من شهرين فاتوا، مراتي سافرت طنطا عشان تساعد ابننا ومراته يفرشوا شقتهم الجديدة
حكايات صافى هانى
من شهرين فاتوا، مراتي سافرت طنطا عشان تساعد ابننا ومراته يفرشوا شقتهم الجديدة. ماجدة كان المفروض تقعد أسبوعين، بس بعد أربعة أيام، بطلت ترد على مكالماتي.
على خامس يوم الصبح، ركبت عربيتي النقل وسوقت التلات ساعات بنفسي. يا دوب لسه بلف وبدخل شارع كريم، لقيت راجل عجوز من البيت اللي قصاده جري عليا وقال لي: “اطلب الإسعاف قبل ما تدخل البيت ده”.
وبعدها ابننا فتح الباب الأمامي وبص لي كأني أنا اللي جاي أعمل مشكلة.
ماجدة طول عمرها بتعرف تحول الكركبة لبيت دافي.
اديها أوضة مليانة كرتون وشحن، ومسامير ضايعة، وسلوك مكعبلة، وعفش نص متقفل، وهتلاقيها بطريقة ما عرفت كل حاجة مكانها فين بالظبط. كانت بتطبق الفوط زي شغالين الفنادق. وبتعلم الرفوف في المطبخ. وبتفتكر الناس هيمدوا إيدهم يحتاجوا إيه قبل ما هم نفسهم يعرفوا هما محتاجين إيه.
عشان كده لما كريم قال إنه هو وبسمة غرقانين في الكراتين بعد ما نقلوا لطنطا، ماجدة بدأت تلم شنطها قبل حتى ما الكلام يخلص.
قالت لي وهي في مطبخنا في القاهرة، ونضارة القراية فوق راسها: “هما محتاجين مساعدة. هما أسبوعين بس يا فاروق. هرتب المطبخ، وأفضي البيت، وأساعدهم يستقروا”.
الموضوع ما عجبنيش.
مش عشان مش بحب ابننا.
عشان في حاجة في كريم ما كانتش مريحاني بقالها شهور.
كان بيسأل أسئلة كتيرة عادية كدة عن حسابات المعاش بتاعتنا.
وبيرمي كلام كتير عن إن بيتنا كبير أوي على شخصين بس.
وبيهزر كتير إن الأهل أولى بمساعدة بعض قبل ما الغرب يتدخلوا.
ماجدة قالت لي إني بقلق بزيادة.
قالت: “هو مضغوط بس، النقل بيعمل في الناس كده”.
فبوستها وهي في الممر وبصيت عليها وهي ماشية وكولر المايه في الكرسي اللي ورا، وصينية الأكل ملفوفة في فوط، ومعاها تفاؤل يكفي ينور الشارع كله.
أول أربعة أيام، كانت بتبعت لي رسالة كل يوم الصبح.
صباح الخير.
وحشتني.
بسمة لسه مش لاقية المعالق والشوك.
كريم لسه مش عارف يعلق ستاير خالص.
بعد كده الرسائل وقفت.
اتصلت.
مفيش رد.
بعت رسالة.
ولا حاجة.
اتصلت بكريم.
قال لي: “هي كويسة يا بابا، تعبانة بس. كنا مشغلينها معانا”.
ضحكته بعد الكلمة دي ما كانتش مريحة.
على اليوم الخامس, بطلت أنتظر.
الطريق لطنطا كان كأنه ملوش نهاية. مع كل كيلو، كنت بحاول أهدي نفسي.
يمكن شاحن ماجدة ضاع.
يمكن نايمة.
يمكن مشغولة بس.
يمكن كل حاجة تمام.
بس بعد واحد وأربعين سنة جواز، كنت بعرف الفرق بين السكوت والغياب.
منطقة كريم كانت شكلها مثالي وزي الفل زي الأحياء الراقية.
جناين واسعة.
صناديق بريد من الطوب.
شجر قديم.
أنوار البيوت منورة حتى بعد الظهر.
