ثروة حمايا كاملة
ثروة حمايا كاملة
حكايات انجى الخطيب
خدمت حمايا ١٠ سنين وبناتة كانوا رافضين يشيلوه ورامينة وبيجوا بس كل اول شهر ياخدوا نص معاشة ويمشوا وانا عمري ما طلبت منه حاجة وكنت بخدمة لوجه الله لحد ما في يوم حمايا عمل حاجة ليا جننتهم وخلتهم اتلموا عليا وضربوني لدرجة انهم كسروا رجلي ومن هنا بدأت الحكاية ....
انا ليلي اتجوزت جوزي من ١٠ سنين حماتي كانت متوفية وحمايا كان ظابط جيش علي المعاش وقعيد علي كرسي متحرك عندة بنتين غير جوزي في البداية اول ما اتجوزت كنا بنروح نزورة كل اسبوع كان بيصعب عليا ان الاقية متبهدل والست اللي جايبنها تخدمة مكنتش بتعمل حاجة غير انها تديلة الدوا وتجبلة الاكل وبس لكن نضافتة الشخصية مكنتش مهتمة بيها واللي عرفتة ان بناتة هما اللي جابوها وحمايا هو اللي بيدفع ليها من معاشة كل شهر وبناتة جابوا الست دي بحجة انهم مش فاضين وعندهم ولادهم وبيتهم ومسؤلياتهم الخاصة..
رغم ان حمايا باني بيت جنبة لولادة كلنا اعدين فيه ومدي كل واحدة فيهم دور ساكنة فيه زي جوزي بالظبط وعمرة ما فرق بين ولد وبنت كلهم زي بعض عندة...
#انجي_الخطيب
حمايا صعب عليا اعتبرتة زي ابويا الله يرحمة اللي اتحرمت من حنيتة و بقيت اروح كل يوم اخدمة أحمية واغيرلة هدومة واعملة اكل واكلة واشوف طلباتة وامشي اروح اشوف طلبات بيتي وفضلت كل يوم علي
كدا....
اول سنة جواز كان لسة ربنا مرزقنيش باولاد وروحت لدكتور انا وجوزي وقال ان مستحيل يحصل حمل الا بعملية لاني عندي مشاكل جوزي مرتبة يادوب مكفينا لاننا في بداية حياتنا سلمت امري لله ورضيت وقولت الحمد لله وكنت بروح اخدم حمايا وانا مبسوطة باللي بعملة وبفرحتة لما يشوفني بعدها ب ست شهور اكتشفت اني حامل لوحدي من غير عمليات وزي ما يكون معجزة من عند ربنا بس قولت في نفسي ان ربنا بيكافئتي عشان براعي الراجل الغليان وخدت عهد علي نفسي اني مش هأثر معاه عمري مهما حصل...
وعدت الايام وخلفت وربنا رزقني بتؤام ورغم ان العبئ عليا كان كبير بس مكتتش بأثر مع حمايا وطلبت من جوزي ينقلة يعيش معانا لاني مكنتش هاقدر انزل كل يوم واشيل ولادي التؤام اروح بيهم عند حمايا في البداية اخوات جوزي اعترضوا فكروا اني طماعنة في معاش حمايا بس يعلم ربنا انا وجوزي عمرنا ما خدنا مليم من حمايا وان البامبرز اللي كنا بنجيبة عشان حمايا واي طلبات لحمايا جوزي كان بيجبها من شغلة والحمد لله ان ربنا كان مكاقئنا ومبارك لينا في فلوسنا وولادنا ورازقنا من فضلة والخير زاد من ساعة ما حمايا دخل بيتنا الحمد لله...
لحد ما في يوم حمايا لاقيتة بيقولي انه كتب كل فلوسة اللي في البنك لينا وان محدش يعرف عنها حاجة وانه كتبها باسمي
انا وجوزي انا النص وجوزي النص انا رفضت وقولتلة انا مش عايزة حاجة قالي بقالك ١٠ سنين بتخدميني عمرك ما طلبتي مني حاجة جيتي علي نفسك وصحتك وعلي اولادك عشاني اهتميتي بيا وفرحتيني وعشت معاكوا وانا مبتحركش ومرضي تقيل محدش يستحملة بناتي نفسهم مقبلوش بيا..
