ثمن الوفاء كاملة
ثمن الوفاء كاملة حكايات مني السيد
مراتي وقفت جنبي وأنا مكنش في جيبي غير كام جنيه… عمرها ما عايرتني ولا اشتكت… النهارده ربنا كرمني وبقى أقدر أفتح بيتين… لكن هي مبتخلفش، ولما قولتلها عايز أتجوز، قالتلي كلمة واحدة هدتني من جوا…!
أقسم بالله… لو حد كان قالي من عشر سنين إن الفلوس ممكن تبقى أرخص حاجة في الدنيا، كنت هضحك ومش هصدقه. أنا اتجوزت وأنا مجرد موظف بسيط، مرتبي بالعافية يكفي إيجار الشقة، وفواتيرها، ومصاريف آخر الشهر. ساعات كنا نستلف لحد ما ينزل القبض. لكن رغم كل ده… عمري ما حسيت إني فقير. عارفين ليه؟ عشان كانت معايا هي. مراتي عمرها ما سألتني قبضت كام؟ ولا مرة قالت أنا مستحقة أعيش أحسن من كده. ولا حتى سألتني معانا كام في البنك. كانت شايفة إن الرزق من عند ربنا… وإن اللي في جيبي هو رزقنا إحنا الاتنين… حصري على روايات و اقتباسات…
حكايات_مني_السيد
أوقات كنت أرجع البيت ومعايا فلوس بالكاد تكفي عشا بسيط… وأدخل وأنا مكسوف من نفسي. لكن أول ما أحط الأكل قدامها كانت تبتسم وتقول الله… نفسي كانت فيه. وأفضل أبص لها وأقول بيني وبين نفسي هي بجد فرحانة… ولا بتحاول تهون عليا؟ كانت تاكل وهي مبتسمة، كأنها قاعدة على سفرة في أفخم مطعم. ولا مرة كسرتني. ولا مرة حسستني إني مقصر. كانت دايمًا تقول إحنا فريق واحد… لو معاك لقمة، فهي بتاعتنا إحنا الاتنين. الجملة دي كانت بتمسح من قلبي تعب الدنيا كلها.
مرت السنين… اشتغلت شغل إضافي. سهرت ليالي. اتعلمت. دخلت مشاريع صغيرة. في مشاريع نجحت. وفي مشاريع خسرت فيها كل اللي حوشته. لكن في كل مرة كنت أقع… كانت هي أول واحدة تمد إيدها وتقولي قوم… لسه ربنا مخبيلنا خير كتير. وفعلًا… ربنا فتحها
علينا. المرتب زاد. والمشروع كبر. واشتريت عربية. وبقى عندي شقة واستثمار. الناس كلها كانت تقول يا بختك. وأنا كنت ببص عليها وأقول البخت الحقيقي… هو الست دي.
لكن… كان في باب واحد لسه مقفول. باب الأطفال. في أول سنة قلنا لسه بدري. تاني سنة قلنا نصيب. تالت سنة بدأ القلق يدخل قلوبنا. وبعدها بقينا ما بين دكتور ودكتور. تحاليل. أشعة. أدوية. حقن. عمليات بسيطة. دعاء. قيام ليل. وعمرة. عملنا كل اللي نقدر عليه. لكن كل مرة كنا بنسمع نفس الجملة لسه… ربنا مأذنش. الدكتور طلب مني أعمل تحاليل. عملتها. والنتيجة كانت مطمئنة. بعدها طلب من مراتي تعمل الفحوصات. ولما النتائج ظهرت… سكت شوية. وبعدين قال بهدوء المشكلة عند الزوجة.
