القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

  خدامه حماتى




خدامه حماتى


كنت اجى على نفسى دايما عشان ارضى حماتى

كنت انزل أعملها طلبات البيت ولمل اخلص اطلع شقتى اشوف شغل بيتى كنت اخاف ازعلها تقلب حوزى عليه حتى وانا حامل كنت استحمل واقول معلش اخلصلها حاجتها واطلع بعدين وكده كده هنام فى الاخر ده حتى النوم بعد التعب بيبقى عميق وحلو مافيش حاجه لو اعتبرتها زى امى

وفعلاً يومى كله مابين شقتها وشقتى

سلفتى كانت دايما ترفض تساعدها فى حاجة ولو اتكلمت تقولى بيتى أولى بيه وانا قادره اعمل فى بيتى لما اعمل فى بيتها

فى يوم

كنت واقفه كالعاده فى المطبخ عندها بعد ما كنت لسه مخلصة شقتها ومخلية الحتة قشطة، وعاملة الأكل ومظبطة كل حاجة، وكنت واقفة في المطبخ بجيب حاجة، وسمعتها وهي بتكلم بنتها في التليفون وبتقولها: “تعالي يا حبيبتي اتغدي معايا، سوسن لسه مخلصة تنضيف وعاملة غدا يفتح النفس، تعالي ريحي نفسك النهاردة من شغل البيت وانتى مروحه ابقى خدى أكل لجوزك

بنتها ردت عليها وقالتلها

ـ يا ماما آجي فين بس؟ ده العيال هيبهدلوا الدنيا وانتى بتقولى سوسن لسه منضفه

ضحكت حماتي وقالتلها بكل برود ولا كأنها ذله اللسان

ـ وماله يا حبيبتي تعالي وميهمكيش! ما هي الخدامة أم بلاش موجودة، هتنضف وراهم وتلم كل حاجة، هو أنا يعني اللي بمد إيدي في حاجة؟ تعالي وبس متشيليش هم واقعدى يومين كمان هانم فى بيت امك

الكلمة نزلت عليا زي المية الساقعة، وقفت مذهولة ومش مصدقة وداني.. يعني كل التعب ده دي وفي الآخر أبقى بالنسبة لها الخدامة أم بلاش

طلعت شقتي وأنا مش شايفة قدامي من الدموع، قفلت الباب ورايا ورميت نفسي على الكنبة وفضلت أعيط بحرقة.. العياط المر اللي بيطلع من الوجع والصدمة. الكلمة كانت بترن في وداني زي الجرس الخدامة أم بلاش. “الخدامة أم بلاش”

وفجأة وسط العياط، جالي خاطر وقفلي دموعي ونشف دم في عروقي.. سألت نفسي: “يا ترى جوزي عارف؟!”

يا ترى هو شايفني كدة برضه؟ هل هو متفق معاهم في السر ومن ورايا على طريقتي دي ومستغل طيبتي، ولا هو كمان مخدوع فيهم وزيي زيّه؟

الشك بدأ يأكل في قلبي، وقلت لنفسي مفيش حل غير إني أواجهه، بس مش هحكيله اللي سمعته.. أنا هحطه قدام الأمر الواقع، ومن رد فعله هعرف كل حاجة.. هعرف إذا كان شبايه ورامي طوبتي، ولا شريكي بجد وحاسس بيا.

قعدت على نار لحد ما سمعت صوت مفتاحه في الباب.. دخل وبص في وشي لقى عيوني حمرا ومنفوخة، استغرب وقرب عليا وقال: “مالك يا سوسن؟ في إيه ؟ إنتِى تعبانة ولا الحمل تعبك؟

أخدت نفس طويل، وجمعت كل القوة اللي باقية فيا، وبصيت في عينه مباشرة وقلتله بنبرة هادية بس قاطعة: “أنا مش هانزل لامك تاني يا أحمد.. من هنا ورايح أنا لبيتي وليك وللي في بطني بس، ومش هعمل حاجة تحت .

سكتّ وفضلت عيني في عينه.. مستنية الكلمة اللي هتطلع منه، ومستنية أشوف ملامح وشها هتروح فين، عشان أفهم أنا مكاني إيه في البيت ده!