بيته كان قريب من آخر الشارع، بشيش أبيض، وتراس واسع، وستاير مقفولة للآخر.
هدوء زيادة عن اللزوم.
ركنت جنب الرصيف.
قبل ما أوصل للمشاية حتى، راجل عجوز جري عليا من الشارع التاني. كان عنده حوالي تمانين سنة، رفيع ومتوتر، وبيتحرك زي شخص كان مستني حد معين يوصل.
”أنت تقرب للست اللي في البيت ده؟”
قلت له: “دي مراتي، فاروق الشناوي”.
”عم حلمي”. يا دوب سلم عليا بالإيد وشاور على بيت كريم: “لازم تطلب الإسعاف حالا قبل ما تدخل جوه”.
إيدي راحت على تليفوني علطول.
”إيه اللي حصل؟”
عينه راحت على شبابيك الدور اللي فوق.
”من تلات أيام، شفت مراتك من الشباك الأمامي. كانت قاعدة على ترابيزة المطبخ ومش قادرة ترفع راسها. وبعدين اتزحلقت من على الكرسي ووقعت”.
كل حاجة حواليا كأنها ضاقت.
عم حلمي قال: “نديت على ابنك. قال لي إنها كويسة. قال إنها شربت حاجة تقيلة مع العشا. بس أنا فضلت مراقب لحوالي ساعة. مفيش حد ساعدها تقوم من على الأرض”.
زوري اتقفل.
”إيه تاني؟”
”طلبت مساعدة طبية على أي حال. المسعفين جوم. ابنك قابلهم عند الباب وقال لهم إنها اتكلمت مع دكتور خلاص. وقال إن الموضوع اتمهد. فمشيو”.
الشارع كله كان كأنه ساكت.
أديت الموظف العنوان والتفاصيل بصوت قصير ومتحكم، الصوت اللي تلاتين سنة شغل في الشرطة حفروا فيا. مراتي اتشافت وهي غايبة عن الوعي. ما ردتش على مكالمات بقالها أيام. وكنت حاسس إنها محتاج رعاية طبية عاجلة.
بعدها رحت للباب الأمامي.
كريم فتح قبل ما أخبط مرتين.
قال وهو بيبربش كأني قاطعته: “بابا، ما كنتش أعرف إنك جاي”.
”أمك فين؟”
”هي فوق بتستريح. كانت تعبانة. بسمة كانت بتهتم بـ…”
عديت من جنبه.
”بابا، استنى”.
ما استنيتش.
البيت كان ريحته دهان جديد، وكرتون، وحاجة مسكرة جاية من المطبخ. الكراتين كانت مالية الطرقة، بس مفيش حاجة مكركبة كفاية تشرح أربعة أيام من السكوت.
في نص السلم، بسمة ظهرت بلوفر ناعم، شعرها مترتب، وتعبيرات وشها هادية ومدروسة.
قالت: “عم فاروق، أنت خضيتنا”.
”ماجدة فين؟”
”هي نايمة. طلبت محدش يزعجها”.
بصيت لها.
”مراتي ما ردتش عليا بقالها أربعة أيام”.
كريم جه ورايا.
”بابا، أنت بتكبر الموضوع أكتر من حجمه”.
الجملة دي غيرت حاجة جوايا.
لأني سمعت نسخ منها قبل كده.
لما كريم كان بيعوز فلوس.
لما كريم كان بيعوز سماح.
لما كريم كان عايزنا نطنش مشكلة تانية.
أنت بتفكر زيادة عن اللزوم.
أنت بتعمل دراما.
أنت مش فاهم الأمور صعبة إزاي دلوقتي.
كملت مشي.
لقيت ماجدة في أوضة الضيوف اللي فوق.
الستاير كانت مقفولة. الهواء كان مكتوم. كانت نايمة تحت البطاطين ومش باين منها غير وشها بس، وفي اللحظة اللي شفتها فيها، كل عذر كريم قاله لي انهار.
كان شكلها أصغر.
أبهت.