عمرك ما كشرتي في وشي ولا قولتي اوف ولا اضايقتي متي كنت مبسوط ومرتاح معاكوا ودي اقل حاجة اسعدكوا بيها زي ما اكرمتوني في اخر ايامي انتي وابني...
#الكاتبة_انجي_الخطيب
قولتلة دا حق بناتك انا معملتش حاجة وكفاية ان وشك علينا حلو ووجودك في وسطنا بركة ربنا راضاني واداني تؤام والحمد لله كبروا وبقوا متفوقين في مدارسهم وجوزي ربنا وسعها علية كل دا بسببك وبوجودك معانا ابتسم وقالي اوعي تفرطي في الهدية دي حقكوا وحق ولادكوا ولو علي بناتي انا سايبلهم نصيبهم في البيت ومعاشي كانوا بياخدوا نصة كل شهر دا غير اللي كانوا بيطلبوه مني..
بوست ايد حمايا وشكرتة... وعدت الايام وحمايا قابل وجه كريم وزعلت علية وكأن ابويا اللي سابني وراح مش حمايا وبقيت حاسة ان البيت من غيرة وحش وضلمة وقلبي وقلب ولادي وجوزي بقي مكسور علي غيابة...
وبعد وفاة حمايا باسبوع جوزي كاان في الشغل لاقيت الباب بيخبط واخوات جوزي البنات الاتنبن داخلين ووشهم متغير اعدوا ومعاهم
ورق وقالولي بقي انتي كنتي واخده ابونا عندك عشان تضحكي علية وتخلية يكتبلك الوديعة اللي في البنك ليكي انتي وجوزك...
حاولت ابرر الكلام دا واقولهم اني ماليش ذنب واني مكتتش اعزف اصلا ان حمايا عندة فلوس واني واتفاجأت باللي عملة في اخر ايامة بس. هما مصدقونيش ونزلوا فيا ضرب وكسرولي رجلي ومضوني علي وصلات امانة بالمبلغ عشان اتنازل عنه ليهم يأما هيحبسوني...
بس اللي مكنوش بعرفوه ان كان في مفاجأة اكبر من اللي هما عرفوه وان اللي عملوه فيا مش هيعدي بالساهل والصدمة في اللي حصل بعد كدا وفي اللي حصل ليهم هما الاتنين .....
صوت خبط الباب كان عالي لدرجة إن التوأم صحيوا من النوم بيصرخوا، وجوزي مكنش لسه رجع من الشغل، وقبل ما ألحق أنطق بكلمة لقيتهم داخلين زي الإعصار، وشوشهم مسودة من الغل وعيونهم بتطلع نار، والورقة اللي في إيد أخت جوزي الكبيرة كانت بتتهز من كتر ريجة إيدها وهي بتقولي بصوت يرج البيت ده اللي كان أبونا ضاممك فيه عشان تضحكي عليه وتخليه يكتبلك الوديعة اللي في البنك ليكي أنتي وجوزك، حاولت ألملم نفسي وأقوم أقف بس وجع رجلي كان أقوى مني، حاولت أفهمهم بالراحة إني معرفش حاجة عن فلوسه غير في آخر أيامه وإنه هو اللي أصر، بس مكنش فيه فايدة، الكبيرة هجمت عليا والتهت في شعري والتانية مسكت رجلي اللي كانت
بتوجعني وبكل غل وغباء داست عليها بكل قوتها لحد ما سمعت صوت العضم بيطرطق، صرخة طلعت من قلبي خلت العيال يترعبوا، ووقعت على الأرض مش قادرة آخد نفسي من الوجع، وهما مفرقش معاهم غير الورقة اللي طلعوها، أجبروني وأنا بلفظ أنفاسي الأخيرة من الألم إني أمضي على وصلات أمانة بالمبلغ كله، وقالولي بمنتهى البرود لو ما تنازلتيش عن كل مليم في البنك هنحبسك ونرميكي في السجن، سيبتهم يخلصوا اللي هما عايزينه وأنا مش شايفة قدامي غير دموع ولادي، مشيوا وهما فاكرين إنهم انتصروا، بس الحقيقة كانت في جيب الجلابية اللي كان حمايا بيلبسها دايما قبل ما يموت، حمايا اللي كان ظابط جيش فاهم وعارف ولاده كويس، سابلي جواب في نفس المكان اللي مخبي فيه أوراق تانية خالص، جواب فيه توكيل عام ومستندات بتبين إن الوديعة دي مجرد جزء