الكنز المدفون بقلم نورهان العشري كاملة
الكنز المدفون بقلم نورهان العشري كاملة
بسم الله الرحمن الرحيم
الكنز المدفون بقلم نورهان العشري
اتخطبت صالونات. لعريس لقطة مهندس، من عيلة غنية، شكله حلو، كاريزما. جوازة أي بنت تحلم بيها. حماتي بقى كانت غريبة شوية، من تاني اسبوع بتزن عيزاني أروح عندها.. في الأول رفضنا بحكم أننا في أرياف و دا مش مقبول عندنا لكن هي كانت مصرة، الغريب بقى أن سلفتي كانت بتبصلي بصات غريبة أوي، و كأنها مش عيزاني أروح عند حماتي. في الأول فكرتها غيرانه، وقولت شكلها حرباية، بس اتضح أنها كانت خايفة على مصلحتي. مكنتش اعرف أن اليوم اللي هروح فيه عند حماتي حياتي كلها هتتقلب لكابوس.. حكايات نورهان العشري
أنا زينة ٢٣ سنة من أسرة متوسطة، و مخلصة كلية أداب، جالي من بلد جنبنا عريس لقطة زي ما بيقولوا. لدرجة أن كل بنات العيلة عندنا كانت بتحسدني، جابلي شبكة كبيرة، و كانت زيارة أهله ليا البلد كلها اتحاكت بيها، و حماتي كانت طايرة بيا وعمالة تقول دي بنتي، وحبيبتي، و كأنها بتغيظ في سلفتي اللي كانت قاعدة طول الوقت ساكتة وبتبتسم بهدوء، وشها كان بيتقلب بس لما حماتي تقولي تعالي زورينا، و كان في إلحاح غريب من ناحيتها، وماما كانت بتقولي:
ـ يا هبلة حد طايل حماته تكون بتحبه! مش شايفاها مش شايفة سلفتك مكبوسة ازاي؟ اكيد من حب حماتك فيكي…
في يوم حماتي كلمت ماما و أصرت أننا نروح نتعشى عندها و نشوف الشقة، و خطيبي اللي كان اسمه رائد هييجي ياخدنا ويرجعنا.. بس عشان المهندس كان عايز يبدأ في توضيب الشقة، ومستنيين رأيي عشان يشوف هيعملوا ايه.
في اليوم دا لبست و اتشيكت، و كنت حلوة بمعنى الكلمة لدرجة أن رائد لما شافني لقيت عيونه لمعت و قالي بإعجاب:
ـ طالعة زي القمر..
مكنش في بيننا مشاعر اوي بس كلامه فرحني جدًا، و ركبنا أنا و ممتي العربية معاه و روحنا البيت عندهم و كان شكله من بره حلو اوي و كأنه قصر. كان خمس طوابق بجنينة كبيرة، و على الرغم من كل دا حسيت أن قلبي اتقبض اول ما دخلت من البوابة. و في خوف كبير ملاني لدرجة اني كنت عايزة أرجع تاني، بس جمدت قلبي و دخلت و كانت حماتي طايرة بيا، و كذلك خطيبي و اخوه ماعدا سلفتي كانت نظراتها فيها حاجة غريبة مش غل زي ما تخيلت بس حاجة زي خوف أو توتر. حاولت مركزش، و شوفت شقتي و كانت كبيرة أوي و جميلة. بس أنا مخضوضة معرفش ليه؟
عدا الوقت، و اتعشينا و ماما قالت:
ـ يالا عشان نمشي قبل الوقت ما يتأخر..
حماتي مسكت فينا جامد و قالت بزعل:
ـ احنا ملحقناش نشبع منكوا خليكوا معانا شوية دانا روحي ردت لما زينة دخلت البيت.
كل ما كنا نقول هنمشي تحرجنا بالكلام، وانا كنت من جوايا عايزة امشي و محرجة منها أوي، الكلام خدنا و الوقت عدا لحد ما جت الساعة ١٢ بالليل و كان أخو خطيبي خد العربية بتاعته مشوار و لسه مرجعش و خطيبي قاعد مستنيه عشان يوصلنا، في الوقت دا بابا كلمنا و قال هيبعت أخويا ياخدنا عشان منرجعش بالليل مع خطيبي، و كان متعصب كلمته حماتي و قعدت تقوله كلام حلو و قد ايه هي فرحانه بيا أحرجته في الكلام هو كمان، و عرفت تمتص غضبه هي كان أسلوبها خطير بيخلي اللي قدامها ميقدرش يزعلها. حكايات نورهان العشري
دخلت اعمل الشاي مع سلفتي بسبب إصرار ماما، واول ما دخلت المطبخ لقيتها بتبتص حواليها و بعدين قربت مني و كأنها بتجيب برطمان الشاي من ورايا و همست جنب ودني بنبرة كلها تحذير:
ـ اوعي تباتي هنا النهاردة…
ماما كمان اضطرت توافق بعد ما حست إن الأبواب كلها اتقفلت في وشنا، وحماتي أول ما عرفت إننا هنبات، وشها نور بضحكة غريبة كأنها صدقت ما صدقت، وقالت بفرحة زيادة عن اللزوم:
ـ يا فرج الله! ده البيت نور يا جماعة، والله أنا كنت شايلة هم مشوار الليل ده.. خلاص يا حبيبتي إنتي ومامتك هتباتوا في الأوضة الكبيرة اللي جمبي، و بعدين دا كلها كان شهر ويبقى بيتك يعني. متتكسفيش.
في اللحظة دي، عيني جت على سلفتي غادة.. وشها اتخطف تماماً، الملامح الهادية اللي كانت مرسوما على وشها اتحولت لرعب وضيق حقيقي، لدرجة إنها قامت وقفت فجأة وكأن قنبلة انفجرت جمبها. حماتي بصلتها بطرف عينها وقالت بنبرة حادة مفيهاش أي ود:
ـ جرى إيه يا غادة؟ ما تقومي تعملي لسلفتك ومامتها حاجة دافية يشربوها قبل ما يناموا، ولا الوقفة معانا تقلت عليكي؟
غادة ماردتش، بصتلي بصلة أخيرة كلها غضب ممزوج بالخوف، ولفت وشها ودخلت على المطبخ على طول. أنا قلبي وجعني ومبقتش فاهمة في إيه.. ضيقها ده مكنش شكل ضيق غيرة أبداً، دي ملامح واحدة شايفة مصيبة هتحصل!
استأذنت من ماما وحماتي وقولت هروح أساعد غادة في المطبخ عشان أكسر السكوت اللي مابيننا ده. دخلت وراها المطبخ براحة، كانت واقفة وضهرها ليا، وسرحانة وهي بتمسك كبشة المعالق وإيدها بتترعش بشكل ملحوظ.