حكايات_مني_السيد
بصيت عليها… لقيت لون وشها اتغير. وعينيها امتلوا دموع. رجعنا البيت وهي ساكتة. دخلت أوضتنا وقفلت الباب. ولأول مرة في حياتنا… سمعتها بتعيط بصوت. دخلت عليها. لقيتها بتقول وهي مخبية وشها أنا حرمتك من أجمل نعمة. حضنتها وقلت إوعي تقولي كده. قالت وهي بتبكي أنا السبب. قلت لها لا… دي إرادة ربنا، وإحنا هنرضى بيها. لكنها فضلت كل يوم تلوم نفسها. وأنا كل يوم أحاول أرجع لها ابتسامتها. كنت مقتنع إن وجودها في حياتي نعمة كبيرة، وإن الأطفال رزق ييجي في وقته…حصري علي صفحة روايات و اقتباسات…
عدت سنة… واتنين… وتلاتة… وبدأ كلام الناس يزيد. أمي تقول لازم تشوف مستقبلك. أختي تقول مين هيشيل اسمك بعدك؟ وأصحابي يقولوا ربنا محلل أربعة. كنت أهرب من الكلام… لكن الكلام كان بيلحقني في كل مكان. لحد ما في يوم… وأنا راجع من الشغل… لقيت صاحبي القديم مستنيني. قعدنا على القهوة. وبعد كلام طويل. .. بصلي وقال إنت لسه صغير… وربنا موسعها عليك… ليه تحرم نفسك من إن يبقى عندك ابن؟
الكلمة فضلت تلف في دماغي طول الطريق. رجعت البيت. لقيتها مجهزة العشا كالعادة. ابتسمتلي. لكن المرة دي… أنا ما قدرتش حتى ألمس الأكل. فضلت أبصلها. هي لاحظت وسألتني مالك؟ قلت عايز أتكلم معاكي. اختفت ابتسامتها. وقعدت قدامي. وقالت بهدوء خير؟ فضلت ساكت شوية… وقلبي بيدق بعنف. وبعدين طلعت الكلمة بصعوبة أنا… بفكر أتجوز. فضلت تبصلي. من غير دموع. من غير صوت. كأن الزمن كله وقف. وبعد لحظات طويلة… رفعت عينيها في عيني وقالت ……..!!!! حكايات_مني_السيد
الفصل الثاني الوجع لما يدخل من أوسع باب
السكوت اللي ملى الأوضة بعد جملتها كان أرعب من أي صوت عياط. نور فضلت باصة لي، عينيها اللي كانت دايمًا أماني وملجئي من الدنيا، فجأة اتحولت لصحرا واسعة وجافة، مفيهاش حتى دمعة واحدة تبرد النار اللي ولعت بيننا. أنا إيهاب، الراجل اللي كان بيلف الدنيا ويهد جبال عشان يشوف ضحكتها، كنت قاعد قدامها مشلول، لسانى عاجز عن النطق، والكلمة اللي رمتها في وشي طلقني الأول كانت بتلف في وداني زي صوت الرصاص.
قامت من قدامي بهدوء مريب. الهدوء ده كان بيخوفني أكتر من عصبيتها. دخلت المطبخ، وبدأت تلم أطباق العشا اللي ملمسناهاش. صوت خبط الأطباق في بعضها كان بيقطع في قلبي. مشيت وراها، وقفت على باب المطبخ وبصيت لها، كانت بتغسل الأطباق بآلية مفرطة، كأنها إنسان آلي شغال من غير روح.
قربت منها براحة، وحطيت إيدي على كتفها يا نور.. اسمعيني بس، أنا مقلتش إني هسيبك، ولا قلبي هيتغير من ناحيتك، إنتي الأصل، إنتي الحب الأولاني والأخير، بس أنا..
لفت لي فجأة، وإيدها لسه مبلولة مية. لأول مرة أشوف في عينيها النظرة دي.. نظرة خذلان صافي. وقفتني بكلامها قبل ما أكمل بس إنت عايز حتة عيل يشيل اسمك يا إيهاب؟ عايز تحس بالمسؤولية اللي بجد؟ عايز لما ترجع تلاقي طفل بيجري عليك ويقولك يا بابا؟ صوتها بدأ يترعش، والدموع المحبوسة بدأت تلاقي طريقها لبرة حقك.. والله العظيم حقك، مش هلومك ولا هقولك ليه. بس إنت كمان متلومنيش على حقي.. أنا مقدرش أعيش على الهامش. مقدرش أكون الست القديمة اللي بترجع لها لما تزهق من الجديدة. أنا عشت معاك على الحلوة والمرة، وياما المرة كانت أكتر، وعمري ما اشتكيت، لأنك كنت بتاعي لوحدي.. إيهاب، لو دخلت ست تانية حياتك، أنا هخرج منها فورًا.
سابتني ودخلت الأوضة الواسعة اللي بناها قرشنا وجرينا في الدنيا، وقفلت الباب وراها. نمت الليلة دي على الكنبة في الصالة. الصالة الكبيرة الفخمة اللي فرشناها بأحسن عفش بعد ما ربنا كرمنا، بس المرة دي كانت ساقعة، ساقعة ومظلمة بشكل مش طبيعي. كنت بقلب في الموبايل، وبفتكر كلام أمي الصبح وهي بتقولي يا بني العمر بيجري، وإحنا مش دايمين لك، بكرا لما تعجز مين هيشيلك؟ ومين هيورث الشقا ده كله؟ نور بنت حلال وعلى عيني، بس دي حكمة ربنا، وهي لازم تقدر إنك راجل وليك حق.
