القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 سكريبت طلقت مراتي كامله 



طلقت مراتي حكايات زهره الربيع 1


طلقت مراتي بعد ما جالها مرض البهاق لاني مكنتش قادر اتاقلم مع شكلها الجديد وكنت فاكر بعد الطلاق اني خلاص كده ارتحت بس تاني يوم صحيت على اكبر مصيبه واللي شوفته قدامي اول ما فتحت عيوني خلاني افقد الوعي من الصدمه !!!


 


طول عمري شاب بيهتم جداً بمظهره. كل حاجة في حياتي لازم تكون متظبطة على الفرازة؛ لبسي، شعري، ساعتي، وحتى الأماكن اللي بروحها. كنت ديماً شايف إن شكلي ومظهري هما عنواني، وعشان كده لما قررت أتجوز، كان عندي شرط أساسي ومستحيل أتنازل عنه: شريكة حياتي لازم مظهرها يقلش جمال وجاذبية عني، بل بالعكس، كنت عايزها تكون لوحة فنية الكل يبص عليها بانبهار.


لفيت كتير وتعبت لحد ما شوفت “هيام”. أول ما عيني جت عليها، حسيت إن قلبي دق بسرعة مش بس عشان ملامحها، لأ، عشان أنا مشوفتش في حياتي كلها في جمالها ولا أنوثتها. كانت حرفياً بتخطف العين. بشرتها الصافية، عيونها الواسعة، وضحكتها اللي كانت بتنور أي مكان تدخله. مكدبتش خبر، واتقدمت لها وفوراً واتجوزنا.


كانت أجمل أيام حياتي معاها. السنة الأولى من جوازنا كانت عبارة عن حلم رائع. هيام مكنتش بس جميلة، دي كانت دايماً واخدة بالها من شكلها ومن أدق تفاصيلها عشاني. كانت بتعرف أنا بحب إيه وتعمله، لبسها في البيت كان ديماً شيك، وريحتها كانت بتسبقها في كل مكان. لما كنا بنخرج سوا، كنت بمشي جمبها وأنا حاسس بفخر مش طبيعي. ، والكل كان بيحسدني عليها وعلى جمالها اللي ملوش مثيل. كنت وقتها فاكر إن الدنيا ملكي، وإن الست دي اتخلقت عشان تكمل صورتي المثالية قدام العالم.


لكن الدايرة مابتفضلش كاملة دايماً. في يوم من الأيام، واحنا قاعدين سوا، لمحت بقعة صغيرة لونها فاتح ومختلف عن لون بشرتها عند منطقة الكوع. في الأول مخدناش بالنا وافتكرناها حساسية عادية أو من البرد. بس البقعة دي بدأت تكبر، وتظهر بقع تانية صغيرة عند صوابع إيدها. القلق بدأ يتسرب لقلبي، وأصريت أخدها ونروح لأكبر دكتور جلدية.


قعدنا في العيادة، والدكتور بيكشف عليها بهدوء مميت، وأنا واقف مراقب ملامحه لحد ما التفت لينا وقال بأسف: “المدام عندها بهاق”. الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. بهاق؟ يعني إيه؟ يعني جلدها هيتغير؟ ملامحها اللي كنت بتباهى بيها هتتبدل؟


من وقتها، ومن اللحظة دي بالذات، معاملتي ليها اتقلبت 180 درجة. برغم إن الدكتور قعد يشرحلي ويفهمني إن المرض ده مش معدي نهائي، وإنه مجرد خلل في المناعة ملوش أي علاقة باللمس أو التعامل اليومي، إلا إن الكلام ده كله كان بيدخل من ودن ويخرج من التانية. أنا مكنتش سامع اصلا”.



بدأت أتهرب منها. مكنتش قادر ألمسها، ولا حتى قادر أنام جمبها في سرير واحد. كنت أول ما أقرب منها وأشوف البقع دي، يجيلي شعور بالاشمئزاز مكنتش قادر أسيطر عليه. بقيت أتحجج بأي حاجة؛ مرة أقولها أنا راجع تعبان ومش قادر، ومرة أقول أنا مضغوط في الشغل ومحتاج أقعد لوحدي في الأوضة التانية عشان أركز. الأمر مالمسش السرير وبس، أنا بقيت أرفض تماماً إنها تخرج معايا في أي مكان. كنت بخترع حجج عشان متمشيش جمبي والناس تشوفها بالشكل ده.


الحاجات دي كلها، مع طبيعة المرض اللي لسة بتستوعبه، كانت بتحرق قلب هيام بالبطيء. كانت بتبص في عيني وتشوف نظرة النفور والهروب، وده جاب لها حالة اكتئاب حادة. انطفت الضحكة اللي كانت بتنور البيت، وبقت تقضي يومها كله عياط وسرحان في المراية، وهي شايفة شريك حياتها بيتبخر من حواليها.


لحد ما جه اليوم اللي فجر كل حاجة. كان فرح واحد من أعز أصحابي، والمصادفة إن خطيبته (اللي هتبقى مراته الليلة دي) كانت الصديقة الصدوقة لهيام. هيام من قبل الفرح بأيام كانت فرحانة، واعتبرت المناسبة دي فرصة عشان تخرج من سجن الاكتئاب وترجع للحياة. يومها، شوفتها واقفة قدام المراية بتحاول تداري البقع بالمكياج، ولبست فستانها وجهزت وكانت مستنياني بابتسامة مكسورة.


أول ما شوفتها جاهزة، حسيت بضيق شديد في صدري. . قربت منها وببرود قاسي قولت لها: “لا.. مش هتيجي معايا. أنتي تعبانة ومحتاجة ترتاحي في البيت”.


الكلمة صدمتها، بس هيام مكنتش غبية. كانت فهمت كل حاجة وفهمت النبرة اللي ورا كلامي. شوفت دموعها وهي بتتجمع في عيونها، بس حبستها بقوة غريبة. أصرت تروح وقالت لي بصوت مرتعش بس حازم: “أنا مش تعبانة يا أحمد.. وأنا أقدر أروح لوحدي لو أنت مش عايزني معاك ومش عايز تمشي جمبي”.


حسيت بالذنب والكسوف من نفسي، وفي نفس الوقت كنت مضايق جداً لإنها حطتني في موقف مفيش منه مفر. وافقت وأخدتها معايا وأنا على آخري، مبرطم ومكشر طول الطريق.


كانت دي أول مرة تخرج فيها وتواجه مجتمعنا بعد ما المرض . وأول ما دخلنا القاعة، حصل اللي كنت خايف منه. الناس بدأت تبص، وصاحباتها بدأوا يسألوها بفضول قاتل: “إيه ده يا هيام؟ ماله جلدك؟ روحتوا لدكاترة؟”


أنا مكنتش قادر أستحمل المشهد. سيبتها واقفة لوحدها وبقيت أتهرب من القعاد معاها طول الحفلة. كنت بروح أقف مع أصحابي بعيد، وأبص عليها من بعيد وهي قاعدة لوحدها على التربيزة، مكسورة، وعيونها بتدور عليا وسط الزحمة وملقيتنيش جمبها.



رجعنا البيت بالليل، والجو كان مشحون بطاقة تخنق. هيام كانت أعصابها منهارة تماماً بسبب تصرفي وتجاهلي ليها قدام الكل. أول ما قفلت باب الشقة، لفت ليا وفوراً كلمتني بغضب مكتوم وصوت كله قهر:


”مالك؟ ليه بتعمل كده؟ هو أنا يعني كنت اشتريت المرض ده بـ إيدي؟! هو أنا اللي اخترت يجرالي كده؟!”


كنت مخنوق زي العادة، ومش طايق أسمع عتاب، فقررت أهرب بنفس الطريقة المستفزة. فكيت كرافتي وقولت وأنا عاطي لها ضهري:


”أنا تعبان ومش قادر للمناهدة دي دلوقتي.. نتكلم الصبح”.


لكن هيام المرة دي رفضت الهروب. وقفت قدامي بكل قوتها المتبقية، وصرخت فيا بدموع مغرقة وشها:


”لا! هنتكلم دلوقتي يا أحمد! مش هتهرب تاني! هو كل الوقت اللي قضيناه سوا ده.. السنين اللي عشناهم، أنت مكنتش شايف فيا غير جمالي وبس؟! مكنتش شايف فيا إنسانة، زوجة، روح؟ للدرجادي شكلي هو كل قيمتي عندك؟!”


لقيت نفسي، وتحت ضغط خنقتي وعصبيتي، بقرر أكون صريح وجارح لأبعد مدى. قولت لها وعيني في عينها:


”أيوة يا هيام.. أنا طول عمري الجمال هو أولوياتي في الحياة. أنا بحب المناظر المريحة للعين.. وأنا مش قادر أتقبل التغيير ده، مش بإيدي!”


الكلمة نزلت عليها كأنها رصاصة في قلبها. سكتت تماماً، ونزلت دموعها في صمت يقطع القلب. بصت لي بنظرة عمري ما هنساها، نظرة انكسار مخلوط بقرف، وقالت بصوت واطي ومبحوح:


”وأنا منظري مبقاش يريحك يا أحمد؟”


سكت.. ملقيتش كلام أقوله. مكنتش قادر أكدب ومكنتش قادر أواجه قسوة حقيقتي. سكوتي ده كان الإجابة القاتلة ليها.


