، لو عاوز مؤخر جديد هعمله، أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان ترجع معايا، أنا عارف إني غلطت في لحظة غضب وعقل طار.”


أبويا بصلي وقالي:


* “إيه رأيك يا منى؟”


بصيت لحسام وقولت بكل ثقة وقوة:


* “الشقق والملاحق مابتشتريش كرامة يا حسام.. أنا شروطي عشان أفكر بس في الرجوع تالت شروط، وملهمش رابع.”


حسام رفع راسه بلهفة وقال:


* “قولي يا منى، منفذين حالا.”


* “أولاً: أختك نجلاء دي رجليها متعتبش بيتي تاني طول ما أنا عايشة فيه، ولو شفتها في أي مناسبة تخص أهلك هعتبرها مش موجودة، ولا تكلمني ولا أكلمها.


ثانياً: تليفوني وتليفونك يبقوا بكلمة سر واحدة وإنت عارفها وأنا عارفاها، مش عشان تفتش ورايا، عشان تتعلم إن اللي بين المتجوزين ثقة مش مراقبة وتفتيش..


ثالثاً وأهم حاجة: القض..ية اللي أختك عاملاها من وراك ومن ورا جوزها، إنت هتروح بنفسك تبلغ جوزها بيها النهاردة قبل بكرة! زي ما هي حبت تخرب بيتي وتتهمني في شرفي عشان تداري على نفسها، لازم تدوق من نفس الكأس وتعرف إن الله حق.”


حسام اتصدم من الشرط الثالث وبرق عينيه:


* “بس يا منى.. كدا بيتها هيتخرب وجوزها ممكن يطلقها وتبقى فضيحة في العيلة كلها!”


بصيت له ببرود ودرت ضهري عشان أدخل أوضتي وقولت له من فوق كتفي:


* “بيتها يتخرب ولا بيتي أنا اللي يتخرب؟ هي مأشْفَقَتش عليا وأنا بريئة، وأنا مش هشفق عليها وهي مذنبة.. قدامك ٢٤ ساعة يا حسام، يا تختار أختك وحساباتها، يا تختار مراتك وبيتك.. وساعتها ورقة طلاقي تجيلي لحد هنا.”


دخلت الأوضة وقفلت الباب، وسيبت حسام بره في حيرة تنهي حياته.. بين أخته ولحم عمه، وبين مراته وبيته اللي انهار في لحظة شك. ملحوظه هامه لو كنت من عشاق القصص الكامله اعملو متابعه لصفحه رومانى مكرم


قعدت ورا الباب وأنا سانده ضهري عليه، وبسمع أنفاس حسام العالية في الصالة بره. كانت دقات قلبي سريعة، بس المرة دي مش من الخوف، المرة دي من ترقب القرار. أنا حطيته في خانة اليك، وخيرته بين لحمه ودمه اللي مأمن لهم طول عمره، وبين كرامتي اللي اتهدرت على عتبة بيته.


سمعت صوت أخويا أحمد وهو بيقول لحسام بلهجة جافة:


* “سمعت شروط المدام يا حسام؟ متهيألي الكلام واضح ومفيش فيه فصال. يا شرفك ومرتك وبيتك، يا تفضل حامي لأختك اللي كانت مستعدة تذبح مرتك بالكدب. اتفضل ورينا عرض كتافك، والـ ٢٤ ساعة بتوعك بدأوا من دقيقة.”



حسام منطقش ولا كلمة. سمعت صوت خطواته التقيلة وهي بتتحرك ناحية الباب، وفتحة الباب وقفلته اللي كانت أشبه بنهاية فصل ونبرة بداية فصل جديد مرعب. الصالة هديت، وأبويا خبط بعصايته ودخل عليا الأوضة. بصلي ونظراته كانت مليانة فخر مشوب بقلق:


* “جدعة يا بنتي.. اللي ملوش ضهر بيموت منقهر، وإنتِ النهاردة حطيتي النقط على الحروف. بس تفتكري حسام هيعملها؟ هيقدر يروح لجوز أخته ويقوله إن مراته رافعة عليك قضايا حجز من وراك؟”


مسحت دمعة هربت من عيني وقولت لأبويا:


* “لو بيحبني يا بابا وعاوزني بجد، وشايف إن بيتي يستاهل يضحى عشانه، هيعملها. نجلاء مش لازم تخرج من المولد ده كسبانة ومخبية مصيبتها، لازم تعرف إن بيوت الناس مش لعبة.”


فاتت الساعات تقيلة زي الجبل. الليل جه وتليفوني كان مقفول تماماً، مكنتش عاوزة أسمع رنات أو رسايل استعطاف. نمت وصحيت تاني يوم على نار هادية، الـ ٢٤ ساعة كانوا بيقربوا من النهاية.


على الساعة ٧ بالليل، تليفون البيت الأرضي رن. أمي ردت، وملامحها اتغيرت بسرعة، وبصتلي وقالت:


* “منى.. دا حسام، وعاوز يكلمك إنتِ بالذات.”


خدت النفس من أمي وحطيت السماعة على ودني وقولت بجمود:


* “أيوة يا حسام.. الوقت قرب يخلص.”


صوت حسام جه من الناحية التانية مهدود تماماً، كأنه عجز عشر سنين في يوم واحد، وقال بنبرة مكسورة:


* “أنا عملت اللي طلبتيه يا منى.. وروحت لـ ‘عادل’ جوز نجلاء.”