دوامة الأفكار والزن اللي مبيفصلش
تاني يوم الصبح، نزلت الشغل من غير ما أشوفها. كنت هربان. طول اليوم في المكتب، الأرقام والحسابات والمشاريع كانت بتلف قدامي، بس عقلي كان في حتة تانية خالص. تليفوني مفرمش رن. أمي اتصلت بيا تلات مرات.
عملت إيه يا إيهاب؟ كلمتها؟ صوت أمي كان فيه لهفة غريبة، لهفة الجدة اللي مستنية حفيد بقالها سنين.
تنهدت بضيق أيوة يا أمي، كلمتها.. والدنيا اتقلبت، وقالت لي لو اتجوزت طلقني.
أمي صوتها نبرته اتغيرت وبقى فيه حدة تطلقها إيه يا بني! هي بتلوي دراعك؟ بدال ما تقولك روح يا إيهاب وشوف مصلحتك وربنا يرزقك بالولد اللي نفسك فيه؟ هي أنانية للدرجة دي؟
نور مش أنانية يا أمي! رديت بصوت عالي غصب عني، نور شالتني وأنا ممعيش تمن المواصلات، متقوليش عليها كده.
أمي قفلت السكة وهي زعلانة، وأنا قعدت حاطط راسي بين إيديا. في نفس الوقت، صحابي في الشغل مبيبطلوش كلام. يا عم اتجوز، الشرع محلل أربعة، وهي بكرا لما تلاقي العيل جه هتتعلق بيه وتحبه، الستات كدا في الأول بيعملوا شو، وبعدين بيرضخوا للأمر الواقع.
كلامهم كان عامل زي النداهة، بيسحبني لسكة أنا نفسي مش عارف هترسي بيا على فين. أنا فعلاً نفسي في طفل. نفسي أدخل البيت وأسمع صوت ضحك وصرخي في الممرات. نفسي أحس إن تعبي وشقايا في الدنيا دي ليه امتداد. بس هل التمن هيكون نور؟
صمت البيوت.. أصعب من الخناق
رجعت البيت في الميعاد. الباب اتفتح، وشميت ريحة الأكل. البيت كان مترتب ونضيف زي العادة، ونور كانت قاعدة في الصالة، ماسكة كتاب وبتقرأ فيه. أول ما دخلت، رفعت عينيها وبصت لي، هدوء تام. مفيش العتاب بتاع كل يوم، مفيش الضحكة اللي كانت بتستقبلني بيها وتنسيني هم الشغل.
قعدت على الكرسي اللي قدامها نور.. إحنا مش هنفضل عايشين كدا كأننا أغراب.
قفلت الكتاب براحة وحطته على التربيزة إحنا مش أغراب يا إيهاب. إحنا في فترة ترتيب أوراق. أنا قايمة بواجبي في البيت كامل، وأكل لقمة عيشي معاك بالمعروف لحد ما تاخد قرارك. إنت
فكرت؟
السؤال كان مباشر وصادم. مكنتش متوقع إنها هتبقى بالصلابة دي.
هتفت بتوتر فكرت في إيه يا نور؟ إنتي فاكرة الموضوع سهل عليا؟ أنا محتار، بين ناري ونارك. نفسي في حتة عيل، وفي نفس الوقت مش عايز أخسرك.
ابتسمت ابتسامة وجع، عينها لمعت بالدموع بس منزلتش يا إيهاب.. مفيش حاجة اسمها في نفس الوقت. الدنيا مش بتدي كل حاجة. إنت عايز تخلف، وده حقك الشرعي والإنساني، وأنا مقدرش أمنعك. بس أنا كمان حقي أحافظ على كرامتي وعلى قلبي اللي مش هيستحمل الشراكة. اختار يا إيهاب.. ومتقلقش، لو اخترت الخلفة، أنا مش هكرهك، بالعكس، هدعيلك من قلبي، بس من بعيد.. بعيد أوي.
قامت وسابتني للشك اللي بياكل في فروة راسي. دخلت البلكونة، وبقيت أبص على الشارع والناس. الدنيا زحمة وكل واحد جري في همومه. افتكرت لما كنا بنقف في بلكونة شقتنا القديمة الإيجار، وكانت الدنيا تمطر، فتقوم تجري تجيب كوبايتين شاي بقرنفل، ونقعد نضحك على الهوا اللي بيطير غسيل الجيران. كنا حرفيًا معندناش حاجة، بس كان عندنا كل حاجة. ودلوقتي.. عندنا كل حاجة، ومفيش بيننا أي حاجة!
