القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

اتهموها بس/رقة الخاتم في وسط الفرح وصرخوا “فتشوا بتوع الصيانة” بس نسوا إن الفندق والكاميرات والحقيقة كلها ملك أبوها!

 


بس*رقة الخاتم كاملة 



 حكايات رومانى مكرم 1


اتهموها بس/رقة الخاتم في وسط الفرح وصرخوا “فتشوا بتوع الصيانة” بس نسوا إن الفندق والكاميرات والحقيقة كلها ملك أبوها!


لما صرخت **ولاء** وقالت إن خاتمها الألماظ بمبلغ (مليون و800 ألف جنيه) طار وفص ملح وداب، كل كاميرات الفرح وعيون المعازيم اتقلبت وبصت على **ندى**.


قاعة فندق “الجراند ألاميدا” في قلب القاهرة اتكتمت واتجمدت في ثانية تحت النجف الكريستال اللي ينور بلد، والناس بدأت تتوشوش وتجيب في سيرتها. كان فيه 240 حوت من حيتان البلد معزومين، والورد الأبيض مالي المكان، ومزيكا الكمان شغالّة، وبرج الشمبانيا شكله لوحده أغلى من البيت والمنطقة اللي ندى اتولدت واتربت فيها طول عمرها.


كانت ندى واقفة جنب البرج ده، لابسة فستان أزرق سماوي يا دوب مداري بطنها وهي في الشهر الثامن من الحمل. إيد سانده بيها بطنها من التعب، والإيد التانية قفلت بيها على شنطتها الصغيرة كأنها لسه بتحاول تدافع عن شرفها وكرامتها اللي بيموتوها.


**ولاء**، أخت جوزها الصغيرة، مشيت ناحيتها وطرحتها مرفوعة وعينيها بتطق شر وسُم وصرخت:


— فتشوا بتوع الصيانة!


الهمس في القاعة كان زي السكاكين وبيقطع في الفروة.


**أحمد**، جوز ندى، كان واقف على بُعد تلات خطوات بس. بدلة كحلي غالية، وشه مخطوف وأصفر زي الليمونة، وعينه في الأرض. ندى بصت له وهي مستنية منه يعمل أقل الواجب ويقفل بؤهم.. بس وقف زي الصنم وما اتهزش من مكانه.


ولاء كانت بتكرها من أول يوم أحمد جابها فيه تتعشى في بيت العيلة في “الزمالك”. بالنسبة لها، ندى دي حتة عيلة من غير لافتة ولا لقب، لا وراها مجوهرات ورثاها من أجدادها ولا عندها غية تتباهى ومنظرة. سكوت ندى وهدوءها كان بالنسبة لهم جهل، ولبسها البسيط كان فقر وشحاتة، ورفضها إنها تتكلم عن عيلتها كان دليل (عند ولاء) إنها جاية من ناس واطيين وبتتكسف منهم.


**ميرفت**، أم أحمد، كانت بتغذي الغل ده وبتسقيه لبنتها وكأنه أصل وفصل وعادة عندهم في البيت.


قالت ميرفت وهي بتقدم بابتسامة صفرا تلطش:


— “الفقرا دول صوابعهم خفيفة، وأول ما يشوفوا النعمة إيدهم تمد على اللي مش بتاعهم.”


ندى ردت بصوت مخنوق وهي حاسة بحركة ابنها في بطنها من الخضة:


— “أنا ممدتش إيدي على حاجة.”


ولاء سفتها وقالت بـ غل:


— “يبقوا نتفتشك والبوليس ييجي.”


— “ملكمش حق تلمسوني!”


ولاء ضحكت ضحكة ناشفة تكسر النفس:


— “ملناش حق؟ أنتي دخلتي العيلة دي من الباب الوراني وخطفتي ابننا، ودلوقتي جاية تتبجحي وتتكلمي عن الحقوق؟”



وقبل ما ندى تبعد، ولاء شدت كم فستانها جامد، وميرفت حوطتها من ضهرها وقيدتها. الفستان اتمزع في إيدهم.. والقماش الخارجي اتفتح من الكتف لحد الوسط.


القاعة كلها شهقت في نفس واحد واتكتمت.


