القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 بنتي تلم الأكل من الزبالة كاملة



بنتي تلم الأكل من الزبالة كاملة بقلم حكايات صافي هاني

 

إزاي بنتي تلم الأكل من الزبالة وأنا ببعت لها ميتين ألف جنيه كل شهر؟!

الصوت ده هز الجنينة اللي ورا القاعة الفخمة في التجمع الخامس، في نفس الوقت اللي كانت جوه شغال فيه زفة عيد ميلاد والدته السبعين.

أحمد كان من أكبر رجال الأعمال في مجال العقارات؛ بدلة شيك وعقارب ساعته بتلمع، راكب أحدث عربية مرسيدس، وصوره مالية مجلات البيزنس. بالنسبة للناس، هو الابن المثالي وقصة نجاح مشرفة. بس في اللحظة دي، كان راكع على ركبه قدام طفلة صغيرة، خاسة ولابسة فستان بينك قديم ومتبهدل، وماسك في إيده علبة كرتون فيها بواقي حلويات كانت لسة مطلعاها من كيس القمامة.

البنت رفعت عينيها فيه؛ كانت عندها تمن سنين، عيونها واسعة وضفيرتها ملمومة يدوبك بالعافية.

همست بدموع بابا...

أحمد حس إن الدنيا لفت بيه، ومبقاش مستوعب حاجة.

دي هناء... بنته!

مشفهاش من تلات سنين، من ساعتها لما أمه قالت له إن مراته خديجة ساب البيت ومشيت، وسابت ورقة طلاق ورسالة باردة. أمه، الحاجة ميرفت، هي اللي قالت له وقتها إن خديجة هربت مع واحد تاني ومبقتش عايزاك، وطلبت منه مدور ع البنت ولا عليها.

أحمد من كتر وجعه وصدمته صدق الرواية دي، بس عمره ما قصر في الفلوس. كل أول شهر، كان بيحول ميتين ألف جنيه على الحساب اللي أمه قالت


له إن خديجة بتسحب منه عشان تصرف على هناء.

ودلوقتي؟ بنته واقفة قدامه، إيديها متبهدلة، وبتلم أكل من زبالة الفندق اللي جدتها عاملة فيه حفلة تتكلف الملايين!

أحمد حاول يمسك نفسه ومنبرة صوته تطلع هادية هناء، قوليلي الحقيقة يا بنتي.. هي مامتك بتشغلِك وتخليكي تلمي أكل؟

البنت هزت راسها بسرعة وخوف لا يا بابا.. ماما متعرفش إني جيت هنا أصلاً. أنا شفتهم بيرموا الأكل السليم، فقلت أخده معايا البيت.. ماما مابتأكلش وعايشة على اللقمة.

أحمد حس ب نغزة في قلبه يعني إيه مابتأكلش؟ أنا ببعت فلوس كل شهر!

هناء بكت بقلة حيلة فلوس؟ ماما عمرها ما شافت جنيه.

أحمد اتسمر في مكانه إزاي يا حبيبتي؟ أنا ببعت الفلوس دي بانتظام عشان تعيشوا مرتاحين ومينقصكوش حاجة.

البنت نزلت عينيها في الأرض وضمت علبة الحلويات لصدرها بس تيتة ميرفت طردتنا من الشقة أول ما أنت سافرت في رحلة الشغل الطويلة.. ماما عيطت كتير أوي يومها، ومن ساعتها وإحنا مأجرين أوضة وصالة في آخر الدنيا.

المزيكا والضحك اللي جايين من الحفلة اختفوا تماماً من ودن أحمد، مبقاش سامع غير صوت بنته وهي بترتعش.

جدتك هي اللي طردتكم؟

هناء هزت راسها قالت لماما إنها متستاهلش تعيش معانا، وقالت لنا إنك مبقتش تحبنا ومش عايز تشوفنا.

في اللحظة دي،

في حاجة انكسرت جوة أحمد والرحمة اتمحت من قلبه.