كأن في حاجة بتسحبها مني بالراحة في حين إن كل اللي تحت كانوا بيتدربوا على تبريراتهم.
عنيها فتحت لما نورت اللمبة.
عينها جت في عيني.
همست: “فاروق”.
الراحة اللي كانت على وشها كانت أوحش من الخوف.
لأنها كانت معناه إنها كانت مستنية.
قعدت جنبها وأخدت إيدها.
قلت لها: “أنا هنا، المساعدة جاية”.
ورايا، كريم اتكلم من عند الباب.
”كان عندها رد فعل من حاجة. كنا بنتصرف”.
لفيت لابني.
ما كنتش بزعق.
ما كنتش بترعش.
استخدمت الصوت اللي كنت بستخدمه لسنين لما الكدب بيدخل الأوضة وهو عامل نفسه اهتمام.
”ما تنطقش ولا كلمة تانية”.
الإسعاف وصلت بعد دقايق.
كريم وبسمة فضلو على التراس.
ما جوش ورانا المستشفى.
دي كانت اللحظة اللي بطلت فيها أفكر كزوج مرعوب بس، وبدأت ألاحظ ك الراجل اللي كنت عليه زمان.
الستاير المقفولة.
التليفون الضايع.
الجار اللي كانوا يتمنوا محدش يصدقه.
الشربات المسكر اللي ماجدة قالت إن بسمة كانت بتجيبه لها كل ليلة.
والطريقة اللي كريم كان بيبص بيها عليا من على السلم الأمامي وأبواب الإسعاف بتقفل.
مش قلقان.
مقفوش.
الدكتور في الاستقبال أول ما شافها وبص على التحاليل السريعة، وشه اتغير. بص لي وقال لي: “يا فندم، مدام ماجدة عندها هبوط حاد في الدورة الدموية، ونسبة الجفاف في جسمها مرعبة، ده غير إن في آثار لمادة مهدئة قوية جدًا في دمها. هي كانت بتاخد أي أدوية نفسية؟”
قلت له وأنا حاسس إن جبل بيقع فوق دماغي: “لأ، مراتي مبتخدش غير فيتامينات، وصحتها زي الفل”.
الدكتور هز راسه وقال: “الموضوع مش مريح، إحنا هنجزّأ لها محاليل وهتقعد في الرعاية كام يوم تحت الملاحظة، وبلغنا نقطة الشرطة اللي في المستشفى كإجراء روتيني”.
كلمة “الشرطة” رجعتني فرانك الشناوي، المفتش اللي ما يفوتوش الهوا.
سبت ماجدة في الرعاية بعد ما اتأكدت إنها بدأت تفتح عينيها ببطء وتبص لي بأمان، وركبت عربيتي ورجعت على شقة كريم.
وصلت هناك الفجر. الشارع كان هس، مفيش غير عم حلمي اللي كان لسه واقف في البلكونة بتاعته، أول ما شافني نزل لي جري.
”طمني يا فاروق بيه، المدام عاملة إيه؟”
”لحقناها يا عم حلمي، الحمد لله. بس قولي… أنت شفت كريم أو بسمة خرجوا من البيت بعد ما أنا مشيت؟”
عم حلمي وطى صوته وقال: “كريم نزل بعدك بنص ساعة، فتح شنطة عربيتك النقل اللي أنت راكنها، وأخد منها حاجة، وبعدها طلع تاني.. أنا كنت مراقبه من ورا الشيش”.
طلعت على الشقة علطول. خبطت خبطة واحدة قوية. كريم فتح، وشه كان مخطوف، وبسمة كانت واقفة وراه لافّة شال حوالين كتافها وبتترعش.
”بابا؟ ماما جرالها حاجة؟” كريم سأل وصوته بيقطع.
دخلت ومردتش عليه. رحت دايركت على المطبخ. بدأت أفتح الضلف، أدور في الزبالة، لحد ما لقيت علبة دواء مهدئ شريطها متقفل منه تلات حبوب بس، والعلبة مكنتش باسم حد فيهم. وفي نفس الوقت، عيني جت على تليفون ماجدة… كان محطوط فوق التلاجة، ومتداري ورا علبة شاي، ومقفول.