قربت منها وقولت بنبرة هادية بس فيها عتاب:
ـ إنتي زعلانة ليه إني بايتة معاكوا يا غادة؟ أنا والله الموضوع جه غصب عننا زي ما شوفتي، ومكنتش حابة كدة خالص..
غادة أول ما سمعت صوتي اتنفضت وبصت وراها بسرعة، واتلخبطت لدرجة إن المعلقة وقعت من إيدها على الرخام وعملت صوت عالي. حاولت تداري ارتباكها وبصتلي بعيون حادة وقالت بنبرة جافة وموجوعة:
ـ وأزعل ليه؟ أنا مالي أصلاً.. بس عشان مفيش واحدة محترمة تبات في بيت خطيبها قبل الجواز، حتى لو الأسباب إيه! الأصول أصول يا زينة، وإللي أوله كدة آخره معروف.
كلامها نزِل عليا زي الماية الساقعة، اتصدمت من طريقتها وجرحتني، بس قبل ما أرد عليها وأقولها إن ماما معايا وإننا مش لوحدنا، لمحت في عينيها لمعة دموع، وإيدها اللي كانت بتضغط بيها على الرخام لدرجة إن ضوافرها ابيضت. غادة مكنتش بتهاجمني.. غادة كانت بتطردني! حكايات نورهان العشري
قربت منها خطوة وقولت بصوت واطي أوي:
ـ غادة.. إنتي مش قصدك تجرحيني، في حاجة تانية إنتي عايزه تقوليها.. صح؟ النظرات اللي بتبصيهالي من أول ما دخلت البيت، والخوف اللي في عينك دا ايه سببه ؟ أنا مش فاهمة؟
غادة بلعت ريقها بصعوبة، وبصت ناحية باب المطبخ برعب كأنها خايفة حد يكون واقف بيسمعنا، وقربت مني خطوة ووتت صوتها خالص لدرجة الهمس، وقالت وعيونها بتلف في المطبخ:
ـ زينة.. اسمعيني كويس، أنا مش كارهاكي.. أنا.. أنا خايفة عليكي.. البيت ده مش زي ما إنتي فاكرة، وحماتك دي مش..
وفجأة، سكتت تماماً.. ملامحها اتجمدت، وعيونها اتوسعت من الرعب وهي باصة ورا ضهري ناحية باب المطبخ، والدم هرب من وشها بالكامل!
الكنز المدفون بقلم نورهان العشري ج٢
التفتّ بسرعة ورايا وقلبي هيقف من الخضة، لقيت حماتي واقفة على باب المطبخ، ملامحها كانت هادية وبتتسم ابتسامتها الودودة العادية، بس عينيها كانت بتتحرك بذكاء بيني وبين غادة كأنها بتقرأ الأفكار.
غادة وطت راسها بسرعة ولمت المعالق وهي بتترعش، وحماتي دخلت بخطوات بطيئة وقالت بنبرة ناعمة:
ـ إيه يا بنات؟ وقفتوا الرغى ليه أول ما دخلت؟ محتاجة حاجة يا زينة؟
رديت بسرعة وأنا بحاول أداري ضربات قلبي السريعة:
ـ لأ يا طنط أبدًا، أنا بس كنت جاية أساعد غادة..
حماتي قربت مني، ومسكت إيدي بحنية زايدة، وبصت لغادة وقالتلها بنبرة حادة بس متدارية ورا ضحكة:
ـ طب يا غادة يا حبيبتي، سيبّي اللي في إيدك وكملي إنتي بعدين، أنا عايزة زينة في كلمتين.. تعالي معايا يا حبيبتي.
خدتني من إيدي وخرجنا برا المطبخ، مشيت معايا لحد آخر الممر في الصالة الكبيرة، في حتة بعيدة عن الأوض اللي نايمين فيها، وقعدتني جمبها على الكنبة. أخدت نفس طويل، وبصتلي بعيون مليانة حنان، وطبطبت على إيدي وقالت بصوت واطي ومليان شجن:
ـ أنا مش مصدقة يا زينة إنك عندنا النهاردة، حاسة إن ربنا استجاب لدعائي.. إنتي مش عارفة إنتي دخلتي قلبي إزاي من أول يوم شوفتك فيه، حسيتك بنتي اللي مخلفتهاش، وعوض ربنا ليا في البيت ده.
بصيتلها بامتنان بس كان في غصة في صدري مش عارفة سببها، قولت بكسوف:
ـ ربنا يخليكي يا طنط، ده من ذوقك والله..
ملامح حماتي اتقلبت فجأة للحزن والكسرة، واتنهدت بمرارة وقالت:
ـ طنط إيه بقى؟ قوليلي يا ماما.. أنا ياما شفت قسوة وجحود في البيت ده يا زينة. غادة دي أنا ياما دوقت على إيدها المر، قاسية وناشفة ومبتعرفش تود حد، ومن يوم ما دخلت البيت وهي حاطة عينها على كل حاجة.. وكان كل همها وخطتها إنها تاخد رائد تجوزه لأختها عشان تضمن إن البيت كله بقى تحت إيدها وأيد أهلها!
عيني برقت من الصدمة، وحماتي كملت:
ـ ولما رائد رفض ووقف في وشها وقال مش هاخد غير اللي انا اختارها حطت رائد في دماغها.. كل ما يخطب خطوبة وتدخل عروسة البيت هنا، تقعد معاها تخوفها وتطلع فينا القطط الفاطسة وتألف حكايات وتتبلى علينا لحد ما العروسة تتطفش وتفسخ! كل ده عشان تكسر مقاديفه وتاخده لأختها.. ولما شوفتك النهاردة واقفة معاها في المطبخ ووشك مخطوف، قلبي أكلني وقولت يظهر الحرباية بدأت تلعب تاني معاكي وتخوفك مني ومن البيت عشان تطفشك إنتي كمان.. إوعي تصدقيها يا زينة، دي غيرانة منك عشان إنتي أحلى، وعشان رائد اختارك وشاريكي، وهي هتموت من غيظها أن خطتها باظت.
كلام حماتي كان مقنع، وبيفسر كل حاجة.. فجأة كل النظرات الغريبة اللي كانت غادة بتبصها لي، والارتباك، والكلام اللي قالتهولي في المطبخ لما جرحتني وقالت مفيش واحدة محترمة تبات، كل ده اترتب في دماغي على إن غادة بتغير مني وبتكرهني وعايزة تطفشني فعلاً زي ما حماتي بتقول.
بس.. رغم إن عقلي صدق كلام حماتي، ورغم إن كلامها يدخل القلب من كتر حنيته وأسلوبها الخطير اللي يسحر.. إلا إن كان في حاجة غريبة جوايا مش مريحاني. حكايات نورهان العشري
حاجة زي صرخة في قلبي بتقولي “لأ”. نظرة الرعب الحقيقية اللي كانت في عيون غادة مكنتش نظرة غل أو غيرة.. دي كانت نظرة خوف حقيقي، كأنها شايفة وحش واقف ورايا! والملامح الطيبة الحنينة اللي في وش حماتي، وهي بتتكلم، لمحت في عينيها لمعة غريبة مكنتش متناسبة أبداً مع نبرة صوتها الباكية.
