مراتى وحبيبتى
مراتى وحبيبتى
مراتى دايما تقولى أنا بحبك وماليش غيرك اوعى تبعد عنى كنت ابصلها بسخريه واضحك واقولها هروح فين يعنى
بعد فتره من جوازنا أبوها مات وبعدها تعلقها بيا بقى قوى جدا لأنى تقريباً بقيت كل حاجه فى حياتها وده خلانى احس انى مهما عملت فيها هتخاف أنى ابعد عنها او اسيبها وهتعديلى أى حاجة
الشعور ده بقى يدينى نشوه داخليه بقيت اسهر واخرج بره البيت براحتى ولو كلمتنى اتخانق معاها كانت تسكت ومش بس كده دى كانت تيجى تراضينى كمان
كنت بحس أنى ملك وماسك الدنيا بحالها وجودها فى حياتى بقى امر مفروغ منه وخصوصاً انى بشوف واحده بتدى بدون مقابل بيتى نضيف وبنتى طول الوقت نضيفه وهاديه والاكل دايما جاهز
وفى وسط سهرى وخروجاتى اتعرفت على واحده تانيه كانت عكس مراتى فى كل حاجة يمكن ده اللى شدنى ليها وحببنى فيها منطلقه صوتها عالى ممكن وكنت بخاف ازعلها ولو بكلمه لانها ممكن تزعل وتخاصمنى وكنت انا افضل أراضيها واحايلها
قربت منها وحبيتها وطلبت منى الجواز وعلاقتنا يبقى ليها شكل رسمى وقتها وافقت وقولت كده كده مراتى مش هتعمل حاجه ولو عملت ههددها بالطلاق وهتسكت
وفعلاً، بدأت أجهز لخطوة الجواز التانية، كنت شايف الموضوع لعبة في إيدي، أنا الطرف الأقوى والقرار قراري. روحت البيت بوش كله ثقة، دخلت لقيت الدنيا هادية كالعادة، بنتي بتلعب في ركن، وياسمين حضرتلي الغدا وقعدت قدامي بهدوئها المعتاد، نظرة عينيها كانت كلها حنية ومفيش فيها أي سؤال عن تأخيري.
أخدت نفسي وقولتلها ببرود: “بصي يا ياسمين، أنا خلاص قررت أتجوز، واليومين الجايين هبقى بتمم إجراءات الجواز”.
كأني رميت مية متلجة على جسمها، وشها بهت فجأة، إيديها بدأت ترتعش وهي ماسكة المعلقة، والسكوت عم المكان لدرجة إني كنت سامع صوت نفسي.
كملت كلام عشان اقطع السكوت ده
وماتقلقيش مش هطلقك عشان البنت بس مش عايز اسمع إنك عملتى مشاكل وقتها هطلقك ومش هعمل حساب حاجه ولا حد
اتوقعت العياط، أو إنها تترجاني زي ما كنت فاكر دايماً، بس اللي حصل كان غير كدة تماماً. قامت وقفت، بصتلي نظرة غريبة.. مكنش فيها خوف ولا ضعف زي ما كنت متخيل، كان فيها نظرة “انكسار” لشخص اكتشف إنه كان بيحلم بواحد مش موجود أصلاً.
قالتلي بصوت واطي ومبحوح: “أنت اتجوزتني وأنا في عز وجعي وكسرتي بعد أبويا، وأنا يا رأفت استأمنتك على روحي وبنتي وبيت باللي فيه، لو شايف إن ده رد الجميل.. فده حقك”.
دخلت أوضتها، قفلت الباب بهدوء، لا صوت عياط عالي، ولا خناق، ولا حتى سألتني مين هي. قعدت أنا لوحدي في الصالة، حسيت بنصر زائف.. كنت فاكر إن “النشوة” اللي كنت حاسس بيها هتزيد، بس فجأة حسيت ببرود غريب في البيت.