ندى حست بسقعة التكييف على جلدها، ورغم إن بطانة الستان اللي تحت كانت سليمة ومفيش حاجة باينة، بس الذل والكسرة كانوا واعرين لدرجة إن عينيها ولعت نار وحيرت دموع. بعض الضيوف عملوا نفسهم بيبصوا في الكاسات بتاعتهم، وناس تانية طلعت الموبايلات تصور ومحدش من رجالة الفرح أتقدم خطوة يدافع عنها.


تحملت 3 سنين تلميحات مسمومة في عشا عيد الميلاد وعزومات رمضان، وكراسي “بيجروها منها” في لِمت العيلة، وتريقة وتلقيح كلام على حملها، ونكت بايخة من ميرفت إن أحمد اشترى حب رخيص من الشارع. ندى سكتت وكتمت في قلبها لأن أحمد وعدها إنه هيوقفهم عند حدهم وهيعملهم البحر طحينة بس بعد ما البنت تتولد.


بس في الليلة دي، والفستان متمزق قدام 240 عين من أعيان البلد، فهمت حاجة قطعت روحها: سكوت أحمد مكنش حماية لبيته، ده كان بيعلمهم بس إنهم يقدروا يدوسوا عليها ويمرمغوا كرامتها في الأرض من غير ما يدفعوا أي ثمن.


أحمد رفع عينه أخيرًا وبص لها.


ندى همست له والدموع في عينيها:


— “قول كلمة.. رد غيبتي.”


جز على سنانه وبص في الأرض تاني وقال بنذالة:


— “خليهم يفتشوا يا ندى.. ونحل الموضوع ده في البيت في السر من غير فضايح.”


ندى بصت له كأنها شافت الراجل اللي حبته وسلمت له نفسها بيموت قدام عينيها حالا.


ولاء شدت الشنطة من إيدها جامد وقلبت كل اللي فيها على الرخام: روج، مفاتيح، فيتامينات الحمل، مناديل، فيزا سوداء تضمن بلد، ومسبحة صغيرة ندى بتشيلها من وهي طفلة.


ميرفت طبطبت على جيبها بطريقة مسرحية مقززة وقالت:


— “مش هنا.. مخبياه في حتة تانية.”


حد من المعازيم صعبت عليه وهمس:


— “مش كده يا جماعة.. الستر طيب.”


ولاء متراجعتش، بالعكس، وشها بقى أقسى وغارت أكتر:


— “أكيد شايلاه في عبها.. الأشكال دي دايماً وراها مصايب وخراب بيوت.”


في اللحظة دي، ندى لقطت حاجة محدش من المعازيم الملهيين في الفضيحة أخد باله منها. جنب المسرح، كانت البنت بتاعة تنظيم الفرح (الـ Wedding Planner) وشها أصفر وزي الورقة، وعينيها مش على ندى.. عينيها كانت على **شيرين**، بنت عم ولاء، اللي كانت حاضنة شنطتها الفضة السواريه على صدرها وخايفة وبتترعش.


ندى رفعت رأسها لفوق.


فوق باب الخروج الجانبي، كان فيه لمبة حمراء صغيرة بتنور وتطفي.



كاميرات الفندق كانت لسه شغالة وبتلقط كل فنتوفتة.


ندى لمت الفستان المتمزق على جسمها بهدوء يقلق، وأخدت موبايلها من على الأرض وسط الحاجه المرمية. ولاء ضحكت بتريقة تانية:


— “إيه؟ هتبلغي البوليس عن عيلتك الجديدة وتعملي فيها بنت ذوات؟”


ندى بصت لأحمد، وصوتها طلع واطي بس زي الطلقة وصاحي:


— “لأ.. هكلم ناسي اللي بجد.”


أبوها رد عليها من أول رنة كأنه حاسس بيها.


وراء ضهرها، ميرفت كانت بتهلل للناس وتعلن إن ندى هتخرج بالكلبشات وفي بوكس البوليس قبل ما بوفيه الكيكة يفتح، وأحمد رجع لبروده وسكوته تاني كأنه ميعرفهاش.


ندى اتكلمت في التليفون بالراحة وبثبات, بس بنبرة أحمد سمعها وفهم إن وراها خراب مستعجل:


— “يا بابا.. دمرهم.. متخليش فيهم حتة سليمة.”


ثانية واحدة من السكوت الناشف والهدوء اللي قبل العاصفة على الناحية التانية من الخط.