قلبي دق بسرعة وسألته:


* “وقولتله إيه؟”


تنهد حسام بحسرة وكمل:


* “قعدت معاه وفتحت الورق كله قدامه، قولتله على المحامي وعلى قضايا الحجز وعلى المراسلات اللي كانت بتبعتها من تليفونك. عادل الدنيا لفت بيه، ومفتش نص ساعة وكان واخد بعضه ورايح لبيت أبويا.. الدنيا مقلوبة هناك يا منى، نجلاء بتصوت وجوزها حلف عليها بالطلاق وخد عياله ومشي، وأمي عمالة تدعي عليا وتقولي خربت بيت أختك عشان خاطر مرأتك.. أنا خسرت أهلي يا منى، خسرتهم كلهم في يوم واحد عشان أثبتلك إني شاريِك.. تفتكري كدا حقك رجع؟”


الدموع لمعت في عيني، مكنتش شمتانة في خراب بيت نجلاء، بس كنت حاسة إن العدالة دارت دورتها، وإن اللي بيحفر حفرة لأخوه بيقع فيها. قولت لحسام بصوت هادي:


* “حقك عند أهلك إنت اللي هتصلحه بأفعالك يا حسام، بس إنت كدا أثبتلي إن كرامتي عندك أغلى من كلام الناس. تعال بكرا مع بابا وماما، ونتكلم قدام أبويا.”


قفلت السكة وأنا حاسة إن جبل انزاح من على صدري.


تاني يوم، الباب خبط، ودخل حسام.. بس المرة دي مكنش معاه لا نجلاء ولا أمه. دخل لوحده، شايل في إيده بوكيه ورد كبير علب شوكولاتة، بس الأهم من الهدايا كانت عينيه اللي مليانة رجاء.



أبويا وأحمد استقبلوه في الصالة، وأنا طلعت قعدت قصاده. حسام حط تليفونه وتليفوني القديم على الترابيزة اللي بيننا وقال بصوت مسموع قدام الكل:


* “الباسورد بتاع التليفونين أهو يا عمي.. يوم ميلاد منى. وأنا من النهاردة مش بس بقفل باب بيتي في وش أي حد يحاول يتدخل بيننا، أنا بقفل عقلي وقلبي عن أي كلمة تتقال في حق مراتي.. أنا اتعلمت الدرس، والدرس كان غالي قوي.”


أبويا بصلي وهز راسه كأنه بيقولي “القرار ليكي”. بصيت لحسام وقولتله:


* “أنا هرجع معاك يا حسام.. عشان بيتنا وعشان العشرة، بس افتكر دايماً.. الثقة زي الزجاج، لو اتشرخ ممكن يتصلح، بس بيفضل معلم.. وأنا مش هسمح بالشرخ التاني.”


قمت لميت شنطتي، ورجعت معاه الشقة. أول ما دخلت من باب بيتي، حسيت بريحة المكان متغيرة.. كأن الطاقة السلبية اللي كانت بتجيبها نجلاء معاها اختفت. حسام كان بيعاملني كإني جوهرة خايف عليها تكسر، وكل حاجة بدأت ترجع لمجاريها بالتدريج.


عدا أسبوعين، والبيت كان هادي ومستقر.. لحد ما في يوم، وأنا قاعدة في الصالة بعمل شاي وحسام في الشغل، تليفون البيت الأرضي رن تاني. رفعت السماعة، ولقيت صوت باكي ومبحوح، مكنش صوت حماتي ولا صوت نجلاء.. كان صوت “عادل” جوز نجلاء، وبيقول بنبرة فيها تهديد وكسرة:


* “مدام منى.. أنا عارف إنك مالكيش ذنب في ألاعيب نجلاء، بس أخت جوزك مابتقعدش ساكتة.. نجلاء ناوية على مصيبة جديدة هتهز عيلة حسام كلها، وإنتِ الوحيدة اللي تقدري توقفيها قبل ما الفأس تقع في الرأس!”


جسمي كله سقع، والسماعة كادت تقع من إيدي.. وعرفت إن الحكاية لسه مخلصتش، وإن بركان نجلاء لسه بيغلي..


 



أنفاسي اتخطفت، والبرودة مشيت في أطرافي وأنا ماسكة سماعة التليفون الأرضي. صوت عادل جوز نجلاء كان طالع فيه بحة غريبة، مزيج بين القهر والغل، وكلامه نزِل عليا كإنه كرباج.


سكتّ ثواني بجمع شتات نفسي، وقولتله بنبرة حاولت أبين فيها جمود وقوة:


* “مصيبة إيه يا أستاذ عادل؟ وأنا مالي ومال نجلاء تاني؟ إحنا خلاص قفلنا صفحتها والكل عرف حقيقتها، وبيتي اتهد وانصلح حاله بسببها، مش عاوزة أسمع اسمها في بيتي تاني!”


عادل ضحك ضحكة قرف وبكاء في نفس الوقت، وقال بصوت واطي وكأنه خايف حد يسمعه:


* “يا مدام منى، نجلاء مابتقفلش صفحات.. نجلاء بتتحرق من جواها! من يوم ما حسام جالي وفتحلي الورق وأنا طلقتها ورميتها في بيت أبوها وخدت عيالي، وهي عايشة على الانتقام. أمها (حماتك) عمالة تولع فيها وتلومها إنها ضيعت بيتها، ونجلاء شايفة إنك إنتِ السبب في كل اللي جرى لها، ومش هتهدا إلا لما تخرب بيتك زي ما بيتها اتخرب!”


بلعت ريقي وبقيت بفرك إيدي في بعضها من التوتر، وسألته:


* “يعني هتعمل إيه يعني؟ تتبلى عليا تاني؟ حسام خلاص مبقاش يصدقها وتليفوني وتليفونه بقوا كتاب مفتوح!”