ملامح أحمد اتغيّرت في ثانية، الابتسامة اللي كانت على وشه تاهت، وحواجبه اتقابلت بذهول وهو مش مستوعب الكلام. فضلت عيني في عينه، كأن الزمن وقف بينا، وكل ثانية بتمر كانت بتشرحلي حاجة جوه قلبه قبل ما ينطق.

بصلي شوية وهو ساكت، الصدمة لجمت لسانه، وبعدين أخد نفس طويل وقرب خطوة، قعد جنبه على الكنبة وحط إيده على كتفي وقال بنبرة ملخبطة بين القلق والزعل:

ـ إيه اللي بتقوليه ده يا سوسن؟ مش هتنزل لـ أمي تاني إزاي؟ إنتِ عارفة إنها ست كببرة ومتقدرش على شغل البيت لوحدها، وإنتِ طول عمرك بتعملي كده برضاكي، إيه اللي اتغيّر فجأة؟ حد زعلك فوق؟ ولا سلفتك قالتلك كلمتين ضايقوكي؟

النبرة مكنتش نبرة واحد متآمر، مكنتش نبرة واحد شايفني “خدامة”، كانت نبرة العادي.. العادي اللي اتعود عليه وشايف إن ده الطبيعي بتاعنا.

سحبت كتفي بالراحة من تحت إيده، وحافظت على هدوئي القاتل اللي مغطي على البركان اللي جوايا، وقلتله:

ـ محدش قالي حاجة يا أحمد، ومحدش زعلني.. أنا بس فجأة فقت، فقت وعرفت إن صحتي واللي في بطني وبيتي ليهم حق عليا.. الحق ده أنا كنت باجي عليه عشان أرضي الكل، بس للاسف، اتضح إن الرضا ده ملوش وجود، والتعب ملوش تمن.

أحمد وقف، وبدأ النرفزة تظهر في صوته، مش كره فيا، بس كأنه خايف من “القلبة” اللي هتحصل في البيت والمشاكل اللي هتطير من شقة أمه لشقتنا:

ـ تمام إيه يا سوسن؟ إنتِ بتنزلي تخدمي أمي، الست اللي في مقام أمك! إنتِ شايفة إن مساعدتها محتاجة تمن؟ وبعدين لما تقعدي في شقتك وسلفتك قافلة على نفسها، أمي هتعمل إيه؟ هتاكل منين وتنضف إزاي؟ إنتِ عايزاني أدخل في خناق معاها ومع إخواتي عشان إنتِ قررتي فجأة تقعدي؟

في اللحظة دي، الشك اللي كان بياكل في قلبي بدأ يهدى، بس الوجع زاد. أحمد مش متآمر، أحمد مش شايفني خدامة بالمعنى الحرفي، هو بس واخدني “مضمونة”.. واخد طيبيتي وجدعتي وحبي ليه فرض عين وحق مكتسب، ومستسهل إن يشيلني الحمل كله عشان يشتري دماغه من زعل أمه.

بصيتله وبقوة مكنتش أعرف إنها جوايا، وقفت قدامه وقلتله بصوت مرتعش بس حاسم:

ـ وأنا مين يشتري دماغي يا أحمد؟ مين يشيل عني لما بطلع مش قادرة أفرد ضهري؟ أمك اللي في مقام أمي دي.. فكرت فيا مرة وأنا حامل وتعبانة؟ فكرت تقولي اطلعي ارتاحي وبلاش تنضيف النهاردة؟ لا يا أحمد، أنا مش هانزل تاني.. ومش هعيش دور الضحية اللي بتيجي على نفسها عشان المركب تمشي.. لو المركب مش هتمشي غير بـ صحتي وكرامتي، يبقى تقف أحسن.

أحمد رجع لورا خطوة، كأنه أول مرة يشوف سوسن اللي واقفة قدامه دي.. الست المطيعة، الهادية، اللي بتقول “حاضر ونعم” اختفت، وظهرت واحدة تانية، مكسورة من جواها بس مصلوبة ومبتتنازلش.