#الكاتب_رومانى_مكرم


بعدها، جاء صوت **الحاج فرج الجبالي**، كبير سوق العقارات ورئيس مجموعة الجبالي، والمالك الفعلي والقانوني للفندق ده باللي فيه، ورد بنبرة جليدية ترعب وتوقف الدم في العروق:


— “اثبتي مكانك يا بنت الأصول.. أمن الفندق والبلد كلها نازل في قفص القاعة حالاً…”


يا تَرى هيحصل إيه لما الحاج فرج الجبالي يقلب الفرح على دماغهم والأمن يقفل الأبواب؟


انطبق الصمت على قاعة “الجراند ألاميدا” كأنه كفن، ولم تعد تُسمع إلا أنفاس ندى المتلاحقة وهي تلملم شتات فستانها الممزق بكرامة وعزة لم يعهدوها فيها من قبل.


في أقل من دقيقتين، تحول الفندق الذي كان يضج بالموسيقى والبهجة إلى ما يشبه الثكنة العسكرية. فجأة، وبدون أي مقدمات، انقطعت مزيكا الكمان تماماً، وانطفأت الأنوار الجانبية وحلت محلها إضاءة الطوارئ القوية التي كشفت الوجوه وأظهرت علامات الوجوم والخوف.


قبل أن تنطق ولاء بحرف واحد، انفتحت الأبواب المخفية للقاعة ودخل رجال يرتدون حُلاً سوداء موحدة، بملامح حادة كالصخر، يقودهم اللواء جلال، مدير أمن المجموعة بأكملها. تحركوا بسرعة فائقة، وشكلوا جداراً بشرياً أحاط بـ 240 مدعواً، بينما تقدم أربعة منهم بخطوات عسكرية ثابتة ووقفوا حول ندى كدروع بشرية، وانحنوا برؤوسهم في احترام تام أذهل الحاضرين.


صاحت ميرفت بصوت اهتزت فيه النبرة المتعالية:


— “إيه القذارة دي؟ أنتوا مين؟ فين إدارة الفندق؟ اطلبوا لنا شرطة السياحة فوراً!”


تقدم اللواء جلال بخطوات واثقة، ونظر إليها بنظرة جعلت الكلمات تجف في حلقها، ثم قال بنبرة هادئة ورزينة ترتعد لها الأبدان:



— “الشرطة في الطريق بناءً على طلب صاحب المال، لكن قبل وصولهم، وبأمر من الحاج فرج الجبالي.. الأبواب مقفولة، ومفيش نفس هيخرج من القاعة دي، ولو كان من أعيان البلد.”


التفتت ولاء نحو أحمد وصوتها يرتجف:


— “أحمد! اتكلم.. شوف الأشكال دي بتعمل إيه؟ إحنا عيلة السيوفي! مفيش حد يقدر يحبسنا هنا!”


لكن أحمد لم يستطع النطق. كان ينظر إلى الرجال، وإلى اللاسلكي الذي يحمل شعار “مجموعة الجبالي للعقارات والفنادق”، وبدأت الصورة تتضح في عقله الباطن ككابوس مرعب. “الجبالي”؟ ندى كان اسمها ندى فرج.. وهو طوال ثلاث سنوات ظن أن والديها مجرد أناس بسيطين من أقاليم مصر لأنها كانت ترفض التباهي بعائلتها.


في تلك اللحظة، انفتحت الأبواب الرئيسية للقاعة بعنف، وظهر جسد الحاج فرج الجبالي. كان رجلاً في أوائل الستين من عمره، يرتدي جلباباً صعيدياً فاخراً من الصوف العباية، وفوقه هيبة تهز الجبال، وعيناه تشعان غضباً أعمى لدرجة أن أحداً من الحيتان المعزومين لم يجرؤ على التقدم لسلامه أو الحديث معه.


مشى بخطوات سريعة تجاه ابنته، وتجاهل الجميع. عندما رأى كتفها العاري وفستانها الممزق، احمرت عيناه وضغط على عصاه الأبنوسية بقوة كادت تكسرها. نزع عباءته الفاخرة بكل هدوء، ووضعها على كتفي ندى، ثم قبل رأسها وهمس لها:


— “حقك عليا يا قلب أبوكي.. طاطيتي راسك تلات سنين عشان تحافظي على بيت راجل ميسواش، بس لحد هنا وسوق السيوفي كله هينتهي الليلة دي.”