عادل اتنهد تنهيدة طويلة وقال:


* “لأ.. المرة دي اللعبة مش تفتيش وتليفونات. نجلاء راحت للمحامي مدحت تاني، بس مش عشان قضايا الحجز.. نجلاء معاها وصولات أمانة قديمة حسام كان ماضيها ليها زمان، أيام ما كان بيجهز نفسه وهي ساعدته بمبلغ بسيط، وساعتها حسام مضى على بياض عشان يضمن لها حقها بحسن نية الأخوة. نجلاء رايحة ترفع بالوصولات دي قض..ية تبديد وسجن ضد أخوها! وكمان بتجهز ورق ترفع بيه قض..ية حجر على أمها بحجة إنها خرفت، عشان تضع يدها على البيت الكبير كله وتطرد حسام منه!”


الدنيا لفت بيا وسندت على الحيطة عشان ما أقعش. الكره عمى عينيها لدرجة إنها عاوزه تسجن أخوها وتتحجر على أمها اللي كانت بتدافع عنها؟!


* “إنتَ بتقول إيه يا عادل؟! دي أخت ولحم ودم! تعمل كدا في أخوها اللي وقف في ظهرها سنين؟”


عادل رد بقسوة:


* “نجلاء معندهاش غالي يا مدام منى، وأنا عيشت معاها وعارف غلها. أنا قولت أبرئ ذمتي قدام ربنا وفوقكم، لأن حسام رغم كل شيء راجل وميستاهلش السجن، والوصولات دي لو اتنزلت في المحكمة بكرا الصبح، حسام هيتاخد من وسط شغله.. اتصرفي يا منى، بس من غير ما حسام يعرف إني أنا اللي قولتلك، عشان أنا مبقتش طايق العيلة دي كلها.”


قفل عادل السكة، وفضلت أنا واقفة في نص الصالة والسماعة في إيدي بتزن. الدخان كان طالع من نفوخي من كتر التفكير.. حسام لو عرف بموضوع الوصولات وأخته، ممكن يروح يرتكب فيها جناية ويدخل السجن بجد، وحماتي لو عرفت إن بنتها الحبيبة عاوزة تحجر عليها ممكن تروح فيها بسكتة قلبية.



الساعة بقت ٤ العصر، وباب الشقة اتفتح ودخل حسام. كان راجع من الشغل تعبان، بس أول ما شاف وشي المخطوف وعيني الزايغة، حط مفاتيحه على الترابيزة وقرب مني بقلق:


* “مالك يا منى؟ وشك أصفر كدا ليه؟ في حاجة حصلت وأنا بره؟”


حاولت أبتسم وأرسم البرود على وشي وقولتله:


* “لا يا حبيبي، مفيش.. تلاقيه بس هبوط من قلة الأكل وضغط الشغل في البيت. ادخل غير هدومك عقبال ما أحضر الغدا.”


حسام بصلي بنظرة مش مقتنعة، بس هز راسه ودخل الأوضة. في اللحظة دي، أخدت قراري.. أنا مش هسيب حسام يتهد، ومش هقف متفرجة على العقربة وهي بتلدغنا في ضهرنا.


نزلت المطبخ وعملت نفسي بجهز الأكل، وطلعت تليفوني بسرعة، وكلمت أحمد أخويا. حكيت له كل اللي عادل قالهولي في التليفون بالحرف. أحمد صوته علي من الصدمة:


* “يا نهار أسود! دي مش مريضة، دي مجرمة! طيب والعمل يا منى؟ لو حسام شم خبر هتحصل مجزرة.”


قولتله بصوت واطي ومخطوف:


* “عشان كدا كلمتك يا أحمد.. حسام لازم ميعرفش حاجة خالص لحد ما نتصرف. إحنا لازم نروح للمحامي مدحت ده قبل ما ينزل بالورق المحكمة بكرا الصبح. المحامي ده ملوش ذنب، دا بياكل عيش، ولو عرف إن الموضوع فيه تزوير أو إن الوصولات دي قديمة ومستغلة بنية سيئة، ممكن يخاف على اسمه ويتراجع.”


أحمد سكت لحظة بيفكر وقال:


* “صح يا منى.. أنا هجيب عنوان مكتب المحامي مدحت حالا، والسر ده هيفضل بيني وبينك. بكرا الصبح الساعة ٩ هكون عندك تحت البيت، هنروحله المكتب ونشوف الحكاية دي إيه.. بس أهم حاجة حسام ينزل شغله عادي وميحسش بأي حاجة.”


قفلت مع أحمد وأنا قلبي واكلني. قعدت مع حسام على الغدا، وكل ما يبصلي ويضحك ويقولي “الأكل تسلم إيدك يا منى”، كنت بحس بنار في قلبي.. الراجل ده شاري خاطري وخسر أهله عشاني، والنهاردة جه دوري إني أكون ظهره وأحميه من غدر أقرب الناس ليه.


طول الليل مكنتش عارفة أنام، وعقلي عمال يودي ويجيب. ياترى المحامي هيرضى يتكلم معانا؟ ويا ترى نجلاء معاها كام إيصال أمانة؟


الصبح جيه، وحسام صحي لبس ونزل على شغله الساعة ٨ بعد ما باس راسي وقالي “ادعيلي يا منى ورايا شغل كتير النهاردة”. أول ما قفل الباب، لبست عبايتي وطرحتي بسرعة، ونزلت لقيت أحمد أخويا مستنيني في عربيتة تحت البيت.