سألني بصوت واطي وهو بيحاول يقرا عينيا:

ـ هو في حاجة حصلت إنتِ مخبياها عليا؟ في كلام اتعقالك؟

دموعي خانتني ونزلت، بس مسحتها بسرعة وقلتله:

ـ مفيش حاجة اتقالتلي.. في حاجات أنا فهمتها لوحدي، ومكاني في البيت ده أنا اللي هحدده من النهاردة.. فـ لو سمحت، متخيرنيش بين بيتي وصحتي، وبين أي حاجة تانية.. القرار ده مش هرجع فيه، ورد فعلك هو اللي هيعرفني.. أنا إيه بالنسبة لك؟ شريكة حياتك، ولا مجرد حد بيسد خانات ويريحك من المشاكل؟

سابني ودخل البلكونة، وقف يشرب سيجارة ، وأنا قعدت مكاني.. مستنية أشوف، هل هيفهم الوجع اللي ورا الكبرياء ده، ولا هيدور على “الخدامة أم بلاش” اللي ضاعت منه؟

لف أحمد ضهره ودخل من البلكونة، رمى السيجارة في الطفاية بعصبية مكتومة، وقرب مني. المرة دي ملامحه مكنتش غضبانة، كانت ملامح واحد حاسس إن في “سر” كبير ورا التحول المفاجئ ده، واحد بيحب مراته بجد بس الصدمة كانت مخلياه مش مجمع.

وقف قدامي، وطى لمستوايا ومسك إيديا الاتنين، وبص في عيني بنظرة رجاء وقال بصوت هادي وفيه لوم:

ـ ماشي يا سوسن.. أنا موافق على اللي إنتِ عايزاه، ومش هجبرك تنزلي تاني ولا هعملك مشكلة.. بس بشرط واحد، وبصيلي في عيني وإنتِ بتجاوبيني.. تحكيلي حالا بالظبط إيه اللي حصل تحت؟ سوسن اللي أنا متجوزها وعارف طيبتها وأصلها مستحيل تقلب القلبة دي من الباب للطاقة لمجرد إنها تعبت، في كلمة اتقالتلك، في حاجة كبيرة حصلت كسرت نفسك وخليتك تاخدي الموقف ده.. احكيلي يا سوسن وم تخبيش عليا، أنا جوزك.

النبرة الحنينة اللي في صوته، مع كلمة “أنا جوزك”، كانت زي القشة اللي قطمت ضهر البعير.. الحصون اللي كنت بانيها عشان أبان قوية اتهدت في ثانية، والدموع اللي كنت حابساها انفجرت من عيني بحرقة.

شديت إيدي من إيده وغطيت بيها وشي وأنا بنهج من كتر العياط، وهو قعد جنبي، شدني لحضنه وفضل يطبطب على ضهري ويهديني وهو بيقول: “وحدي الله يا حبيبتي، مفيش حاجة تستاهل كل ده، قوليلي في إيه؟”

أخدت نفس طويل، وخرجت من حضنه وأنا بمسح دموعي بكم عبايتي، وبصيتله وقلت بمرارة وصوت متقطع:

ـ هحكيلك يا أحمد.. هحكيلك عشان تعرف أنا ليه قلبي اتقبض وليه مش هعتب الشقة دي تاني.. أنا كنت تحت من شوية، بعد ما هديت حيلي في تنضيف الشقة ومخليتها قشطة، وعملت غدا يفتح النفس للكل وأنا ضهري مقسوم من الحمل.. وقفت في المطبخ بجيب حاجة، وسمعت أمك بتكلم أختك في التليفون وبتعزمها تيجي تتغدى وتريح نفسها من شغل بيتها وتاخد أكل لجوزها وهي مروحة.

أحمد حواجبة اتقابلت وبصلي باستغراب:

ـ طب وإيه في كده يزعل يا سوسن؟ ما دي أختي وده بيت أمها، وإنتِ طول عمرك كريمة وبتفرحي لما بتتجمعوا!

ضحكت بوجع وسخرية، والدموع لسه نازلة على خدي، وقلتله:

ـ استنى يا أحمد، أنا مخلصتش.. أختك ردت عليها وقالتلها “يا ماما آجي فين بس؟ ده العيال هيبهدلوا الدنيا وإنتِ بتقولي سوسن لسه منضفة”.. عارف أمك ردت عليها قالتلها إيه بكل برود؟

سكتّ ثانية، والكلمة رجعت ترن في وداني وتدبحني من جديد، كملت وأنا بشاور بصباعي في وشه:

ـ قالتلها: “وماله يا حبيبتي تعالي وميهمكيش! ما هي الخدامة أم بلاش موجودة، هتنضف وراهم وتلم كل حاجة، هو أنا يعني اللي بمد إيدي في حاجة؟ تعالي وبس متشيليش هم واقعدي يومين كمان هانم في بيت أمك”.

