راجل صعيدى
راجل صعيدى
أنا راجل صعيدي ومتجوز في القاهرة بقاله عشـ . ـر سنين، وعندي أخت متجوزة. في رمضان اللي فات جبت أمي تقعد معانا الشهر، وكانت ست كبيرة في أخلاقها وتعـ . ـبها، تقوم من بدري تحضر الفطار والسحور، وتنضف المطبخ، وترتب البيت، وعيالي متعلقين بيها جدًا. طول الفترة دي ما حصلش أي خلاف ولا كلمة زعل.
لكن فجأة في يوم، مراتي قالتلي: “هي والدتك ناوية تفضل عندنا طول الشهر؟ ما تروح تقعد يومين عند بنتها.”
استغربت من الكلام وقلت لها: “أمي حرة، ده بيت ابنها، ولما تحب تسافر أنا أوصلها بنفسي.”
قالت: “لا، احجزلها قطر وخلاص.”
وقتها حسيت إن الموضوع مش سفر ولا راحة، الموضوع إن وجود أمي بقى تقيل عليها، فقلت لها: “أمي مش همشيها من بيتي، ولو حد هيمشي يبقى مش هي.”
ما ردتش بكلمة، خدت العيال ومشيت على بيت أهلها.
لما أمي عرفت اللي حصل، زعلت جدًا وقالت: “أنا مش جاية أخرب بيتك يا ابني، رجعني بلدي.”
وصلتها الصعيد ورجعت القاهرة، وقلت أروح أصلح الموضوع قبل ما يكبر، خصوصًا إننا في رمضان.
دخلت على حمايا بكل احترام وقلت: “اللي حصل سوء تفاهم، وعايز أرجع مراتي وولادي.”
لكن الراجل كان غضـ . ـبان جدًا، وقال: “إنت فضلت أمك على بنتي.”
قلت له: “دي أمي يا حاج، ودي مراتي، ومفيش مقارنة بينهم.”
رد بعصبـ . ـية: “طالما أمك أهم، خليك معاها.”
هنا بدأت أعصابي تفلت، وقلت: “إنت بتتكلم عن أمي، والست دي ليها فضل عليا بعد ربنا.”
قال: “بيت بنتي محدش يدخله تاني.”
بصيت له وقلت: “بيت بنتك إيه؟ ده بيتي أنا، واللي بناه تعـ . ـبي وشقايا، وأمي تشـ . ـرفه في أي وقت.”
قال: “تشـ . ـرفه بعيد عن بنتي.”
وقتها حسيت إن المشـ . ـكلة ما بقتش بيني وبين مراتي، المشـ . ـكلة بقت شـ . ـرط وإهانـ . ـة لأمي.
ناديت على مراتي وسألتها قدام أبوها: “هترجعي معايا؟”
قالت بكل هدوء: “هرجع، بس بشـ . ـرط… والدتك ما تدخلش بيتنا تاني.”
في اللحظة دي حسيت إن كل أبواب الصلح اتقفلت، وقلت: “اللي يطلب مني أختار بين أمي وبيتي، يبقى ما عرفش معنى العشـ . ـرة.”
نزلت من بيت حماي والدم بيغلي في عروقي، الصدمة كانت أكبر من إني أستوعبها في لحظة. عشـ . ـر سنين عشـ . ـرة، وبنت أصول، تطلب مني طلب زي ده؟ والجميل اللي عملته أمي معاها ومع العيال يترد بـ “ما تدخلش بيتنا تاني”؟
أنا راجل صعيدي، والمبادئ عندنا ما بتمـ . ـوتش ولا بتتجزأ، والأم في بلادنا خط أحمر، العمار كله يتهد ولا يمسها زعل.
رجعت شقتي الفاضية، البيت اللي كان من كام ساعة مليان بحس عيالي وببركة أمي، بقيت سامع فيه صدى صوت مراتي وهي بتقول الشـ . ـرط ده بكل برود. قعدت على الكنبة وأنا براجع شـ . ـريط العشـ . ـر سنين؛ عمري ما قصرت معاها، شايلها في عنيا، وأهلي شايلينها على الراس، إيه اللي غيرها للدرجة دي؟ هل كان فيه غل مستخبي وأنا مش واخد بالي، ولا كلام أبوها وشحن أهلها هو اللي قسا قلبها؟
تاني يوم الصبح، لقيت تليفوني بيرن، كان حمايا. افتكرت إنه هدي وهيصلح الكلام، لكن لقيته بيتكلم بنبرة ناشفة ويقول: “أنا بكلمك عشان نخلص الموضوع ده ودّي، بنتي مش هترجع إلا بضمانات، والشقة اللي بتقول شقاك، بنتي ليها النص فيها بحكم العشـ . ـرة وتربية العيال، فلو مش عاجبك الشـ . ـروط، شوف هتعمل إيه في المؤخر وقائمة المنقولات.”