ركبت جنبه وأنا برتعش:


* “جبت العنوان يا أحمد؟”


أحمد دور العربية وقال وعيونه حاسمة:


* “جبت العنوان يا منى، ويلا بينا.. ومتقلقيش، طول ما أنا معاكي حق جوزك مش هيضيع، والست نجلاء دي حسابها تقل قوي.”


وصلنا لمكتب المحامي في منطقة وسط البلد، طلعنا السلم وقلبي كان بيدق زي الطبلة. دخلنا السكرتارية وطلبنا نقابل الأستاذ مدحت لأمر ضروري ومستعجل يخص الأستاذة نجلاء. السكرتيرة دخلت وبعد دقيقتين طلعت وقالت: “اتفضلوا، الأستاذ مستنيكم.”


دخلنا المكتب، ولقينا راجل أربعيني قاعد ورا مكتب فخم، أول ما شافني ملامحه اتغيرت وعرفني، وقال:


* “مدام منى؟ خير.. في حاجة جديدة بخصوص قضايا الحجز؟”


أحمد أخويا قعد وحط إيده على المكتب وبص للمحامي مباشرة وقال بنبرة قوية:


* “لأ يا أستاذ مدحت.. الموضوع المرة دي أكبر من قضايا الحجز بكتير. إحنا جايين بخصوص وصولات الأمانة اللي نجلاء جايباها عشان ترفع بيها قض..ية سجن على أخوها حسام!”


المحامي مدحت ملامحه اتشدت، وبص للورق اللي قدامه على المكتب بارتباك، وسكت ومردش.


أنا اتكلمت ودموعي في عيني:


* “يا أستاذ مدحت، حضرتك راجل قانون وبتفهم في الأصول.. الوصولات دي قديمة ومن أيام تجهيز بيت حسام، ونجلاء مستغلاها عشان تنتقم منه لأنه كشف ألاعيبها قدام جوزها. دي عاوزه تسجن أخوها اللي من دمها! وحضرتك لو نزلت بالورق ده المحكمة، هتبقى بتساعد في ظلم راجل بريء، والوصولات دي لو اتعرضت على الطب الشرعي هيثبت إن الإمضاء قديم وإن صلب الإيصال مكتوب حديثاً على بياض، وساعتها القض..ية هتقلب عليها وعليك بتهمة خيانة الائتمان والتزوير!”


المحامي مدحت رجع بضهره لورا، وبان عليه القلق الشديد، وبدأ يفرك في قلمه.. وفجأة، تليفون المكتب الداخلي رن، السكرتيرة قالت له: “يا فندم، الأستاذة نجلاء وصلت بره ومعاها ورق جديد وعاوزه تدخل حالا.”


المحامي بصلي وبص لأحمد، وعينيه لمعت بفكرة، وقالنا بصوت واطي وسريع:


* “ادخلوا استخبوا في الأوضة اللي ورا المكتب دي حالا.. واسمعوا بنفسكم الست دي ناوية على إيه!”

أحمد شدني من إيدي بسرعة ودخلنا الأوضة الصغيرة الملحقة بمكتب المحامي، وقفل الباب وساب فيه فتحة صغيرة لا تُذكر عشان نشوف ونسمع منها. كنت حاطة إيدي على بوقي وبكتم أنفاسي، وضهري ساند على أحمد اللي كان واقف وعروق إيده بارزة من كتر العصبية والترقب.


الباب اتفتح ودخلت نجلاء.. ملامحها كانت متغيرة تماماً عن الست المكسورة اللي كانت بتبكي في بيت أبويا من يومين. كانت عينيها مليانة شر وغل، ووشها أحمر وعرقان من كتر الجري ورا المصايب. رمت شنطتها على المكتب وقعدت على الكرسي وبصت للمحامي مدحت وقالت بلهفة ونفس مقطوع:



* “ها يا أستاذ مدحت؟ عملت إيه؟ نزلت بالوصولات المحكمة؟ حسام لازم يتكلبش من قفاه في وسط شغله بكرا الصبح.. عاوزه أكسر عينه وأذله زي ما خرب بيتي وخلّى عادل يطلقني!”


المحامي مدحت اتنحنح وحاول يبان هادي ومتزن، وبص للورق اللي قدامه وقالها:


* “يا مدام نجلاء، أنا قولتلك القض..ية دي مش سهلة. الوصولات دي ممضية على بياض ومن فترة طويلة، وإحنا لو نزلنا بيها المحكمة، ومحامي أخوكي طلب تحويلها للطب الشرعي، هيثبتوا إن التوقيع قديم والكتابة جديدة، وساعتها القض..ية هتقلب عليكي إنتي بجناية تزوير وخيانة ائتمان.. يعني إنتي اللي ممكن تتسجني!”


نجلاء ضربت بإيدها على المكتب وزعقت بغل وعمى:


* “طب الشرعي إيه وبتاع إيه؟! حسام مش معاه فلوس لأكبر محامين، ولا معاه وقت أصلاً يفكر! هو على ما يفوق من الصدمة ويلاقي نفسه محبوس ٤ أيام على ذمة التحقيق، هيكون اتمضى على التنازل اللي أنا عاوزاه! أنا مش عاوزه فلوس الوصل.. أنا عاوزه يكتبلي نص الشقة اللي هو قاعد فيها، ويتنازل عن حقه في بيت أبويا القديم، وأمه تمضي على بيع نصيبها ليا.. وإلا وعهد الله هسيبه يتبهدل في السجون وموش هرحمه!”