شال هناء بين إيديه ودخل بيها دايركت على صالة الفندق الرئيسية. القاعة كانت مليانة على آخرها؛ رجال أعمال، مسؤولين، قرايب، ومعارف. الحاجة ميرفت كانت واقفة بعبايتها السواريه الكحلي وعقد اللؤلؤ، وبتضحك وهي بتقطع تورتة من تلات أدوار.

أول ما عينيها جت على أحمد وهو شايل البنت، الضحكة اختفت تماماً من على وشها.

الهمس بدأ يملى المكان، والكل سكت.

أحمد مشي بثقة لغاية نص القاعة، ووقف قدام والدته وبص في عينيها علطول يا أمي، عايزك تجاوبيني على سؤال واحد قدام الناس دي كلها.

وش ميرفت جاب ألوان وهمست برعب أحمد، بلاش فضايح.. إحنا وسط الناس ودي حفلتي.

من تلات سنين.. أنتِ اللي طردتِ خديجة وبنتي من البيت؟

القاعة كلها بقت حتة حيطة، مفيش نفس طالع.

ميرفت حاولت تبتسم وتداري الموقف البنت دي صغيرة ومش فاهمة حاجة.. خديجة مشيت بمزاجها.

هناء استخبت ورا ضهر أبوها وقالت بصوت مسموع تيتة قالت لماما لو ممشيتيش، أنا هخرب بيت أحمد وأخليه يخسر كل فلوسه وشغله.

أحمد بص لأمه وكأنه بيشوفها لأول مرة على حقيقتها والفلوس؟ الميتين ألف جنيه اللي كنت بحولهم كل شهر عشان بنتي؟ فين؟

ميرفت جزت على سنانها وقالت بحدة كنت بشيلهم عشان أحميك!

أحمد صوته طلع

مخنوق بالدموع تحميني من إيه؟ من مراتي المصونة اللي ملهاش ذنب؟ ولا من بنتي اللي لقيتها بتأكل من الزبالة عشان مش لاقية اللقمة؟!

الهمس زاد في القاعة، وقرايبهم بدأوا ينزلوا عينيهم في الأرض من الكسوف، والبعض بدأ يصور موبايله بالراحة.

في اللحظة دي، ظهر عم إبراهيم، السواق اللي شغال مع العائلة بقاله أكتر من عشرين سنة.

عم إبراهيم قرب وصوته بيرتعش يا أحمد بيه.. أنا مبقتش قادر أسكت أكتر من كده والساكت عن الحق شيطان أخرس.

ميرفت برقت له بغضب إبراهيم! أطلع برة الموضوع ده خالص.

لكن عم إبراهيم كمل كلامه خديجة هانم عمرها ما طلبت الطلاق ولا سابت البيت بمزاجها.. والدتك هي اللي هددتها وطردتها في نص الليل، والرسالة والورقة اللي جوم لحضرتك... هي ملمستهمش ولا تعرف عنهم حاجة.

أحمد حس إن الدم هرب من عروقه، ومبقاش قادر يقف على رجله من الصدمة.

ومكنش عارف إن اللي جاي لسة أصعب بكتير...

عم إبراهيم نزل راسه في الأرض وكمل وصوته مخنوق بالدموع والأصعب من كده يا أحمد بيه، إن خديجة هانم مريضة وتعبانة جداً بقالها سنة.. ومكنتش راضية تقول لحد عشان متصعبش على حد، وشغالة في مصنع ملابس بسيط يدوبك بتجيب حق الإيجار والعلاج، والبنت بتسيبها وتروح المدرسة وتيجي لوحدها.

أحمد حس إن جبل اتهد فوق دماغه، بص لأمه اللي كانت واقفة مكانها زي

 

الصنم، وشها اتقلب لونه وبقت بتبص حواليها برعب بعد ما كل الكاميرات والموبايلات في القاعة بقت متوجهة عليها، والهمس اتقلب لملامة واضحة من كل الحاضرين.