سكتّ، وحسيت بقبضة في قلبي زادت م راحتش، وقولت بصوت متحشرج وأنا بحاول أبتسم:
ـ متقلقيش يا.. يا ماما، أنا مش هسمح لأي حاجة تخرب فرحتي أنا ورائد.
حماتي ابتسمت وخدتني في حضنها، وطبطبت عليا جامد ولقيتني بسأل نفسي: مين فيهم اللي صادق؟ ومين فيهم كداب؟
نمت أنا وماما في أوضة واسعة كبيرة و فرشها كان حلو اوي، و في نص الليل كان في صوت خبط على باب الأوضة و وشوشة، معرفش ليه أنا مكنتش عارفة أنام على عكس ماما اللي راحت في النوم بالرغم من أنها عمرها ما اتعودت تنام عند حد. سمعت صوت باب بيتفتح و باب بيتقفل، الفضول خدني قمت فتحت باب اوضتنا بالراحة، كنا قبل الفجر بالظبط و هنا شفت حماتي وهي خارجة من الباب الرئيسي على طراطيف صوابعها، و بتتلفت حواليها زي ما يكون خايفة حد يشوفها، غبائي و فضولي خلوني أروح وراها، و لقيتها رايحة ناحية الجنينة اللي ورا، فضلت اسحب وراها لحد ما لقيتها واقفة قدام أوضة كدا و فجأة اتلفتت و ضحكتلي وهي بتقول:
ـ كنت عارفة انك هتيجي ورايا…
الدنيا كانت ضلمة كُحل، والهدوء اللي في الجنينة كان يرعب، مفيش غير صوت صرصير الليل ونسمة هوا ساقعة خلت جسمي كله يتنفض. لما حماتي لفت وشها وبصتلي بالضحكة دي، رجلي ثبتت في الأرض ومبقتش قادرة أتحرك خطوة واحدة لورا. ملامحها مكنتش ملامح الست الحنينة اللي كانت لسه حاضناني من كام ساعة، عينيها كانت بتلمع في الضلمة بشكل مش طبيعي، وكأنها صياد لقى فريسته. حكايات نورهان العشري
قربت مني بخطوات بطيئة، وأنا نفسي عمال تتسارع، لحد ما وقفت قدامي بالظبط، ورفعت راسها للسما وهي بتبص للقمر اللي كان قرب يبقى كامل ولقتها ضحكت بصوت واطي وقالت:
ـ النهاردة ليلة اللي مستنياها بقالي كتير يا زينة.. ومينفعش تفوتنا.
أنا بلعت ريقي وبقيت بتأتأ من الرعب:
ـ إنتي بتقولي إيه؟ وإيه الأوضة دي؟ أنا.. أنا كنت قايمة أشرب بس..
قطعت كلامي بضحكة عالية رنت في الجنينة المهجورة، وشاورت بإيدها على الأوضة اللي وراها وقالت بنبرة مرعبة:
ـ تشربي! إنتي فاكرة نفسك جيتي هنا بالصدفة؟ مفيش حاجة بتحصل هنا صدفة كل حاجة مترتبة خطوة، بخطوة،
قولتلها بخوف:
ـ تقصدي ايه؟
حماتها ابتسمت بخبث قبل ما تقول:
ـ هقولك عشان أنا عارفة أن على ما يطلع النهار مش هتفتكري حاجة خالص. البيت ده تحته كنز، مقبرة ملكية تخلينا ملوك الآثار اللي بنطلعها من تحت الأرض دي كوم، واللي هيتفتح الليلة كوم تاني خالص!
أنا رجعت خطوة لورا، وعقلي مش قادر يستوعب الكابوس ده، كنز إيه وآثار إيه! كملت حماتي وهي بتقرب أكتر، وعينيها مركزة على رقبتي:
ـ بس الرصد اللي على المقبرة الكبيرة شديد، مش عايز دهب ولا فضة، عايز قربان.. والشيخ قال: أن ليلة اكتمال القمر من كل سنة، لازم يدخل البيت عروسة جديدة، بكر وبدم نقي.. والنهاردة هناخد عينة من دمك، يشمها الشيخ ويقرأ عليها، لو الرصد وافق عليها وقبلها.. هتبقى هي القربان اللي هيتدبح على باب المقبرة عشان تفتح! عرفتي بقى العرايس اللي رائد خطبهم قبل كدة مشيوا ليه؟ عشان ولا واحدة فيهم دمها اتقبل والنهاردة دورك يا زينة، لما نشوف دمك هيعجب الجِن ولا لأ!
فجأة، من ورا الأوضة الضلمة، ظهر اتنين رجالة ضخام، ملثمين مش باين من وشهم غير عينيهم، وفي إيد واحد منهم سرنجة كبيرة وسك..ينة بتلمع تحت نور القمر.
صوت صرختي طلع مكتوم من كتر الرعب، لفت وشي وجريت بأقصى سرعة عندي في الجنينة، كنت بجري وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني، والتراب والأشواك بتجرح في رجلي الحافية. سمعت صوت حماتي وهي بتزعق ورايا بغضب فظيع:
ـ هاتوها!! !
كنت سامعة صوت خطواتهم السريعة والمرعبة ورايا، كأنهم وحوش بتطاردني، الأرض كانت بتلف بيا، وصلت لحد باب البيت الرئيسي وبدأت أخبط عليه بهستيرية وأنا بصرخ:
ـ ماما!! يا رائد!! الحقوني!! غادة!!
وقبل ما ألمس مقبض الباب، حسيت بإيد قوية وضخمة مسكتني من كتفي لفتني بعنف، ووقعت على الأرض، واحد من الملثمين كاتم نفسي بإيده التانية الثقيلة، وحماتي وقفت فوق راسي وهي بتبصلي بنظرة متوحشة، وقالت للراجل:
ـ اخلص.. اسحب عينة الدم بسرعة قبل ما حد يحس!
الكنز المدفون بقلم نورهان العشري ج٣
شفت السرنجة وهي بتقرب من عروق إيدي، ووجع الشكة اخترق جسمي كله.. حسيت ببرودة فظيعة بتسري في دمي، والدنيا بدأت تسود قدام عيني تدريجيًا، وصوت ضحكات حماتي المرعبة كان آخر حاجة سمعتها قبل ما غبت عن الوعي تماماً..
ـ زينة! زينة يا بنتي قومي.. اسم الله عليكي، مالك بتعرقي وتصرخي كدة ليه؟!