المحامي مدحت بصلها بذهول من كمية الجبروت وقالها:


* “طب وأمك؟ ورق قض..ية الحجر جاهز، بس إنتي متأكدة إنك عاوزه تحجري على أمك وهي لسه بصحتها وعقلها؟ دي قض..ية صعبة وهتعمل شوشرة وفضيحة ليكي في المنطقة كلها.”تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

نجلاء ضحكت ضحكة قوية ومرعبة وقالت:


* “فضيحة؟ هو أنا لسه باقي عندي حاجة أخاف عليها بعد ما اطلقت واترميت برمي الكلاب؟! أمي دي هي اللي ساندة حسام ومراته العقربة ‘منى’، وهي اللي عمالة تلومني وتقولي بيتك اتخرب بسبك! أنا هحجر عليها وأخد البيت الكبير وأطردها هي وأخوها في الشارع، عشان يعرفوا مين هي نجلاء! الورق كله كامل أهو يا متر، مَضيِتلك على التوكيلات وجبتلك شهادات طبية مضروبة من دكتور معرفة بتقول إن أمي عندها ألزهايمر ومبقتش واعية لتصرفاتها.. انزل بالورق ده فوراً!”


كل كلمة كانت بتقولها كانت بتنزل عليا زي مية النار. أحمد أخويا ورايا كان بيتنفّس بصعوبة، وحسيت إنه خلاص هيقتحم الأوضة ويموتها في إيده. مسكت إيده بقوة وهزيت راسي بمعنى “لأ.. استنى”.


المحامي مدحت هز راسه وبص لجهة الأوضة اللي إحنا مستخبيين فيها، وكأنه بيبعتلي إشارة إن كل حاجة اتسجلت وبقت واضحة. وفجأة، المحامي مد فتحة درج المكتب وشغل جهاز تسجيل صغير كان مخبيه، وبص لنجلاء وقالها بنبرة حاسمة:



* “يعني إنتي مقرة يا مدام نجلاء إن الوصولات دي ملهاش علاقة بمعاملات مالية حديثة، وإن الشهادات الطبية دي مزورة عشان تاخدي حق مش حقك؟”


نجلاء قامت وقفت وعدلت شنطتها وقالت بزهق:


* “جرى إيه يا أستاذ مدحت؟ هو إنت هتحقق معايا؟ أنا جايبالك شغل بآلاف، تخلصلي المصيبة دي وتاخد حلاوتك وتدعيلي.. الورق أهو على مكتبك، وبكرا الصبح هكلمك تقوليلي رقم القض..ية كام.. سلام يا متر.”


لفت ضهرها وفتحت باب المكتب وخرجت ورزعت الباب وراها. أول ما خرجت، أحمد فتح باب الأوضة وطلعنا للمحامي. المحامي مدحت كان وشه عرقان، وبصلنا وقال وهو بيقفل جهاز التسجيل:


* “سمعتوا بنفسكم؟ أنا راجل بأكل عيش ومحبش أدخل نفسي في تزوير وجنايات تخرب بيتي وتهز اسمي في المحاكم.. الست دي مريضة بالانتقام، وأنا مش هنزل بالورق ده المحكمة خلاص.”


أحمد قال للمحامي:


* “تسلم يا أستاذ مدحت، إنت راجل بتفهم في الأصول.. وإحنا عاوزين نسخة من التسجيل ده حالا والورق الأصلي بتاع الوصولات والشهادات المضرورة.”


المحامي سحب الورق الأصلي كله وحطه في إيد أحمد وقال:


* “الورق أهو والتسجيل هبعتهولكم على الواتساب حالا.. بس الله يخليكم، اسمي يفضل بره الموضوع ده، أنا عملت كدا عشان الضمير وعشان مرتكبش جريمة.”


أخدنا الورق والتسجيل وخرجنا من المكتب. ركبنا العربية وأنا جسمي كله كان بيتفض من الصدمة.. نجلاء كانت ناوية تدمر عيلة حسام بالكامل، والوصولات والشهادات المضرورة بقت في إيدنا إحنا.


بصيت لأحمد وقولتله بلهفة:


* “هنعمل إيه بالورق ده يا أحمد؟ نوديه لحسام؟”


أحمد دور العربية وعيونه كانت مليانة تدبير وقال بنبرة مخيفة:


* “لأ يا منى.. لو وديناه لحسام، حسام هيروح يذبحها ويدخل السجن بجد، وإحنا مش عاوزين نخسر حسام.. إحنا هنروح بالورق ده والدليل ده لشخص تاني خالص، هو الوحيد اللي هيعرف يربط العقربة دي ويخليها تمضي على نهايتها بإيدها!”


* “مين يا أحمد؟” سألته وأنا مش فاهمة.


أحمد بصلي وابتسم ابتسامة غامضة وقال:


* “هنروح لـ عادل.. طليقها!”


 



سكتّ لحظة وأنا بستوعب فكرة أحمد، وبصيت للورق اللي في إيدي وكأني ماسكة قنبلة موقوتة. عادل طليقها هو فعلاً أكتر واحد شايل منها، وأكتر واحد ملسوع من نارها وعارف سكتها.


أحمد طلع تليفونه وطلب رقم عادل، ورد عليه بسرعة وجيه صوته ملهوف:


* “أيوة يا أستاذ أحمد.. طمني، منى حكتلك على اللي نجلاء ناوية تعمله؟ لحقتوا حسام؟”


أحمد رد عليه بصوت حازم وثابت:


* “لحقناه يا عادل، ومعانا دليل يدفن نجلاء في السجن.. إحنا تحت مكتب المحامي مدحت حالا، وعاوزين نقابلك في أسرع وقت وفي مكان مداري بعيد عن العيون.”