الكلمة نزلت على أحمد زي الصاعقة.. ريأكشن وشه اتقلب 180 درجة، عينيه وسعت بذهول، وإيده اللي كانت ماسكة كتفي ترخت تماماً وسقطت جنبه.. شفايفه اتمطت بصدمة وهو مش قادر ينطق، كأنه مش مصدق إن الكلمات دي تطلع من أمه.

كملت وكلامي زي الرصاص:

ـ الخدامة أم بلاش يا أحمد!.. ده قَدري وقيمتي عندهم بعد كل السنين دي.. بعد ما كنت باجي على نفسي وصحتي وحملي عشانها وعشانك وعشان بيتك.. سلفتك اللي قافلة بابها وشايفة بيتها أولى، هي الهانم اللي بيعملولها ألف حساب، وأنا اللي بضحي بكل حاجة بقيت الخدامة أم بلاش اللي بتنضف ورا عيال بنتها وتلم وراهم عشان بنتها تقعد هانم!.. قولي بقى يا أحمد.. بعد اللي سمعته ده بدناني.. أرضى بـ إيه تاني؟ وأنزِل بصفتي إيه؟



أحمد فضِل قاعد مكانه، مذهول، عينه مثبتة في الأرض والسكوت اللي حلّ في الصفرة كان مرعب. كنت سامعة صوت نَفَسه العالي، وكأن الكلمة كبست على نفسه هو كمان.. “الخدامة أم بلاش”. الكلمة جرحت كرامته في مقتل، لأن كرامتي من كرامته، ولأن الست اللي اتهانت دي هي مراته، وأم ابنه اللي جاي.

رفع عينه وبصلي، شوفت فيهم ميكس غريب من الصدمة، والكسرة، والغل المكتوم. ملامح الوش المستهون بالطيبة اختفت تماماً، وحلّ محلها وش راجل حاسس بالذنب والمسؤولية.

قرب مني تاني، والمرة دي مسك إيدي بضغط أقوى، كأنه بيعتذرلي من غير ما ينطق، وقال بصوت مخنوق ومكتوم:

ـ حقك عليا يا سوسن.. الكلمة دي متقالتلكيش إنتِ، الكلمة دي تِقصدني أنا في مقامي ورجولتي قبل ما تقصدك.. أنا اللي سمحت لطيبيتك تتوجه في المكان الغلط، وأنا اللي استسهلت وقولت مراتي أصيلة وبتشيل، لحد ما افتكروها حق مكتسب و”ببلاش”.

دمعة واحدة نزلت من عينه مسحها بسرعة ووقف، بدأ يتحرك في الصالة بعصبية وهو بيجز على سنانه:

ـ والله العظيم ما كنت أعرف ولا عمري تخيلت إن ده تفكيرهم! أنا كنت بشوفك بتنزلي برضاكي وبحب، وكنت بقول الحمد لله ربنا رزقني بـ ست أصيلة شايلاني وشايلة أهلي.. بس لحد هنا وكرامتك خط أحمر، كرامتك هي كرامتي يا سوسن، واللي يرميكِ بكلمة كأنه رماني في وشي.

بصيتله وأنا بنهج، وبدأت نبرة الصدمة في صوته تطمن قلبي من ناحيته.. الشك اللي كان بياكلني إنه يكون مستغلني مات واندفن. أحمد طلع زيي، مخدوع في العطاء اللي كان بيقدمه بحسن نية.

سألته بصوت واطي ومجهد:

ـ هتعمل إيه يا أحمد؟ أنا مش عايزة مشاكل، أنا كل اللي عايزاه إني أشتري نفسي وصحتي، ومش هعتب الشقة دي تاني.

وقف قدامي، ملامحه جِمدت، وبقت قاطعة زي السيف:

ـ مش هتعتبيها، وده أمر منتهي ومش شرط.. ده حَقك. من النهاردة مفيش نزول، وشغل تحت ده ينسوه تماماً.. وبنتها اللي جاية تقعد هانم، تيجي تشيل أمها وتخدمها، أو يجيبوا حد بفلوسهم، إنما مراتي مش خدامة عند حد.