المواجهة الكبرى
بعد أسبوع من الصمت القاتل ده، نزلت عند أمي بناءً على طلبها. لقيت أختي الكبيرة هند قاعدة معاها. من أول ما دخلت، عرفت إن في مؤامرة مطبوخة.
أمي بدأت الكلام بص يا إيهاب.. أنا كلمت لك الحجة أم أسماء، جارتنا القديمة. بنتها أسماء بنت مؤدبة، ومتعلمة، ومن توبنا، وموافقة إنها تتجوزك، ومندمجة جداً مع ظروفك وموضوع نور.. وقالت إنها مش هتعمل مشاكل.
أختي هند كملت أيوة يا إيهاب، والبنت لسه صغيرة وصحتها كويسة، يعني إن شاء الله من أول سنة هتملى عليك البيت عيال. ونور تفضل هنا في الشقة الكبيرة، وإنت خد لأسماء شقة تانية قريبة مننا.
الكلام كان بيتقال ببساطة شديدة، كأنهم بيشتروا حتة أرض أو بيغيروا عربية. حسيت بخنقة ودمي بدأ يغلي إنتوا بتتكلموا إزاي؟ إنتوا فاكرين نور دي جارية عندي؟ دي مراتي! دي الست اللي شالتني في طين الدنيا قبل عسلها!
أمي زعقت وإحنا مقلناش ارميها يا بني! إحنا بنقول اتجوز عليها عشان تخلف! هو الجواز حرام ولا عيب؟ ما كل الرجالة بتعمل كدا لما ربنا بيكرمهم والست مابتخلفش. إنت هتقعد تندب حظك جنبها لحد ما تكبر وتلاقي نفسك لوحدك؟
كلام أمي كان قاسي، بس للأسف كان بيلمس حتة خوف جوايا. خوف من الوحدة.. خوف من العجز من غير سند.
رجعت البيت وأنا منهار تمامًا. فتحت باب الشقة بقوة، ودخلت. نور كانت واقفة في الصالة، باين عليها كانت مستنياني وعارفة أنا كنت فين.
بصيت لها ودموعي نزلت غصب عني نور.. أنا تعبان. تعبان أوي. مش قادر أتحمل الضغط ده كله. الكل جاي عليا، والكل بيلومني كأن الذنب ذنبي.
قربت مني، ولأول مرة من أسبوع مدت إيدها ومسحت دمعة من على خدي. النظرة الحنينة رجعت لعينيها لثواني عارفة يا إيهاب.. وعارفة إنك بتمر بأيام صعبة. وعشان أنا بحبك ومستخسرة فيك التعب ده.. أنا هريحك.
بصيت لها باستغراب تريحيني إزاي؟
مشيت خطوتين ناحية التربيزة اللي في الصالة، وشاورت على شنطة هدوم كبيرة كانت محطوطة في الركن. أنا مشفتهاش وأنا داخل من كتر عمايا. قلبي سقط في رجليا.
دي شنطة هدومي.. قالتها بصوت ثابت بس مليان شجن، أنا كلمت بابا، وهو جاي في السكة ياخدني. أنا مش هسيبك تحت ضغط أمك وأهلك، ومش هكون العائق اللي بينك وبين حلمك. إنت عايز تتجوز وتخلف، وإحنا وصلنا لنقطة سد. طلاقي منك هو الحل الوحيد عشان إنت تبدأ حياتك الجديدة من غير ذنب، وأنا أحافظ على اللي باقي من كرامتي وقيمتي قدام نفسي.
نور.. إنتي بتقولي إيه؟ تمشي فين؟ صرخت فيها وأنا بمسك إيدها بجنون، إنتي عايزة تهدي بيتنا بالسهولة دي؟
بالسهولة دي؟ رددت الجملة وضحكت ضحكة مكسورة، إنت فاكر إن خروجي من البيت ده سهل عليا؟ البيت ده أنا نقيت كل طوبة فيه معاك. السجاد ده غسلته بإيديا لما مكنش معانا تمن المغسلة. الستاير دي أنا اللي مفصلاها. أنا سبت حتة من قلبي في كل ركن هنا.. بس الموت أهون عليا من إني أشوفك داخل عليا وريحتك ست تانية.. أو جاي تقولي المدام الجديدة حامل.
في اللحظة دي، جرس الباب رن. رنات منتظمة وهادية. رنات باباها.