عادل وصفلنا عنوان مقهى هادي وقريب من المنطقة، وفي ظرف ربع ساعة كنا وصلنا. قعدنا في ركن بعيد، وعادل أول ما شافنا جه ركض وعلامات قلة النوم والتعب باينة على وشه. قعد وبص للورق اللي أحمد حطه على التربيزة وسأل بذهول:


* “إيه الورق ده؟”


أحمد فتح المحادثة وشغّل التسجيل الصوتي بتاع نجلاء وهي بتقول للمحامي بغل: *”أنا هحجر عليها وأخد البيت الكبير وأطردها هي وأخوها في الشارع.. وجبتلك شهادات طبية مضروبة!”*


عادل حط إيده على راسه وجسمه اتفض من الصدمة، وبصلي وقال:


* “يا نهار أسود.. دي مابقتش بني آدمة، دي الشيطان لابس ثوب واحدة ست! الحجر على أمها وسجن أخوها؟! طيب والعمل؟ إنتوا لو بلغتّوا حسام، حسام هيروح يرتكب جناية فيها وفيكوا.”


أحمد مال بجسمه لقدام وقال بنبرة مليانة ذكاء وتدبير:


* “عشان كدا إحنا جينالك إنت يا عادل.. الورق ده فيه تزوير رسمي وشهادات مضروبة وخيانة ائتمان، يعني نجلاء بلمسة واحدة مننا تدخل السجن تلات سنين مرتاح. بس إحنا مش عوزين فضايح لحسام وأمه.. إحنا عاوزين نجلاء تتكتف وتتخرس خالص، والوحيد اللي هيعرف يكتفها هو إنت.”


عادل استغرب وسأل:


* “أنا؟ إزاي وأنا مطلقها ومليش حكم عليها؟”


أحمد رد عليه:


* “بص يا عادل.. نجلاء بتموت في الفلوس والملكية، والورق ده لو راح لـ عادل طليقها، وعادل هددها بيه إنه هيرفع عليها قض..ية تزوير ويحرمها من حضانة العيال وياخد منها المؤخر وكل حقوقها، نجلاء هتركع. إنت هتاخد الورق ده وتكلمها، وتقولها إن المحامي مدحت خاف على نفسه وباعلها الورق وجابهولك، وهتخيرها بين السجن وضياع عيالها، وبين إنها تمضي على تنازل عن وصولات الأمانة بتاعة حسام، وتنازل عن أي قض..ية حجر، وتتعهد إنها متعتبش ناحية حسام أو مراته تاني.. وبكدا، إنت هترجع هيبتك قدامها وتحمي عيالك من أم مجرمة، وإحنا هنحمي بيتنا من غير ما حسام يلوث إيده بدمها.”



عادل عينه لمعت، والنار اللي كانت قايدة جواه بسبب خراب بيته بدأت تتحول لطاقة انتقام ذكي. سحب الورق والتسجيل وقال بصوت فيه وعيد:


* “ورب العزة يا أحمد.. لأخليها تمضي على ورق نهايتها وتتنازل عن كل حاجة وهي بتبوس رجلي عشان ما أرميهاش في السجن! أنا هكلمها حالا وأخليها تجيلي على بيت أبوها ونخلص الحكاية دي الليلة.”


ودعنا عادل وأنا وأحمد ركبنا العربية وراجعين. كنت حاسة بنوع من الراحة، بس التوتر لسه ساكن قلبي. وصلت بيتي قبل ما حسام يرجع من الشغل، غيرت هدومي وقعدت استناه وكأني كنت في معركة حربية.


على الساعة ٦ بالليل، حسام رجع. دخل وبصلي وابتسم، بس ملامحه كانت باهتة.. قعد جنبي وحط راسه على كتفي وقال بتنهيدة مليانة وجع:


* “منى.. أنا تعبان قوي ونفسيتي شايلة.. روحت زرت أمي في البيت الكبير النهاردة بعد الشغل، لقيتها قاعدة بتعيط ومقهورة.. نجلاء مش سايباها في حالها، وعمالة تقولها حسام سجنّي وخرب بيتي، وأمي مصدقة ومقاطعاّني.. أنا حاسس إن عيلتي بتتفرفط من بين إيديا وأنا واقف عاجز.”


دموعي نزلت غصب عني، وطبطبت على ضهره وقولتله بصوت حنين:


* “اهدي يا حسام.. ربنا كبير، والظالم دايماً نهايته قريبة، والحقيقة بتبان مهما طال الزمن.. بكرا كل حاجة تتصلح وأمك تعرف إنك كنت مظلوم.”


نزلنا نمنا الليلة دي، وأنا صاحية وبصلي للسقف وبدعي إن خطة أحمد وعادل تنجح، لأن لو نجلاء شمت خبر أو فلتت من الفخ، هتدمرنا كلنا.


الصبح جيه، وحسام نزل الشغل.. وفجأة على الساعة ١٢ الضهر، لقيت حماتي (أم حسام) بتتصل بيا على التليفون الأرضي. استغربت جداً لأنها كانت مقاطعانا من يوم خناقة بيت أبويا.


رفعت السماعة، ولقيت صوت حماتي بيرتعش وبتشهق من البكاء والنحيب، وبتقولي بنبرة مليانة ذل وانكسار:


* “ألو.. منى يا بنتي؟ الحقيني يا منى.. الحقيني أنا وحسام! المصيبة وقعت فوق دماغنا، ونجلاء بتموت في المستشفى بين الحيا والموت، والشرطة قالبة الدنيا بره!”