حطيت التليفون وعلبة الدوا في جيبي، وخرجت الصالة.
”الدوا ده بتاع مين؟” رميت العلبة على الترابيزة.
كريم بلع ريقه وبص لبسمة: “ده… ده بتاع بسمة يا بابا، كانت بتاخده عشان قلق النقل”.
”وبسمة كانت بتحط منه في الشربات لجميلة؟” صجيت فيهم بصوتي اللي بيهز قاعات التحقيق. “تليفون أمك فوق التلاجة ليه ومقفول؟ وليه سيبتوها مرمية على الأرض يومين ومنعتوا الإسعاف؟”
بسمة عيطت وقعدت على الكنبة: “والله العظيم ما كان قصدنا نأذيها! إحنا بس كنا عايزينها تفضل نايمة كام يوم عشان نخلص الحوار!”
”حوار إيه؟!”
كريم نزل على ركبه وقرب مني: “يا بابا أنا كنت مزنوق… الشقة دي مأجزها إيجار جديد بمبلغ وقدره مش تمليك زي ما قلتلكم، وكان عليا شيكات وممكن أتحبس. أنا بس… كنت محتاج توكيل من أمي عشان أسحب الفلوس اللي في حساب المعاش بتاعها، كنت هسحبهم وأرجعهم تاني والله! بس هي لما جت ولقت البيت فاضي ومفيش عفش، بدأت تشك وتزعق وتقول إنها هتكلمك… أنا اتميت، وبسمة قالت نهدّيها بأي حاجة لحد ما أفكر هعمل إيه!”
بصيت لكريم… ابني اللي ربيته. اللي كنت فاكر إنه بس طايش، طلع مستعد يهدّ حيل أمه ويموّتها بالبطيء عشان قرشين.
”أنت أخدت إيه من عربيتي لما نزلت ورايا؟” سألته ببرود يخوف.
كريم حط راسه في الأرض وصوته مش طالع: “المحفظة التانية بتاعتك… اللي فيها فيزا الحساب المشترك بتاعك أنت وأمي… كنت عارف الباسورد”.
مديت إيدي وأخدت منه المحفظة اللي كانت في جيبه. بصيت له لأخر مرة، وبصيت لبسمة اللي كانت بتمسح دموعها.
”أنا بلغت الإسعاف بصفتي جوزها… بس المحضر اللي هيتفتح الصبح في النيابة، هتشرف عليه بنفسي بصفتي لواء شرطة سابق”.
كريم صرخ: “يا بابا هتحبسني؟ أنا ابنك!”
لفيت ضهري ومشيت وأنا بقول له جملته المفضلة: “أنت بتكبر الموضوع أكتر من حجمه يا كريم… ده مجرد قانون، والقانون بيعمل في الناس كده”.
نزلت السلم، ركبت عربيتي، ورجعت للمستشفى. قعدت جنب ماجدة، مسكت إيدها الدا can الدافية، ولأول مرة من سنين… سمحت لنفسي إني أعيط.
الصبح طلع، ونور الشمس بدأ يدخل من شباك أوضة الرعاية المركزية.
ماجدة فتحت عينيها بالراحة، بصت حواليها وجمعت نفسها بصعوبة، ولما شافتني قاعد على الكرسي جنبها ومبتسم لها، عينيها لمعت بالدموع. حاولت تتكلم، بس صوتها كان هربان.
”اشربي يا حبيبتي، اشربي بالراحة.” ساندت راسها وشربتها بق ميه.
”فاروق… كريم… كريم وبسمة فين؟” سألتني وصوتها لسه مرعوش.
بصيت في عينيها وضغطت على إيدها: “كريم وبسمة في المكان اللي يستاهلوه يا ماجدة. ارتاحي أنتِ بس ومتقلقيش من أي حاجة”.