نور سحبت إيدها من إيدي براحة، وبصت لي النظرة الأخيرة بابا وصل يا إيهاب. ورقتي تفركشها وتوصلي لحد بيت أبويا بالمعروف.. زي ما دخلنا بالمعروف. ربنا يسعدك ويرزقك بالولد اللي بتتمناه.
مسكت يد الشنطة، وتحركت ناحية الباب، وأنا واقف مكاني، حاسس إن الحيطان بتلف بيا، وكل نجاح وصعود وصلت له في حياتي، كان بيتهد في لحظة واحدة تحت رجليا. الباب اتفتح، وخطواتها بدأت تبعد.. وتبعد.. وأنا واقف بين اختيارين، الاتنين أمرّ من بعض.
يتبع…
ثمن الوفاء ج2
الفصل الثالث بيوت جديدة.. وأرواح قديمة
البيت لما بيفضى من صاحبه الحقيقي، مابتملأهوش أغلى السجاجيد ولا أنضف العفش. نور مشيت، وخدت معاها الروح اللي كانت مخلية الحيطان دي بتنطق. قعدت شهر كامل في الشقة لوحدي، زي المجنون، أكلم نفسي، أبص لكرسيها الفاضي، وأفتكر ضحكتها. لكن الزن مبيكنش، وأمي وأختي هند مسبونيش للحزن. خلاص يا بني، هي اللي اختارت، وهي اللي شالت شنتطها ومشيت، بص لمستقبلك بقى.
وفعلاً، تحت ضغط الخوف من الوحدة، وكلام الناس، ونصايح أصحابي، مشيت في السكة اللي رسموهالي. اتجوزت أسماء.
أسماء بنت حلال، أصغر من نور بسبع سنين، مفيهاش عيب يعيبها؛ بتسمع الكلام، وبتطبخ، وست بيت شاطرة. الشقة اللي كانت مقفولة ومظلمة رجعت نورت تاني بالأنوار والزغاريط، وأمي كانت طايرة من الفرحة وهي شايفاني عريس من جديد. بس الحقيقة اللي كنت بخبيها عن الدنيا كلها، إني وأنا واقف في الكوشة جنب أسماء، عيني كانت بتدور في القاعة.. كنت بدور على وش نور. كنت مستنيها تدخل من الباب وتقولي إن كل ده كابوس وهنصحي منه. بس مفيش كوابيس بتصحي منها على مزاجك، الواقع كان فارض نفسه، وأنا بقيت راجل متجوز ست تانية.
بعد تمن شهور من الجواز، حصلت المعجزة اللي كنت مستنيها طول عمري. أسماء كانت تعبانة، روحينا للدكتور، وبكشف بسيط وبتحليل سريع، الدكتور بصلي وابتسم مبروك يا أستاذ إيهاب.. المدام حامل.
الفرحة اللي ملهاش طعم
في اللحظة دي، المفروض كنت أطير من الفرحة. المفروض أصرخ في الشارع وأقول
للناس كلها أنا هبقى أب! لكن اللي حصل جوايا كان غريب جداً. حسيت بوجع في قلبي، غصة مكتومة سدت نفسي. افتكرت نور. افتكرت كام ليلة قضيناها في المستشفيات، كام حقنة خدتها في بطنها وهي بتعيط من الوجع وتدعي ربنا. افتكرت الدموع اللي كانت في عينيها وهي بتقولي أنا حرمتك من أجمل نعمة. النعمة جت يا نور.. بس مش منك.
رجعت البيت، أمي لما عرفت الخبر عملت عزومة لمصر كلها. الشقة اتملت ناس، والكل بيبارك ويهني يا بختك يا إيهاب، ربنا عوضك، الولد هيشيل اسمك. وأنا كنت قاعد وسطهم زي الغريب. أبص لأسماء وهي قاعدة فرحانة ووسط أهلي، وأفتكر نور اللي كانت بتقف في المطبخ بالساعات عشان تعمل الأكل اللي بحبه ومتبينش تعبها.
الشهور جرت، وأسماء بطنها بدأت تكبر، ومع كبر بطنها، بدأت تظهر اختلافات تانية مكنتش واخد بالي منها في الأول. أسماء كانت طيبة، بس مكنتش نور. مكنش بيننا لغة الإشارة اللي كانت بيني وبين نور. نور كانت تبص في عيني تفهم مالي من غير ما أنطق. أسماء لو قعدت أشرح لها تعبي في الشغل ساعتين، تقولي في الآخر معلش يا حبيبي، ربنا يقويك، المهم متنساش وأنت راجع تجيب تمن الحفاضات والهدوم الجديدة بتاعة البيبي. مكنتش بتشاركني طموحي، مكنتش بتفهمني. كنت بحس إني عايش مع ست بتأدي وظيفة، مش شريكة عمر.