السماعة وقعت من إيدي على الأرض، والدنيا اسودت في عيني.. وعرفت إن عادل عمل حاجة، واللعبة قلبت بكارثة ومجزرة مكنتش على البال! تتبيه هام لو عاوزين القصص كامله اعملو متابعه لصفحه رومانى مكرم تبعوها


جسمي كله اتنفض، وحسيت إن ركبي مش شيلاني. ووطيت بسرعة على الأرض، سحبت سماعة التليفون الأرضي وإيدي بتتفلت منها من كتر الرعشة، وصرخت في السماعة بصوت مخنوق:


* “مستشفى إيه يا ماما؟! والشرطة مالها ومال نجلاء؟! اتكلمي بالله عليكي نشفتي دمي!”



حماتي كانت بتشهق من العياط وصوتها طالع بالعافية، والوشوشة والضجة اللي حواليها في التليفون كانت مسموعة:


* “عادل.. عادل طليقها جيه البيت الكبير بالليل يا منى، وكان معاه ورق وتسجيلات لنجلاء وهي بتتفق مع المحامي عشان تسجن أخوها وتحجر عليا أنا! عادل واجهها بالورق ده قدامي وقدام إخواتها، وقالها يا تمضي على تنازل عن كل حاجة وعن حضانة العيال يا إما هيرميها في السجن بتهمة التزوير وخيانة الائتمان!”


بلعت ريقي بصعوبة وسألتها:


* “وطيب.. إيه اللي وداها المستشفى؟! نجلاء جرى لها إيه؟”


حماتي صرخت بوجع:


* “لما لقت نفسها اتفضحت والكل عرف إنها كانت عاوزه ترمي أخوها في السجن وتحجر عليا أنا اللي ولدتها، وإخواتها اتبروا منها وعادل سحب منها العيال.. جالها حالة هستيرية، وقفت تصوت وتلطم، وفجأة جريت على المطبخ وشربت قزازة مية نار كامله كانت محطوطة تحت الحوض! وقعت في أرض المطبخ ودمها سايح وبتطلع في الروح.. إحنا في مستشفى القصر العيني حالا يا منى، والدكاترة بيقولوا حالتها ميئوس منها والمعدة والمريء اتدمروا، والنيابة بره بتحقق مع عادل ومعانا عشان يشوفوا لو في شبهة جنائية أو حد أجبرها! تعالي يا بنتي وهاتي حسام، أنا هموت.. بنتي بتضيع مني!”


قفلت حماتي السكة، وأنا فضلت واقفة في نص الصالة ببص للفراغ. عقلي مكنش قادر يستوعب.. نجلاء من كتر الغل والجبروت ولما لقت كارت الانتقام اتمسح من إيدها، فضلت إنها تنهي حياتها بإيدها ولا إنها تعيش مكسورة ومفضوحة قدام الكل!


مسكت تليفوني بسرعة وكلمت أحمد أخويا، أول ما رد قولتله بصوت مرعوب:


* “أحمد! الخطة اتقلبت بمجزرة.. نجلاء شربت مية نار وهي في المستشفى بين الحيا والموت وعادل محجوز في القسم!”


أحمد صوته اتخطف وقال بذهول:


* “يا نهار أسود! شربت مية نار؟ دي اتجننت رسمي! اسمعي يا منى، حسام عرف حاجة؟”


* “لأ لسه ميعرفش، وأمه لسه مكلماني حالا.. أنا لازم أكلمه وأقوله يروح على المستشفى.”


أحمد رد بحسم:


* “طيب كلميه وقوليله، وأنا هلبس وأحصلكم على المستشفى حالا.. لازم نكون مع عادل عشان الورق والتسجيلات اللي معاه هي الحاجة الوحيدة اللي هتثبت إن نجلاء هي اللي انتحرت لما اتفضحت، ومحدش سممها أو أجبرها على حاجة، وإلا عادل كدا هيروح في داهية!”


قفلت مع أحمد وطلبت رقم حسام. أول ما رد، صوته كان تعبان من الشغل:


* “أيوة يا منى يا حبيبتي، خير؟”


انفجرت في العياط وقولتله:


* “حسام.. سيب اللي في إيدك واطلع على مستشفى القصر العيني حالا! أختك نجلاء في الطوارئ وحالتها خطيرة جداً ومامتك هناك بتموت من العياط!”



حسام تليفونه وقع من إيده، وسمعت صوته وهو بيزعق لزمايله في الشغل وبياخد مفاتيحه وبيجري..


نزلت من البيت وركبت تاكسي، وطول الطريق وأنا حاطة إيدي على قلبي. أنا مكنتش عاوزه كل ده يحصل.. أنا كنت عاوزه أحمي جوزي وبيتي بس، مكنتش أتمنى إنها توصل للموت والدم والنيابة!


وصلت المستشفى بعد نص ساعة، لقيت الممرات مقلوبة.. أم حسام قاعدة على الأرض بتلطم وتصوت، وحسام كان لسه واصل وواقف بيبكي ويهز في كتف أمه وهو مش فاهم حاجة. أول ما حسام شافني، جِري عليا ومسكني من كتفي:


* “في إيه يا منى؟! أختي مالها؟ وإيه اللي جاب عادل هنا والشرطة واقفا بره ليه؟!”


قبل ما أنطق بكلمة، أحمد أخويا وصل وجرّنا على جنب بعيد عن أمه، وبص لحسام وقال بنبرة جادة:


* “اهدأ يا حسام واسمعني كويس.. أختك نجلاء مكنتش جاية تعتذر في بيت أبويا عشان ندمانة، أختك كانت مجهزة ورق تزوير ووصولات أمانة على بياض عشان تسجنك، وشهادات طبية مضروبة عشان تحجر على أمك وتاخد البيت الكبير!”