قعدت مكاني، وشربت كوباية الشاي اللي كانت قدامي، البيت هادي لدرجة تخوف، بس قولت لنفسي: “أهو، حتى وهي مكسورة، لسة ياسمين العاقلة اللي مش بتعمل دوشة”. الأيام اللي بعدها كانت بتمر بنفس الرتم، ياسمين بتقوم بواجباتها، الأكل في ميعاده، البيت بيلمع، بنتي لابسة أحسن لبس وواجباتها محلولة.. مفيش أي حاجة اتغيرت، أو ده اللي أنا كنت شايفه.
كنت برجع من عند رانيا متأخر، أدخل ألاقي ياسمين قاعدة في الصالة بتقرأ كتاب أو بتشطب حاجة للبيت، بتبصلي، بتسلم بابتسامة باهتة، وبتقوم تدخل أوضتها. مكنتش بتسألني كنت فين، ولا بتفتش في موبايلي، ولا حتى بتنكد عليا زي ما كنت فاكر إنها هتعمل لما تعرف إني بقرب من الجواز الفعلي.
في لحظة غفلة، كنت فاكر إني كسبت “الرهان”، وإني عرفت أطوعها لدرجة إنها بقت متقبلة وجود واحدة تانية في حياتي. بس مع مرور الوقت، بدأت ألاحظ تفاصيل صغيرة..
كنت أطلب منها حاجة، ألاقيها بتبصلي بابتسامة فارغة، بتنفذ الطلب بس كأنها “آلة” بتشتغل من غير روح. مفيش كلمة حلوة، مفيش نظرة اهتمام، مفيش حتى “خناقة” واحدة على تأخيري. بقت موجودة.. بس غايبة.
الوضع في البيت بقى خانق، برغم إن ياسمين بتعمل كل حاجة، بس كان في جدار جليدي بيني وبينها. هربت من “اللا شيء” ده في حضن رانيا، اللي كانت بتملأ وقتي بالطلبات والخطط. بقيت بمارس خيانتي بمنتهى الجرأة، لا خايف ولا مكسوف، كأني مقتنع تماماً إن ياسمين “مستسلمة” للأمر الواقع.
كنت قاعد في الصالة، وياسمين في المطبخ بتجهز العشا، ومسمع صوت حركة المواعين. طلعت موبايلي واتصلت برانيا، وبدأت أتكلم بصوت عالي كأني بتحدى السكوت اللي في البيت: “أيوة يا رانيا.. أيوه يا حبيبتي، لا لا، إحنا هنخرج بكرة أكيد، في الكافيه اللي كنتِ عايزاه.. تمام، الساعة 7؟ أنا هكون عندك.. وبعدين نفكر في موضوع الأثاث بتاع الشقة الجديدة”.
كنت قاصد إن ياسمين تسمع كل كلمة. كنت عايز أثبت لنفسي إني لسة مسيطر، وإني اللي بقرر مين يدخل حياتي ومين يخرج منها. رانيا كانت بتضحك في التليفون بصوتها العالي المعتاد، وأنا برد عليها بكلام فيه دلال ودلع، وكل ده وياسمين لا حس ولا خبر، مفيش طبق اتكسر، مفيش كلمة طلعت منها تعترض.
قفلت التليفون وقولت بسخرية: “يارب تكوني سمعتي يا ياسمين عشان متتفاجئيش لما تلاقيني بتأخر أكتر”.
ردت من المطبخ بصوت هادي جداً، مفيش فيه أي رجفة: “سمعت يا رأفت.. ربنا يهنيك باللي اخترتها، بس يا ريت تحاول تخلص كل حاجتك برا البيت، عشان لما تمشي، متضطرش ترجع تاني تاخد أي حاجة تخصك”.
كلامها خلاني أقف في مكاني، كانت بتسحب نفسها مني حتة حتة، وأنا غارق في وهم إني “ملك” وبنيت حياتي على رانيا. رانيا اللي كانت بتطلب مني في التليفون دلوقتي إننا نحدد ميعاد “كتب الكتاب” وننهي الموضوع عشان “تضمن حقها”، وأنا كنت بوافق وأنا حاسس إني ببيع أثمن حاجة في حياتي مقابل وهم.. وهم إن رانيا هي اللي هتملأ الفراغ اللي ياسمين سابته، وهي في الحقيقة كانت بتهد آخر أعمدة البيت اللي كان ساندني طول سنين.