أحمد نزّل هناء على الأرض، ومسك إيدها الصغيرة وجمد قلبه، وبص لأمه بنظرة خالية من أي مشاعر وقال بصوت جهوري سمعه كل اللي في القاعة الحفلة دي انتهت.. والفلوس اللي في الحساب اللي كنتِ بتسرقيها من بوق بنتي، هترجع بالمليم، وحسابي معاكي مخلصش يا ميرفت هانم، بس من أول الدقيقة دي.. أنا ماليش أم.

ميرفت صرخت بصوت مكتوم أحمد! أنت بتتبرى مني عشان حتة عيلة وست ملهاش لازمة؟ أنا أمك!

أحمد ملتفتش وراها، أخد بنته في حضنه وطلع يجري بيها على برة، وركب عربيتة وبص لعم إبراهيم اللي كان واقف مستنيه اطلع بينا على مكان خديجة يا عم إبراهيم.. فوراً.

طول الطريق، أحمد كان ضامم هناء لصدره وهي بتعيط وتترعش، وهو بيمسح على شعرها ويدمع، مش مصدق إن الجشع والغل يوصلوا أقرب الناس ليه إنه يدمر عيلته ويحرمه من حتة من قلبه.

العربية وقفت بعد ساعة في منطقة شعبية بسيطة، الشوارع ضيقة والبيوت قديمة. عم إبراهيم شاور على بيت دورين وقال هي في الأوضة اللي فوق يا بيه.

أحمد نزل من العربية وهو شايل هناء، وطلع السلم اللي كان متهالك،

وقلبه بيدق بعنف وكأنه رايح لإعدامه. وقف قدام الباب الخشب القديم، وهناؤ خبطت بإيدها الصغيرة وقالت ماما.. أنا جيت.

الباب اتفتح ببطء، وظهرت خديجة.

أحمد اتصدم من شكلها؛ كانت خاسة جداً، وشها شاحب، وتحت عينيها هالات سوداء، ولابسة هدوم بسيطة جداً ومغطية راسها بإيشارب قطن. أول ما عينيها جت في عين أحمد، رجعت لورا خطوة ودموعها نزلت في صمت، واحتضنت نفسها كأنها مش مصدقة اللي شايفاه.

أحمد دخل الأوضة، ونزل هناء، وقرب من خديجة بخطوات تقيلة، وركع قدامها على الأرض زي ما ركع لبنته من شوية، ومسك إيديها اللي كانت خشنة من الشغل ومغطية بالجروح وقال بصوت مكسور سامحيني.. أنا كنت أعمى.. كنت غبي وصدقت الحية اللي حرمتني منك ومن بنتي.

خديجة بكت بحرقة ووقعت على ركبها قدامه تلات سنين يا أحمد.. تلات سنين بتبهدل وأنا مظلومة، وبنتك بتنام جعانة وبقولها بكرا بابا يعرف الحقيقة ويرجع لنا.. كنت عارفة إنك عمرك ما ترمينا، بس مكنتش عارفة ليه غبت كل ده.

أحمد حضنها وحضن هناء معاها، وفضلوا التلاتة يعيطوا في وسط الأوضة الضيقة. في اللحظة دي، أحمد أقسم في سره إنه هيعوضهم عن كل ثانية عذاب عاشوها، وإن أمه والفلوس وكل المظاهر الكدابة مش هتساوي ضحكة واحدة من بنته أو نظرة أمان

من مراته.

تاني يوم الصبح، محامي أحمد كان واقف قدام الحاجة ميرفت بإنذار رسمي بالحجز على كل الأموال والأملاك اللي كان كاتبها باسمها، مع قضايا خيانة أمانة وتزوير. أحمد مقبلش أي واسطة ولا مكالمة من حد من قرايبه، وقفل الباب ده تماماً.