فتحت عيني فجأة وأنا باخد نفسي بصعوبة وضربات قلبي هتموتني من السرعة. لقيت نفسي نايمة على السرير، ونور الفجر بدأ يشقشق ويدخل من شباك الأوضة الواسعة. ماما كانت قاعدة جمبي، بتبصلي بقلق وهي بتمسح على راسي بماية وتسمي الله.
قعدت بسرعة وأنا بترعش وببص حواليا في الأوضة.. بصيت على إيدي بسرعة.. مكنش فيها أي أثر لشكة أو دم.
تنفت بوعي مشوش وقولت بصوت متقطع:
ـ ماما.. أنا.. أنا فين؟ حماتي.. والرجالة.. والدم..
ماما ضحكت بقلة حيلة وطبطبت عليا وقالت:
ـ حماتك إيه والرجالة إيه يا بنتي؟ إنتي كنتي بتحلمي.. كابوس وحش اسم الله عليكي، من ساعة ما نمتي وإنتي عمالة تفركي وتعيطي وتقولي الحقوني.. قولتلك الأكل كان تقيل عليكي ونومك في مكان غريب عمل فيكي كدة.. قومي اغسلي وشك ويلا عشان زمانهم صحيوا برا وعيب نقعد في الأوضة أكتر من كدة.
حطيت إيدي على قلبي اللي كان لسه بيدق بعنف.. كان حلم؟ كل الرعب ده، والكلام عن الآثار والقربان والدم كان مجرد كابوس من عقلي الباطن بسبب كلام غادة وكلام حماتها؟
نزلت رجلي من على السرير وأنا بحاول أهدأ وأقنع نفسي إنه حلم.. بس أول ما رجلي لمست الأرض، حسيت بوجع خفيف في كعب رجلي.. بصيت تحت، لقيت في خدش صغير وفيه بقايا تراب من الجنينة!
حاولت أجمع شتات نفسي وأنا واقفة قدام مراية الحمام، بغسل وشي بالماية الساقعة مرة ورا تانية عشان أطرد صورة السرنجة والملثمين من دماغي. الخدش اللي في رجلي كان مرعبني، بس فضلت أقول لنفسي: أكيد اتعورت وأنا داخلة البيت بالليل ومخدتش بالي، والعقل الباطن ألف الحكاية دي كلها.
أخدت نفس عميق، ورسمت ابتسامة هادية على وشي، وقررت أتعامل وكأن مفيش أي حاجة حصلت.
خرجنا أنا وماما للصالة، ولقيناهم مجهزين سفرة فطار حلوة اوي. قشطة، وعسل، وفطير مشلتت، وحاجات تفرح القلب. أول ما حماتي شافتني، وشها نور بضحكة صافية وقامت من مكانها عشان تاخدني بالحضن وهي بتقول بحنية:
ـ صباح الورد على عيون عرستنا الجميلة! نوم العوافي يا قلبي.. ها، ارتحتي في نومك يا حبيبتي؟ حكايات نورهان العشري
ـ صباح النور يا ماما.. الحمد لله، السرير كان مريح جداً.
قولتها وأنا بحاول أخلي صوتي طبيعي وميهتزش، بس عيني غصب عني راحت لغادة اللي كانت قاعدة جمب جوزها.. غادة مكنتش بتاكل، وشها كان أصفر زي الليمونة، وعينيها كانت مبرقة وبتبصلي بنظرات كلها خوف ورعب حقيقي، كأنها متفاجئة إني واقفة قدامها على رجلي وبتكلم! نظرتها رجعتلي قشعريرة الحلم تاني، بس استعذت بالله وقعدت جمب ماما.
رائد خطيبي كان قاعد ومبتسم، وبدأ يتكلم معايا وحماتي طول القاعدة عمالة تأكلني بإيدها وتقولي: كلي يا بنتي إنتي ضعيفة وعايزة تتغذي. كل حاجة كانت مثالية، وودودة، وبعيدة تماماً عن الست المتوحشة اللي شفتها في الجنينة قبل الفجر.
وفجأة، وحنا في وسط الفطار، حماتي سكتت شوية، وبصت لماما ولرائد، وقالت بنبرة حاسمة ومبهجة:
ـ بقولك إيه يا أم أحمد.. إحنا خلاص شقيتنا جاهزة، والمهندس مش هياخد وقت في التشطيبات الأخيرة، ورائد مش عايزين نأجل الفرحة أكتر من كدة.. إحنا عايزين نحدد ميعاد كتب الكتاب والفرح، ويكون في خلال شهر من دلوقتي بالكتير!
أول ما الكلمة طلعت من بوق حماتي، سمعنا صوت “رنّة” حادة وعالية.. بصينا كلنا ناحية الصوت، لقيت غادة المعلقة وقعت من إيدها على الطبق وإيدها فضلت متعلقة في الهواء وهي بتترعش تماماً، والدم هرب من وشها لدرجة إن شفايفها بياضت!
جوزها بص لغادة باستغراب وقالها:
ـ جرى إيه يا غادة؟ مالك في ايه؟
غادة ماردتش عليه، عينيها كانت متثبتة عليا أنا، ونظرة الرعب اللي في عيونها زادت لدرجة خلتني أحس إن الكابوس اللي حلمته مكنش حلم.. دي كانت حقيقة، وغادة عارفة حاجة كبيرة أوي
مر كام يوم وأنا عايشة في جحيم جوة دماغي. كلام حماتي عن غادة كان مقنع، بس الخدش اللي في رجلي، ونظرات الرعب اللي في عيون غادة على الفطار، مكنوش يخيلوا على حد. قلبي كان بيقولي إن في سر أسود مدفون تحت تراب البيت ده.
افتكرت كلام حماتي لما قالت إن رائد خطب كذا مرة قبل كدة والعرايس كانوا بيتفشوا. قعدت في أوضتي وقفت الباب عليا، وفتحت الفيس بوك وبدأت أدور في صفحة رائد القديمة، ومن الكومنتات واللايكات القديمة وبمساعدة شوية دعبسة، قدرت أوصل لـ اكاونتات تلت بنات كان خطبهم قَبلي.
الأولى كان اسمها “ميادة”، من بلد جمبنا. دخلت كلمتها وقولتلها:حكايات نورهان العشري
ـ “أنا زينة، خطيبة الباشمهندش رائد.. أنا مش جاية أحاسبك على ماضي، بس أنا قلقانة وفي حاجات غريبة بتحصلي في البيت ده، وعايزة أعرف إنتي فركشتي ليه أرجوكي ردي عليا.”