مسحت دموعها فجأة بحزم وقوة غريبة، ورفعت راسها وقالت لي:


”خلاص.. طلقني”.


أنا في اللحظة دي، الكلمة كانت زي طوق النجاة اللي مستنيه. حسيت إنها جات منها هي عشان ميبقاش شكلي وحش قدام نفسي. قولت لها فوراً ومن غير تردد:


”زي ما تحبي يا هيام”.


اتاني يوم الصبح، هيام لمت كل هدومها وحاجتها، ومشيت راحت عند أهلها من سكات، من غير ما تبص وراها حتى بصه واحدة.


بعد ما قفلت الباب وراها، قعدت على الكنبة. كان جوايا صراع غريب؛ فيه جزء مني حاسس بالذنب والندم لإني اتخليت عن إنسانة ملهاش ذنب في مرضها، بس الجزء الأكبر والأقوى كان بيقولي إن كده أفضل ليا وليها. كنت فاكر ومقتنع تماماً إني كده ارتحت، وإني هقدر أرجع أعيش حياتي المثالية من تاني


دخلت نمت في الأوضة لوحدي، ونمت نوم عميق وطويل كأني كنت شايل جبل وانزاح من على صدري.


تاني يوم، صحيت على نور الشمس وهو ضارب في عيوني بقوة من الشباك. فتحت عيني ببطء وأنا بتثاءب،



بس اللي شوفته وقتها…خلاني أتجمدت في مكاني. النفس اتقطع من صدري، وغبت عن الوعي من شدة الصدمه!!!


## الجزء الثاني: المرآة لا تكذب


سقطت أرضاً ولم أدرِ كم من الوقت مرّ وأنا غائب عن الوعي، لكن عندما بدأت أسترد وعيي تدريجياً، كان جسدي يرتعش برودةً رغم حرارة شمس الصيف التي تملأ الغرفة. حاولت الوقوف، وسندت يدي على حافة السرير بجسد واهن كأنني عجزت في ليلة واحدة.


نظرت إلى يدي التي أسند بها جسدي… وهنا تيبس الدم في عروقي للمرة الثانية.


على ظهر كفي الأيمن، امتدت بقعة بيضاء ناصعة، دائرية الشكل، تتناقض بصدمة مع لون بشرتي الخمرية التي طالما تفاخرت بنضارتها. صرخت صرخة مكتومة خرجت من حشرجة حلقي، واندفعت نحو الحمام كالمجنون. تعثرت بقدمي وسقطت، لكنني زحفت حتى وصلت إلى المرآة الكبيرة المعلقة فوق الحوض.


رفعت رأسي ببطء، وأنفاسي المتلاحقة تحجب الرؤية عن الزجاج بخاراً دافئاً. مسحت المرآة بيدي المرتعشة ونظرت إلى انعكاسي.


لم يكن كفي فقط. كان هناك خط أبيض متعرج يبدأ من أسفل فكي ويمتد صاعداً ليأكل نصف وجنتي اليمنى، وبقع صغيرة متفرقة حول عيني كأنها حبر أبيض نُثر القسوة على ملامحي. كان المشهد مرعباً، ليس فقط لأن المرض أصابني، بل لأن الخلل المناعي الذي حدث في جسدي بدا وكأنه انعكاس مشوه لروح هيام التي أحرقتها بكلماتي بالأمس.


قعدت على أرضية الحمام الباردة، واضعاً رأسي بين ركبتي، وأنا أستمع لصدى صوتي وهو يتردد في أذني: *”أنا بحب المناظر المريحة للعين.. وأنا مش قادر أتقبل التغيير ده!”*


أخذت بقع البهاق تتسع في مخيلتي لتصبح كأنها لعنة حلت عليّ لتدمر “الصورة المثالية” التي عشت عمري كله أعبدها. كيف سأخرج للناس؟ كيف سأواجه أصحابي في العمل؟ أنا الشاب الذي كان يقضي ساعة أمام المرآة ليضبط خصلة شعر واحدة، كيف سأتحمل نظرات الشفقة أو الفضول التي تركت هيام تواجهها بمفردها في قاعة الأفراح؟


مرت ثلاثة أيام وأنا حبيس الشقة، أغلقت هاتفي تماماً، ورفضت فتح الستائر. تحول البيت الذي كان يضج بضحكات هيام وعطرها إلى قبر مظلم تفوح منه رائحة الخوف. كنت أنظر للمرآة كل ساعة، أراقب البقع وهي تتسع وتلتهم ملامحي القديمة، ومع كل مليمتر جديد تأخذه البقع، كان الندم يأكل قلبي.


تذكرت دموعها، ونظرتها المكسورة عندما تركتها واقفة وسط زحام الفرح وهربت أنا لأقف مع أصحابي. تذكرت كيف كانت تداري كوعها وصوابعها بالمكياج وهي تبتسم لي ابتسامة باهتة لتستجدي مني نظرة قبول واحدة، وأنا لم أمنحها سوى النفور والبرود.




في اليوم الرابع، رن جرس الباب بقوة ومتواصلة. لم أتحرك من مكاني، لكن الصوت لم ينقطع. اقتربت من الباب ببطء ونظرت من العين السحرية، فوجدت “ماجد”، صديقي المقرب الذي كان فرحه منذ أيام. تراجعت للخلف خوفاً من أن يرى شكلي الجديد، لكنه صرخ من خلف الباب:


“أحمد! افتح يا أحمد أنا عارف إنك جوه.. هيام حكت لمراتي على اللي حصل، وأنا جاي أشوفك.. افتح!”


فتحت الباب ببطء، موارباً إياه ومخفياً الجانب الأيمن من وجهي في الظل. دخل ماجد وعلامات الغضب واللوم واضحة على وجهه، وبدأ يتكلم دون أن ينظر إليّ بتمعن:


“ليه يا أحمد؟ تعمل في هيام كده ليه؟ الست مريضة وبدل ما تقف جمبها تطلقها وتكسر بخاطرها؟ دي مابتوقفش عياط عند أهلها…”


قاطعته وصوتي يرتجف: “ماجد.. بصلي.”


التفت إليّ ماجد، وعندما وقعت عيناه على وجهي، انقطع كلامه فجأة. تراجع خطوة للخلف، واتسعت عيناه بذهول وهو ينظر للبقع البيضاء التي غطت نصف وجهي وكفي. ساد صمت رهيب في الصالة، صمت كان أقسى من أي عتاب.


نظر إليّ طويلاً، ثم جلس على الكرسي ووضع رأسه بين يديه، وقال بصوت خافت: “سبحان الله.. الدنيا دارت بيك بسرعه أوي كده يا صاحبي؟”


لم أستطع الرد، ارتميت على الكنبة وانفجرت في بكاء مرير، بكاء لم أبكه طوال حياتي. كنت أبكي على نفسي، وعلى شكلي الذي ضاع، وعلى الإنسانة الطاهرة التي ظلمتها بجهلي وغروري. قولت له وسط دموعي: “أنا بتموت يا ماجد.. ربنا عاقبني في أعز ما أملك.. شكلي اللي كنت بشوف نفسي بيه على الناس.”


نظر إليّ ماجد بنظرة فيها مزيج من الأسى والشفقة، وقال: “ده مش عقاب لمجرد العقاب يا أحمد، دي رسالة عشان تفوق. أنت كنت شايف قشرة من بره وسيبت الجوهر. بس هيام لازم تعرف.. لازم تشوفك.”


انتفضت من مكاني برعب: “تشوفني؟! مستحيل! هيام لو شافتني كده هتشمت فيا، وأنا مأقدرش أتحمل نظرة الشماتة في عينها بعد اللي قولته ليها.”


وقف ماجد وقال بحزم وهو يتجه نحو الباب: “أنت لسة مش فاهم هيام يا أحمد.. لسة مش فاهمها.”


تركني ماجد وخرج، ليعود الصمت الموحش للشقة من جديد. لكن كلماته تركت في عقلي شرارة لم تنطفئ. مرت ليلة أخرى، وأنا جالس في الظلام، أفكر في كلامه. هل يمكن أن تشمت فيّ؟ من حظها أن تفعل، فلقد دمرت كبرياءها كأنثى ونبذتها لمرض لم تكن تملك دفعاً له.


في الصباح التالي، اتخذت قراراً لم أكن أتخيل يوماً أنني سأجرؤ على اتخاذه. ارتديت ملابسي، ووضعت قبعة على رأسي خفضتها لتداري وجهي، وارتديت نظارة شمسية سوداء، وخرجت متجهاً إلى بيت أهل هيام.



كنت أمشي في الشارع وأنا حاسس إن كل العيون موجهة إليّ، كأن الناس تخترق الملابس والنظارة لترى البقع التي تشوه جلدي. وصلت إلى باب شقة أهلها، ووقفت متردداً لعدة دقائق، يدي ترتفع لتدق الجرس ثم تتراجع خوفاً من المواجهة.


أخيراً، استجمعت كل شجاعتي ودققت الجرس.