بدأت ألاحظ حاجة غريبة.. كل ما أفتح التليفون وأكلم رانيا، ألاقي ياسمين فجأة بتسيب اللي في إيدها وتقرب ناحية الصالة، أو تفتح باب الأوضة وتفضل واقفة بتسمع وكأنها بتسجل كل كلمة. في الأول فسرت ده على إنه غيرة متأخرة، أو إنها بدأت تندم وعايزة تعرف أنا بقول إيه، وده كان بيزود “غروري” أكتر، كنت بكمل كلامي بصوت أعلى وأنا ببتسم لنفسي: “أه يا رانيا.. أكيد، الشقة اللي اخترتيها هي اللي هنعيش فيها، وياسمين مش هتبقى موجودة أصلاً عشان تضايقك”.
كنت بلمحها بطرف عيني، واقفة ثابتة، ملامحها مفيش فيها أي تعبير، لا حزن، لا غضب، ولا حتى دمعة. نظراتها وهي بتسمعني كانت نظرات حد بيحفظ تفاصيل “جريمة” بيتم التخطيط لها قدامه.
مرة، وأنا بكلم رانيا وبرتب معاها ميعاد تقابلنا بكره، وبقولها: “هعدي عليكي، ونروح نشوف أطقم الكنب الجديد، مش عايز البيت القديم ده يفضل فيه ريحة أي حاجة تانية”، لمحت ياسمين واقفة عند مدخل الطرقة، عينيها في عيني، مفيش فيها أي انكسار.. كانت نظرة “تقييم”.
قفل ت التليفون، حاولت أستفزها زي ما اتعودت: “سمعتي يا ياسمين؟ اللي جاي أحسن، وبيت جديد بحياة جديدة، بعيد عن النكد اللي شفته معاكي”.
ردت بهدوء مرعب، من غير حتى ما ترمش: “سامعة كل كلمة يا رأفت.. بس الغريب إنك فاكر إنك بتجرحني، وأنت في الحقيقة بتملي كراسة حساباتي. كمل.. أنا محتاجة أسمع كل التفاصيل، عشان لما الحساب ييجي، ما يبقاش ليك حجة تقول إنك مكنتش تقصد”.
لفيت ضهري وبدأت أمشي، بس حسيت ببرودة في جسمي، لأول مرة، مكنتش مستغرب من تصرفاتها بس، كنت “خايف” من هدوئها. ليه بتسمع؟ وليه بتسجل الكلام في ذاكرتها بدل ما تصرخ؟ كان عندي إحساس إنها مش بتسمع كلامي عشان “تغار”، كانت بتسمع عشان “توثق” اللحظة اللي هتقرر فيها تنهي كل حاجة بطريقتها هي، مش بطريقتي أنا. واللى عملته معايا بعدها خلانى بقيت زى المجنون
جه يوم الفرح، اليوم اللي كنت باني عليه أحلامي في التخلص من “قيود” البيت والبداية الجديدة. لبست البدلة، ووقفت قدام المرايا بصلح الكرافتة وأنا غرقان في نشوة الانتصار. الغريب إن ياسمين دخلت الأوضة، مكنتش بتعيط ولا بتصرخ، بالعكس، كانت هادية جداً، ساعدتني في لبس البدلة، ظبطت لي الكرافتة، وقالتلي بصوت مسموم بالهدوء: “البس كويس يا رأفت، عشان تكون في أحسن صورة في يومك ده”.
الأغرب إنها راحت جهزت نفسها، لبست فستان سواريه بسيط وشيك جداً، وحطت ميك أب خفيف، ووقفت قدامي كأنها رايحة فرح واحد صاحبنا مش فرح جوزها على واحدة تانية. حسيت للحظة بـ “خبطة” في قلبي، بس كذبت إحساسي وأقنعت نفسي إنها استسلمت أخيراً لواقع إنها بقت “الزوجة التانية” اللي هتعيش في الظل.