مفيش ساعة ولقيتها دخلت ردت، وكلامها كان أول مسمار في نعش الشك اللي عندي. كتبتلي:
ـ “يا بنتي انفدي بجلدك! البيت ده شؤم.. أنا روحت هناك عشان أشوف الشقة، والوقت سرقنا واضطرينا نبات، ليلتها حلمت بكابوس مرعب إن حماته بتسحب من دمي في الجنينة ووراها رجالة ملثمين! صحيت الصبح مخضوضة، ولقيت حماتك وشها اتقلب ١٨٠ درجة، وبقت تعاملني بجفاء وقسوة غريبة وتلقح عليا كلام، وعلى آخر الأسبوع لقيتها بتكلم أمي وتقولها كل شيء قسمة ونصيب ورائد مش مرتاح! أنا وقتها فرحت إني خلصت من الكابوس ده.”
جسمي كله قشعر، ودموعي نزلت من الصدمة.. نفس الكابوس! ونفس موضوع البيات!
مكدبتش خبر، ودخلت كلمت البنت التانية وكان اسمها “شيرين”. شيرين ردت عليا بويس (فويس نوت) وصوتها كان لسه فيه رعب رغم إنه فات سنة على موضوعها، قالتلي:
ـ “انفدي بجلدك يا بنتي أنا قسماً بالله لحد النهاردة بروح لدكتور نفسي.. أنا بت عندهم ليلة، وصحيت الصبح حاسة إن جسمي مهدود، وحماتي اللي كانت قايدة صوابعها العشرة شمع ليا، لقيتها الصبح بتبصلي بقرف وبتسمعني كلام زي السم، وبعدها بأيام بعتوا قالوا مفيش نصيب. هما ناس غامضين وبيتهم يخوف.”
والبنت التالتة أكدتلي نفس السيناريو بالظبط! أنها باتت عندهم الكابوس المرعب بتاع سحب الدم، المعاملة اللي تتقلب فجأة الصبح، والفركشة اللي تيجي من ناحية أم رائد على آخر الأسبوع!
هنا الحقيقة نورت في دماغي زي الشمس.. البنات دول دمهم ما وافقش الرصد بتاع المقبرة! عشان كدة حماتي كانت بتقلل معاهم الأدب وتطفشهم على آخر الأسبوع عشان تخلص منهم وتدور على غيرهم.. أما أنا؟ أنا دمي عجبهم! وعشان كدة حماتي متمسكة بيا وطايرة بيا وعايزة الفرح في خلال شهر.. ليلة الدخلة هتبقى ليلة الدبح!
مبقاش قدامي غير خيط واحد.. غادة! هي الوحيدة اللي عايشة جوة المقبرة دي وعارفة كل حاجة.
انتهزت فرصة إن رائد قالي إنهم نازلين يشتروا حاجات للكهرباء بتاعة الشقة، وقولت هكلم البيت غادة بعيد عنهم وافهم في ايه. روحت هناك و استنيت لما مشيوا بالعربية كنت مستخبية في التوكتوك، وغادة كانت لوحدها في الشقة الكبيرة واقفة بتنشر غسيل في البلكونة اللي ورا، وباصة للجنينة بشرود.
خبطت و فتحتلي أول ما شافتني اتخضت وحطت إيدها على صدرها:
ـ “خضيتيني يا زينة! جيتي إمتى؟ وماما فين؟”
قربت منها وبصيت في عينيها بثبات وقولت بصوت واطي ومليان حسم:
ـ ” مشيت مع رائد راحوا يجيبوا حاجات.. وإحنا لوحدنا، ومفيش وقت للف و الدوران. أنا كلمت ميادة، وشيرين، وهدى.. العرايس اللي كان رائد خاطبهم قبلي حكايات نورهان العشري
غادة أول ما سمعت الأسامي، اتصدمت ووشها جاب مية لون، وبقت تبص حواليها برعب.
كملت وأنا بمسك إيدها اللي بتترعش:
ـ “كلهم حلموا بنفس الكابوس اللي أنا حلمته يا غادة.. كلهم باتوا هنا، وحماتي سحبت منهم دم في الجنينة ورا، ولما دمهم عجبهاش طفشتهم.. أنا بقى دمي عجبها عشان كدة مستعجلة على الفرح في خلال شهر! غادة.. أنا بموت، لو عندك حاجة تعرفيها قوليلي إيه اللي
بيحصل في البيت ده؟ الكلام دا حقيقي ولا لا؟
الكنز المدفون بقلم نورهان العشري ج٤
غادة دموعها نزلت فجأة، وحطت إيدها على بوقها تكتم صوت عياطها، وبصتلي بنظرة كسرة وقالت بصوت مبهدل من الخوف:
ـ “أبوس إيدك وطي صوتك.. لو عرفت إني قولتلك هتدبحني أنا وعيالي وتدفننا تحت السرداب.! إنتي مش فاهمة حاجة يا زينة.. إنتي فاكرة نفسك كنتي بتحلمي ليلتها؟”
برقت عيني وسألتها بذهول:
ـ “قصدك إيه؟ ما أنا صحيت في سريري ومفيش في إيدي حاجة.. وميادة وشيرين قالوا إنهم حلموا بكابوس!”
غادة مسحت دموعها بسرعة وقالت بمرارة:
ـ “مش كابوس يا زينة! المخدر اللي الشيخ بيدهولهم مع البخور بيخلي اللي يشمه يجيله هلاوس ويحس إنه في حلم، عشان لما تصحوا تفتكروا إنه كابوس ومحدش يشك في حاجة! وشكة الإبرة بتبقى صغيرة ومبتعلمش.. البنات التانين لما صحيوا، حماتي لقت الشيخ بيقولها إن دمهم نجس ومينفعش قربان للرصد، فكانت بتقلب وشها عليهم وتطفشهم في نفس الأسبوع عشان تدور على غيرهم.. لكن إنتي.. إنتي لما شم الدم بتاعك، قالها هي دي! الدم النقي اللي هيفتح المقبرة الملكية اللي تحت الجنينة!”
وقعت الكلمات عليا زي الصاعقة، رجلي مش شيلاني ودموعي نزلت، وغادة كملت برعب:
ـ “البيت ده قايم على آثار ودجل، و حماتي دي مفيش في قلبها رحمة.. ولادها بيسمعوا كلامها عمياني وطوع إيدها في كل حاجة.. رائد خطيبك وحسام جوزي بيخافوا منها وميقدروش يكسروا لها كلمة، بس حسام جوزي خرج عن طوعها في حاجة واحدة بس.. لما حبني وصمم يتجوزني أنا بالذات وميرضاش باللي هي اختارتها له، وعشان كدة هي شايلاها له ومقررة تحرمه من أي حاجة تطلع من المقبرة دي، ومركزه كل همها مع رائد عشان يفضل تحت طوعها.”
مسحت دموعي وجمدت قلبي، الخوف اتهزم جوة نفسي وحل محله غضب ورغبة في النجاة، قولت لغادة وأنا بمسك إيدها جامد:
ـ “يعني أنا لو سبت رائد ومشيت، هتدور على بنت تانية وتدبحها.. وإنتي هتفضلي عايشة في الرعب ده طول عمرك.. غادة، إحنا لازم نكشف الست دي، لازم نخلص من الكابوس ده ونهد المقبرة دي على دماغهم!”