فتحت لي والدتها، التي أول ما رأتني تغيرت ملامحها للغضب والضيق، وقالت بجفاء: “عايز إيه تاني يا أحمد؟ مش خلاص طلقتها ورميتها عشان عيانة؟ جاي ليه دلوقتي؟”


قبل أن أنطق بكلمة، ظهرت هيام من خلف والدتها. كانت تبدو شاحبة، عيناها منتفختان من كثرة البكاء، لكنها كانت لا تزال تحتفظ بوقارها وهدوئها المكسور. نظرت إليّ وقالت لوالدتها بصوت هادئ: “سيبيه يدخل يا ماما.. نشوف عايز إيه.”


دخلت الصالة، ووقفت في المنتصف والارتجاف يتملكني. أغلق باب الشقة، والتفتت هيام إليّ وقالت ببرود: “خير يا أحمد؟ جاي ليه؟ متهيألي مفيش كلام تاني يتقال بعد كلام ليلة الفرح.”


خلعت النظارة الشمسية ببطء، ورفعت القبعة من على رأسي، ورفعت وجهي إليها لتراه بالكامل في ضوء النهار الساطع.


صدمت هيام، وتراجعت خطوة إلى الوراء، ووضعت يدها على فمها وهي تنظر إلى وجهي وكفي المليئين بالبقع البيضاء. توقعت أن أرى في عينيها نظرة انتصار، أو شماتة، أو حتى سخرية تعيد لي الصاع صاعين.


لكن ما رأيته في عينيها جعل الأرض تدور بي مرة أخرى…


 

طلقت مراتي حكايات زهره الربيع 2


## الجزء الثالث: مرآة الروح


لم أكن أتوقع الشفقة، كنت مستعداً لتلقي اللعنات، أو حتى أن تُغلق الباب في وجهي، لكنني لم أكن مستعداً أبداً لتلك النظرة. اتسعت عيناها المليئتان بالوجع، واقتربت مني ببطء شديد، كأنها تخشى أن تكون هذه البقع مجرد كابوس سيختفي إذا لمست وجهي.


مدت يدها، وبأطراف أصابعها التي كانت دائماً تمسح عني التعب، لمست البقعة البيضاء التي شوهت وجنتي. ارتعشت يدها، ثم بكت. لم يكن بكاء انتصار، كان بكاءً ممزوجاً بالخوف عليّ.. نعم، عليّ أنا الذي طردتها من حياتي.


سحبت يدها بسرعة وبدأت تبكي بنحيب مكتوم، ثم قالت بصوت متهدج:


“يا رب.. يا رب.. ليه يا أحمد؟ ليه كان لازم يحصلك كده؟”


تلك الجملة كانت أشد وقعاً عليّ من مئة صفعة. سألت “ليه” لأنها لا تزال تحبني، لأنها لا تزال تملك قلباً نقياً يعجز عن التشفي، بينما قلبي كان حجراً لا يعرف سوى مصلحته. جلست هيام على أقرب مقعد، وانهارت في بكاء حار، بينما وقفت أنا مشلولاً، لا أعرف هل أجلس بجانبها أم أرحل، فمكانتي كزوج قد تبخرت منذ اللحظة التي تركتها فيها وحيدة في قاعة الفرح.


نظرت إليّ من خلال دموعها وقالت بصوت ضعيف:


“أنت فاكر إن ده انتقام؟ فاكر إن ربنا بيعاقب الناس بأنهم يتصابوا بالمرض؟ أنت لسه مش فاهم حاجة خالص.”


اقتربتُ منها خطوة، وحاولت أن أعتذر لكن الكلمات خانتني، لم يخرج سوى أنين مكتوم. تابعت هيام حديثها، وكانت كلماتها تجرحني أكثر من مرضي:


“كنت بتبص لي في المراية وتشوف بقعة، وتنسى اللي تحتها. كنت بتشوف الجلد، وتنسى الروح. وأنا؟ أنا كنت بشوفك أنت.. أحمد اللي حبيته، أحمد اللي كنت بتمناه يكون سندي. المرض مغيرش فيك حاجة يا أحمد، هو بس شال القناع اللي كنت لابسه.”


صمتت قليلاً، ثم نظرت إلى وجهي بتمعن وقالت:


“أنت خايف ليه؟ خايف الناس تبص لك؟ خايف نظرتهم تتغير؟ خايف يتجنبوك؟.. أهلاً بيك في عالمي يا أحمد. أهلاً بيك في عالم اللي الناس بتشوفهم ناقصين، عالم اللي بيتحكم عليهم من شكلهم، مش من جوهرهم.”


سقطت على ركبتي أمامها، وأمسكت طرف فستانها كمن يستجدي الغفران:


“أنا كنت غبي.. كنت أعمى. كنت عبد لصورة رسمتها لنفسي ومكنتش عايز حد يشوهها. أنا مش طالب منك تسامحيني، أنا عارف إني ميتغفرليش، بس أنا محتاج أعرف.. إزاي قدرتي تواجهي ده لوحدك؟ إزاي كملتي وانتي شايفة أقرب حد ليكي بيحسسك إنك “عيب”؟”


ضحكت هيام ضحكة مريرة، ومسحت دموعها بيديها:


“كملت لأن الله كان معايا. كملت لأن قيمتي مش في نظرة الناس، ولا في بياض جلدي أو سمره. كملت لأني اكتشفت إن اللي بيحب بجد، بيحب “الروح” اللي قدامه بكل ما فيها، مش بيحب الصورة اللي بيتباهى بيها قدام صحابه.”



قامت من مكانها، واتجهت نحو الباب وفتحته، ثم التفتت لي وقالت بجدية:


“أنا مش هسيبك تتوجع لوحدك، لأن ده مش طبعي. بس لازم تعرف إن اللي بينا انتهى بقرارك أنت في الليلة دي. أنا مش هرجع كزوجة ليك، مش لاني انتقم، بس لأني أخيراً عرفت قيمتي، وعرفت إنك مكنتش تستحق الروح اللي كنت بقدمها لك.”


تسمرت في مكاني. كانت الضربة القاضية. ظننت أنني بذهابي إليها سأصلح ما انكسر، سأعود لأكون “أحمد” بتاع زمان، لكن الحقيقة كانت أن “أحمد” القديم مات، وهيام لم تعد موجودة في حياتي كـ “مكملة” لصورتي، بل كإنسانة حرة ترفض أن تكون مجرد إكسسوار في حياتي.


خرجت من شقة أهلها، والشوارع من حولي تبدو وكأنها تدور. لم يرفضوا عودتي فقط، بل أدركت أنني خسرت هيام تماماً. ليس بسبب المرض، بل بسبب الشخص الذي كنت عليه قبل المرض.


رجعت لبيتي، للمرآة التي كنت أقف أمامها لساعات. نظرت إلى انعكاسي، ورأيت البقع التي تزيد، ورأيت معها خيبتي. فجأة، سمعت صوت رسالة على هاتفي. كان من “ماجد”، صديقي. فتحتها بيدي المرتعشة، وكانت صورة.


كانت صورة لهيام، وهي تنشر “بوست” على صفحتها الشخصية، وكانت صورة لها بدون مكياج، تظهر فيها بوضوح بقع البهاق على وجهها ورقبتها، وكتبت تحتها: “هذا أنا، بكل ما فيني. الجمال ليس ما يراه الناس فينا، بل هو سلامنا مع أنفسنا.”


صعقتني الرسالة. هيام تصالحت مع واقعها، بينما أنا لا أزال في بداية طريقي نحو الانهيار. وضعت الهاتف من يدي ونظرت إلى سقف الغرفة، وفكرت في سؤالي لنفسي: هل هذا هو القاع؟ هل سأعيش بقية حياتي وحدي، أواجه مرضي الذي كنت أشمئز منه عندما رأيته في غيري؟


وبينما أنا غارق في أفكاري، سمعت صوت طرقات على باب شقتي. في هذا الوقت المتأخر؟ من قد يطرق بابي؟ نهضت ببطء، وقلبي يدق بعنف، وتوجهت نحو الباب، خائفاً مما سأجده خلفه.. هل هي هيام؟ أم شخص آخر جاء ليشمت في حالي؟


فتحت الباب، ولم يكن ما رأيته هو ما كنت أتوقعه أبداً..


 


## الجزء الرابع: سجن الوجوه المتشابهة


فتحت الباب ببطء وأنا أداري وجهي كالعادة، لكن الشخص الواقف أمامي لم يكن يحدق في بقع وجنتي، ولم يكن ينظر إليّ بنظرة شفقة أو ذهول. كان رجلاً في الخمسينات من عمره، يرتدي بدلة أنيقة، وملامحه هادئة وصارمة. لم يكن غريباً عني؛ إنه الدكتور “شاكر”، أستاذ الجلدية الكبير الذي ذهبت إليه برفقة هيام في أول يوم اكتشفنا فيه مرضها.


تراجعت خطوة للخلف بزعر وقوت: “دكتور شاكر؟! حضرتك بتعمل إيه هنا؟ وعرفت عنواني منين؟”



نظر إليّ بنظرة ثاقبة، ثم قال بهدوء وهو يخطو داخل الصالة دون انتظار إذن مني: “ماجد صديقك زارني في العيادة الليلة دي يا أحمد. حكالي كل حاجة، وطلب مني أتدخل قبل ما تعمل في نفسك حاجة.. أو بمعنى أصح، قبل ما الخوف يقضي على اللي باقي من عقلك.”