وصلنا القاعة، كانت رانيا في قمة فرحتها، وأنا كنت طاير من السعادة، ماسك إيد رانيا وبنرقص قدام الناس، كأني عريس لأول مرة وبنسى كل اللي ورايا. تجاهلت ياسمين تماماً، كنت بشوفها من بعيد قاعدة على الطاولة، بتبصلي بابتسامة غامضة، لا هي زعلانة ولا هي مكسورة.
في نص الفرح، كنت بلمح صاحبي المقرب “هشام” وهو قاعد جنب ياسمين. هشام مكنش بيبص على العروسة ولا على فقرات الفرح، كان طول الوقت عينه على ياسمين. شفته وهو بيميل عليها بيتكلم، وهي بتضحك له ضحكة كانت نادرة جداً، ضحكة فيها ثقة وإعجاب متبادل.
قلبي بدأ يدق بعنف، مش من الفرح، بس من “الغيرة” اللي بدأت تنهش فيا. إزاي مراتي، اللي كانت من شوية بتبتسم لي وأنا بجهز، قاعدة دلوقتي بتتمايل بجمالها اللي كنت ناسيه، وبتسمع كلام إعجاب من صاحبي؟
قربت منهم بغضب متخفي في شكل “تطمين”، وقفت فوق راسهم، هشام رفع عينه وبصلي بابتسامة صفراء وقال: “بصراحة يا رأفت، ياسمين طالعة قمر النهارده، كنت خافي فين الجمال ده كله؟”.
ياسمين بصتلي، ولأول مرة من أيام، شفت في عينيها نظرة “تحدي” مش “انكسار”. قالت بصوت هادي يسمعه هشام والناس اللي حوالينا: “الجمال ده يا هشام كان بيدور على اللي يقدره، ولما لقى إنه مش موجود، قرر يظهر للدنيا تانية من جديد”.
وقفت أنا في مكاني، مذهول.. كنت فاكر إني أنا اللي بكتب فصول الرواية دي، بس فجأة حسيت إن ياسمين هي اللي بدأت تكتب النهاية، وبدأت تسحب السجادة من تحت رجلي، وأنا مشغول بالرقص مع رانيا في النص التاني من القاعة.
سافرت أنا ورانيا شهر العسل، كنت لسه بحاول أعيش نشوة الانتصار، وبنشر صورنا على السوشيال ميديا، كنت ببعت رسائل لياسمين أحياناً بزهو، أحياناً بحاول أستفزها بصورنا، لكن الرد كان “صمت” مطبق. ولا مكالمة ردت عليها، ولا رسالة فتحتها، كأنها مسحت وجودي من قاموس حياتها تماماً.
في اليوم التالت من شهر العسل، وأنا في قمة مزاجي، رن تليفوني. كان رقم غريب، رديت وأنا فاكرها شركة سياحة أو حاجة تبع الفندق، لقيت صوت محامي، صوته جاف ومباشر: “أستاذ رأفت؟ معاك الأستاذ عادل، محامي الأستاذة ياسمين. ببلغك إننا بصدد إجراءات قانونية، وتم استصدار قرار تمكين من شقة الزوجية لصالح الزوجة والحاضنة، وتم رفع دعوى طلاق للضرر لجمعك بين زوجتين دون علمها، وللإضرار بها معنوياً ومادياً”.
حسيت إن الدنيا لفت بيا، الضحكة اتجمدت على وشي. حاولت أتماسك، حاولت أزعق وأهدد زي ما اتعودت: “تمكين إيه وطلاق إيه؟ هي فاكرة نفسها بتلعب؟ أنا هرجع أربيها!”.