هي سكتت، وكأنها فهمت كل حاجة من غير ما أتكلم. الوجع اللي في عينيها مكنش وجع تعب، كان وجع صدمة الأم في ابنها اللي عاشت تكبّر فيه. هزت راسها وغمضت عينيها تاني وهي بتدعي في سرها.
سيبتها ترتاح وخرجت بره الأوضة، لقيت الملازم أول أحمد، من نقطة المستشفى، واقف مستنيني ومعاه دفتر المحاضر. أول ما شافني وقف انتباه وضرب التعظيم: “تمام يا فندم. المحضر جاهز على التوقيع، والنيابة أخطرت وقوة من القسم راحت على الشقة بناءً على توجيهات سيادتك”.
”أخدوا العينات من الشقة؟” سألته وأنا بربط زراير جاكيت بدلي.
”تمام يا فندم، رجالة الأدلة الجنائية حرزوا علبة الدوا، وبواقي الشربات اللي في المطبخ، وأقوال الجار عم حلمي اتثبتت في المحضر رسمي. المتهمين دلوقتي في القسم بيتحقق معاهم”.
هزيت راسي وقلت له: “يا أحمد، المحضر ده يتوجّه فيه تهمة الشروع في القت*ل مع سبق الإصرار والترصد، والسرقة بالإكراه. مفيش ثغرة واحدة تفوت، مفهوم؟”
”مفهوم يا فندم، اعتبره حصل”.
نزلت على قسم الشرطة بنفسي. أول ما دخلت، رئيس المباحث وقف رحب بيا ودخلني مكتبه. طلب لي قهوة وسألني بأسف: “والله يا فندم أنا مش عارف أقول لسيادتك إيه.. الشاب طمع وعمى عينيه، وبسمة مراته هي اللي كانت بتوزّه على كل ده عشان خايفة من الحبس في موضوع الشيكات”.
”أنا عايز أشوفه”، قلتها بجمود.
دخلت أوضة الحجز. كريم كان قاعد في الركن، هدومه متبهدلة، ووشه في الأرض. أول ما سمع صوت جزمتي رفع راسه وجري على السلك: “بابا! عشان خاطر ربنا طلعني من هنا! بسمة هي السبب.. هي اللي قالت لي أعمل كده والله! أنا مكنتش هأذي أمي!”
وقفت قدامه، حاطط إيدي في جيبي، وبصيت له بنظرة خالية من أي مشاعر: “أمك كانت بتموت يا كريم. تلات أيام وهي سايحة في دمها وعلى الأرض، وأنت بتتعشى وبتتفرج على التلفزيون وبتخطط هتسرقنا إزاي. أنت مفيش في قلبك رحمة”.
”يا بابا أنا ابنك! من لحمك ودمك! هتبهدلني في المحاكم؟” صرخ وهو بيعيط ويهز السلك.
قربت من السلك ووطيت صوته عشان يسمعني كويس: “من اللحظة اللي فكرت فيها تمد إيدك على أمك وتأذيها، أنت مابقتش ابني. أنت مجرد متهم في ق*ضية أنا هقفلها بـ إيدي”.
سبته وصراخه مالي الممر وخرجت.
عدى أسبوع، وبدأت صحة ماجدة تتحسن والحمد لله خرجت من المستشفى. رجعنا بيتنا في القاهرة.. البيت الكبير اللي كريم كان شايفه واسع علينا.
قعدت ماجدة في الصالون، ورجعت ترتب الورد في الفازات، وتطبق المفارش بطريقتها المثالية اللي بتريح العين. وأنا واقف في البلكونة، ببص على الشارع وبشرب قهوتي.
جت وقفت جنبي، حطت إيدها على كتفي وقالت: “فاروق… أنت عملت الصح. متوجعش قلبك”.
لفيت وبصيت لها، وأخدتها في حضني. لأول مرة من سنين، حسيت إن البيت فعلاً رجع دافي، مش بسبب العفش ولا الترتيب، بس عشان السكوت اللي كان مالي حياتنا اتكسر، والحقيقة ظهرت، حتى لو كانت الحقيقة دي بتوجع.