بسيط من ثروته اللي كان محولها لأسهم باسم ولادي التوأم من سنتين، والوصية الحقيقية كانت بتقول إن لو حد من أخوات جوزي اتعرضلي بالأذى أو حاول يطالب بزيادة عن نصيبه في البيت، يسقط حقه تماماً في أي مليم، وجوزي لما رجع وشافني مرمية على الأرض والعيال ميتين من العيا، حكيتله كل حاجة والدموع في عيني، ولما قرأ الجواب والمستندات اللي مكنوش هما يعرفوا عنها حاجة، عيونه اتحولت للون الدم، وخدني في حضنه وقالي إنه مش هيسيب حقي، وفي الوقت اللي كانوا فاكرين فيه إنهم انتصروا، كان المحامي بتاع حمايا واقف قدام باب شقتهم ومعاه الشرطة اللي كانت بتدور عليهم بسبب تهديدهم ليا وتوقيعهم ليا على الوصلات بالإكراه، الصدمة مكنتش في الفلوس اللي ضاعت منهم، الصدمة كانت لما اكتشفوا إنهم خسروا كل حاجة، البيت اللي حمايا كان كاتبهولهم، والمكانة
اللي كانت في قلبه، وبقوا واقفين في الشارع لا معاهم اللي أخدوه مني ولا اللي سابهولهم أبوهم، ودخلوا دوامة قضايا مخلصتش، وأنا اللي كنت فاكراهم خسروني، لقيت ربنا بيعوضني بحياة تانية هادية بعيد عن طمعهم وقسوتهم، والتوأم بقوا هما السند بعد ما كبروا وعرفوا الحقيقة، وكل ما افتكر نظرة حمايا وهو بيوصيني أخد بالي من حقي، بدعي له بالرحمة، الراجل ده مكانش بس بيعوضني عن أبوي، ده كان بيأمن لي مستقبلي ومستقبل ولادي من غدر الدنيا.
.........
يوم المحكمة كان يوم مشهود، دخلت وأنا متسندة على عكاز وبمشي بالراحة، وشوشهم كانت باهتة ومجروحة من الصدمة لما شافوني واقفة في قاعة المحكمة، كانوا فاكرين إني في البيت بتوجع ومكسورة، بس حمايا الله يرحمه كان مخطط لكل ده من سنين، المحامي بتاعي قدم تسجيلات صوتية وصور من كاميرات المراقبة اللي جوزي كان مركبها في البيت من غير ما هما ياخدوا بالهم – احتياطي زي ما أبوه كان دايماً بيوصيه – وكل كلمة قالوها وهما بيضربوني وبيهددوني بقطع الأيدي كانت متسجلة، ده غير "المفاجأة التانية" اللي هما مكنوش عاملين حسابها، وهي إن حمايا قبل وفاته بيوم كان مسجل فيديو رسمي بوجود محاميه الخاص، بيحكي فيه بالتفصيل عن كل اللي حصل معايا طول العشر سنين، وبيقول فيه نصاً: "أنا عارف إن بناتي طمعانين، ومسجل كلامي ده عشان أحمي اللي اعتبرتني بنتها بجد، مش اللي سابوني في عزي ومرضي"، القاضي لما سمع الفيديو وراجع الأوراق، حكم ببطلان وصلات الأمانة اللي مضوني عليها بالإكراه، بل ووجه لهم تهمة الشروع في القتل والتهديد، وفي اللحظة اللي القاضي نطق فيها بالحكم، شفت في عينيهم نظرة انكسار عمري ما هنسها، مش بس خسروا
الفلوس، دول خسروا كرامتهم قدام الكل، وجوزي اللي كان ساندني طول الوقت، بص لهم بصة وداع وقالهم كلمة واحدة "اللي زرعتوه في أبونا وفيّا، بتحصدوه النهاردة"، ومن يومها والبيت اللي كان بيجمعنا بقى ذكريات، هما خرجوا منه مطرودين بقوة القانون، وأنا وجوزي والولاد بقينا فيه، والهدوء رجع يملى حياتنا تاني، والوجع في رجلي خف مع الوقت، بس اللي مبيخفش أبداً هو الإحساس بالرضا اللي جوايا، إني كنت بنت بارة براجل مكنش أبويا من دمي، بس كان أبويا بروحه وقلبه، وربنا مبيسيبش حق حد، والجزاء دايماً بييجي من نفس جنس العمل.