أخد خديجة لأكبر مستشفيات الدولة عشان تبدأ علاجها، ونقل بنته لأحسن مدرسة، واشترى فيلا جديدة بعيدة عن كل مكان بيفكره بالماضي. وفي يوم، وهو قاعد في الجنينة بيتفرج على هناء وهي بتلعب بفستانها الجديد وبتضحك وخديجة قاعدة جنبه وصحتها بدأت ترجع لها، أحمد ابتسم وحس لأول مرة إنه فعلاً راجل أعمال ناجح.. بس المرة دي، نجح في إنه يرجع لبيته روحه اللي ضاعت.

مرت الأيام والأسابيع، وأحمد كان عايش في سباق مع الزمن عشان يمحو أثر تلات سنين من العذاب والشقاء من على وش مراته وبنته. الفيلا الجديدة كانت هادية، مفيش فيها غير صوت ضحكات هناء اللي بدأت ترجع تدريجيًا لقلب البيت، والاهتمام الطبي المكثف بخديجة بدأ يجيب نتيجة؛ وشها ردت فيه الروح، والهالات السوداء بدأت تختفي، بس النظرة المكسورة في عينيها كانت لسة محتاجة وقت عشان تروح تمامًا.

في يوم، وأحمد قاعد في مكتبه بالشركة، دخل عليه المحامي بتاعه وهو شايل ملفات كتير. حط الملفات

على المكتب وقال بنبرة جادة أحمد بيه، الموقف القانوني للحاجة ميرفت بقى صعب جداً. الحساب البنكي اللي كان بيتحول عليه ال ٢٠٠ ألف جنيه شهريًا ثبت إنها كانت بتسحب الفلوس كلها بنفسها وبإمضتها، وفيه تزوير واضح في التوكيل اللي استخدمته عشان تظهر إن خديجة هانم هي اللي بتستلم. ده غير إننا رفعنا قضية طرد تعسفي وشهادة عم إبراهيم في النيابة قفلت القضية تمامًا.

أحمد بص للملفات وعينه كانت قاسية، وقال بصوت حازم مش عايز أي تنازل يا متر. كل قرش دخل حسابها من فلوس بنتي يرجع، والقانون ياخد مجراه للاخر. أنا مش هظلمها، أنا بس هاخد حق تلات سنين بنتي كانت بتلم فيهم الأكل من الزبالة وهي بتصرف الملايين على حفلاتها.

المحامي هز راسه وخرج، وفي نفس اللحظة تليفون أحمد رن. كانت خديجة.

أحمد صوته اتقلب تمامًا وبقى كله حنية أيوة يا حبيبتي، طمنيني عليكي؟ أخدتي علاجك؟

صوت خديجة كان فيه هدوء وراحة الحمد لله يا أحمد، أنا أحسن كتير. هناء رجعت من المدرسة وفرحانة جداً بأصحابها الجداد.. بس أنا كنت شاعرة بتقل في قلبي وعايزة أطلب منك طلب.

أحمد اعتدل في قعدته رقبتي ليكي يا خديجة، أؤمري.

خديجة سكتت لحظة وقالت بصوت واطي عم إبراهيم.. الراجل ده خاطر بلقمته وأكل عيشه وبمستقبله عشان يقول كلمة الحق


قدام الناس كلها. لولا شهادته ولولا إنه دلّك على مكاننا، مكنتش أعرف إحنا كنا هنفضل فين لحد دلوقتي. الراجل ده لازم نكرمه يا أحمد.

أحمد ابتسم ودموعه لمعت في عينه أنتِ أصيلة يا خديجة، وتفوقي أصل أي حد عرفته في حياتي. متقلقيش، عم إبراهيم من أول يوم بقى السواق الخاص بيكي وبعربيتك الجديدة، وأنا نقلت أولاده لمدرسة خاصة وعلى حسابي، وكتبت له مكافأة نهاية خدمة تعيشه ملك هو وعياله، وده أقل واجب لراجل صان الأمانة لما الكل خانها.