التليفون رن على طربيزة الصالون… كان رقم محامي كريم. بصيت للتليفون، وبعدين بصيت لماجدة، ومديت إيدي وقفلته خالص.
مبقاش في وقت للدراما.. دلوقتي جه وقت الحساب.
بعد شهرين من الواقعة دي، كانت الأمور استقرت تماماً. المحكمة حددت أول جلسة لكريم وبسمة، والقض*ية كانت مقفولة بالضبة والمفتاح؛ تقرير الطب الشرعي مع شهادة عم حلمي وتحريات المباحث مخلتش للمحامي بتاعهم ثغرة واحدة يتحرك فيها.
في يوم الجلسة، ماجدة رفضت تيجي معايا. قعدت في البيت، وأنا نزلت لبست بدلتي ورحت المحكمة.
أول ما دخلت القاعة، عيني جت على قفص الاتهام. كريم كان واقف دقنه طالعة، خاسس للنص، وبسمة واقفة في الركن وبتعيط بانهيار. أول ما كريم شافني، عينه لمعت بأمل كاذب، افتكر إني جاي في آخر لحظة عشان أتنازل أو أهون عليه.
بدأت الجلسة، والمحامي بتاعه حاول يستميل قلب المحكمة، وقال إن المتهم ابن المجني عليها ومكنش يقصد، وإنها مجرد خلافات عائلية أدت لسوء تفاهم.
القاضي بص لي بصفتي المدعي بالحق المدني والولي الطبيعي، وسألني: “سيادة اللواء فاروق الشناوي… هل عندك أقوال تحب تضيفها؟ أو في نية للتصالح كون المتهم ابنك؟”
وقفت بثبات، القاعة كلها كانت هس. بصيت للقاضي وقلت بصوت جهوري ملوش رجعة: “يا سيادة المستشار، المتهم اللي واقف في القفص ده مجرد من أي صلة رحم. القانون مبيفرقش بين غريب وقريب لما تنعدم الإنسانية. أنا هنا مش بطالب بحق ابني، أنا بطالب بحق زوجة وأم كانت بتموت بالبطيء وهي بتثق في ابنها. أنا بطلب توقيع أقصى عقوبة”.
كريم في اللحظة دي صرخ من ورا السلك: “ليه يا بابا؟ حرام عليك! أنا ابنك الوحيد! هضيع مستقبلي؟”
القاضي خبط بالشاكوش: “بإيجاز!”
وبعد المداولة، صدر الحكم: السجن المشدد سبع سنوات لكريم وبسمة بتهمة الشروع في الق*تل والسرقة بالإكراه.
خرجت من قاعة المحكمة وأنا حاسس إن في حمل اتشال من على كتافي، وفي نفس الوقت في حزن حفر في قلبي علامة مش هتمشي. بس الحق لازم كان يتعمل.
رجعت البيت، فتحت الباب، لقيت ريحة محشي ورق عنب مالي المكان، الروايح المصرية الأصيلة اللي بتطمنك إنك في بيتك. ماجدة كانت واقفة في المطبخ، لافّة المريلة، وبتغرف الأكل بانتظام وترتيب كالعادة.
بصت لي من فوق نضارة القراية وقالت بهدوء: “خلصت يا فاروق؟”
قربت منها، بوست راسها وقلت لها: “خلصت يا قلب فاروق. العدل اتنفذ، والصفحة دي اتقفلت تماماً من حياتنا”.
هزت راسها، ومسحت دمعة هربت من عينها بسرعة عشان متورينيش ضعفها، وقالت: “يلا عشان تتغدى.. الأكل هيبرد”.
قعدنا على السفرة، البيت كان هادي، الهدوء الطبيعي المريح مش السكوت المخيف اللي عيشناه. بصيت لماجدة وهي بتهتم بكل تفصيلة، وعرفت إننا رغم الوجع، كسبنا نفسنا، وكسبنا بيتنا اللي هيفضل طول عمره دافي بأمانا مع بعض.


تعليقات
إرسال تعليق