الكلام نزل عليا زي الصاعقة. الموضوع مكنش مجرد زعلة ولا كبرياء، الموضوع قلب تحدي ومساومة على قرشي وشقايا، وكأنهم كانوا مستنيين غلـ . ـطة. رديت عليه بكلمة واحدة: “يا حاج، اللي يبيعني ويبيع أمي، أنا ما بشتريش خاطره بمليم. حاجتكم تجيبوا لوري وتاخدوها، لكن أمي تمنها برقبتي.” وقفلت السكة في وشه.
بعدها بيومين، وأنا بحاول أجمع شتات نفسي في الشغل، لقيت أختي بتكلمني من الصعيد وهي بتبكي. قالت لي: “الحقني يا خويا، أمي من ساعة ما رجعت وهي حابسة نفسها في أوضتها، مبتدوقش اللقمة، وبتقول أنا السبب في خراب بيت ابني، وصحتها نازلة في الأرض.”
كلام أختي نزل على ودني زي الخنجر، الدنيا لفت بيا ومبقتش شايف قدامي. الشغل، المشـ . ـاكل، القائمة، كلام حمايا.. كل ده اتمسح من عقلي، ومبقاش فيه غير صورة أمي الست الطيبة اللي قضت عمرها تشقى عشاني، ودلوقتي حاسة إنها ذنـ . ـب أو سبب في خراب بيتي.
سبت مكتب القيود اللي في إيدي، وخرجت من الشغل مكنتش واعي لأي حاجة غير إني لازم أكون تحت رجلين أمي في أسرع وقت. ركبت أول قطر رايح الصعيد، وطول السكة وأنا باصص من الشباك على الأراضي والخضرة، وشـ . ـريط حياتي كله بيعدي قدام عيني. عشـ . ـر سنين في القاهرة غيروني في حاجات كتير، لكن وقت الجد، لقيت عرق الصعيد اللي في دمى بيفور، والبرنس اللي ربتني عليه أمي هو اللي سايقني.
وصلت البيت في بلدنا على المغرب. دخلت الشارع وأنا حاسس بتقل في خطوتي، البيت اللي طول عمره منور بحس أمي، حاسس إنه حـ . ـزين. أول ما فتحت أختي الباب، وشفت دمـ . ـوعها، عرفت إن الوضع أصعب من ما كنت متخيل.
دخلت أوضة أمي.. كانت قاعدة على السريـ . ـر، مأفية وضامة طرحتها السـ . ـمرا حوالين كتافها، ملامحها اللي كانت دايماً مليانة رضا، باين عليها الكسـ . ـر. الكسـ . ـر وحـ . ـش، وخصوصاً لما ييجي من الغاليين.
قربت منها، اتسندت على ركبي قدامها ومسكت إيدها الناشفة من الشقى بوستها ودمـ . ـوعي غلبتني:
* “كده يا أمي؟ تقطـ . ـعي قلبي عليكي؟ أنا ابنك رومانى اللي كبرتيه وبقى راجل، تصغري بيا وتهـ . ـملي صحتك عشان كلام ناس ما يعرفوش الأصول؟”
رفعت عينيها ليا، وكان فيهم عتاب وألـ . ـم يهد جبال، وقالت بصوت مرتعش يادوب مسـ . ـموع:
* “يا بني أنا رجلي والقبلة، مكنتش عايزة غير إني أشوفك متهني في بيتك ومع عيالك. لو جيتي عندك كانت سبب إن مرتك تطـ . ـرد من بيتها والعيال يتشـ . ـردوا، يبقى المـ . ـوتأكرم لي يا رومانى. أنا اللي خربت بيتك بيدى.”
* “قطع لسان اللي يقول كده!”.. صـ . ـرخت والنـ . ـار بتاكل في صدري: “بيتي يتخرب ولا يمسك زعل، وإذا كان على مراتي وأهلها، فـ دول ناس بياعين، واللي يبيع الأصل ملوش مكان في حياتنا. قومي يا أمي واشـ . ـربي لقمة مية عشان خاطر ولدك.”