بعد ما قفل مع خديجة، أحمد قرر يقفل ملف الشغل بدري ويرجع البيت. وهو سايق عربيتة، تليفونه رن تاني، وكان الرقم غريب. رد، وجاله صوت أمه الباكي، صوت ميرفت هانم بس من غير الكبرياء والغطرسة بتاعة زمان أحمد.. أرجوك يا ابني اسمعني. الحجز اتنفذ على كل حاجة، والبوليس طلبني للتحقيق في قضية التزوير. أنا أمك يا أحمد، هان عليك ترميني في السجن؟ الناس أكلت وشي ومبقاش ليا عين أخرج من باب البيت.

أحمد وقف العربية على جنب، وأخد نفس طويل وقال ببرود غريب هزها أنتِ اللي هنّتِ على نفسك يا ميرفت هانم يوم ما طردتِ لحمك ودمك في نص الليل. يوم ما سبتِ طفلة تمن سنين تجوع وتتبهدل عشان ترضي كبريائك وتحسي بالسيطرة. الفلوس هترجع، والقضية مش هتنازل عنها، والسجن اللي خايفة منه هو المكان الصح للي يسرق لقمة عيل صغير. متتصليش بيا تاني قفل الخط وعمل للرقم حظر، وحس إن حمل تقيل انزاح من على صدره.

رجع الفيلا، وأول ما دخل، جرت عليه هناء وهي لابسة فستانها الجديد وواخدة في

إيدها لوحة رسمتها في المدرسة. أحمد شالها وفضل يبوس فيها، وبص على اللوحة لقاها رسماهم هما التلاتة أحمد وخديجة وهناء، وماسكين إيد بعض وتحتهم مكتوب خط صغير عيلتي الجميلة.

خديجة قربت منهم وهي مبتسمة، لمسة إيدها لأحمد كانت كفيلة تنسيه كل تعب وشغل الأيام اللي فاتت. قعدوا كلهم في الصالون، وأحمد بص لمراته وبنته وقال بنبرة مليانة يقين أنا ضيعت تلات سنين من عمري في جري ورا المظاهر والفلوس والشركات، وكنت فاكر إن ده النجاح. بس الحقيقة إن النجاح الحقيقي هو إني أحميكم، والفلوس ملهاش عازة لو مكنتش بتأمن ليكم ضحكة صافية من القلب. من هنا ورايح، مفيش قوة في الدنيا هتبعدنا عن بعض تاني.

خديجة حطت راسها على كتفه وضمت هناء ليهم، والبيت كله بقى دافي، دفا حقيقي مش مصنوع من عقود الملايين ولا من حفلات التجمع الخامس الكدابة، دفا راجع من كلمة حق وندم صادق وعيلة رجعت تتجمع من جديد بعد ما كانت على حافة الضياع.

مرت شهور على الحادثة دي، والهدوء بدأ يستقر تماماً في حياة أحمد وعيلته. خديجة كملت كورس علاجها بالكامل، ورجعت لها صحتها ونضارتها اللي خطفت قلب أحمد من أول يوم شافها فيه. أما هناء، فبقت الأولى على مدرستها الجديدة، وضحكتها بقت تملى أركان الفيلا من أولها لآخرها، ومبقاش في عينيها أي أثر للخوف أو الانكسار.

في صباح يوم جديد، أحمد كان قاعد في غرفته الكبيرة بيجهز عشان ينزل الشركة. وهو بيربط كرافتته، دخلت خديجة وفي إيدها فنجان القهوة بتاعه، وابتسمت له بنظرة مليانة امتنان

وقالت أحمد.. المحامي اتصل بيا من شوية.

أحمد التفت لها باهتمام خير يا حبيبتي؟ قالك إيه؟

خديجة حطت الفنجان وقعدت على طرف السرير قالي إن الحكم النهائي صدر ضد والدتك بالحجز على باقي ممتلكاتها عشان تسديد المبالغ اللي سحبتها، وإن الموضوع رسمي خلاص ومفيش فيه تراجع. أنا شفت في عينه الرغبة إنه يطمنّي، بس أنا حسيت بنغزة في قلبي يا أحمد.. مهما كان، دي والدتك.