التفت الحاج فرج إلى القاعة، وصرخ بصوت زلزل النجف الكريستال:


— “هاتوا الـ Wedding Planner، وشيرين بنت عم ولاء هنا قدامي حالا!”


ارتجفت شيرين وسقطت حقيبتها الفضية السواريه على الأرض، لتصدر صوتاً معدنياً رن في أرجاء القاعة الساكتة. تقدم رجل الأمن وأمسك بالحقيبة وفتحها بأمر من اللواء جلال، ليتلألأ الخاتم الألماظ البالغ ثمنه مليون و800 ألف جنيه في قلب الحقيبة، إلى جوار هاتفها!


وقعت ميرفت على المقعد ووجهها شاحب كالموت، بينما تراجعت ولاء للخلف وهي تمتم برعب:


— “شيرين؟ أنتي اللي أخدتيه؟”


ندى نظرت إلى أحمد، الذي انهار تماماً وجثا على ركبتيه أمام الحاج فرج، يحاول الإمساك بطرف جلبابه وهو يبكي:


— “يا حاج فرج.. أنا من لحمكم.. ندى مراتي، واللي في بطنها ابني.. أنا مكنتش أعرف، والله ما كنت أعرف!”


تنحى الحاج فرج جانباً، وترك ندى تقف أمامه وجهاً لوجه. نظرت ندى إلى زوجها الذي صمت عن حقها وباع كرامتها أمام الجميع، وقالت بنبرة جليدية لم يسمعها منها قط:



— “ابني اللي في بطني هيتولد ويشيل اسم الجبالي.. وأنت وعيلتك هتدفعوا ثمن القماش اللي اتمزع، وثمن الشرف اللي دوستوا عليه.. بالمليم.”


التفت الحاج فرج إلى مدير أمنه وقال:


— “البوليس يطلب عمل محضر سرقة لشيرين.. ومحضر هتك عرض وبلطجة وسحل لولاء وميرفت.. أما الـ 240 حوت اللي واقفين يتفرجوا ويصوروا، فكل عقودهم ومشاريعهم مع مجموعة الجبالي ملغية من الدقيقة دي.”


وقبل أن يتحرك أحد، بدأت أصوات سرينات عربات الشرطة تقترب من بوابة الفندق الخارجية، معلنة بداية الحساب الحقيقي.


 

بس-رقة الخاتم


بخطوات عسكرية منتظمة، دخلت قوات الشرطة قاعة الفندق بقيادة العقيد “طارق”، الذي ما إن وقعت عيناه على الحاج فرج الجبالي حتى أدى له التحية باحترام بالغ. لم يكن الحاج فرج مجرد رجل أعمال، بل كان اسماً يوزن بالذهب في ميزان القوة والنفوذ.


أشار اللواء جلال، مدير الأمن، بيده لأحد رجاله، فتقدم حاملاً “فلاشة” صغيرة وسلمها للعقيد طارق قائلاً:


— “دي تفريغ كاميرات القاعة بالكامل يا فندم. فيها لحظة تسليم الخاتم، ولحظة التهجم على مدام ندى، وتمزيق هدومها.”


صُدمت ميرفت وتراجعت خطوتين وهي تلطم على صدرها:


— “تسليم الخاتم؟ تسليم إيه؟ بنتي اتسرقت يا باشا! البت شيرين دي هي الحرامية!”


هنا انهارت شيرين تماماً، وسقطت على ركبتيها تصرخ بهيستيريا ودموعها تغرق وجهها المليء بالمكياج الباهظ، وأشارت بإصبعها المرتجف نحو ولاء:


— “أنا مسرقتش حاجة! والله ما سرقت! ولاء هي اللي إدتني الخاتم في الحمام وقالتلي خبيه في شنطتك! هي اللي خططت لكل ده عشان تلبّس التهمة لندى وتفضحها وتجبر أحمد يطلقها ويرميها في الشارع من غير حقوق! قالتلي دي حتة جربوعة ومحدش هيقف معاها!”


شهقة جماعية زلزلت القاعة للمرة الثالثة. العيون التي كانت تنظر لندى باحتقار منذ نصف ساعة، تحولت الآن لتنهش في لحم ولاء وميرفت. 240 حوتاً من كبار العائلات أدركوا أنهم كانوا مجرد “كومبارس” في مسرحية رخيصة دبرتها عائلة السيوفي.