المحامي قفل معايا ببرود، ومن غير ما يديني فرصة للرد. رميت التليفون على السرير، رانيا دخلت الأوضة بتسألني في إيه، بس مكنتش قادر أنطق. ياسمين مش بس سكتت، ياسمين كانت بتخطط لكل تفصيلة من يوم ما عرفت بجوازتي. “الهدوء” اللي كنت مستغربه كان “عاصفة” حقيقية، كانت بتلم ورقها، بتوثق إهمالي، وبتجهز الضربة القاضية اللي هتهد البيت اللي كنت فاكر إني ملكه.
لأول مرة، حسيت إن الـ 1000 قطعة puzzles اللي كنت بجمعها في حياتي، بدأت تتركب في صورة تانية خالص.. صورة أنا فيها الشخص اللي خسر كل حاجة، وياسمين هي اللي بقت ماسكة خيوط اللعبة من بعيد. ركبت أول طيارة راجع للقاهرة، والنشوة اللي كانت مالية قلبي اتبخرت، وحل محلها خوف حقيقي من “التمكين” اللي سحب شقتي، ومن “القضية” اللي ممكن تدمر مستقبلي، والأهم من ده كله.. من نظرة ياسمين اللي كانت بتقول لي: “أنا كنت كل حاجة، ودلوقتي أنت ولا حاجة”.
رجعت من المطار زي المجنون، طلعت على البيت وأنا كلي شر، رانيا ورايا بتصرخ وبتقولي أهدى، بس أنا مكنتش شايف قدامي. وصلت قدام باب الشقة، حطيت مفتاحي في الكالون، بس المفتاح مكنش بيدخل! وقفت مصدوم، حاولت تاني، تالت.. مفيش فايدة. الكالون اتغير.
خبطت على الباب بكل قوتي، صوتي كان عالي وبيهز العمارة: “افتحي يا ياسمين! إيه المهزلة دي؟ افتحي الباب ده حالاً!”.
بعد لحظات، اتفتح الباب، مش للاخر، كانت السلسلة الأمان لسة موجودة. ياسمين كانت واقفة ورا الباب، ملامحها ثابتة زي الحجر، مفيش أي قلق ولا خوف. بصتلي نظرة قرف خلتني أرجع لورا خطوة من غير ما أحس.
زعقت فيها: “أنتي اتجننتي؟ ده بيتي! أنا اللي دافع تمن كل حاجة فيه! افتحي يا ياسمين بدل ما أكسر الباب ده على دماغك!”.
بصتلي بهدوء مرعب، وطلعت من ورا ضهرها ورقة، وقالت بصوت واطي بس كان فيه قوة خلتني أخرس: “الورقة دي قرار تمكين، يعني البيت ده قانوناً بقا في حيازتي أنا وبنتي. ولو حاولت تلمس الباب ده أو تتهجم عليا، أنا مش هكتفي بالطلاق.. أنا معايا تسجيلات لكل تهديداتك، ومعايا شهود على كل إهاناتك، ولو مابعدتش عن البيت ده دلوقتي، أنا اللي هحبسك أنت بتهمة التعدي والتهديد”.
حاولت أتقدم ناحية الباب وأمد إيدي، قامت مطلعها تليفونها ومسجلته وهي بتقول: “أنا بكلم البوليس دلوقتي يا رأفت.. أنت قدامك دقيقة واحدة، يا تمشي بهدوء، يا تلاقي نفسك في قسم الشرطة”.
وقفت مشلول، مش قادر أتحرك. دي مش ياسمين اللي كانت بتراضيني لو زعلتها، دي مش الست اللي كانت بتستنى “الكلمة الحلوة” مني. دي واحدة تانية خالص، واحدة اتولدت من رحم وجعها اللي أنا تسببت فيه. حسيت ببرد غريب سري في عضمي، بصيت لها ولقيت نفسي قدام إنسانة غريبة تماماً، إنسانة أنا اللي صنعت “قوتها” لما حاولت أدوس على “ضعفها”.
نزلت راسي، وبصيت لرانيا اللي كانت واقفة بعيد ومرعوبة، وفي اللحظة دي، ولأول مرة، حسيت إن رأفت اللي كان فاكر نفسه ملك.. مابقاش حتى يملك مكانه في بيته.