أغلقت الباب والتفتت إليه، وجلست على الكنبة وأنا أخبئ وجهي بين كفيّ، ودموعي تسيل فوق البقع البيضاء: “جاي تشوف عقاب ربنا ليا يا دكتور؟ جاي تشوف الشاب اللي مكنش بيطيق يشوف بقعة صغيرة على كوع مراته، وهو وشه بيتاكل بالبهاق؟”


جلس الدكتور شاكر أمامي، وأخرج من حقيبته دفتراً صغيراً، وقال بنبرة حازمة: “قعدت أشرحلك في العيادة من أسبوعين إن البهاق مش معدي، وإن مالوش علاقة باللمس، لكن عقلك المريض بالكمال رفض يسمع. ودلوقتي، عقلك لسه مريض.. بس مريض بالخوف والوهم.”


رفعت رأسي بذهول: “وهم؟ يعني إيه وهم؟ البقع دي وهم؟! دي حقيقة في ورياني وفي وشي وفي كل حتة!”


مد الدكتور شاكر يده وأمسك بكفي الأيمن بقوة، ثم أخرج من جيبه قطنة مبللة بسائل شفاف، وبدأ يمسح البقعة البيضاء التي على ظهر كفي بعنف. شعرت بلسعة باردة، ومع كل مسحة، كانت البقعة البيضاء تتلاشى.. وتترك مكانها لون جلدي الطبيعي!


اتسعت عيناي بصدمة، واندفعت نحو الحمام. أمسكت القطنة وأخذت أمسح البقع التي على وجنتي وتحت عيني، فبدأت تذوب وتزول في الحوض كأنها مسحوق أبيض. التفت للدكتور شاكر وأنا أرتجف، غير مصدق: “ده.. ده مكياج؟ ده ألوان؟ إزاي؟ أنا مصحتش الصبح وعملت كده في نفسي!”


وقف الدكتور شاكر على باب الحمام وقال بأسف: “أنت مصحتش عملت كده في نفسك، بس أنت نمت نوم عميق جداً من كتر الهروب والصراع اللي جواك. ليلة طلاقك لهيام، والدتها وأخوها وماجد جم هنا الشقة عشان ياخدوا باقي حاجاتها اللي نسيتها.. شافوك نايم زي القتيل من كثرة المهدئات اللي كنت واخدها. هيام رفضت تماماً إنهم يصحوك أو يعملوا مشكلة، بس أخوها، من كتر قهرته على أخته وعلى كلامك الجارح ليها، قرر يلقنك درس عمرك ما هتنساه. جاب ألوان سينمائية ثابتة من اللي بتستخدم في الخدع، ورسم البقع دي على وشك وإيدك بدقة شديدة وأنت مش حاسس بالدنيا.”


شعرت بأن جدران الحمام تضيق عليّ، والأنفاس تكاد تنقطع مجدداً: “يعني.. يعني أنا معنديش بهاق؟ أنا سليم؟”


“جسمانياً؟ أيوة يا أحمد، أنت معنديش بهاق.” قالها الدكتور شاكر وهو ينظر في عيني مباشرة: “لكن نفسياً، أنت مريض بمرض ألعن بكتير. البقع المزيفة دي في تلات أيام بس خليتك تدوق العذاب اللي كنت بتدوقه لهيام كل لحظة. خليتك تستخبى من الشمس، وتخاف من نظرة أصحابك، وتروح لبيت أهلها ذليل ومكسور.. البقع دي كانت المراية اللي خلتك تشوف حقيقتك من جوه.”



سقطت على الأرض، وأنا أنظر ليدي النظيفة الآن. غسلت وجهي بالماء بالكامل، وعدت للصالة وأنا أشعر بخزي لم أشعر به قط. تذكرت كل كلمة قولتها لهيام وأنا واثق من كمالي، وتذكرت نظرتها المكسورة، وتذكرت كيف ذهبت إليها بالأمس مستجدياً غفرانها فقط لأنني ظننت أنني أصبحت مثلها! لو كنت أعلم أنني سليم، هل كنت سأذهب؟ هل كنت سأعتذر؟


هذا السؤال كان يذبحني. لقد ذهبت إليها بدافع الخوف المشترك، لا بدافع الحب النقي.


التفت للدكتور شاكر ودموعي حقيقية هذه المرة: “أنا خسرتها يا دكتور.. خسرتها بجد. حتى لما رحت لها واعتذرت، رحت وأنا لابس قناع الخوف، وهي كشفتني. هيام شافت روحي المشوهة مش وشي.”


هز الدكتور شاكر رأسه وقال وهو يتجه للباب: “الدرس انتهى يا أحمد، والوش الرخيص اللي اترسم عليك اتمسح. بس الوش الحقيقي اللي هتعيش بيه قدام الناس من النهاردة.. أنت اللي هتختاره. يا ترجع أحمد المغرور اللي بيعبد القشرة، يا تبدأ تدور على بني آدم بجد جواك.”


خرج الدكتور وتركني وحيداً في الشقة النظيفة، شقتي التي عادت “مثالية” كما كنت أحبها، لكنها كانت باردة كالمقبرة.


لم أستطع الجلوس. غسلت وجهي للمرة الألف للتأكد من زوال كل أثر للألوان، وارتديت ملابسي ونزلت إلى الشارع. لم أكن أرتدي قبعة ولا نظارة شمسية، كنت أمشي ووجهي مكشوف تماماً للناس، لكنني لأول مرة، لم أكن أنظر ليرى أحد إن كانوا ينبهرون بي أم لا. كنت أمشي وأنا أبحث عن شيء واحد فقط.. أبحث عن طريقة أثبت بها لنفسي، قبل هيام، إنني أستحق العيش كإنسان.


تذكرت البوست الذي نشرته هيام وصورتها بدون مكياج. كانت تبدو قوية، حرة، وجميلة بشكل لم أره فيها من قبل. جمال نابع من شجاعتها.


قررت أن أذهب إلى مكان عملها القديم، المكان الذي كانت تحبه وتوقفت عن الذهاب إليه بسبب نظراتي ونفوري. كنت أعلم أنها قد تكون هناك لتحاول استعادة حياتها. وبالفعل، عندما وصلت، رأيتها من بعيد.. كانت تقف مع زملائها، تضحك ب ثقة، والبقع على يدها واضحة، لكن لا أحد كان ينظر إليها بنفور، بل كانوا يلتفون حولها بحب واحترام.


تقدمت نحوها بضع خطوات، والتردد يكاد يشل حركتي. التفتت هيام فجأة كأنها شعرت بوجودي. عندما وقعت عيناها على وجهي النظيف تماماً من البقع، انمحت الابتسامة من على وجهها تدريجياً، وحلت مكانها نظرة صدمة أخرى، لكنها هذه المرة كانت نظرة مليئة بفهم سريع ومؤلم.. فهمت أن كل ما حدث بالأمس كان خدعة، وأنني لم أصب بالمرض.



تراجعت هيام خطوتين للخلف، ونظرت إليّ وكأنها ترى مسخاً حقيقياً، وقالت بصوت مسموع هز كل كياني: “أنت…؟!”


 


طلقت مراتي حكايات زهره الربيع3


## الجزء الخامس: عارية أمام الحقيقة


تراجعت هيام خطوتين للخلف، ونظرت إلى وجهي النظيف الخالي من أي بقعة، وبدأت ملامح الصدمة تتحول على وجهها إلى مزيج مرعب من القرف والاشمئزاز. كانت النظرة هذه المرة أشد قسوة من نظرة الأمس؛ بالأمس ظنتني مصاباً وحزنت لأجلي، أما الآن، فقد فهمت في ثانية واحدة أن تبدّل حالي وانكساري وتذللي تحت قدميها لم يكن إلا خوفاً على نفسي، وليس نادماً على ما فعلته بها.


تقدمتُ نحوها خطوة وأنا أمد يدي كالغريق: “هيام.. أرجوكي اسمعيني، أنا عرفت الحقيقة بالصدفة من ساعتين بس.. أنا مكنتش أعر…”


قطعت كلامي بإشارة حاسمة من يدها، وجسدها كله ينتفض. التفتت إلى زملائها وقالت بصوت مخنوق: “عن إذنكم يا جماعة.. خمس دقائق.”


مشت أمامي بخطوات سريعة متجهة نحو حديقة المبنى الخلفية، مكان شبه خالٍ من الحركة. كنت أمشي خلفها وأنا أشعر أنني أصغر من الحشرات. التفتت إليّ فجأة، وعيناها تشتعلان بغضب لم أره في حياتي من تلك الإنسانة الهادئة.


صاحت بصوت مكتوم وهي تحاول السيطرة على بكائها: “أنت إيه يا أخي؟ أنت مصنوع من إيه؟! جايلي بالأمس بتبكي وتتمسح في فستاني وتقولي أنا غبي وعرفت قيمتك.. وكل ده ليه؟ عشان افتكرت إن الكأس دارت عليك وبقيت زيي! نمت وصحيت ولقيت نفسك سليم، فجيت تجري عشان تقولي خلاص أنا رجعت أحمد البيه الجميل اللي مفيش فيه غلطة؟”


“لا والله العظيم يا هيام!” صرخت مقاطعاً والدموع تحرق عيني: “أنا لما جيتلك بالأمس كنت فاكر نفسي مريض بجد، بس الندم اللي في قلبي دلوقتي حقيقي.. الخوف اللي عشته خلاني أحس بالكسرة والوجع اللي دوقتهم لكِ. أنا عرفت إني كنت مقرف.. عرفت إن نظرتي للحياة كانت تافهة.”