جن جنون ولاء، واندفعت نحو شيرين محاولة ضربها وهي تصرخ:


— “اخرسي يا كدابة! يا واطية! أنتي بتتبلي عليا عشان تطلعي منها؟”


لكن عسكري الشرطة كان أسرع، وأمسك بولاء من ذراعها ولوى يدها خلف ظهرها بحركة حاسمة أخرستها، بينما تقدمت شرطية نسائية وأخرجت الكلبشات المعدنية الباردة.


صرخت ميرفت وهي تحاول تخليص ابنتها:


— “أنتوا بتعملوا إيه؟ سيبوها! إحنا عيلة السيوفي! أحمد! يا أحمد اتصرف!”


رفع أحمد رأسه من على الأرض، ووجهه عبارة عن لوحة من الذل والانكسار. زحف على ركبتيه نحو ندى، التي كانت تقف شامخة وعباءة والدها تغطي كتفها الممزق. حاول أن يمسك بطرف العباءة وهو يبكي كالأطفال:


— “يا ندى.. أبوس إيدك، بلاش الشوشرة دي. أنا غلطت، غصب عني اتصدمت ومعرفتش أتصرف. عشان خاطر العيش والملح.. عشان خاطر ابننا اللي في بطنك، ارحمي أمي وأختي من الفضيحة دي.”


نظرت له ندى من أعلى، بعينين خاليتين من أي ذرة حب أو شفقة، وصوتها يقطر بروداً:


— “ابننا؟ ابننا مات في اللحظة اللي وقفت فيها تتفرج عليهم وهم بيمزعوا هدومي وبيعروني قدام الناس. العيش والملح أنت اللي داسته بجزمتك لما رضيتلي المهانة وكنت مستني تشوفني بتركب البوكس. أنا مبرحمش حد مبيرحمنيش يا أحمد.”



تدخل الحاج فرج، وضرب بعصاه الأبنوسية على الأرض ضربة أسكتت نحيب أحمد، وقال بصوت جحيمي:


— “أنت لسه شفت فضايح يا سيوفي؟ الكلبشات دي أرحم بكتير من اللي هعمله فيك وفي عيلتك. قروض شركتك اللي أنت واخدها من البنوك بضمانات مضروبة.. أنا اللي كنت مغطيها من وراك عشان خاطر بنتي. بكرة الصبح الغطاء ده هيتكشف، وقبل ما شمس بكرة تغيب، ممتلكاتكم كلها هتتحجز، وهترجعوا شحاتين زي ما كنتوا قبل ما تتسلقوا على كتاف الناس.”


اتسعت عينا أحمد في رعب حقيقي، وأدرك أن النهاية لم تعد مجرد طلاق وفضيحة عائلية، بل إفلاس ودمار شامل.


سحبت الشرطة ولاء وميرفت وشيرين وسط صراخهم وفضائحهم التي وثقتها كاميرات هواتف المدعوين الذين لم يرحموهم. تحولت القاعة الفاخرة إلى ساحة قصاص.


وبينما كان الحاج فرج يلتفت ليأخذ ابنته ويغادر هذا المستنقع، فجأة.. بهت لون ندى تماماً، وتصلبت ملامحها. أطلقت أنة مكتومة وضعيفة، وأمسكت ببطنها بقوة شديدة، قبل أن تترنح وتفقد توازنها. انزلقت من بين يدي والدها وسقطت على ركبتيها، وصرخة ألم مدوية شقت صمت القاعة المنصتة، بينما ظهرت بقعة دماء تتسع بسرعة على قماش فستانها الأزرق السماوي.


 


انشقت القاعة بصيحة رعب جماعية حين سقطت ندى. انحنى الحاج فرج على ركبتيه بسرعة لا تناسب سنه، وطوّق جسد ابنته بذراعيه وعيناه تملأهما لهفة وألم لم يرهما أحد فيه من قبل، وصاح بصوت زلزل أركان الفندق:


— “دكتور! القاعة دي فيها 240 بني آدم، مفيش فيكم دكتور يلحق بنتي؟!”


اندفعت طبيبة من بين المعازيم، كانت قد تجمدت في مكانها طوال الفضيحة، وفحصت نبض ندى بسرعة ثم نظرت للحاج فرج بوجه شاحب:


— “الحالة حرجة جداً يا حاج فرج.. انفعال شديد وخبطة في الظهر لما حماتها قيدتها، ده نزيف حاد وبداية ولادة مبكرة في الشهر الثامن.. لازم تتنقل مستشفى فوراً وإلا هنخسر الأم والجنين!”