عدى الشهرين زي الكابوس، شهرين كنت فيهم بدوّامة محاكم ومشاكل مالهاش أول من آخر. في النهاية، صدر الحكم لصالح ياسمين بالطلاق للضرر، وخدت كل حقوقها، وخرجت أنا من “بيتي” مهزوم ومكسور، بلف ورا المحامين وبحاول ألملم بقايا حياتي اللي اتفتت.
أما حياتي مع رانيا، فطلعت جحيم من نوع تاني. البيت اللي كنت فاكره مكان للاستقرار، بقى حلبة مصارعة يومية. رانيا، اللي كنت فاكر إن “صوتها العالي” وشخصيتها المنطلقة ميزة، اكتشفت إنها عيب قاتل. أي حاجة صغيرة، أي كلمة، أي تأخير، بيتحول لخناقة بتسمع الجيران، وصريخ، وتكسير، واتهامات.
مفيش راحة، مفيش “ياسمين” اللي كانت بتستقبلني بابتسامة، ولا بيت نضيف، ولا هدوء. رانيا كانت بتضغط عليا مادياً عشان نعيش في مستوى هي رسماه في خيالها، وأنا كنت بشتغل ليل نهار عشان أرضيها، وبرضه مفيش فايدة. كانت دايمًا بتلومني إني لسة بفكّر في “الماضي”، وإني “مش عارف أبدأ معاها صفحة جديدة”.
بقت حياتنا عبارة عن صراخ، وخصام، ومحاولات مني إني “أراضيها” زي ما كنت بعمل وأنا لسه بعرفها، بس المرة دي كان “الرضا” ده مكلف جداً، وبياخد من صحتي وأعصابي. بقيت أرجع البيت وأنا مش طايق نفسي، بفتح الباب وأنا خايف من “نوبة غضب” تانية.
في وسط النكد ده، كنت بفتكر ياسمين.. بفتكر إزاي كانت شايلة البيت، شايلة بنتي، وشايلة همومي من غير ولا كلمة. كنت بفتكر نظراتها في المحكمة، نظرة “الانتصار” اللي مش نابعة من فرحة، لكن نابعة من خلاصها مني. أنا اللي كنت فاكر إني “ملك” وبمسك الدنيا بإيدي، اكتشفت إن اللي مسكته بإيدي كان “سراب”، وإن حقيقة حياتي هي الضياع اللي أنا عايش فيه دلوقتي بين جدران بيت مش عارف ألاقيه فيه غير الصوت العالي والتعاسة.
قررت أخيراً، بعد ما شفت الويل مع رانيا، إني أحاول أصلح اللي انكسر. روحت لياسمين، كنت باني آمال إني هلاقيها لسه بتحبني، أو إنها هتحن لما تشوفني مكسور ومبهدل. وقفت قدام باب بيتها الجديد، قلبي كان بيدق زي الطبل، خبطت وأنا حاطط في بالي سيناريو “الاعتذار والعودة”.
فتحت الباب، بس مكنتش هي ياسمين اللي أعرفها. كانت واقفة بملابس شغلها، باين عليها التعب بس عينها بتلمع بنجاح وشغف، وكأنها أخيراً لقت نفسها اللي كانت مدفونة في بيتنا القديم. بصتلي من غير أي تعبير، لا كره ولا حب، كانت نظرة “حياد” هي أكتر حاجة وجعتني.
قلت بصوت متهدج: “ياسمين، وحشتيني.. البيت من غيرك ملوش طعم، وأنا بجد ندمان، رانيا مش زي ما تخيلت، ردي ليا البيت نبتدي من جديد”.
سكتت لحظة، وبعدين ضحكت ضحكة خفيفة مفيش فيها أي سخرية، كانت ضحكة حد بيشفق على طفل غلط، وقالتلي بصوت حازم: “أنت يا رأفت مش بتدور على ياسمين، أنت بتدور على ‘الراحة’ اللي كنت بتلاقيها عندي، بتدور على البيت اللي نضيف، وبنتك اللي متسرحة، والأكل اللي جاهز.. أنت بتدور على الخدامة اللي كانت بتشيل عنك، مش الزوجة اللي كانت بتحبك”.