المقابلة الصدمة
في يوم، كنت في السوبر ماركت الكبير اللي في وسط البلد بشتري طلبات للبيت. كنت ماشي بالعربية بتاعة المشتريات ومخي سارح كالعادة. فجأة، عيني جت على ست واقفة قدام رف المنظفات. كانت لابسة فستان هادي، ولمة شعرها بنفس الطريقة اللي بحبها. قلبي دق بعنف.. مش ممكن.. دي نور!
رجلي شالتني ورحت ناحيتها من غير ما أحس. وقفت وراها وبصوت مرعوش قلت نور؟
لفت لي. أول ما شافتني، عينيها وسعت من المفاجأة. ملامحها كانت متغيرة، وشها كان رايق، وفي عينيها لمعة تفاؤل مكنتش بشوفها معاها في أيامنا الأخيرة.
إيهاب؟ أهلاً.. أزيك؟ قالتها بهدوء وصوت واثق زلزل كياني.
أنا.. أنا تمام، الحمد لله. إنتي عاملة إيه؟ وأخبارك إيه؟ كنت بتأتأ زي العيال الصغيرة.
الحمد لله في فضل ونعمة من ربنا، بشتغل وبكمل دراسات عليا، ومقضية وقتي مع بابا وماما.
نزلت عيني على إيدها بالتبعية.. مكنش في دبلة. حسيت براحة غريبة مش من حقي أحس بيها. لسه هفتح بوقي وأتكلم، لقيت أسماء جاية عليا من بعيد، وبطنها قدامها في الشهر السابع، وبتنادي بصوت عالي إيهاب! إيهاب هات الشامبو ده عشان عليه عرض.
نور بصت لأسماء، وبصت لبطنها الكبيرة. شوفت في عينيها كسرة سريعة جداً، خطفها الوجع لثانية واحدة، بس بسرعة الست الذكية القوية، لمت نفسها، وابتسمت ابتسامة صافية وقالت ألف مبروك يا إيهاب.. ربنا يقر عينك بيه ويجعله ذريّة صالحة. عن إذنك.
مشت. مشت وسابتني واقف في مكاني مش قادر أتحرك. أسماء جت وقفت جنبي وبصت ورا نور مين دي يا إيهاب؟ تعرفها؟
بصيت لأسماء وبصيت للفراغ اللي سابته نور وقلت بنبرة ميتة دي.. دي كانت معرفة قديمة.
الحبكة لما الماضي يرجع يطاردك
اللقاء ده شقلب كياني. مكنتش بنام. الفلوس اللي في إيدي والمشاريع اللي بتكبر مكنتش معوضاني عن إحساس الأمان اللي خسرت الصاحب الحقيقي بتاعه. أسماء بدأت تلاحظ السرحان بتاعي، وبدأت الغيرة تدخل قلبها، والمشاكل تزيد. إنت مابتتكلمش معايا ليه؟ إنت دايمًا سرحان! إنت ندمان إنك اتجوزتني؟
وفي ليلة من ليالي الشتا الصعبة، جالي تليفون من رقم غريب الساعة ٢ بالليل. رديت وصوتي كله نوم أيوة، مين؟
صوت راجل غريب ومخضوض قال أستاذ إيهاب؟ أنا جاد، جوز أخت الأستاذة نور.. نور في المستشفى الدولي، وعملت حادثة كبيرة بالعربية وهي راجعة من المحاضرة، وحالتها حرجة.. وهي قبل ما تغيب عن الوعي، قالت اسمك وقالت كلموا إيهاب.
التليفون وقع من إيدي. الدينا اسودت في عيني. نور؟ نور تموت؟ نور تروح مني للأبد؟
قمت زي المجنون ألبس هدومي. أسماء صحيت مفزوعة في إيه يا إيهاب؟ رايح فين في نص الليل؟
زعقت فيها وعقلي مش معايا نور عملت حادثة وبين الحياة والموت!
أسماء وقفت قدام الباب وبطنها قدامها وصوتها اتغير وإنت مالك بنور؟ نور دي طليقتك! إنت رايح لها بصفتك إيه؟ إنت ناسي إنك متجوز وعندك طفل جاي في السكة؟ لو خرجت من الباب ده دلوقتي يا إيهاب، تنسى إن ليك بيت وتنسى ابنك اللي هيتولد!