في هذه الأثناء، كان أحمد يحاول الاقتراب وهو يصرخ بهيستيريا:


— “ندى! ابني! سيبوني أشوف مراتي!”


لكن رجال الأمن دفعوه بقسوة بعيداً، ليرتطم ببرج الشمبانيا الزجاجي الفاخر، فيسقط البرج بأكمله ويتهشم فوق رأسه، وتختلط الدماء بنبيذ الفرح الفاخر، ليصبح منظره على الأرض تجسيداً كاملاً للخزي والمهانة.


حمل الحاج فرج ابنته بين ذراعيه كأنها طفلة صغيرة، وخرج بها يركض وعيناه معلقتان بوجهها الأبيض كالثلج، وخلفه أسطول من سيارات الحراسة وصافرات الإسعاف التي شقت شوارع القاهرة في جوف الليل متجهة نحو أكبر مستشفيات العاصمة.



أمام غرفة العمليات في الطابق الرابع، تحول الممر الفاخر إلى ما يشبه غرفة عمليات حربية. كان الحاج فرج يقف وعصاه تهتز في يده لأول مرة في حياته، وحوله كبار الأطباء والجرّاحين الذين تم استدعاؤهم من منازلهم في دقائق معدودة.


خرج الطبيب الرئيسي بعد ساعة كاملة، والعرق يتصبب من جبينه، ونظر للحاج فرج قائلاً بنبرة قلقة:


— “الحمد لله، قدرنا نوقف النزيف وننقذ مدام ندى.. لكن الجنين في خطر شديد، النبض ضعيف جداً واضطرينا ندخله الحضانة تحت أجهزة التنفس الصناعي.. والـ 24 ساعة الجاية هي اللي هتحدد إذا كان هيعيش ولا…”


لم يكمل الطبيب جملته، لأن هاتف الحاج فرج رن في تلك اللحظة. كان المتصل هو اللواء جلال من مديرية الأمن، وجاء صوته عبر السماعة حاسماً:


— “يا حاج فرج.. ميرفت وولاء وشيرين محبوسين حالياً على ذمة التحقيق، والنيابة وجهت لهم تهم رسمية بالسرقة، البلاغ الكاذب، وهتك العرض والاعتداء العمد على سيدة حامل.. وأحمد السيوفي تم التحفظ عليه في المستشفى تحت الحراسة بعد إصابة رأسه.. طالبينا نتحرك في إجراءات الحجز المالي على شركاتهم؟”


ضغط الحاج فرج على الهاتف بقوة، ونظر عبر زجاج غرفة العناية المركزة إلى ابنته الراقدة بلا حراك وجهير الحضانة البعيد، ثم قال بنبرة قطعت كل خطوط الرجعة وبثّت الرعب في قلب الخط:


— “الشركات والمحلات والبيوت.. مش عايز السيوفية يملكوا في البلد دي حتى الهدوم اللي دارية جثثهم.. صفي كل حاجة يا جلال، وخليهم يعرفوا يعني إيه تدوس على طرف بنت الجبالي.”


وفي نفس الوقت، داخل زنزانة الحجز المظلمة، كانت ميرفت وولاء تجلسان على الأرض الأسمنتية الباردة، بفساتين الفرح الممزقة والمكياج السائل على وجوههن، والدموع والندم ينهشان قلوبهن بعد أن تحولت حياتهن من رغد “الزمالك” إلى غياهب السجون.. لكن الندم كان قد فات أوانه.


تُرى، هل سيعيش طفل ندى ليحمل اسم الجبالي ويشهد نهاية عائلة السيوفي، أم أن الكارثة لم تنتهِ بعد؟


فتحت ندى عينيها ببطء على بياض غطاء المشفى ورائحة المعقمات. شعرت بثقل في جسدها، لكن أول ما تحركت فيه كانت يدها التي امتدت بغريزة الأمومة نحو بطنها.. فوجدتها هابطة. تملكها الرعب للحظة، وحاولت الصراخ، لكن يد والدها الحانية سبقتها وضغطت على كفها بدفء.