قعدت جـ . ـنبها ليلتها، ومشتش من حدانا واصل إلا لما خليتها تاكل لقمة وتطمن إن ولدها واقف على رجله وصامد وزي الجبل ما ينهزش.
تاني يوم الصبح، وأنا قاعد مع أختي وجوزها في المندرة بنشـ . ـرب الشاي، تليفوني رن. بصيت في الشاشة، لقيت الرقم غريب، لكن الكود من القاهرة. فتحت الخط وجالي صوت راجل وقور، مش غريب عليا، ده كان “الحاج فوزي”، كبير المنطقة اللي ساكن فيها في القاهرة، وراجل صاحب كلمة ومسـ . ـموع من الكل.
* “السلام عليكم يا أستاذ رومانى. عاش من سـ . ـمع صوتك يا بني.”
* “وعليكم السلام يا حاج فوزي، الله يكرم أصلك، خير يا راجل يا طيب؟”
* “خير يا بني إن شاء الله. أنا عرفت باللي حصل بينك وبين حماك، والبيوت أسرار صحيح، بس حماك جاني ومجمع كام راجل من كبار الحتة وعايزين يقعدوا قعدة حق. الراجل جاي وسوقه واصل، وبيقول إنك طـ . ـردت بنته ورفضت تديهم حاجتهـ . ـم. إحنا ولاد حتة واحدة وعشـ . ـرة سنين، وأنا مرتضاش ليك الغلـ . ـط ولا الـمَلَامة. إنت فين والمنطقة مستنياك.”
ضحكت بوجـ . ـع وسـ . ـخرية، وقلت له:
* “يا حاج فوزي، إنت راجل بتفهم في الأصول، وأنا صعيدي والكل عارف طبعي. أنا مطـ . ـردتش حد، هما اللي اشترطوا إن أمي متدخلش بيتي اللي بناه شقايا. وأنا تليفوني اتسجل فيه كلام حمايا وهو بيساومني على الشقة والقائمة. لو هما رجالة وجايين لقعدة حق، أنا مسافة السكة وأكون في القاهرة، بس قعدة الحق دي هتبقى على مية بيضا، والكل يعرف مين اللي باع ومين اللي صان.”
قفت السكة، وبصيت لأختي وقلت لها: “جهزيلي شنطتي يا خيتي، أنا راجع مصر. القصة دي لازم تنتهي، والظلـ . ـم ليله قصير.”
نزلت القاهرة وعقلي شغال نـ . ـار. وصلت الحتة على العشا، ومشيت خطوتي ثابتة لحد ما وصلت لمجلس الحق اللي رتبه الحاج فوزي في محله الكبير. كان حمايا قاعد وفي عينه نظرة تحدي، وجـ . ـنبه اتنين من إخوات مراتي الصبيان، وشايلين في إيديهم ورق.. عرفت بعدين إنه كشف بحاجات الشقة وقائمة المنقولات.
أول ما دخلت، الكل وقف وسلم، قعدت وحطيت رجلي فوق التانية بكل ثقة، وبصيت لحمايا وقلت بصوت جهوري سـ . ـمعه كل اللي قاعدين:
* “سلام عليكم يا جماعة. أنا جيت إكراماً للحاج فوزي وللرجالة اللي قاعدة. ويلا بينا نسـ . ـمع، مين اللي ليه حق ومين اللي عليه، بس اللي يتكلم، يتكلم بكلمة شـ . ـرف وأصول، عشان الصعيد مبيعرفش اللف والدوران.”
حمايا وقف وضـ . ـرب بإيده على الترابيزة وقال بعصبـ . ـية:
* “أهو جه الباشا اللي ساب مراته وعياله ورايح يتدارى ورا أمه! إحنا شـ . ـروطنا واضحة، بنتي ترجع بيتها معززة مكرمة، والشقة يتكتب نصها باسـ . ـمها، والست والدتك ليها الزيارة في المناسبات ومن برة برة، غير كده.. المحاكم بينا والقائمة والمؤخر جاهزين!”
الصالون كله سكت، والعيون كلها اتوجهت عليا مستنيين ردي وفورة دمي.. يتبع..