وقفت عند الباب، باصص لأسماء اللي بتهددني ببيتي الجديد وابني اللي مستنيه طول عمري، وباصص للطريق اللي هيوديني لنور.. الست اللي ضحت بعمرها كله عشاني، واليوم وهي بتموت، ملقيتش غير اسمي تنطق بيه.
يتبع في الفصل الأخير…
الفصل الرابع والأخير الروح اللي راحت.. ونور اللي فضلت
أوقات كتير الدنيا بتخيرك بين طريقين، والاتنين فيهم خسارة. بس في اللحظة دي بالذات، لما اسم نور رن في وداني وهي بين الحياة والموت، مكنش في مكان للحسابات ولا للخوف من الزعل. بصيت لأسماء وبطنها الكبيرة، وعينيا كانت مليانة دموع ووجع وقلت لها بصوت مخنوق أنا آسف يا أسماء.. بس دي نور. لو مروحتش دلوقتي، عمري ما هسامح نفسي لحد ما أموت.
نزلت على السلم جري، مكنتش شايف قدامي. ركبت عربيتي وسوقت بأقصى سرعة، والشوارع في نص الليل كانت فاضية وساقعة، كأنها بتشاركني الرعب اللي في قلبي. كنت بكلم ربنا في السر، وأدعي من كل جوارحي يارب متحرمنيش منها.. يارب أنا غلطت وكسرت قلبها، بس متموتهاش، سيبها عايشة في الدنيا حتى لو بعيد عني، بس أشوفها من بعيد لبعيد وأطمن إنها بخير.
المستشفى.. ورائحة الموت
وصلت المستشفى الدولي، ودخلت جري على الطوارئ. الريحة هناك، ريحة المعقمات والأجهزة، كانت بتفكرني بكل الأيام الصعبة اللي قضيناها سوا وإحنا بندور على أمل في عيل. لقيت جاد، جوز أختها، واقف قدام باب العناية المركزة، ووشه باهت وعينيه حمرا من العياط. أول ما شافني، قرب عليا وهمس بصوت مكسور إيهاب.. كويس إنك جيت بسرعة.
نور مالها يا جاد؟ إيه اللي حصل؟ سألته وأنا بنهج وروحي بتنسحب مني.
مقطورة خبطت عربيتها وهي راجعة على المحور.. النزيف كان داخلي ودخلت العمليات، بس الدكاترة بيقولوا المخ مفيش فيه استجابة، وهي دلوقتي على الأجهزة.. هي فاقت للحظات صغيرة أوي في الإسعاف، ومقالتش غير اسمك ورقمك
يا إيهاب. كانت بتوصينا عليك.
الكلام نزل عليا زي الصاعقة. دخلت عليها العناية بعد ما ترجيت الدكتور. شوفتها.. نايمة على السرير الأبيض، حواليها خراطيم وأجهزة بتصفر بانتظام مريب. وشها اللي كان دايمًا منور، كان شاحب ومليان جروح، وراسها ملفوف بالشاش. قربت منها، مسكت إيدها.. الإيد اللي ياما طبطبت عليا لما كنت برجع مكسور وممعيش تمن العشا. كانت ساقعة.. ساقعة أوي.
قعدت على ركبي جنب السرير، وبكيت زي العيل الصغير نور.. أنا إيهاب. أنا جيت يا نور.. قومي عشان خاطري. أنا عارف إني خذلتك، وعارف إني كسرت بخاطرك وجرحت كرامتك لما فكرت في نفسي وفي كلام الناس. الدنيا ملهاش طعم من غيرك يا نور.. والله العظيم الفلوس والنجاح وكل اللي وصلته ميسواش لقمة ناشفة كنا بناكلها وإحنا بنضحك في شقتنا الإيجار. قومي وعاتبيني، اصرخي في وشي، بس متسيبنيش!
فجأة، جهاز نبضات القلب بدأ يطلع صوت سريع ومستمر. المؤشرات بدأت تنزل بسرعة. الدكاترة والممرضين دخلوا جري، وزقوني لبرة الأوضة. وقفت ورا الإزاز، أبص عليهم وهم بيحاولوا يعملوا لها إنعاش لعضلة القلب.. المرة الأولى، المرة الثانية.. وبعدين.. صوت الصفارة الطويلة القاتلة أعلن النهاية.
الدكتور خرج، حنى راسه للأرض وقال بأسف البقاء لله.. شد حيلك يا أستاذ.