ضحكت بسخرية مريرة، ودموعها تسيل على وجنتيها لتمر فوق بقع البهاق التي لم تعد تخفيها:


“أنت جيت لأنك خفت تتساب لوحدك يا أحمد. خفت الناس تعاملك بنفس القسوة اللي عاملتني بيها. أنت مغيرتش.. أنت بس خفت! وعشان كده، ربنا كشفك قدامي للمرة التانية وفي أقل من 24 ساعة، عشان يوريني إن ندمك مرتبط بجلدك، مش بقلبك.”


أردت أن أشرح لها عن درس الدكتور شاكر، وعن الألوان السينمائية التي رسمها أخوها على وجهي وأنا نائم، لكنني أدركت أن التفاصيل لم تعد تهم. النتيجة واحدة: أنا لم أتحرك لأعتذر إلا بعد أن انكسر كبريائي الشخصي.


تابعت هيام وهي تمسح دموعها بقوة وثبات غير طبيعي:


“أنا بالأمس بكيت عليك.. بكيت لأن قلبي لسه كان فيه حتة غبية بتحبك ومتحملتش تشوفك مكسور. لكن النهاردة؟ أنا بشكر أخويا وبشكر ماجد وبشكر كل ثانية عشتها في الوهم ده، لأنها ريحت قلبي من ناحيتك تماماً. أنت من اللحظة دي متهمنيش.. سليم، مريض، جميل، مشوه.. أنت بقيت بالنسبة لي مجرد “لاشيء”.”



التفتت لترحل، فاندفعت وأمسكت بذراعها: “هيام.. اعطيني فرصة واحدة أثبتلك فيها إني هتدمر من غيرك، أنا مش عايز صورتي المثالية، أنا عايزك أنتي!”


نفضت يدها من يدي بقوة وقالت وعينها في عيني بثقة تزلزل الأرض:


“الصورة المثالية بتاعتك اتمزقت خلاص يا أحمد. أنت دلوقتي واقف قدامي عاري تماماً.. وشك نظيف أه، بس روحي أنا هي اللي شافت قذارة روحك. الفرص دي بنديها للبشر.. مش للمظاهر المتحركة.”


تركتني ومشيت، خطواتها كانت ثابتة، رأسها كان مرفوعاً، وكأنها في كل خطوة تدوس على بقايا حكايتنا وتدفنها تحت التراب. وقفت مكاني أراقب طيفها وهو يختفي داخل المبنى، وشعرت لأول مرة بمعنى “النبذ الحقيقي”. البهاق لم يشوهها، بل زادها هيبة وشجاعة، بينما أنا، بوجهي الخمرية “المثالي”، كنت المسخ الوحيد في ذلك المكان.


عدت إلى الشقة، كانت النظافة تحيط بي من كل جانب، المرايا تعكس الشاب الوسيق الأنيق.. لكنني لم أتحمل النظر لنفسي. أحضرت شاكوشاً صغيراً من المطبخ، وذهبت إلى مرآة الحمام الكبيرة، وضربتها بكل قوتي.


تطاير الزجاج في كل مكان، وجرحت شظية صغيرة جبهتي ل يسيل منها خط من الدم الحار. نظرت إلى انعكاسي المشوه وسط الزجاج المكسور، وجلست وسط الحطام وأنا أدرك أن عقابي الحقيقي قد بدأ الآن. أنا سليم جسدياً، نعم.. ولكن كيف سأعيش مع هذا “القلب المشوه”؟ كيف سأقنع نفسي بأنني أستحق الاحترام؟


مر شهر كامل.. تحولت فيه إلى إنسان آلي. أذهب للعمل، أؤدي واجباتي، وأعود للشقة المظلمة. قاطعت كل أصحابي ما عدا ماجد، الذي كان يزورني من وقت لآخر ليطمئن أنني لم أنتحر. وفي يوم من الأيام، وبينما كنت جالساً في مقهى صغير بعيد عن منطقتي، دخلت عائلة صغيرة.. رجل وزوجته وبنت صغيرة.


كانت الزوجة ترتدي قفازات في يدها وتحاول إخفاء وجهها خلف نظارة كبيرة، وكان واضحاً عليها علامات الإحراج والتوتر، بينما كان زوجها يمسك يدها بحب ويتحدث معها ويضحك بصوت عالٍ ليشتت انتباهها عن نظرات الناس.


تسمرت في مكاني وأنا أراقبهم. هذا الرجل كان يفعل ما عجزت أنا عن فعله. كان يحمي شريكته، بينما أنا كنت الجلاد. لم أحتمل المشهد، قمت ودفت الحساب وخرجت مسرعاً والدموع تطير من عيني.


وفي المساء، رن هاتف المنزل الأرضي.. لم يكن أحد يتصل عليّ في هذا الهاتف إلا شخص واحد نسيت وجوده تماماً. رفعت السماعة، فجاءني صوت والدتي الباكي من الصعيد:


“أحمد.. إلحقني يا ابني.. أبوك تعبان جداً في المستشفى والدكاترة بيقولوا محتاج عملية خطيرة في القلب فوراً.. لازم تيجي يا ابني.”



شعرت ببرودة تجتاح جسدي مجدداً. هل هي مصيبة أخرى؟ أم أنها بداية طريق طويل ومختلف تماماً؟ لملمت أشيائي بسرعة البرق، ونزلت متجهاً إلى موقف السيارات للسفر إلى أسيوط، وأنا لا أعلم ماذا ينتظرني هناك، وهل سأجد في هذه الرحلة فرصة لخلاص روحي أم انكساراً جديداً؟


وعندما وصلت للمستشفى في الفجر، ودخلت العناية المركزة.. تيبست في مكاني وأنا أرى من يجلس بجانب سرير أبي يمسك بيده ويقرأ له القرآن..


## الجزء السادس: خيوط الغفران في غرف العناية


تراجعت خطوة للخلف وأنا أكاد لا أصدق ما تراه عيناي في ضوء الفجر الخافت المنبعث من نافذة غرفة العناية المركزة. كانت هناك، تجلس على مقعد خشبي متهالك بجانب سرير أبي، ممسكة بيده المصابة بإبر المحاليل، وتقرأ القرآن بصوت عذب خاشع يملأ الغرفة الساكنة بالس*كينة.


هيام..


انقطع صوتها فجأة عندما شعرت بحركتي. التفتت إليّ ببطء، وكانت ترتدي عباءة سوداء بسيطة دون أي مساحيق، والبقع البيضاء على وجهها وكفيها تبدو تحت إضاءة المستشفى المعقمة كأجزاء من نور، ولم تعد تثير في نفسي سوى شعور هائل بالخزي والندم.


وقفتُ مكاني عاجزاً عن النطق، بينما هرعت والدتي نحوي وهي تبكي وتضمّني: “أحمد.. يا ابني الحمد لله إنك جيت. هيام يا ابني أول ما عرفت إن عمها تعبان سابت كل حاجة وجات جري من بندر أسيوط للمستشفى هنا.. مسبتناش لحظة واحدة، وهي اللي خلصت ورق الدخول وحجزت مع الدكتور.”


نظرتُ إلى هيام وعيني مليئة بالدموع المستجدية، لكنها لم تنظر إليّ بنظرة عتاب أو كره، بل كان وجهها يحمل هدوءاً غريباً، هدوء الموتى الذين لم يعد يربطهم بالأحياء أي عاطفة. قامت من مكانها بهدوء، وعدّلت الغطاء على جسد أبي المريض، ثم قالت لوالدتي بصوت منخفض: “الحمد لله على وصول أحمد يا طنط.. أنا كده اطمأنيت على عمي، وهستأذنكم عشان ألحق الميكروباص وأرجع لأهلي.”


قاطعتها والدتي بلهفة: “تمشي فين يا بنتي في الفجر ده؟ خليكي مع جوزك…”


“إحنا اطلقنا يا طنط.” قالتها هيام بنبرة حاسمة ولكنها شديدة الأدب، ثم التفتت لتغادر الغرفة.


لم أتحمل أن ترحل هكذا. خرجت خلفها مسرعاً في ممرات المستشفى الطويلة والمظلمة التي تفوح منها رائحة المطهرات والموت. ناديت عليها بصوت مخنوق: “هيام! أرجوكي استني.. دقيقة واحدة بس.”


توقفت في نهاية الممر عند السلم، ولم تلتفت إليّ، بل ظلت معطية لي ظهرها. اقتربت منها وقلبي ينبض بعنف: “أنا مش جاي أطلب منك ترجعيلي، أنا عارف إن ماليش حق.. بس عايز أفهم، ليه عملتي كده؟ ليه جيتي لـ أبويا بعد كل اللي عملته فيكي وفي كرامتك؟”



التفتت إليّ ببطء، ونظرت في عيني مباشرة، وقالت بنبرة هادئة كأمواج البحر: “أبوك ملوش ذنب يا أحمد. عم الحج “مكرم” كان دايماً بيعاملني كبنت ليه، وكان بيكلمني يطمن عليا ويدعيلي حتى بعد ما اطلقنا. أنا جيت عشان الأصول وعشان الراجل الطيب ده، مش عشانك أنت.. أنت بره الحسبة دي تماماً.”