سكت ثانية وكمل وعينيه بتلمع بوعيد:

ـ أنا نازل لأمي حالا.. هفهمها إن “الخدامة أم بلاش” دي، هي هانم البيوت كلها، وإن الست اللي شالتها في تعبها وهي حامل، كان المفروض تِتشال فوق الراس، مش يتقال عليها كده في ضهرها.. أنا هحط النقط فوق الحروف يا سوسن، وعايزك تقعدي هنا، تحطي في بطنك بطيخة صيفي، وتعرفي إن طول ما أنا عايش على وش الدنيا، محدش هيقدر يكسرلك عين ولا يقلل من قيمتك.

اتجه ناحية الباب، وعزم خطوته كان يطمن ويفزع في نفس الوقت. قفلت الباب وراه، وقعدت ورا الباب وأنا باخد نفسي لأول مرة من ساعات.. الحِمل اتشال من على كتافي، والشك اتمحى، بس المعركة الكبيرة كانت لسه هتبدأ تحت.

نزل أحمد، ورزع باب الشقة وراه رزعة هزت الحيطة وهزت معاها قلبي. وقفت ورا الباب، ودقات قلبي بتدق زي الطبل.. الخوف رجع ينهش فيا تاني، بس المرة دي مش خوف من أحمد، ده خوف من “القلبة” اللي هتحصل تحت، ومن المواجهة اللي شكلها مش هتعّدي على خير.

مشيت في الصالة بخطوات ثقيلة، الحمل مخليني مش قادرة، وقعدت على الكنبة القريبة من البلكونة.. فتحت الشباك سنة صغيرة عشان ألقط الهوا، وحطيت إيدي على بطني وأنا بدعي في سري: “يا رب عدّيها على خير.. يا رب أنا مظلمتش حد، أنا بس جيبت آخري”.

تحت في شقة حماتي، الصوت مكنش طالع أوي في الأول، بس بعد عشر دقائق بالضبط، بدأت الأصوات تعلى وتوصل لحد عندي. سمعت صوت أحمد وهو بيزعق بنبرة عمري ما سمعتها منه.. نبرة راجل مجروح في كرامته، صوته كان حاد ومزلزل:

ـ “مراتي مش خدامة يا أمي!.. سوسن اللي شايلاكي في تعبك وشايلة البيت على كتافها وهي مش قادرة تفرد ضهرها، تتقال عليها كلمة زي دي؟!”

وبعدها سمعت صوت حماتي وهي بتصوت وتولول بالطريقة اللي حفظتها:

ـ “يا لمتي يا ناس! بقى بتعلي صوتك عليا عشان خاطر مرأتك؟ أنا قولت إيه يعني؟ دي كلمة وطلعت في وسط الكلام، وهي إيه اللي وقفها تتصنت علينا؟”

الكلام كان بيوصلني مقطع، بس كان كافي يخليني أترعش. دخلت قفلت الشباك عشان مسمعش أكتر، ومشيت في الشقة رايحة جاية.. الشكوك رجعت تاني تلعب في دماغي: “يا ترى أحمد هيثبت على موقفه؟ يا ترى حماتي هتقلب التربيزة عليه وتخليه يحس بالذنب إنه عاق؟ يا ترى أخته لما تيجي وتعرف هتعمل إيه؟”

ساعة كاملة مرت كأنها سنة.. ساعة وأنا على نار، لحد ما سمعت صوت خطوات سريعة وطالعة على السلم.. الخطوات كانت ثقيلة وعنيفة.

المفتاح دار في الباب، وقلبي اتنفض من مكانه.. دخل أحمد، وشه كان أحمر دم، وعروق رقبتو بارزة، ونفسه عالي كأنه كان في معركة حربية. رمى مفاتيحه على الترابيزة وبصلي..

وقفت مكاني مش قادرة أتحرك، وعيني بتسأله من غير ما أنطق: “إيه اللي حصل؟”

قرب عليا، وبدون ولا كلمة، شدني لحضنه جامد.. فضِل حاضني وهو بيتنفس بسرعة، وحسيت بجسمه كله بيترعش من كتر العصبية والكتمان. طبطبت على ضهره بالراحة وقلت بصوت واطي:

ـ أحمد.. إيه اللي حصل تحت؟ أمك قالتلك إيه؟

خرج من حضنه، وبص في عيني، وابتسامة مكسورة بس مليانة تحدي ظهرت على شفايفه وقال:

ـ خلاص يا سوسن.. من النهاردة مفيش تحت تاني، ومفيش كلام مع حد فيهم.. أنا قولت لأمي كل اللي في قلبي، وقولتلهم إن هانم البيوت مكانها فوق في شقتها، واللّي عايز يزعل يزعل.