غادة بصتلي بعيون لمعت فيها شرارة أمل لأول مرة، وقالت وهي بتبلع ريقها:
ـ “هنكشفها إزاي؟ دي داهية ومبتسيبش وراها دليل!”
قربت منها ووتت صوتي خالص:
ـ “الشيخ قالها بعد شهر من ليلة اكتمال القمر الجاي اللي هو ليلة الفرح.. يعني هما هيحاولوا يعملوا حركتهم الليلة دي. إحنا هنمشي معاهم في الخطوات عادي، بس لازم نوقعها بلسانها، أو نبلغ الشرطة في ليلتها وهما متلبسين بالآثار.. إنتي معايا يا غادة؟”
غادة أخدت نفس طويل، وهزت راسها بقوة وقالت:
ـ “معاكي يا زينة.. حسام وولادي ملهمش ذنب في القرف ده، وأنا مش هسكت على دم يتدبح في البيت اللي فيه عيالي.. هقولك على المواعيد والحتة اللي بيقابلوا فيها الدجال، وبإذن الله نهايتها هتبدأ من الليلة دي.”
مرت الأيام والأسابيع، وأنا وغادة شغالين على نار هادية ومن تحت لِتحت. كان لازم ألعب دور العمر؛ دور العروسة الهبلة اللي طايرة بالخطوبة وحماتها، عشان الست جملة تطمنلي وماتشكش فيا لِحظة واحدة.
في يوم، رحت عندهم البيت بحجة إننا بنراجع مع رائد حاجات تبع نقاشة الشقة. أول ما دخلت، لقيت حماتي قاعدة في الصالة الكبيرة وبتسبح، ووشها بشوش وراضي كالعادة. رسمت على وشي ضحكة واسعة مليانة فرحة مصطنعة، وجريت عليها قعدت جمبها وبوست إيدها وقولت بنبرة كله دلع وعشم: حكايات نورهان العشري
ـ “وحشتيني أوي يا ماما.. مش متخيلة أنا بعد الأيام إزاي عشان الشهر ده يخلص وأجي أعيش معاكي هنا في البيت ونبقى على طول سوا.”
حماتي عينيها لمعت بانتصار وراحة، وطبطبت على كتفي بحنية مبالغ فيها وقالت:
ـ “يا قلب ماما إنتي، والله البيت ما هينور ولا هيحلى غير بيكي.. رائد كمان مستعجل وكل يوم يزن عليا عشان نخلص الشقة بسرعة.”
حطيت راسي على كتفها وأنا بجبر نفسي مستسلمش لقشعريرة الخوف اللي بتمشي في ضهري من برودتها، وقولت:
ـ “أنا ماليش غيرك يا ماما، ونفسي الفرح يتعمل النهاردة قبل بكرة.. وعايزاكي إنتي اللي تشرفي على كل حاجة بنفسك، حتى العصير والحاجة الساقعة اللي هتتقدم في الفرح وعندي في الشقة، مش عايزة حد يلمسها غيرك.. أنا مبثقش في ذوق ولا نظافة حد قدك يا حبيبتي.”
حماتي ضحكت من قلبها وابتسامتها وسعت أوي، وكلامي جه على الجرح اللي هي عايزاه بالظبط، لدرجة إنها بصت لغادة اللي كانت خارجة من المطبخ وبتبص لنا بطرف عينها، وقالتلها بنبرة نصر وكيد:
ـ “شايفة يا غادة؟ شايفة بنت الأصول الحنينة؟ اتعلمي من سلفتك اللي داخلة البيت بقلب أبيض وحب.. مش ناس تانية عايشين معانا بوش خشب!”
غادة وطت راسها وعملت نفسها متضايقة ومقموصة من كلام حماتها، ودخلت الأوضة التانية وقفلت الباب، وفي الوهلة دي، غادة بصتلي من ورا ضهر حماتي وأدتنِي إشارة سريعة بعينيها؛ إشارة معناها “برافو.. طعمتي السن والحوت بلع الطُعم”.
حماتي لفت وشها ليا تاني، وعينيها كانت مليانة نظرة غريبة، وقالت بصوت هادي وناعم:
ـ “متقلقيش يا قلب ماما.. ليلتها أنا اللي هجهزلك كل حاجة بإيدي، وهشربك شربات فرحك بنفسي.. شربات عمرك ما هتدوقي زي حلاوته ولا هتنسي الليلة أبداً. بس رائد مُصر أنه ياخدك بالليل و تطلعوا على شرم الشيخ تقضوا شهر العسل”
هزيت راسي وأنا ببتسم ماهو عشان لما أموت يقولوا حادثة
بعد ما نجحنا في أول خطوة حماتي بلعت الطُعم تماماً واطمنت لي، جه وقت الخطوة التانية والأخطر.. خطوة جمع المعلومات وتحديد ساعة الصفر من جوة البيت، وده كان دور غادة اللي كانت بتتحرك زي الشبح وعينيها وسط راسها.
فاتت الأيام وبدأ العد التنازلي، ومبقاش فاضل على الفرح غير أيام قليلة. في اليوم ده، استغليت إن رائد برة البيت، ورنيت على غادة وقولتلها بصوت واطي وأنا بقفل باب أوضتي عليا:
ـ “إيه الأخبار يا غادة؟ قدرتي توصلي لحاجة؟ ومبقاش في وقت.”
صوت غادة جالي من الناحية التانية وهو بيترعش وبتتكلم بالهمس، لدرجة إني كنت بالكاد سامعاها:
ـ “زينة.. أنا قلبي هيقف من الخوف، لسه قفشة حماتك من شوية كانت بتتكلم في التليفون الأرضي مع الدجال.. الفرح خلاص بعد بكرة، و بيجهزوا لكل حاجه.”
حبست أنفاسي وقولت بلهفة:
ـ “طب وسمعتيها بتقول إيه تاني؟ هيدخلوا إمتى؟ وهيحطوا لي المخدر في إيه؟”حكايات نورهان العشري
غادة أخدت نفس عميق عشان تهدي نفسها وكملت:
ـ “سمعتها بتقول للشيخ إنها هتجهز لك ‘عصير مانجا’ ليلة الفرح أول ما تدخلي البيت بحجة إنك دايخة ومجهدة من الكوافير والفرح، والعصير ده الشيخ باعِت لها فيه بودرة ملهامش طعم ولا ريحة، البودرة دي بتخلي الجسم يرتخي تماماً وتدخلي في حالة شبه غيبوبة، تبقي سامعة وشايفة بس مش قادرة تتحركي ولا تصرخي، عشان تفتكري بعد كدة إنه كابوس.. وقالت له إنهم هينزلوكي السرداب اللي تحت الجنينة الساعة ٢ بعد نص الليل، بعد ما المعازيم يمشوا والبيت يهدى تماماً، وحسام جوزي ورائد هيكونوا هما اللي شايلينك ونازلين بيكِ!”