.........
القصة ما انتهتش عند حكم المحكمة، لأن اللي زارع الغل في قلبه سنين طويلة مش بيبطل بسهولة. بعد الحكم، بدأت الحرب من نوع تاني، حرب "التعريص" والتشهير في الشارع والمنطقة. أخوات جوزي، بعد ما خسروا كل حاجة، ملقوش قدامهم غير إنهم يلفوا على الجيران ويطلعوا فينا القطط الفطسانة، يقولوا إني أنا اللي كنت "مغيباه" وإني اللي سيطرت على دماغه عشان يكتبلي الورث.
لكن الصدمة الحقيقية كانت لما ظهرت "المفاجأة التالتة". في وسط ما كنا بنحاول نلم شتات حياتنا ونبدأ صفحة جديدة، جالي اتصال من محامي حمايا بيقولي إن فيه "وديعة سرية" تانية خالص، مش فلوس، دي كانت "صناديق أمانات" في البنك، حمايا كان حاطط فيها كل دهب مراته الله يرحمها (حماتي) اللي كان مخبيه سنين عشان بناته مياخدوهوش يبيعوه في أول أزمة، وكاتب فيه ورقة بخط إيده: "الدهب ده لمرات ابني (ليلي) عشان عوضتني عن الحنية اللي مفتقدتها، وده حقها عشان لما بناتي يبيعوا البيت ويشتروا الفلوس، تلاقي هي حاجة تسندها".
لما الخبر ده اتسرب ليهم، جن جنونهم. ليلة من الليالي،
لقيتهم جايين البيت بيخبطوا بطريقة هستيرية، ولما فتحنا، لقيتهم داخلين ومعاهم ناس غريبة، مأجرين "بلطجية" عشان يرجعوا حقهم بالدراع. جوزي كان بطل، وقف قدامهم زي الجبل، وطلع في وشهم "حكم المحكمة" وبلاغ شرطة قديم كان عامله فيهم وقت ما كسرولي رجلي.
الموقف اتجمد، البلطجية لما شافوا إن فيه قانون وأوراق، انسحبوا وسابوهم لوحدهم. وقتها، أخوات جوزي انهاروا في العياط، مش ندم، لا.. كان عياط "قلة حيلة"، الكبيرة بصتلي وقالتلي: "أنتي خدتي كل حاجة، خدتي أبونا اللي كان بيحبنا، وخدتي فلوسه، وخدتي مكانه في البيت".
بصيت لها بكل هدوء، ورجلي اللي لسه فيها أثر العملية ووجع السنين بيفكرني بكل دمعة نزلت مني وأنا بغير له هدومه، وقلتلها: "أنا مخدتش حاجة يا فلانة، أنا كنت شايلة أمانة أنتوا رميتوها في الشارع. أنا مخدتش مكانه، أنا كنت بنته اللي أنتوا رفضتوا تكونوا مكانها. اللي أنتوا خسرتموه مش فلوس ولا دهب، أنتوا خسرتم 'البركة' اللي كانت في البيت ده، والبركة دي مابتتشرش بالفلوس".
من اليوم ده، انقطع حسهم تماماً، اختفوا من حياتنا ومن المنطقة كلها. وجوزي، رغم جرحه من أهله، فضل راجل بار بأهله حتى وهما غايبين، كان بيبعتلهم جزء من مرتبه (من غير ما يعرفوا إنه منه) عن طريق فاعل خير، عشان يضمن إنهم ميتبهدلوش. وأنا؟ أنا لقيت في عيون ولادي التوأم اللي بقوا دلوقتي في الجامعة، صورة حمايا، ولقيت في حياتي هدوء كان ناقصني كتير.
الحكاية خلصت، بس الدرس فضل محفور في جدران البيت ده: "الرزق مش بس فلوس، الرزق بني آدم طيب يطبطب عليك، والجزاء من جنس العمل، اللي بيزرع طيبة بيحصد راحة بال، واللي بيزرع غل، بيحصد نفسه وحيد ومكسور"


تعليقات
إرسال تعليق