أحنيت رأسي خجلاً، وقولت بصوت مبحوح: “أنا اتعلمت الدرس يا هيام. الوجع اللي عشته في الشهر اللي فات، والكسرة اللي حستها لما افتكرت نفسي مريض، غيرتني بجد. أنا كسرت المرايات اللي في بيتي كلها لأني مكنتش طايق أشوف الوش الأناني اللي جرحك.”


نظرت إليّ طويلاً، ثم تنهدت وقالت: “التغيير ده ليك أنت يا أحمد، مش ليا أنا. كويس إنك بدأت تشوف الدنيا صح، بس ده مش معناه إن اللي انكسر ينفع يتصلح. فيه حاجات لما بتموت، مفيش أي ندم في الدنيا بيحييها تاني.”


تركتني ونزلت درجات السلم بخطوات ثابتة، بينما وقفت أنا في الممر المظلم، حزيناً ولكن لأول مرة أشعر بنوع من السلام. لقد كانت صادقة؛ مجيئها لأبي كان يمثل نقاء روحها التي حاولت تشويهها، وجعلني أدرك أن طريقي نحو الخلاص لا يبدأ بالاستجداء لتعود إليّ، بل يبدأ بأن أتعلم كيف أكون إنساناً يشبهها في نبلها.


عدت إلى غرفة أبي، وقضيت الأيام الثلاثة التالية بجانبه في المستشفى. كنت أخدمه، وأغسل قدميه، وأساعد والدتي، وأتعامل مع الممرضين والأطباء دون أن أهتم بمظهري أو بملابسي التي تجعدت واتسخت. لم أعد “أحمد البيه”؛ كنت مجرد ابن يحاول إنقاذ أبيه، وإنسان يحاول تكفير ذنوبه.


بعد أسبوع، نجحت عملية أبي واستقرت حالته، وسُمح لنا بنقله إلى البيت في أسيوط. وفي اليوم الذي وصلنا فيه إلى المنزل، وبينما كنت أساعد أبي على الاستلقاء في سريره، رن جرس الباب.


ذهبت لأفتح، وظننت أنهم الجيران جاءوا للتهنئة بالسلامة، لكنني عندما فتحت الباب، وجدت رجلاً يرتدي زياً رسمياً يحمل في يده حقيبة جلدية، ونظر إليّ قائلاً: “أنت الأستاذ أحمد؟”


أومأت برأسي، فأخرج مظروفاً رسمياً كبيراً وسلمه لي قائلاً: “أنا محضر من المحكمة.. اتفضل استلم إعلان القضية دي.”


وقعت بيدي المرتعشة، وفتحت المظروف وأنا أشعر برعب جديد يجتاح صدري. قرأت السطور الأولى، فإذا بها دعوى قضائية مرفوعة من هيام وأهلها.. لكنها لم تكن قضية نفقة أو مؤخر كما توقعت.


كانت قضية من نوع آخر، تحمل مفاجأة ستغير مسار حياتي وحياتها تماماً في الفترة القادمة…


 

طلقت مراتي حكايات زهره الربيع 4



 


تسمرت في مكاني وعيناي تتنقلان بين الكلمات المكتوبة بالحبر الأسود الجاف على الورق الرسمي المختوم بنسر الجمهورية. لم تكن دعوى نفقة، ولم يكن طلباً لمؤخر الصداق، بل كانت دعوى “تعويض عن أضرار نفسية وأدبية جسيمة وتشهير”.


كان المحامي الخاص بهيام قد صاغ الدعوى بذكاء شديد وقسوة أشد؛ حيث استند إلى شهادة الشهود من صديقاتها في قاعة الأفراح، واللواتي أكدن أنني تركتها وحيدة أواجه نظرات الناس بعد أن ظهرت عليها أعراض المرض، مما تسبب لها في أزمة نفسية حادة أدت إلى دخولها في حالة اكتئاب موثقة بتقرير طبي من أحد الأطباء النفسيين. والأخطر من ذلك، أن الدعوى تضمنت طلباً بـ “الحجر التحفظي” على مستحقاتي المادية من منصاتي الرقمية وحساباتي الإلكترونية كضمان للتعويض!


سقطت الورقة من يدي على أرضية الصالة. هيام اللطيفة، النقية، التي كانت بالأمس تقرأ القرآن عند رأس أبي في المستشفى، هي نفسها التي قررت الآن أن تخوض ضدي حرباً قانونية شرسة تهدف إلى تدمير واجهتي المهنية والمادية، وتجريدي من النجاح الذي طالما تفاخرت به.


خرجت والدتي من غرفة أبي على صوت سقوطي، ونظرت إلى الورقة ثم إليّ بفزع: “في إيه يا أحمد؟ يا ابني وشك ختف لونه ليه؟ مين الراجل اللي كان على الباب ده؟”


حاولت أن أتمالك نفسي حتى لا أثير رعبها ورعب أبي المريض في الغرفة المجاورة. التقطت الورقة بسرعة ودسستها في جيبي وقررت الكذب: “مفيش يا أمي.. ده مجرد ورق خاص بالشغل ومندوب كان مستعجل. ادخلي أنتي جمب الحج وأنا هعمل تليفون سريع وجاي.”


خرجت إلى شرفة الشقة المطلة على شوارع أسيوط الهادئة في هذا الوقت من الظهيرة. كان عقلي يدور كالمطحنة. اتصلت فوراً بصديقي “ماجد” في القاهرة، وشرحت له ما ورد في الإعلان القضائي وأنا أرتجف غضباً ومفاجأة.


سكت ماجد طويلاً على الطرف الآخر من الهاتف، ثم تنهد وقال بصوت هادئ صدمتني بروده: “أنت زعلان ليه يا أحمد؟ ومستغرب ليه؟”


صرخت فيه بضيق: “مستغرب إزاي يا ماجد؟! دي كانت عندي في المستشفى من يومين وبتخدم أبويا! إزاي بالوجه ده والوش ده؟ إزاي ترفع عليا قضية تشهير وتعويض وعايزة تحجز على شغلي؟!”


رد ماجد بحكمة قاسية: “أنت لسة مش قادر تفرق بين الأصول وبين الحقوق يا صاحبي. هيام راحت للمستشفى عشان أصولها وتربيتها وعشان الراجل الطيب اللي ملوش ذنب. لكن قضيتها ضدك أنت، دي عشان تاخد حق كرامتها اللي أنتها برعونة وغرور في ليلة الفرح وقدام الناس كلها. هيام مش ملايين ماشية على الأرض، هي إنسانة اتجرحت في أنوثتها وفي شكلها وفي شرف عشرتها معاك، ومن حقها تدافع عن نفسها بالقانون عشان المجتمع ده يعرف إن المرض مش خطيئة بنعاقب عليها الست بالطلاق والنبذ.”



أغلقت الهاتف مع ماجد وأنا أشعر أنني محاصر تماماً. لم يكن أمامي سوى مواجهة هذه الحرب بنفسي. حزمت حقيبتي مجدداً بعد أن اطمأننت على استقرار حالة أبي مع والدتي، واستقليت أول قطار متجه إلى القاهرة لألتقي بالمحامي الخاص بي.


في مكتب المحامي بوسط البلد، كان الجو مشحوناً. قذف المحامي بملف القضية على مكتبه وقال لي باهتمام: “الموقف مش سهل يا أستاذ أحمد. القضية دي لو أخدت حجم أكبر في المحكمة، وصديقاتها شهدوا ضدك، والتقرير الطبي النفسي ثبت الضرر، دي ممكن تدمر سمعتك ككاتب وصاحب منصة ثقافية وليها متابعين. الناس على السوشيال ميديا مبترحمش، ولو القضية دي اتسربت، المتابعين بتوعك هيتحولوا ضدك في ثانية.”


نظرت إلى المحامي وقلت بقلب ميت: “والحل إيه يا متر؟”


“الحل إننا نرفع قضية مضادة.. قضية طاعة، أو نثبت إن الطلاق تم برغبتها هي وبناءً على طلبها، ونطعن في التقرير الطبي النفسي.” قالها المحامي ببرود احترافي.


لكنني تذكرت نظرة هيام بالأمس في المستشفى، وتذكرت كلامها في الحديقة: *”أنا أخيراً عرفت قيمتي”*. هل سأدخل معها في الوحل مجدداً؟ هل سأحاربها لأحمي أموالي وصورتي المنافقة أمام المتابعين بعد أن بدأت روحي تتلمس طريق النور؟


وقفت وقلت للمحامي بحسم: “لا.. مفيش قضايا مضادة. شوف طلباتهم المادية إيه وإحنا هنسويها ودي بره المحاكم.”


نظر إليّ المحامي بذهول كأنني جننت، لكنني تركت المكتب وخرجت إلى شوارع القاهرة المزدحمة. قررت أن أذهب إليها بنفسي مجدداً، ليس لأطلب الغفران كعاشق، بل لأطلب تسوية كخصم يحترم خصمه.


ذهبت إلى مكتب المحامي الخاص بها وعرضت عليه التسوية المادية الكاملة بشرط التنازل عن القضية وعدم تسريبها للصحافة أو منصات التواصل. اتصل المحامي بهيام أمامي على “الاسبيكر” ليعرض عليها العرض المادي الضخم الذي قدمته.