حاولت أقطع كلامها وأمسك إيدها، بس بعدت عني بخطوة وقالت: “اللي كسرته يا رأفت، مبيتصلحش حتى لو حاولت تجمع قطعه. أنا اتعلمت أعيش لوحدي، وبنتي كبرت وشافتني قوية، ومش هسمح لنفسي ولا ليها إني أرجعك تاني عشان تكسرنا مرة تانية”.
حاولت ألح عليها، قلتلها: “أنا ممكن أطلق رانيا.. أنا بجد عايز أرجع”.
ردت بصد قاطع: “حتى لو طلقت الدنيا كلها، أنا مابقتش موجودة في المكان اللي أنت بتدور فيه. أنا لقيت نفسي بعد ما خرجتك من حياتي، وعرفت إن قيمتي مش في إن حد يختارني، قيمتي في إني أختار نفسي.. ارجع لرانيا، دي حياتك اللي أنت اخترتها، وبلاش تفتكر إنك تقدر ترجع للبيت اللي أنت هديته بإيدك”.
قفلت الباب في وشي بهدوء، ومسمعتش صوت بكاها زي ما كنت متخيل. مشيت في الشارع، وأنا حاسس بـ “الصد” الحقيقي.. مش صد الباب، بس صد قلبها اللي كان يوماً ما مالي الدنيا بحبي، ودلوقتي، مابقاش فيه مكان حتى للغفران. عرفت ساعتها إن “النشوة” اللي كنت حاسس بيها زمان، كانت هي تمن خسارتي الأبدية لكل حاجة حلوة في حياتي
عدت الأيام، وفي يوم وأنا مروح من شغلي في حالة من التشتت والوحدة، شفت ياسمين بالصدفة في مكان عام. كانت ماشية، وعلامات الراحة والسكينة واضحة على وشها بطريقة ما شفتهاش فيها طول سنين جوازنا. كان جنبها راجل، ملامحه هادية ومريحة، بيتعامل معاها بمنتهى الرقي، ماسك إيدها باهتمام، وبيضحك معاها ضحكات خالية من أي تكلف.
أكتر حاجة وجعتني وخلتني أقف مسمّر في مكاني، لما شفت بنتي ماشية معاهم، بتنط من الفرحة وهي ماسكة إيد الراجل ده، وهو شايلها وكأنه بيشيل أميرة، بيبصلها بحنية الأب اللي بجد، مش الأب اللي مشغول بسهراته وخرجاته. كان بيعامل ياسمين كملكة، والكل بيحسدهم على التناغم اللي بينهم، ياسمين اللي كانت بتدي بدون مقابل، لقيت أخيراً اللي بيقدرها ويديها الحب والتقدير اللي كانت تستاهله.
وقفت بعيد أراقبهم، حسيت بمرارة في حلقي. هو ده البيت اللي كانت بتتمناه، وهو ده الحب اللي كانت بتدور عليه، واللي أنا كنت بعتبره “أمر مفروغ منه” وبدوس عليه برجلي. ياسمين مش بس اتجاوزتني، ياسمين قدرت تبني حياة تانية، حياة فيها “أمان” و”احترام”، حاجات أنا دمرتها بيدي لما كنت فاكر إني بمتلك الدنيا.
مشيت من هناك وأنا حاسس إن الصورة اكتملت قدامي؛ ياسمين بقت ملكة في مملكة تانية، وبنتي لقت السند اللي كان ناقصها، وأنا بقيت مجرد ذكرى قاسية ومؤلمة للي فات. عرفت وقتها إن “النشوة” اللي كنت بفتخر بيها، كان تمنها إني خسرت أغلى ما أملك، وبقيت أنا الوحيد اللي واقف في الشارع، بتفرج على سعادة كانت ملكي، وضيعتها بغبائي.


تعليقات
إرسال تعليق