فتحت الخط وأنا ساكت، مفيش على لساني غير نفس البرود والنشفان اللي اتعلمته من جبال الصعيد وقت الشدائد. صوت شهقاتها وعياطها كان عالي، ونبرة البرود والكبرياء اللي كانت بتتكلم بيها قدام أبوها اختفت تماماً، وحل مكانها صوت واحدة مكسورة ومخضوضة من القطر السريع اللي فرم كل خططهم في لحظة.
قالت وهي بتصـ . ـرخ وسط دمـ . ـوعها:
* “الحقني يا رومانى.. إنت بجد بتعمل إيه؟ العمال وأخويا بيكلموني وبيقولوا إنك بتنزل العفش كله في لوري؟ إنت طلقتني بجد قدام الحتة؟ إنت بتهد بيتنا وعشـ . ـرة سنين عشان خاطر زعلة؟”
رديت عليها بصوت هادي، بس هدوء يرعـ . ـب:
* “أنا مبهدش يا بنت الأصول.. أنتوا اللي هديتوا كل حاجة يوم ما حطيتوا أمي في كفة، وبيتي وشقايا في كفة ثانية. أبوكي اشترط وساوم، وإنتي وقفتي جـ . ـنبه وشـ . ـرطتي إن أمي عتبة بيتي متدوسهاش واصل.. وأنا راجل صعيدي، وأمي عندي بالدنيا واللي فيها. اللي يشـ . ـرط على أمي، ملوش عيش في بيتي.”
قالت بصوت متقطـ . ـع ومنهار:
* “والله العظيم مكانش قصدي! أنا الشيـ . ـطان عمى عيني، وأبويا وإخواتي هما اللي شحنوني وقالوا لي اتقلي عليه واشـ . ـرطي عشان يعمل لك حساب وميجبش أهله يقعدوا عندك تاني.. قالوا لي إنك هتيجي تبوس إيدي عشان العيال والشقة.. مكنتش أعرف إنك هتبِيع في لحظة وتخرب البيت!”
ضحكت بمرارة وقلت لها:
* “أنا مبعتش.. إنتي اللي اشتريتي كلام أهلك وبعتي جوزك وعشـ . ـرة سنين. وأهو أهلك اللي شحنوكي، خليهم ينفعوكي دلوقتي والعفش نازل على باب بيتهـ . ـم. الشقة اللي كنتوا طمـ . ـعانين في نصها، قفلتها، والـ لوري مسافة السكة وهيصل عندكم.. حاجتكم بالمليم هتوصلك، والعيال ولادي، لحمي ودمي، مصاريفهم هتوصلهم لحد عندهم، لكن إنتي.. خلاص، صفحتك اتقفلت من كتابي.”
* “عشان خاطر العيال يا رومانى!”.. صـ . ـرخت بأعلى صوتها: “العيال بيمـ . ـوتوا من العياط وعايزين أبوهم، بلاش تخرب بيتنا وتضيع عيالنا عشان عناد.. أنا مستعدة أروح الصعيد وأبوس على يد والدتك وأعتذر لها قدام البلد كلها، بس بلاش تطلقني وبلاش تشمت الناس فينا!”
الكلام لمـ . ـس قلبي من جوة.. العيال هما الحتة الطرية اللي في صدري، وصوت عياطهم اللي تخيلته في بالي وجـ . ـعني.. لكن افتكرت صورة أمي وهي قاعدة مكسورة في أوضتها بالصعيد وقاطعة الأكل، وافتكرت طمـ . ـع حمايا في شقايا وعمري، وعرفت إن الرجوع دلوقتي معناه إني بكسـ . ـر نفسي وبكسـ . ـر أصولي.
قلت لها بنبرة حاسـ . ـمة:
* “العيال هيفضلوا راسهم مرفوعة لأن أبوهم راجل صان أمه وصان عرضه ومقبلش الـمَلَامة. ولو على أمي.. فـ كسـ . ـر الخاطر الأولاني مبيصلحوش مرواح الصعيد بعد ما الفأس وقـ . ـعت في الرأس. المأذون هيخلص الأوراق، ويومين والشهادة هتوصلك.. سلام يا أم العيال.”
قفلت السكة وأنا حاسس بغصة في حلقي. قفل التليفون كان أصعب من قفل باب الشقة، بس كان لازم أكون راجل وقراري واحد. تليفوني م بطلش رن بعدها.. حمايا حاول يكلمني، وإخواتها، وحتى الحاج فوزي حاول يتوسط تاني بعد ما عرف إن الست هديت وعايزة تصالح، بس أنا كنت أخدت طريقي ومبقتش شايف ورايا.