جاءني صوتها عبر الهاتف، هادئاً، رخامياً، وقوياً: “قوله يا متر.. أنا مش عايزة فلوسه، ولا تلزمني مليم واحد من ثروته. أنا عايزة حكم محكمة رسمي يتنشر في الجريدة الرسمية وباسم جمهورية مصر العربية، يثبت إن أحمد طلقني بسبب مرض البهاق، عشان يكون الحكم ده رد اعتبار لكل ست بيطلقها جوزها لما تمرض.. أنا مش بشتري سكوت، أنا بشتري حق.”


أقفل المحامي الخط، ونظر إليّ بأسف وعجز. شعرت أن الأرض تبتلعني. المعركة لم تكن معركة أموال، كانت معركة مبدأ، وهيام كانت مستعدة لحرق كل المراكب لتنال هذا الحق.


عدت إلى شقتي المظلمة، وجلست أنظر إلى هاتفي الذي بدأ يهتز فجأة بشكل متواصل وغير طبيعي. فتحت الهاتف، فإذا بـ “إشعارات” تنهال عليّ بآلاف الرسائل والتعليقات على صفحتي الرسمية التي تضم آلاف المتابعين.



لقد حدث ما كنت أخشاه.. تم تسريب تفاصيل القضية وصورتي وصورة إعلان المحكمة على إحدى الصفحات الكبيرة المهتمة بقضايا المرأة، وتحت عنوان صادم: *”الكاتب المشهور يلقي بزوجته في الشارع بعد إصابتها بالبهاق لحماية مظهره المثالي!”*


انقلب العالم ضدي في دقائق. بدأت التعليقات تنهال بالشتائم واللعنات، وشركاء العمل والمنصات التي أتعامل معها بدأوا يرسلون إيميلات رسمية بـ “تعليق التعاقد” معي لحين توضيح الموقف القانوني.


وبينما أنا جالس وسط هذا الحطام الإلكتروني والنفسي، أرى مستقبلي وصورتي التي عشت عمري أبنيها تنهار كبيت من الرمال، رن جرس الباب بعنف..


قمت بآلية وفتحت الباب، فإذ بصحفيين ومصورين يحملون كاميراتهم يقفون أمام شقتي، وبمجرد أن فتحت، انطلقت فلاشات الكاميرات في وجهي وهي تلتقط ملامحي المذهولة، بينما صرخ أحدهم بسؤال صدم كل كياني:


“أستاذ أحمد! هل صحيح إن زوجتك السابقة “هيام” تعرضت لحادث تسبب في…”


## الجزء الثامن: سقوط الأقنعة الأخيرة


انعكست فلاشات الكاميرات على جدران الممر الضيق، وأعمت عيوني للحظات وأنا أحاول استيعاب ما يحدث. تراجعت خطوة للوراء وأنا أصرخ في وجوههم: “حادث إيه؟ أنتوا مين؟ وازاي تسمحوا لنفسكم تيجوا لحد باب بيتي بالشكل ده؟”


دفع الصحفي الشاب في مقدمتهم بهاتفه المحمول نحو وجهي وهو يقول بسرعة: “يا أستاذ أحمد، الخبر لسه نازل على المواقع! طليقتك المدام هيام تعرضت لحادث تصادم قوي على طريق أسيوط الصحراوي وهي راجعة من عند والدك، والعربيات بتقول إن حالتها حرجة.. هل الحادثة ليها علاقة بالضغط النفسي وقضية التشهير اللي رفعتها عليك الصبح؟”


لم أسمع باقي السؤال. شعرت ببرودة تجتاح أطرافي وكأن سكيناً غُرست في صدري. الحادثة وقعت وهي عائدة من خدمة أبي.. جائت لتنقذ عائلتي، وفي طريق عودتها دفعها حظها السيء إلى حافة الموت. دفعت الصحفيين بيدي بكل ما أوتيت من قوة وصدمت الباب في وجوههم، وأغلقت الترباس وأنا ألهث كالمطحون.


التقطت هاتفي بوش غارق في العرق المالح، واتصلت بماجد وأنا أصرخ بهستيرية: “ماجد! هيام عملت حادثة على طريق أسيوط؟ قولي إن الخبر كدب! قولي إنهم بيعملوا كده عشان التريند والقضية!”


جاءني صوت ماجد باكياً، منهاراً تماماً: “مش كدب يا أحمد.. أنا لسه مكلم أخوها من دقيقتين. الميكروباص اللي كانت راكباه اتقلب بيها، وهي دلوقتي في غرفة العمليات بمستشفى أسيوط الجامعي بين الحياة والموت.. نزيف في المخ وكسور مضاعفة. أخوها منهار وبيقول إنها كانت سرحانة وبتبكي طول الطريق بسبب الضغط اللي حصل الصبح.”




سقط الهاتف من يدي. انهرت على ركبتي وسط الصالة المظلمة. كل شيء انهار في لحظة واحدة؛ شهرتي، مالي، كبريائي، والآن.. الإنسانة الوحيدة التي علمتني كيف أكون بشراً. لم أفكر ثانية واحدة، أخذت مفاتيح سيارتي، وفتحت الباب دون أن أهتم بالصحفيين الذين كانوا لا يزالون يتجمهرون في الخارج. اندفعت وسطهم كالمجنون، وركبت سيارتي وقررت القيادة إلى أسيوط بأقصى سرعة، حتى لو كلفني ذلك حياتي.


طوال الطريق الصحراوي المظلم، لم تكن عيني ترى سوى وجه هيام.. وجهها وهي تبتسم لي في سنتنا الأولى، ووجهها الباكي في قاعة الأفراح، ووجهها النوراني وهي تقرأ القرآن بجانب أبي. كنت أضرب مقود السيارة بيدي وأبكي بصوت عالٍ: “يا رب خذ من عمري واعطيها.. يا رب لا تحاسبها بذنب أنانيتي وغروري.”


وصلت إلى مستشفى أسيوط الجامعي مع أول خيوط الفجر. كانت الممرات تعج بالحركة، ورائحة الدم والمطهرات تعيد لي ذكريات الأسبوع الماضي، لكن الوجع هذه المرة كان مضاعفاً آلاف المرات. ركضت نحو قسم الطوارئ والعناية المركزة، فوجدت عائلتها هناك؛ والدتها تجلس على الأرض وتبكي بحرقة، وأخوها “محمود” يقف مسنداً رأسه على الجدار وعيناه حمراوان كالدم.


بمجرد أن رآني محمود، تحولت ملامحه إلى غضب عارم. اندفع نحوي وأمسك بتلابيب قميصي وضغطني بقوة على الجدار وهو يصرخ في وجهي وسط الممر: “جاي ليه؟! جاي تشوف تمثيلية جديدة؟ اختي بتموت بسبابك! من اللحظة اللي دخلت فيها حياتها وأنت بتكسر فيها وتطفيها لحد ما رمتها في الشارع وخليت سيرتها على كل لسان! اخرج بره!”


لم أقذفه، ولم أدافع عن نفسي. تركت يده تمزق قميصي، ونظرت إليه بدموع حقيقية وقلت بصوت مبحوح: “اضربني يا محمود.. موتها في إيدك لو ده هيريحك، بس مش هتحرك من هنا لحد ما أطمن عليها. أنا السبب في كل حاجة.. أنا المستحق الموت مش هي.”


تدخل بعض أفراد الأمن والأطباء وفصلوا بيننا. جلس محمود على مقعد وهو ينشج بالبكاء، بينما انزويت أنا في زاوية مظلمة من الممر، جلست على الأرض، ووضعت رأسي بين ركبتي، تماماً كما فعلت في الحمام عندما ظننت نفسي مريضاً بالبهاق.. لكن الخوف هذه المرة لم يكن على جلدي، بل على الروح التي تحيي هذا الجسد.


خرج الطبيب الجراح من غرفة العمليات بعد مرور خمس ساعات كاملة. انقضت عليه العائلة بلهفة، واقتربت أنا من بعيد لأستمع إلى الكلمات التي ستحدد مصيري القادم. مسح الدكتور العرق عن جبينه وقال بتنهيدة ثقيلة: “الحمد لله.. قدرنا نوقف النزيف الداخلي، وظبطنا الكسور. النبض استقر.. لكن المدام دخلت في غيبوبة كاملة بسبب صدمة الرأس. إحنا عملنا اللي علينا، والباقي دلوقتي بإيد ربنا.. الساعات اللي جاية هي اللي هتحدد هل عقلها هيستجيب ويرجع، ولا…”




لم يكمل جملته، ودخلت هيام إلى غرفة العناية المركزة محاطة بالأجهزة والخراطيم. سُمح لوالدتها بالدخول لدقائق، وعندما خرجت، تقدمتُ نحو الزجاج الفاصل ونظرت إليها.


كانت ترقد هناك، شاحبة كالملاك، رأسها ملفوف بالشاش الأبيض، ووجهها النظيف تظهر عليه بقع البهاق بوضوح تحت الإضاءة النيون.. لم تعد البقع مشوهة، بل بدت لي في تلك اللحظة كعلامات طهر تميزها عن بقية البشر. وقفت ووضعت جبهتي على الزجاج البارد وأخذت أهمس بكلمات لم أكن أقولها قط: “قومي يا هيام.. قومي واكسبي القضية، خدي فلوسي، خدي شغلي، ارميني في السجن.. بس عيشي.”