حسام رجع خطوتين لورا وعينيه برقت بذهول:


* “إنت بتقول إيه يا أحمد؟! تحجر على أمي وتسجني أنا؟!”


أحمد أخرج تليفونه وشغلّ له تسجيل المحامي.. حسام كان بيسمع صوت أخته وهي بتقول *”عاوزه يتكلبش من قفاه في الشغل.. وأمي عندها ألزهايمر وهطردها في الشارع”*.


حسام جسمه كله بدأ يترعش، والدموع جمدت في عينيه من كتر الصدمة.. بصلنا وهو مش مصدق إن دي أخته اللي عاش معاها عمره كله.


في اللحظة دي، باب غرفة العناية المركزة اتفتح.. خرج الدكتور ووشه عرقان ومجهد، وبص حواليه وقال بصوت جهوري:


* “فين أهل المريضة نجلاء؟”


حسام جِري عليه ودموعه نزلت:


* “أنا أخوها يا دكتور.. طمني أرجوك!”


الدكتور قلع النظارة وتنهد بأسف وقال الكلمة اللي هزت جدران المستشفى كلها..


حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم


الدكتور قلع النظارة وتنهد بأسف، ونكس راسه للأسف وقال بنبرة هادية بس نزلت علينا كلنا زي الصاعقة:


* “البقاء لله.. المادة الكاوية دمرت المريء والمعدة تماماً، وحصل هبوط حاد في الدورة الدموية ومقدرناش ننقذها.. شدوا حيلكم.”


حماتي أول ما سمعت الجملة دي صرخت صرخة هزت المستشفى كلها، ووقعت في الأرض مغمى عليها. الدكاترة والممرضات جريوا عليها يشيلوها، وأنا وقفت مكاني مشلولة.. دموعي بتنزل في صمت وببص لحسام.


حسام مكنش بيعيط بصوت عالي.. كان واقف باصص لباب العناية المركزة وعينيه واسعة من الذهول، جسمه كله بيترعش، كأنه مش قادر يستوعب إن أخته، لحمه ودمه، انتهت نهايتها البشعة دي بسبب الغل والانتقام. قربت منه وحطيت إيدي على كتفه، بصلّي وعينيه كانت مليانة وجع ملوش آخر، وارتمى في حضني وبكى زي طفل صغير فقد كل حاجة في ثانية واحدة.



أحمد أخويا سابنا وجري على النيابة والشرطة اللي كانوا واقفين مع عادل طليقها بره. قدم لهم التسجيل الصوتي والورق الأصلي والشهادات الطبية المزورة اللي نجلاء كانت شايلاها في شنطتها، وأثبت قدام وكيل النيابة إن نجلاء انتحرت بكامل إرادتها لما حست بضياع كل خططها وانكشاف أمرها وفضيحتها قدام عيلتها وطليقها، وإن محدش أجبرها على حاجة. وبناءً على الأدلة دي، النيابة أفرجت عن عادل وقفلت المحضر كحالة انتحار.


مرت الأيام تقيلة وسودا.. عزينا ودفنا نجلاء في جنازة كان الكل فيها بيمشي ورا الجثمان وهو ساكت وخجلان من السيرة اللي سابتها وراها. حماتي من الصدمة جاها شلل نصفي، وبقت قاعدة في السرير لا بتنطق ولا بتحرك، وحسام ملقاش حد يشيل أمه ويراعيها في مرضها وكسرتها دي غيري أنا.. “منى” اللي بنتها كانت عاوزه تخرب بيتها وتطردها في الشارع.


شيلت حماتي في عينيا، وبقيت بأكلها وبغسلها وبراعيها من غير ما أذكر اسم نجلاء قدامها بنص كلمة، وحسام كان بيبصلي وعينيه مليانة ندم وحب واحترام ملوش حدود.. عرف إن بنات الأصول مبيتغيروش مهما الزمن دار عليهم.


وفي ليلة، وأنا قاعدة مع حسام في الصالة والبيت هادي، بص لتليفوني اللي كان محطوط على الترابيزة، وسحب إيدي وباسها وقال بنبرة مليانة خشوع:


* “سامحيني يا منى.. سامحيني على كل لحظة شكيت فيها فيكي، وسامحي أختي.. ربنا حاسبها وعدالته كانت أسرع من أي حاجة في الدنيا.”


بصيت له وابتسمت بوجع وقلت له:


* “مسامحاها يا حسام.. ومسامحاك.. المهم إننا اتعلمنا الدرس.”


### 💡 الحكمة من القصة:


* **البيوت أسرار والخصوصية خط أحمر:** تطفل نجلاء وقبول منى للوضع في البداية بدافع “المركب تسير” هو اللي كبّر المشكلة. وضع الحدود من البداية وبأدب يحمي البيوت من الخراب.


* **الشك يهدم العِشرة في ثوانٍ:** لحظة غضب واحدة صدق فيها حسام كلام أخته دون دليل كانت كفيلة بإنها تهدم بيته وتكسر ثقة مراته فيه. الثقة هي العمود الفقري لأي علاقة زوجية، وإذا اتهزت.. اتهز البيت كله.


* **من حفر حفرة لأخيه وقع فيها:** الغل والانتقام مبيورثش صاحبه غير الهلاك. نجلاء حبت تسجن أخوها وتطرد أمها وتخرب بيت مرات أخوها بالباطل، فكانت النتيجة إنها خسرت بيتها وعيالها وأهلها، وانتهت حياتها بأبشع طريقة ممكنة، وسبحان من يمهل ولا يهمل.


 


تعليقات

التنقل السريع
    close