أول ما الـ لوري تحرك والعفش كله مشي، الشقة بقت عبارة عن أربع حيطان فاضية، صدى الصوت فيها بيوجـ . ـع. ملقيتش نفسي غير وأنا بلم هدومي في شنطة صغيرة، وبقفل باب الشقة بالمفتاح.. وركبت القطر وتاني يوم الصبح كنت في الصعيد.
دخلت البيت، وحسيت إن الهوا هناك مختلف. دخلت على أمي الأوضة، لقيت وشها بدأ يرد فيه الدم لما شافتنا داخل عليها. قعدت تحت رجليها وقلت لها:
* “حقك جالك لحد عندك يا أمي.. والبيت اللي يتشـ . ـرط عليكي صاحبه، ملوش مكان في حياتنا. ولدك صعيدي وراسه في السـ . ـما، ومحدش يكسـ . ـر لنا كلمة.”
أمي بكت، بس المرة دي كانت دمـ . ـوع خـ . ـوف عليا وعلى عيالي، وطبطبت على كتفي وقالت: “يا بني، البيوت مش بالساهل، والعيال بكرا يكبروا ويقولوا أبويا همل أمنا.”
قلت لها: “العيال هيكبروا ويعرفوا إن أبوهم صان بر أمه، واللي يصون أمه يصون الدنيا كلها.”
عدى أسبوعين وأنا في الصعيد وسط أهلي، بحاول ألـ . ـم شتات نفسي وأرجع أركز في شغلي اللي في القاهرة عن بُعد. وفي يوم، وأنا قاعد على القهوة في البلد مع جوز أختي، لقيت راجل غريب لابس لبس هيبة، وواضح إنه مش من بلدنا، داخل علينا وبيسأل:
* “فين هنا بيت الأستاذ رومانى مكرم الكاتب؟”
قمت وقفت وقلت له: “أنا رومانى يا حاج، خير؟”
الراجل طلع من جيبه جواب رسـ . ـمي مختوم بختم المحكمة في القاهرة، وبص لي بنظرة غامضة وقال:
* “أنا محضر من محكمة الأسرة يا أستاذ رومانى.. ومعايا إعلان قضائي موجه لشخصك من طليقتك وأهلها.”
مسكت الجواب وإيدي بدأت ترتعش من المفاجأة.. ومكنتش متخيل إن اللعب هيتحول للطريقة دي.. يتبع..
الصالون كله سكت، وكأن على رؤوسهم الطير. العيون كلها اتجهت عليا مستنيين ردي وفورة دمي اللي كلو عارف إنها ممكن تقلب القعدة حرائق. حمايا كان واصل لقمة التحدي، وإخوات مراتي باصين لي بنظرات كلها شمـ . ـاتة وكأنهم ماسكني من إيدي اللي بتوجـ . ـعني.
أنا في اللحظة دي، هديت تماماً. البرود اللي نزل عليا كان زي التلج، بس هو البرود اللي بيسبق العاصفة. بصيت للحاج فوزي وللرجالة الكبار اللي قاعدين، وقلت بصوت هادي وراسخ:
* “سـ . ـمعتوا يا رجالة؟ سـ . ـمعتوا شـ . ـروط الحق والأصول بتاعة الحاج؟”
الحاج فوزي هز راسه بأسف وبص لحمايا وقال: “يا حاج، الكلام ده ميرضيش ربنا، الأم ملهاش شـ . ـروط، والبيوت مبتتباعش وتشترى بالشـ . ـكل ده.”
لكن حمايا زعق وقال: “ده اللي عندي! يا إما كده يا إما القوانين والمحاكم بيننا، وبنتي مش هترجع تخدم حد تاني!”
وقتها قمت وقفت، طول بعرض، وبصيت لحمايا في عينه مباشـ . ـرة، وقلت له والكل سامع:
* “أولاً، أمي الست الطيبة دي، لما جت عندي مكنتش جاية تتخدم، دي كانت بتصحى قبلنا وتخدمنا برضا نفس وبأخلاق الصعيد اللي متعرفوهاش. ثانياً، الشقة اللي إنت باصص فيها وبتساومني عليها، دي شقى عمري وغربتي وتفاني في شغلي، وميدخلش فيها قرش حـ . ـرام ولا حد ليه فيها فضل عليا غير ربنا وتعـ . ـب إيديا.. فـ كلمة نص الشقة دي تمسحها من قاموسك خالص.”