مرت ثلاثة أيام وأنا لم غادر الممر. لم آكل، لم أشرب سوى الماء، ولم أنم إلا لدقائق على الأرضية الباردة. تحولت إلى طيف هائم في المستشفى، وتنازل الصحفيون عن ملاحقتي بعد أن رأوا حالتي المزرية وانكساري الحقيقي الذي لم يكن يحمل أي تمثيل.


في الليلة الرابعة، وبينما كان الممر ساكناً تماماً والجميع غارقون في النوم من التعب، كنت واقفاُ أمام الزجاج أراقب مؤشر نبضات قلبها على الشاشة. وفجأة.. بدأ المؤشر يضطرب، وأصدر الجهاز صوتاً متصلاً ومرعباً يعلن توقف النبض!


اندفعت نحو الباب وأنا أصرخ: “دكتور! إلحقونا! الجهاز بيصفر!”


هرع أطباء الطوارئ والممرضون إلى الغرفة، وأغلقوا الستارة في وجهي. وقفت خلف الزجاج وأنا أرى من خلال شق صغير أطباء الصدمات الكهربائية وهم يحاولون إنعاش قلبها، وجسدها يتفض بقوة على السرير مع كل صدمة، بينما كان مؤشر الحياة على الشاشة لا يزال خطاً مستقيماً وميتاً..


وفي تلك اللحظة الرهيبة، التفت الطبيب نحو الممرضة وقال بأسف: “ارفعي الشحن.. وجهزي المحلول الأخير، دي…”


 


## الجزء التاسع والأخير: مرآة الجوهر


ارتجفت أركان ممر المستشفى، وشعرت بأن جدرانه البيضاء تنهار فوق رأسي. “ارفعي الشحن.. وجهزي المحلول الأخير، دي المحاولة الأخيرة”. نزلت الكلمات على مسامعي كحكم بالإعدام. لم أعد أرى الأطباء ولا الأجهزة، لم أعد أرى سوى شريط حياتي يتلاشى مع ذلك الخط المستقيم على الشاشة.


سقطت على ركبتي في الممر المظلم، وألصقت جبهتي بالأرض الباردة. لم يكن سجود كبرياء، بل كان سجود عبد انكسر تماماً أمام خالقه. بكيت بنحيب مزق صدري، ودعوت من أعماق قلبي: *”يا رب.. أنا اللي استحق الموت، أنا اللي عشت ميت بالغرور والأنانية. خذ من عمري وصحتي، خذ صورتي واسمي وكل ما أملك.. بس رجعها لأهلها، رجع الروح الطاهرة دي للدنيـا”*.




وفجأة، انقطع صوت الصفير المستمر.


حلّ سكون غريب، تبعه صوت نبضات متقطعة.. ثم منتظمة. ركضت نحو الزجاج وأنا ألهث، ورأيت الطبيب يرفع يديه عن جهاز الصدمات ويتنفس الصعداء، ويمسح العرق عن جبينه وهو ينظر للممرضة قائلاً: “النبض رجع.. سبحان من يحيي العظام وهي رميم”.


انفجرت والدتها بالبكاء، وسقط أخوها محمود على الكرسي مغطياً وجهه، أما أنا، فاستندت على الجدار وشعرت بقدمي لا تقويان على حملي. كانت تلك اللحظة هي لحظة ولادتي الحقيقية؛ أدركت فيها أن الحياة والموت، الجمال والقبح، كلها بيد الله، وأننا لا نملك من أمر أنفسنا شيئاً لنتكبر به على خلقه.


مرت ثلاثة أسابيع أخرى.. بدأت فيها هيام تستعيد وعيها تدريجياً. تحسن نطقها وحركتها، وزالت الغيبوبة تماماً. وطوال تلك الفترة، لم أدخل غرفتها قط. كنت أعلم أن رؤيتي قد تزعجها أو تؤخر شفاءها، فكنت أكتفي بالبقاء في الممر، أشتري الأدوية، وأرتب مع الأطباء، وأخدم عائلتها من بعيد دون أن أفرض وجودي.


أخوها محمود بدأ يلاحظ هذا التغيير الصامت. وفي يوم خروجها من المستشفى، اقترب مني في الممر وسلم عليّ بحرارة لأول مرة، وقال بصوت خافت: “أنا شوفتك طول الأسابيع اللي فاتت يا أحمد.. وشوفت أنت عملت إيه. أنا مش هقدر أقولك سامحناك، لأن الجرح كان غويط، بس هقولك إنك بقيت راجل بجد في نظري. هيام عارفة إنك هنا.. وهي طالبة تشوفك قبل ما نمشي.”


دخلت الغرفة بقلب يرتجف، وخطوات بطيئة وخجولة. كانت تجلس على السرير، فستانها فضفاض، ورأسها ملفوف برباط طبي صغير، ووجهها يحمل ندوب الحادث بجانب بقع البهاق.. لكنها في عيني كانت تبدو كالقمر ليلة بدره؛ جمالاً لم تلمسه عيني من قبل، لأنه كان جمال الروح المنتصرة.


وقفت بعيداً، وأحنيت رأسي قاصداً: “الحمد لله على سلامتك يا هيام.. أنا بس جيت عشان أسمع أمرك، ومستعد لتنفيذ أي حاجة تطلبيها.”


نظرت إليّ طويلاً بنظرات صافية، خالية من الغضب وخالية أيضاً من العاطفة القديمة، وقالت بصوت هادئ: “أنا سحبت القضية يا أحمد.”


نظرت إليها بذهول: “ليه؟ ده حقك!”


تابعت بهدوء: “سحبتها لأن الحادثة دي خلتني أشوف إن العمر أصغر بكتير من إننا نقضيه في المحاكم والانتقام. وسحبتها لأن محمود حكالي عن كل اللي عملته مع والدي في مستشفى أسيوط، وعن وقفتك هنا تحت رجلينا في مستشفى الجامعة. أنا مش هقولك إني نسيت، ولا هقولك إننا ينفع نرجع.. اللي انكسر بين الزوج والزوجة مات يوم ليلة الفرح ومبقاش ينفع يصحى. بس أنا شفت في عينيك بالأمس، ومن ورا الزجاج، إنك بقيت بني آدم بجد.. وده يكفيني كـ رد اعتبار.”



نزلت دمعة حارة من عيني، ولم تكن دمعة حزن بل دمعة رضا: “ده يكفيني وزيادة يا هيام.. أنا مش طالب أكتر من إنك تكوني بخير، وتسامحيني بينك وبين نفسك.”


أومأت برأسها وقالت: “مسامحاك يا أحمد.. ربنا يوفقك في حياتك الجديدة.”


خرجت من الغرفة ومن المستشفى كلها، وأنا أشعر أن جبالاً أُزيحت عن كاهلي. عدت إلى القاهرة، لكنني لم أعد إلى “أحمد” القديم. أغلقت منصاتي القديمة التي كانت تقيس البشر بالمظاهر، وفتحت صفحة جديدة في حياتي وفي كتاباتي. بدأت أكتب عن الجوهر، عن الروح، عن قضايا الإنسان وحق المريض والضعيف في القبول والدعم.


استخدمت قلمي لأحارب الأنانية والغرور التي كنت أنا يوماً ضحيتها وجلادها. واجهت المتابعين بحقيقتي دون زيف، واعترفت بخطئي علناً، فخسرت المتابعين السطحيين، وكسبت احترامي لنفسي واحترام القلوب الحقيقية.


### الحكمة من القصة


إن هذه الرحلة القاسية لم تكن مجرد حكاية عن زوجين وفرق بينهما المرض، بل هي مرآة تعكس حقيقة إنسانية كبرى:


* **وهم الكمال الزائف:** إن التعلق بالقشور والمظاهر الخارجيّة هو عبادة لوهم زائل لا يدوم. الجمال الجسدي هو أسرع الأشياء تبدلاً؛ بقعة جلدية، أو حادثة في ثوانٍ، أو تقدم العمر، كفيل بتدمير تلك الصورة التي نرى أنفسنا من خلالها.


* **جمال الجوهر والروح:** القيمة الحقيقية للإنسان تكمن في معدنه وأصوله ونقاء روحه. هيام بمرضها وندوبها كانت أجمل وأقوى بكثير من أحمد بكامل أناقته ووسامته المزيفة.


* **العدالة الإلهية والرسائل الخفية:** إن الله لا يعاقبنا ليدمرنا، بل يرسل لنا الابتلاءات والدروس ليفيقنا من غفلتنا وغرورنا. الخوف الذي عاشه أحمد في وهم المرض كان الدواء المُر الذي نظّف روحه من قذارة الأنانية.


* **الكرامة والأصول:** إن الأصول تظهر في الأوقات العصيبة؛ فذهاب هيام لخدمة حماها رغم الطلاق كان نابعاً من تربيتها، ودفاعها عن كرامتها بالقانون كان حقاً مشهوداً لتثبت للمجتمع أن المرض ليس عيباً يُنبذ بسببه الإنسان.


عاش أحمد بقية حياته وحيداً، لكنه لم يكن يشعر بالوحدة؛ فقد كان يرافقه في خلوته إنسان جديد وُلد من رحم الوجع.. إنسان تعلم أخيراً أن ينظر إلى القلوب، لا إلى الوجوه.


 



تعليقات

التنقل السريع
    close