لما غادة قالت اسم رائد وجوزها، حسيت بنغزة في قلبي، وقولت بحزن:
ـ “يعني رائد خطيبي عارف وموافق على اللي أمه بتعمله
؟”
الكنز المدفون بقلم نورهان العشري ج٥
غادة ردت بمرارة وقهر:
ـ “رائد وحسام مغيبين يا زينة.. أمهم مفهمّاهم إن ده رصد وآثار وهيطلعوا دهب يغرقهم، ومفهمّاهم إن الشيخ هياخد شكة إبرة بس من دمك يرضي بيها الرصد والمقبرة تفتح، وميعرفوش إن الشيخ دجال كذاب وإن الموضوع ممكن يوصل للذبح لو الرصد طلب كدة! هما بيسمعوا كلامها عمياني وميقدرواش يقولوا لأ.. بس اسمعيني كويس، أنا كدة عرفت الخطة.. ليلة الفرح أول ما تدخلي، أنا اللي هكون واقفة في المطبخ بصب العصير، وهبدل كباية المانجا اللي فيها المخدر بكباية تانية طبيعية ١٠٠٪، وإنتي أول ما تشربيها هتمثلي إنك دُختي ووقعتي، عشان يضطروا ينفذوا خطتهم وينزلوكي السرداب، وفي الوقت ده نكون كشفناهم.”
مسكت التليفون جامد وقولت والحماس والخوف ماليين قلبي:
ـ “الله ينور عليكي يا غادة.. كدة الخيط كله في إيدنا. أنا هكلم أحمد أخويا فوراً عشان يبدأ ينسق مع معارفه في مباحث الآثار ويجهزوا القوة، عشان ليلتها نكبس عليهم ونقفل المقبرة دي فوق دماغهم.. خليكي قوية وجامدة يا غادة، ميعادنا بعد بكرة!”
الخطوة التالتة مكنتش محتاجة ذكاء بس، دي كانت محتاجة أعصاب حديد. ليلة الأربع، ليلة الفرح الموعودة، المعازيم مشيوا، والزفة خلصت، ودخلت بيتهم وأنا لابسة الفستان الأبيض اللي كنت حاسة إنه ممكن يكون كفني لولا الخطة اللي رتبناها.
أول ما دخلت الصالة الكبيرة، لقيت الست جملة واقفة مستنياني بابتسامة واسعة وعيون بتلمع بجشع مش طبيعي. رائد كان واقف جمبي، ملامحه كانت متوترة وعرقان، بس بيحاول يبتسم. حماتي قربت مني وقالت بنبرة حنينة تخوف:
ـ “مبروك يا عروسة نورتي بيتك ومطرحك.. باين عليكي التعب والجهد يا حبيبتي، وشك أصفر.. غادة! هاتي عصير المانجا الساقع لسلفتك بسرعة عشان يرد روحها.”حكايات نورهان العشري
قلبي بدأ يدق في ضلوعي بعنف. غادة خرجت من المطبخ وهي شايلا صينية عليها كباية عصير مانجا تقيل. وشها كان خاطف، بس عينيها كانت ثابتة. وهي بتقرب مني، بصلتلي بصلة سريعة أوي.. الإشارة المتفق عليها؛ الكباية دي سليمة وطبيعية غادة بدلتها بنجاح.
أخدت الكباية من الصينية وإيدي بتترعش تمثيلًا، وبصيت لحماتي وقولت:
ـ “تسلم إيدك يا ماما، أنا فعلاً كنت هبطانة أوي.”
شربت الكباية دفعة واحدة تحت نظرات حماتي ورائد اللي كانوا مركزين مع كل بوق ببلعه. أول ما نزلت الكباية، بدأت أنفذ الخطوة التالتة والأهم؛ خدعة التمثيل.
غمضت عيني بالراحة، وحطيت إيدي على دماغي وأنا بتمايل وبقول بصوت متقطع ودايخ:
ـ “أنا.. أنا حاسة إن الدنيا بتلف بيا أوي.. رائد.. أنا مش قادرة أقف..”
وفجأة، سبت جسمي يرتخي تماماً ووقعت على الكنبة اللي ورايا، وعملت نفسي غيبت عن الوعي وغمضت عيني، بس كنت كاشفة جفوني حاجة بسيطة أوي مش باينة عشان أتابع اللي بيحصل.
أول ما وقعت، سمعت حماتي أخدت نفس طويل بارتياح وضحكت بصوت واطي وشرير وقالت:
ـ “يا فرج الله! المفعول اشتغل عل طول.. الشيخ واضح أن كلامه صح،
لقيت رائد قرب مني وهز كتفي بخوف وقال:
ـ “أمي.. هي زينة مالها؟ إنتي متأكدة إن الشكة دي مش هتأذيها؟ أنا خايف عليها.”
حماتي زقته بعنف وقالت بغضب مكتوم:
ـ “إجمد يا راجل منك ليه! مفيش وقت للخوف، المقبرة هتتفتح الليلة والشيخ كان قاعد تحت مع حسام والرجالة ومجهزين كل حاجة.. يلا شيلها معايا إنت وأخوك ونزلها السرداب،
حسيت بإيدين رائد وحسام أخوه وهما بيشيلوني بالراحة، وأنا عاملة نفسي زي الج..ثة الهامدة تماماً، بس من جوايا كنت سامعة صوت تكات جهاز التسجيل الصغير اللي غادة خيطتهولي في بطانة فستان الفرح من تحت، واللي كان باعت كل نفس وكل كلمة بتتقال لايف لأخويا أحمد برة البيت.. الخطة كانت ماشية بالظبط، وأنا داخلة دلوقتي بإرادتي لجحر الحية! حكايات نورهان العشري
شالوني ونازلين بيا السلم الضلمة اللي نهايته بتؤدي للجنينة اللي ورا. كنت عاملة نفسي ج..ثة هامدة، مرخية جسمي تماماً وأنفاسي منتظمة، بس من جوايا كنت حاسة إن قلبي هيتنطط من ضلوعي من كتر الرعب. الهوا برة كان ساقع لدرجة خلت جسمي يقشعر تحت فستان الفرح، ونور البدر الكامل كان مالي الجنينة المهجورة بهدوء مرعب.
مشوا بيا لحد الأوضة القديمة اللي شوفتها في كابوسي، وحسيت بحسام وهو بيزق باب خشب تقيل عمل صوت تزييق يقبض القلب. أول ما دخلنا، ريحة البخور الزاعقة والكريهة كبست على نفسي، ريحة شبه ريحة الحانوت والمقابر. نزلوني السلم السرداب اللي نازل تحت الأرض، السلالم كانت ضيقة ونازلة لعمق كبير، وصوت صدى خطواتهم كان بيرن في وداني.