إخوات مراتي وقفوا واتعصبوا، واحد منهم قال: “إنت هتعمل علينا راجل؟ بنتنا ليها حق في الشغل والعشـ . ـرة!”
شاورت له بإيدي وقلت له بنبرة خلت جسـ . ـمه يقشعر: “اقعد يا واد واتعلم الأدب وإنت واقف في وسط الرجالة.. أنا لسه مخلصتش كلامي.”
بصيت لحمايا تاني وكملت:
* “أما بخصوص القائمة والمؤخر والـ لوري اللي قلت لك هاتوه.. فأنا عند كلمتي. حاجتكم بالمليم هتوصلكم لحد باب بيتكم، مبرومة ومصونة، وأنا مش من الرجالة اللي بتاكل حق حد ولا بتاكل في مال العيال. ومن اللحظة دي، بنتك طالق بالثلاثة، طالقة لأنها رضيت إن أمي تتكسـ . ـر، ورضيت إنك تساومني على شقايا، والست اللي تبيع العشـ . ـرة عشان خاطر كلمة شحن من أهلها، ملهاش مكان في بيت راجل صعيدي.”
الكلمة نزلت عليهم زي الصاعقة. حمايا وشه جاب ألوان، ومكنش متوقع إن الرد هيبقى بالسرعة دي وبدون أي تردد. هو كان فاكر إن العشـ . ـر سنين والعيال هيكسـ . ـروا ضهري وهخلوني أوافق على شـ . ـروطه وأنا واطي الراس.
الحاج فوزي وقف وحاول يهدّي: “يا أستاذ رومانى، استهدى بالله، الطـ . ـلاق مش بالسهولة دي، والعيال ذنـ . ـبهم إيه؟”
* “العيال عيالي يا حاج فوزي، ولاد رومانى مكرم، لحمي ودمي، ومصروفهم وأكلهم وشـ . ـربهم ومدارسهم هتوصلهم قبل ما يطلبوها، هعيشهم في أعلى مستوى، لكن أمهم اختارت طريقها واختارت تكسـ . ـر خاطري في أمي، واللي يكسـ . ـر خاطر أمي، أكسـ . ـر رقابته، فما بالك لو كانت مراتي؟”
طلعت من جيبي التليفون، وفتحت التسجيل اللي كنت مسجله لحمايا لما كلمني في التليفون وساومني فيه على الشقة، وشغلته قدام كبار الحتة والمنطقة. الصوت كان واضح وهو بيقول: “بنتي مش هترجع إلا بضمانات، والشقة بنتي ليها النص فيها بحكم العشـ . ـرة.. وشوف هتعمل إيه في المؤخر والقائمة.”
الرجالة في القعدة بصوا لبعض، والحاج فوزي بصل لحمايا بنظرة لوم شديدة وقال له: “بقى دي قعدة الحق اللي جايبنا عشانها يا حاج؟ إنت جاي تتاجر ببيتك وبنتك؟ الأستاذ رومانى معاه حق، والراجل الصعيدى ميتلوش دراعه.”
أنا لميت حاجتي، وبصيت لحمايا وقلت له: “يومين بالظبط، والمأذون هيكون عندك، والـ لوري هيجيب لكم كل حاجتكم لحد عندك. سلام عليكم يا رجالة.”
خرجت من المحل وأنا حاسس بوزن جبل انزاح من على صدري. البيت مكنش مجرد حيطان، البيت كان أصل وعشـ . ـرة وأمان، والناس دول هدوا كل الأمان ده في لحظة طمـ . ـع وكبرياء أعمى.
رجعت شقتي الفاضية، ولميت كل حاجة تخصها وتخص أهلها في كراتين، مسبتش قشة واحدة ليهم. وتاني يوم كلمت المحامي بتاعي وجهزت كل الأوراق الرسـ . ـمية عشان الحقوق والنفقة وكل الملتزمـ . ـات الشـ . ـرعية للعيال، عشان أقطع أي لسان ممكن يتكلم عليا بنصف كلمة.
بعدها بيومين، كنت واقف في الشارع وتحت البيت، والـ لوري الكبير واقف، والعمال بينزلوا العفش والحاجة بكل احترام ونظام، والمنطقة كلها كانت واقفة بتتفرج على نهاية عشـ . ـر سنين من العشـ . ـرة بسبب كلمة غش وطمـ . ـع.