نظر إليها الحاج فرج وعيناه تلمعان بدموع انتصار ممزوجة بالارتياح، وهمس بصوت خفيض:


— “حمد الله على سلامتك يا قلب أبوكي.. ولد زي الورد، متنقش من ملامحك، والدكاترة لسه مخرجينه من الحضانة حالا ونفسه بقى طبيعي وزي الفل.”



دخلت الممرضة وهي تحمل الصغير الملفوف بقماش أبيض ناصع، ووضعته في أحضان ندى. في تلك اللحظة، سالت دموعها حارة، لكنها لم تكن دموع كسرة كدموع الفرح؛ بل كانت دموع بداية جديدة. نظرت إلى طفلها وقالت بثبات:


— “هيتسمى فرج.. فرج الجبالي يا بابا. ملوش أب، ولا ليه عيلة تانية غيرنا.”


قبل الحاج فرج رأسها ورأس الصغير، ثم التفت إلى اللواء جلال الذي كان يقف عند الباب بملامحه الصارمة، وأومأ له برأسه لتنفيذ الفصل الأخير.


في نفس الساعة، كانت محكمة جنايات القاهرة تضج بالصحفيين وعدسات الكاميرات. دخلت ميرفت وولاء وشيرين في قفص الاتهام بملابس الحبس البيضاء، وجوههن شاحبة، وشعرهن ممتلئ بالأتربة، وقد زالت عنهن كل مظاهر القوة والمنظرة الكاذبة. ولم يكن أحمد ببعيد عنهن؛ بل كان يجلس في زاوية القاعة بضماد على رأسه، تائهًا، مكسورًا، تحيط به قوات الأمن.


نطق القاضي بالحكم الذي نزل عليهم كالصاعقة:


— “حكمت المحكمة حضوريًا على المتهمة الأولى شيرين بالحبس ثلاث سنوات مع الشغل والنفاذ بتهمة السرقة.. وعلى المتهمتين ميرفت وولاء بالسجن المشدد لمدة خمس سنوات بتهم استعراض القوة، والسب والقذف، والاعتداء العمد على سيدة حامل وهتك عرضها.”


صاحت ولاء وانهارت ميرفت مغشيًا عليها داخل القفص، بينما كان أحمد ينظر إلى الفراغ بذهول. لكن الضربات لم تتوقف هنا؛ فبمجرد خروجه من قاعة المحكمة، تقدم منه المحضر القضائي بملف ضخم وقال له بجفاء:


— “أستاذ أحمد السيوفي.. اتفضل استلم إعلان الصيغة التنفيذية بالحجر المالي الشامل على شركة السيوفي للمقاولات، والتحفظ على فيلا الزمالك وجميع الحسابات البنكية لسداد الديون المستحقة لمجموعة الجبالي. قدامك 24 ساعة للإخلاء.”


سقط الملف من يد أحمد وتناثرت الأوراق على الأرض تحت أقدام المارة. تذكر في تلك اللحظة كل ليلة سكت فيها عن إهانة ندى، وكل كلمة سمموا بها بدنها وهو يبتسم ويدير وجهه. أدرك الآن — وهو لا يملك ثمن سيارة أجرة تعيده إلى بيته الذي سيسلب منه غدًا — أن الرجل الذي لا يحمي كرامة بيته، لا يستحق أن يكون له بيت.


بعد مرور شهرين..


كانت الشمس تميل للغروب فوق النيل من شرفة الجناح الخاص بالحاج فرج الجبالي. كانت ندى تقف بكامل أناقتها، ترتدي فستانًا أسود راقيًا ينم عن أصلها ونعمتها الحقيقية، وتحمل ابنها “فرج” وتناغيه بابتسامة صافية غابت عن وجهها لسنوات.


وقف والدها بجانبها، ونظر إلى النيل ثم التفت إليها قائلاً:


— “السوق كله اتعلم الدرس يا بنتي.. وعيلة السيوفي بقت مجرد سيرة قديمة في دفاتر الإفلاس والندم. رأسك يفضل مرفوع لفوق.”



ابتسمت ندى، ونظرت إلى طفلها الصغير الذي نام بسلام في أحضانها، وقالت بنبرة قوية هادئة:


— “رأسي مش هتنزل تاني أبدًا يا بابا.. اللي فات كان ندى الطيبّة اللي بتستحمل عشان تعيش، واللي جاي.. هي بنت فرج الجبالي.”


 




تعليقات

التنقل السريع
    close