قعد أحمد على الكنبة وسند راسه لورا وهو مغمض عينيه، كأنه بيحاول يستوعب حجم الكلام اللي قاله واللي سمعه تحت. قعدت جنبه وحطيت إيدي على كتفه، فتح عينيه وبصلي بمرارة وكمل كلامه:

ـ “أنا نزلت لقيتها لسه بتقفل السكة مع أختي، أول ما شافتني وشي متغير سألتني مالك، قولتلها مالي يا أمي؟ مالي وأنا بكتشف إن مراتي الأصيلة اللي شايلاكي وشايلة بيتك في عز تعبها وحملها بقيتوا بتسموها ‘الخدامة أم بلاش’؟

أمي اتخضت في الأول، بس بعدين وشها جمد وقالتلي: ‘وهي سوسن الهانم كانت واقفة تتصنت عليا؟ وبعدين أنا قولت إيه يعني؟ ما هي اللي معودانا على كده، وبعدين دي بتساعد أم جوزها، هو إحنا جايبين غريبة؟’

الكلام استفزني أكتر يا سوسن، حسيت إنها مش شافت إنها غلطانة أصلاً! قولت لها: ‘تساعدك على عيني وراسي، لكن تتهان وتتسمى خدامة عشان بنتك تيجي تقعد هانم؟ لا يا أمي. سوسن من هنا ورايح مش هتعتب الشقة دي، وصحتها وبيتها أولى بيها، واللّي عايز يزعل يزعل، أنا كرامة مراتي من كرامتي’.”

أحمد سكت شوية، وأخد نفس عميق وكمل وهو بيضغط على إيدي:

ـ “أمي بدأت تصوت وتقول إني ببيعها عشان مراتي، وسلفتك لما سمعت الصوت طلعت تتفرج وتقول ‘مش أنا قولتلك يا طنط بلاش تآمني لحد؟’، قولتلهم كلكم اسمعوا.. من النهاردة كل واحد يشيل شيلته، وأنا مراتي هانم في بيتها، ومحدش يطلب منها قشاية.”

بصيت لأحمد والدموع في عيني، بس المرة دي كانت دموع راحة.. دموع إن ربنا نصرني وجوزي مطلعش بايعني ولا مستغلني. سألته بصوت واطي:

ـ “وأنت يا أحمد؟ مش زعلان إنك شديت مع مامتك بسببي؟”

بص في عيني مباشرة وقال بنبرة قاطعة:

ـ “أنا زعلان إني سيبتك توصلي للمرحلة دي من التعب والكسرة بسببي، زعلان إني كنت مخدوع في اللمة الكدابة.. لكن كرامتك وراحتك إنتِ وابننا اللي جاي هما أهم حاجة عندي يا سوسن. انسّي كل اللي فات، وابدأي من النهاردة ركزي في نفسك وفي بيتك وبس.”

في اللحظة دي، حسيت إن جبل انزاح من فوق صدري، وإن “الخدامة أم بلاش” ماتت في الشقة اللي تحت، وفوق في شقتي اتولدت سوسن جديدة، غالية ومكرمة في عين جوزها وفي بيتها.

فاتت كام يوم، والشقة فوق كانت هادية تماماً.. هدوء غريب ومريح ومخيف في نفس الوقت. مكنتش بنزل خالص، ولا حتى بفتح باب الشقة إلا للضرورة. أحمد كان متمسك بكلمته، كل يوم يرجع من شغله شايل في إيده طلبات البيت، وميخلينيش أمد إيدي لحاجة تقيلة.

لكن الهدوء ده مكنش طبيعي.. تحت كان في بركان بيغلي، وأنا عارفة إن حماتي وأخت جوزي وسلفتي مش هيعدوا الموضوع بالساهل.

في يوم، كنت قاعدة في الصالة بجهز حاجة الغدا الخفيفة اللي أحمد طلب مني أعملها من غير مجهود، وسمعت صوت خبط رزين على الباب.. خبطة مش غريبة عليا. قلبي اتنفض، قومت بالراحة وفتحت العين السحرية.. لقيتها حماتي!