وأنا واقف بتابع العمال، لقيت تليفوني بيرن.. بصيت على الشاشة، وكانت المفاجأة. المرة دي مكنش حمايا، ولا كان رقم غريب.. دي كانت مراتي!
فتحت الخط وأنا ساكت ومستني أسـ . ـمع هتقول إيه بعد ما الدنيا لفت بيها وعرفت إن جوزها مبيتهددش.. وجالي صوتها وهي بتعيـ . ـط وبتصـ . ـرخ وبتتكلم بنبرة تانية خالص غير البرود اللي كانت بتتكلم بيه قدام أبوها.. يتبع..
فتحت الخط وأنا ساكت، مفيش على لساني غير نفس البرود والنشفان اللي اتعلمته من جبال الصعيد وقت الشدائد. صوت شهقاتها وعياطها كان عالي، ونبرة البرود والكبرياء اللي كانت بتتكلم بيها قدام أبوها اختفت تماماً، وحل مكانها صوت واحدة مكسورة ومخضوضة من القطر السريع اللي فرم كل خططهم في لحظة.
قالت وهي بتصـ . ـرخ وسط دمـ . ـوعها:
* “الحقني يا رومانى.. إنت بجد بتعمل إيه؟ العمال وأخويا بيكلموني وبيقولوا إنك بتنزل العفش كله في لوري؟ إنت طلقتني بجد قدام الحتة؟ إنت بتهد بيتنا وعشـ . ـرة سنين عشان خاطر زعلة؟”
رديت عليها بصوت هادي، بس هدوء يرعـ . ـب:
* “أنا مبهدش يا بنت الأصول.. أنتوا اللي هديتوا كل حاجة يوم ما حطيتوا أمي في كفة، وبيتي وشقايا في كفة ثانية. أبوكي اشترط وساوم، وإنتي وقفتي جـ . ـنبه وشـ . ـرطتي إن أمي عتبة بيتي متدوسهاش واصل.. وأنا راجل صعيدي، وأمي عندي بالدنيا واللي فيها. اللي يشـ . ـرط على أمي، ملوش عيش في بيتي.”
قالت بصوت متقطـ . ـع ومنهار:
* “والله العظيم مكانش قصدي! أنا الشيـ . ـطان عمى عيني، وأبويا وإخواتي هما اللي شحنوني وقالوا لي اتقلي عليه واشـ . ـرطي عشان يعمل لك حساب وميجبش أهله يقعدوا عندك تاني.. قالوا لي إنك هتيجي تبوس إيدي عشان العيال والشقة.. مكنتش أعرف إنك هتبِيع في لحظة وتخرب البيت!”
ضحكت بمرارة وقلت لها:
* “أنا مبعتش.. إنتي اللي اشتريتي كلام أهلك وبعتي جوزك وعشـ . ـرة سنين. وأهو أهلك اللي شحنوكي، خليهم ينفعوكي دلوقتي والعفش نازل على باب بيتهـ . ـم. الشقة اللي كنتوا طمـ . ـعانين في نصها، قفلتها، والـ لوري مسافة السكة وهيصل عندكم.. حاجتكم بالمليم هتوصلك، والعيال ولادي، لحمي ودمي، مصاريفهم هتوصلهم لحد عندهم، لكن إنتي.. خلاص، صفحتك اتقفلت من كتابي.”
* “عشان خاطر العيال يا رومانى!”.. صـ . ـرخت بأعلى صوتها: “العيال بيمـ . ـوتوا من العياط وعايزين أبوهم، بلاش تخرب بيتنا وتضيع عيالنا عشان عناد.. أنا مستعدة أروح الصعيد وأبوس على يد والدتك وأعتذر لها قدام البلد كلها، بس بلاش تطلقني وبلاش تشمت الناس فينا!”
الكلام لمـ . ـس قلبي من جوة.. العيال هما الحتة الطرية اللي في صدري، وصوت عياطهم اللي تخيلته في بالي وجـ . ـعني.. لكن افتكرت صورة أمي وهي قاعدة مكسورة في أوضتها بالصعيد وقاطعة الأكل، وافتكرت طمـ . ـع حمايا في شقايا وعمري، وعرفت إن الرجوع دلوقتي معناه إني بكسـ . ـر نفسي وبكسـ . ـر أصولي.