أحمد قرب منها، وقعد جنبها ومسك إيديها وبص في عينيها بجدية خديجة، أنتِ قلبك أبيض وبيدور على السماح، وده اللي مخليني متمسك بيكي وبحبك كل يوم أكتر من اللي قبله. بس لازم تفهمي إن فيه فرق بين القسوة وبين العدل. اللي حصل معاكِ ومع بنتي مكنش غلطة عابرة، ده كان تخطيط وشر بهدل طفلة وحرمها من أبوها. القانون بياخد مجراه عشان الكل يتعلم إن الظلم لية نهاية، وعشان حقك وحق هناء يرجع لكم قدام الدنيا كلها.

خديجة نزلت عينيها وهزت راسها باقتناع أنا مش زعلانة على الفلوس، أنا بس بتمنى إن الأيام دي تعدي وننسى كل الوجع.

أحمد رفع راسها بصباعه وابتسم وعد مني، مش هتشوفي وجع تاني طول ما أنا عايش ونفسي في الدنيا.

نزل أحمد على شركته، ولأول مرة من تلات سنين، يدخل مكتبه وهو حاسس براحة نفسية حقيقية. الشغل اللي كان بيجري وراه ليل نهار عشان يهرب من وجع فراق عيلته، بقى دلوقتي وسيلة عشان يؤمن لهم مستقبلهم.

في نص اليوم، دخل عليه السكرتير وقاله إن عم إبراهيم برة وعايز يقابله في أمر ضروري. أحمد سمح له بالدخول فوراً وقام من ورا مكتبه

يستقبله.

عم إبراهيم دخل وهو لابس لبس شيك ومظهر مرتاح، ووشه منور بالرضا أحمد بيه.. أنا جيت أشكرك بنفسي على الشقة الجديدة اللي كتبتها باسم أولادي، وعلى وقفتك معايا. أنا مكنتش مستني كل ده، أنا بس عملت اللي يمليه عليا ضميري وديني.

أحمد طبطب على كتفه بحرارة يا عم إبراهيم، اللي أنت عملته ميتثمنش بفلوس ولا

بشقق. أنت أنقذت عيلتي من الضياع، ورجعت لي بنتي ومراتي. أنت من اليوم ده مش مجرد راجل شغال معانا، أنت فرد من العيلة دي، وأي حاجة تحتاجها في أي وقت، مكتبي وبيتي مفتوحين ليك.

دموع الفرحة لمعت في عين عم إبراهيم وشكر أحمد ودعا له بالبركة في أولاده وحياته وخرج وهو حاسس إن ربنا جازاه خير على كلمة الحق.

لما الليل ليل، رجع أحمد بيته وهو شايل في إيده ألعاب جديدة لهناء، وهدية رقيقة لخديجة. أول ما دخل من الباب، جرت عليه هناء وحضنته بقوة بابا! وحشتني أوي.. ماما عملت لنا عشا تحفة النهاردة ومستنيينك.

أحمد شالها وضحك من قلبه وأنا كمان وحشتيني يا روح بابا.. يلا بينا نشوف ماما عملت لنا إيه.

دخلوا غرفة السفرة، وكانت الأجواء دافية جداً، الشموع منورة، والأكل جاهز، وخديجة واقفة بتبتسم لهم بسعادة. قعدوا كلهم حوالين الترابيزة، وأحمد بص لعيلته وحس إن ربنا عوضه عن كل لحظة ألم عاشها.

وفعلاً، من اليوم ده، أغلقت عائلة أحمد صفحة الماضي بكل آلامها وجبروتها، وبدأوا يكتبوا مع بعض صفحات جديدة كلها حب وأمان واستقرار، وبقت قصتهم درس لكل اللي حواليهم إن الظلم مهما طال ليله، لازم الحق يظهر وينتصر في النهاية.


تعليقات

التنقل السريع
    close