أول ما وصلنا تحت، نزلوني بالراحة على ترابيزة خشب ساقعة أوي. فتحت عيني فتحة صغيرة جداً لا تذكر من تحت رموشي عشان أشوف المكان.. الصدمة لجمتني؛ المكان تحت كان عبارة عن سرداب فرعوني أصيل، جدرانه عليها نقوش ذهبية بتلمع تحت ضوء المشاعل، وفي النص كان في فتحة بئر غويطة جداً طالع منها نور أحمر خافت.. دي المقبرة! وعلي الجوانب في صناديق خشب مليانة تماثيل وبرديات وآثار متكومة.
وقفت حماتي و جنبها راجل عجوز ضهر محني وشعره منكوش ولابس جلباب أسود.. الدجال!
الدجال قرب مني وبص في وشي، وطلع من جيبه سك..ينة صغيرة مشرشرة وسرنجة، وقال بصوت فحيح زي الأفاعي:
ـ “الدم جاهز ا والرصد بدأ يتحرك ويطلب حقه.. لو قبل الدم الكنز كله هيبقى فوق الأرض قبل الفجر.”
حماتي ضحكت ضحكة جشعة مرعبة، وقربت من الترابيزة، وبصتلي وعينيها طالع منها شرار، وقالت:
ـ “جاهز يا فضيلة الشيخ.. العروسة أهي دمها نقي وبكر، والبودرة مخلياها مش دارية بالدنيا.. اخلص واسحب العينة وشممها للرصد، مش قادرة أصبر لما أشوف الذهب والآثار دي كلها ملكي.. أنا ياما صبرت وياما طفشت عرايس عشان اللحظة دي! حسام ورائد.. امسكوا إيديها ورجليها كويس، الرصد لو شم الدم ووافق، الشيخ هيدبح عل طول على باب المقبرة عشان القفل يتفك!”
سمعت كلمة “يذبح” وجسمي كله غرق في عرق ساقع. رائد وحسام مسكوا إيدي ورجلي وهم بيترعشوا، ورائد قال بصوت مهزوز:
ـ “بس يا أمي إنتي كدبتي عليا.. قولتيلي شكة إبرة وبس! ندبح إيه؟ زينة مراتي!”
زعقت فيه جملة بعنف وهي بتخبطه في صدره:
ـ “اسكت يا خايب! مراتك إيه وزفت إيه؟ الذهب اللي تحت ده يشتري لك مية واحدة غيرها! اخلص يا شيخنا قبل ما الوقت يسرقنا.”
الشيخ قرب بالسك..ينة والسرنجة من عروق إيدي، وأنا كنت سامعة في ودني صوت “تكة” جهاز التسجيل الصغير اللي في بطانة الفستان.. كل كلمة وكل اعتراف منها بالآثار والنية في الذبح.. الصوت كان واصل لايف لأخويا أحمد والمباحث برة.
غمضت عيني وجمدت أعصابي وأنا بدعي في سري إن أحمد ما يتأخرش، والسك..ينة بدأت تلمس جلد رقبتي، وحماتي واقفة تضحك بهستيرية وهي بتقول: “خلاص.. الكنز بقى بتاعي!”
لمس نصل السك..ينة البارد جلد رقبتي، وفي اللحظة دي حسيت إن كل نقطة دم في جسمي اتجمدت. رائد كان ماسك إيدي وهو بيترعش ويقدم رجل ويأخر رجل، والشيخ الدجال بيردد طلاسم بصوت مرعب ومبحوح، وحماتي الست جملة عينيها مبرقة على الآخر، وبتصرخ بلهفة وجشع:
ـ “اخلص يا شيخنا.. الدم سال.. اخلص!”
وفجأة، وقبل ما السك..ينة تِجرح رقبتي أكتر، انفتحت بوابة السرداب الفوقانية بصوت زلزال زلزل المكان كله! وصوت صرخات وهجوم ورجلين بتجري بسرعة الِبرق على السلالم الضيقة.
ـ “اثبت مكانك منك ليه!! الشرطة!! ارمي السك..ينة دي الأرض!!”
الصوت رن في السرداب زي الرعد. فتحت عيني بالكامل واتنفضت من على الترابيزة الخشب وأنا بصرخ. السرداب اتملى في ثانية بقوات مباحث الآثار، والرجالة المسلحين، وأخويا أحمد كان داخل في وسطهم وعينيه بتدور عليا برعب، وأول ما شافني صرخ:
ـ “زينة!! إنتي كويسة؟!”
الدجال رما السك..ينة من إيده وهو بيترعش ورفع إيديه لفوق، ورائد وحسام جوز غادة انهاروا في مكانهم ووقعوا على ركبهم وهم مش مستوعبين الصدمة. أما حماتي.. فملامحها اتحولت من الجشع للذهول والرعب الخالص، وبقت تبص حواليها بهيستيرية وتصرخ في الضباط:
ـ “أنتم مين؟! ودخلتوا هنا إزاي؟! دي شقتي.. ده بيتي!!”
قرب الضابط منها وكلبش إيديها بعنف وهو بيقول بنبرة حاسمة:
ـ “بيتك إيه وزفت إيه يا مجرمة؟ إنتي مقبوض عليكي بتهمة التنقيب عن الآثار، والاتجار فيها، والدجل والشعوذة، والشروع في قتل العروسة زينة! كل كلامك واعترافك بالآثار والذبح متسجل لايف صوت وصورة ومسموع في مديرية الأمن!”
حماتي بصتلي بعيون كلها غل وشر، وضوافرها كانت مخروسة في الكلبش، وصرخت فيا:
ـ “أنتي!! أنتي طلعتي حرباية وعاملة عليا دور العبيطة؟! دمك.. دمك كان هيفتح المقبرة!!”
في اللحظة دي، نزلت غادة من على السلم وهي بتعيط وضامة عيالها لحضنها، وبصت لحماتها وقالت بقهر:
ـ “لأ يا حماتي.. زينة شريفة وجدعة، والبيت ده كان لازم ينظف من القرف والسحر ودم الغلابة اللي دمرتي حياتهم.. نهايتك جت خلاص.”
أحمد أخويا جري عليا وخدني في حضنه وهو بيعيط وبيطمن عليا، وأنا كنت ببص لفساتني الأبيض اللي اتملا بتراب السرداب، وببص للمقبرة والتماثيل اللي الشرطة بدأت تحرزها وتثبتها في المحضر.
أخدت نفس طويل وعميق لأول مرة من أسابيع.. الكابوس انتهى، والحية وقعت في شر أعمالها، والبيت اللي كان هيتحول لمقبرة ليا، بقى هو السجن اللي هيقضي على الست المفترسة دي مدى الحياة.
الكنز المدفون بقلم نورهان العشري


تعليقات
إرسال تعليق