في اللحظة دي، الدنيا وقفت تمامًا. مبقتش سامع صوت حد، ولا شايف حد. نور مشيت. الست اللي عاشت عشاني، ماتت وهي بتفكر فيا. ماتت وسابتني للدنيا اللي جريت وراها، عشان أكتشف في الآخر إني خسرت أهم حاجة فيها.
الجنازة.. والعزاء في الفراغ
دفناها في مدافن عيلتها. كنت واقف بعيد، مش من حقي أقف في الأول وأخد العزا. أنا الطليق اللي سابها لما ربنا مأذنلهاش بالخلفة. كنت ببص على التراب وهو بيداريها، وبفتكر جملتها الأخيرة في بيتنا الموت أهون عليا من إني أشوفك داخل عليا وريحتك ست تانية. كأنها كانت حاسة إن الموت فعلاً هو اللي هيخلصها من وجع الدنيا.
أمي وأختي هند كانوا واقفيين يعيطوا، بس أنا مكنتش طايق أبص في وشهم. كلامهم والزن بتاعهم هو اللي وصلني لهنا. صحابي اللي قالوا لي الستات بيرضخوا للأمر الواقع كانوا واقفين يعزي ملامحهم باردة. كل الوعود الكدابة اللي الدنيا وعدتهالي اتبخرت في لحظة.
رجعت بيتي مع أسماء. الشقة كانت هادية كأنها مقبرة. أسماء مكلمتنيش، كانت خايفة من شكل عيني ونظراتي الميتة. حاولت تقرب مني كذا مرة، بس كنت ببعد ببرود. أنا مش كرهها، هي ملهاش ذنب، هي كمان ضحية لرغبتي وأنانيتي.. بس قلبي خلاص، اتدفن تحت التراب مع نور.
وصول نور الجديدة
بعد شهرين من الوفاة، أسماء جالها الطلق. أخدتها ورحنا المستشفى. الساعات اللي قضيتها قدام غرفة العمليات مستني ابني يتولد، مكنتش شبه الساعات اللي كنت بحلم بيها زمان. مكنش في لهفة ولا فرحة. كان في غياب تام وعقل شارد مع اللي راحت.
خرجت الممرضة وشايلة في إيدها لفة بيضا صغيرة مبروك يا أستاذ إيهاب.. المدام جابت بنت زي القمر.
قربت منها، وبصيت للوش الصغير الحمر. طفلة بريئة، ملهاش ذنب في أي حاجة من العك اللي الكبار عملوه. الممرضة سألتني وهي بتبتسم هتسموها إيه إن شاء الله عشان نكتب في الشهادة؟
أسماء كانت خرجت على السرير، وبصت لي بتعب وهي مستنية الاسم اللي كنا متفقين عليه زمان لو جت بنت. بس أنا بصيت للطفلة، ودموعي نزلت، وقلت بصوت مسموع للكل
هنسميها.. نور.
أسماء ديرت وشها الناحية التانية وعينيها دمعت، كانت عارفة إن الاسم ده مش مجرد اسم، ده حكم مؤبد عليا بالندم. وعارفة إنها مهما عاشت معايا، هتفضل دايماً بتنافس طيف ست تانية، ست كسبت قلبي وهي عايشة، وامتلكت روحي وهي ميتة.
نهاية الحكاية فوق قمة باردة
مرت السنين.. وبقت عندي نور الصغيرة. دلوقتي عندها تلات سنين، بتجري في الشقة الكبيرة الفخمة، وضحكتها بتملى المكان. كل ما تبص لي بعينيها الواسعة الهادية، بفتكر نور الكبيرة. باخدها في حضني وأبكي من غير ما تحس.
بقيت راجل غني جداً، المشاريع كبرت، والفلوس بقت أكتر بكتير من اللي كنت بحلم بيه وأنا موظف بسيط. بس الفلوس فعلاً طلعت أرخص حاجة في الدنيا، زي ما قلت من عشر سنين. الفلوس مش بتشتري الأمان، ولا بتراجع الزمن، ولا بتعوضك عن الست اللي كانت بتشوف في اللقمة الصغيرة معاك الدنيا وما فيها.
بقعد كل يوم بالليل في البلكونة الكبيرة، لوحدي، بمسك كوباية الشاي، وأبص للسما. أسماء نايمة جوة مع البنت، وأنا واقف على قمة النجاح اللي شقيت عشان أوصل له.. بس واقف لوحدي، بردان، مكسور، وعايش على ذكرى الست اللي دخلت حياتي كالأمان.. ومشيت منها كالإعصار، وسابتني عايش بجسد في الدنيا.. وروحي هناك، تحت التراب، مع نور الأولانية.


تعليقات
إرسال تعليق