وقفت ثواني مش عارفة أعمل إيه.. أفتح ولا أعمل مش سامعة؟ بس قولت لنفسي: “أنا فوق في شقتي، ومعملتش حاجة غلط، والهروب هيبينني ضعيفة”.

أخدت نفس طويل وفتحت الباب.

حماتي كانت واقفة، لافة طرحتها، وملامح وشها مكنتش زي كل مرة فيها العشم الزيادة أو الأمر والنهي.. كانت ملامح جامدة، فيها كبرياء مكسور. بصتلي من فوق لتحت، وعينيها جت على بطني، وبعدين قالت بنبرة ناشفة بس هادية:

ـ “أنا قولت أطلع أشوفك بنفسي يا سوسن.. بدل ما إحنا بقينا عايشين زي الأغراب في بيت واحد، وابني نزل قلب الدنيا عليا بسببك.”

وسعتلها الباب وقولت ببرود واحترام في نفس الوقت:

ـ “اتفضلي يا طنط.. البيت بيتك.”

دخلت وقعدت على الكنبة، وفضلت تبص حواليها في الشقة كأنها أول مرة تشوفها، وأنا وقفت قدامها ومقعدتش، مستنية أشوف هتقول إيه.

بصتلي وقالت:

ـ “أحمد دخل عليا زي الأسد، وزعق وقال كلام عمري ما تخيلت إنه يقوله لأمه عشان خاطر واحدة غريبة.. بس أنا مش جاية أحاسبك على اللي قاله، أنا جاية أقولك إن الكلمة اللي سمعتيها.. أنا مكنتش أقصد بيها أهينك يا سوسن.”

ضحكت في سري بمرارة، بس حافظت على ثباتي.. كملت هي وقالت:

ـ “أنا كنت بكلم بنتي، وبقولها تعالي ريحي نفسك.. الكلمة طلعت مني كده، خانني التعبير يا سيتي، وإنتِ طول عمرك عاقلة وبتشيليني، مش من كلمة تقومي الدنيا وتقعديها وتخلي جوزك يقاطع أمه وإخواته!”

هنا مكنش ينفع أسكت.. أخدت نفس وبصيتلها بثقة وقولت:

ـ “يا طنط، أحمد مقاطعش حد، أحمد بس اتحمق لكرامة مراته.. الكلمة جرحتني لأنها اتقالت في ضهري، وبعد كل اللي عملته.. لو كانت سلفتي هي اللي بتعمل كده، عمر الكلمة دي ما كانت هتطلع عليها، لكن عشان أنا كنت باجي على نفسي، افتكرتوني ماليش تمن.. التعب والخدمة بيبقوا بحب وعشم، مش بـ ‘قلة قيمة’.”

حماتي قامت وقفت، ملامحها اتغيرت وبان عليها الضيق إنها مجاتش تلاقيني بعيط وبقولها “حقك عليا”، لقتني واقفة صلبة. قالت وهي بتتجه للباب:

ـ “على العموم يا سوسن.. أنا قولت اللي عندي، والبيوت أسرار، وبكرة تشوفي لما عيالك يكبروا والدنيا تدوّر.. بس اعملي حسابك، بنت أحمّد جاية تقعد معايا، والبيت مش هيقف على حد.”

قولتلها بهدوء وأنا بفتح لها الباب:

ـ “تنور بيتها يا طنط، وربنا يديكِ الصحة ويخليكم لبعض.”

قفلت الباب وراها، وسندت ضهري عليه وأنا بتنفس براحة.. المرة دي مكنش في دموع، مكنش في وجع.. المواجهة دي أكدتلي إن الموقف اللي أخدته كان صح 100%. الطيبة بزيادة بتتحول لضعف في عيون الناس، والحدود هي اللي بتحفظ الكرامة.

لما أحمد رجع بالليل، حكيتله على اللي حصل بالظبط ومن غير ما أزود كلمة.. بصلي وابتسم، وطبطب على إيدي وقال:

ـ “برافو عليكي يا سوسن.. إنتِ كبرتي في نظري أكتر.. من هنا ورايح، علاقتنا بيهم هتبقى بالمعروف والأصول، بر العوالدين هعمله لوحدي، وإنتِ مكانك فوق هانم، لحد ما تقومي بالسلامة ونربي ابننا في هدوء.”


تعليقات

التنقل السريع
    close