قلت لها بنبرة حاسـ . ـمة:
* “العيال هيفضلوا راسهم مرفوعة لأن أبوهم راجل صان أمه وصان عرضه ومقبلش الـمَلَامة. ولو على أمي.. فـ كسـ . ـر الخاطر الأولاني مبيصلحوش مرواح الصعيد بعد ما الفأس وقـ . ـعت في الرأس. المأذون هيخلص الأوراق، ويومين والشهادة هتوصلك.. سلام يا أم العيال.”
قفلت السكة وأنا حاسس بغصة في حلقي. قفل التليفون كان أصعب من قفل باب الشقة، بس كان لازم أكون راجل وقراري واحد. تليفوني م بطلش رن بعدها.. حمايا حاول يكلمني، وإخواتها، وحتى الحاج فوزي حاول يتوسط تاني بعد ما عرف إن الست هديت وعايزة تصالح، بس أنا كنت أخدت طريقي ومبقتش شايف ورايا.
أول ما الـ لوري تحرك والعفش كله مشي، الشقة بقت عبارة عن أربع حيطان فاضية، صدى الصوت فيها بيوجـ . ـع. ملقيتش نفسي غير وأنا بلم هدومي في شنطة صغيرة، وبقفل باب الشقة بالمفتاح.. وركبت القطر وتاني يوم الصبح كنت في الصعيد.
دخلت البيت، وحسيت إن الهوا هناك مختلف. دخلت على أمي الأوضة، لقيت وشها بدأ يرد فيه الدم لما شافتنا داخل عليها. قعدت تحت رجليها وقلت لها:
* “حقك جالك لحد عندك يا أمي.. والبيت اللي يتشـ . ـرط عليكي صاحبه، ملوش مكان في حياتنا. ولدك صعيدي وراسه في السـ . ـما، ومحدش يكسـ . ـر لنا كلمة.”
أمي بكت، بس المرة دي كانت دمـ . ـوع خـ . ـوف عليا وعلى عيالي، وطبطبت على كتفي وقالت: “يا بني، البيوت مش بالساهل، والعيال بكرا يكبروا ويقولوا أبويا همل أمنا.”
قلت لها: “العيال هيكبروا ويعرفوا إن أبوهم صان بر أمه، واللي يصون أمه يصون الدنيا كلها.”
عدى أسبوعين وأنا في الصعيد وسط أهلي، بحاول ألـ . ـم شتات نفسي وأرجع أركز في شغلي اللي في القاهرة عن بُعد. وفي يوم، وأنا قاعد على القهوة في البلد مع جوز أختي، لقيت راجل غريب لابس لبس هيبة، وواضح إنه مش من بلدنا، داخل علينا وبيسأل:
* “فين هنا بيت الأستاذ رومانى مكرم الكاتب؟”
قمت وقفت وقلت له: “أنا رومانى يا حاج، خير؟”
الراجل طلع من جيبه جواب رسـ . ـمي مختوم بختم المحكمة في القاهرة، وبص لي بنظرة غامضة وقال:
* “أنا محضر من محكمة الأسرة يا أستاذ رومانى.. ومعايا إعلان قضائي موجه لشخصك من طليقتك وأهلها.”
مسكت الجواب وإيدي بدأت ترتعش من المفاجأة.. ومكنتش متخيل إن اللعب هيتحول للطريقة دي.. يتبع..
فتحت الجواب وعيني بتتحرك بين السطور بسرعة، والنـ . ـار بدأت تقيد في صدري من جديد. الجواب مكنش مجرد دعوى نفقة ولا مصاريف عيال زي ما كنت متوقع ومستعد.. الموضوع كان أكبر بكتير وصدمة جديدة مكنتش على البال.
حمايا وأهل مراتي، بعد ما عرفوا إن العفش رجع وإن الطـ . ـلاق مبقاش فيه رجعة، قرروا يلعبوا اللعبة الدنيئة للآخر. الجواب كان إعلان بدعوى “تمكين من شقة الزوجية” باعتبارها حاضنة للعيال، ومش بس كده.. ده كانوا رافعين قضية “تبديد منقولات زوجية” بيتهـ . ـموني فيها إني منزلتش العفش كامل، وإن فيه حاجات دهب ومبالغ مالية كانت في القائمة أنا استوليت عليها!
بصيت للمحضر وقلت له بصوت مكتوم من كتر الغيظ:
* “تمام يا فندم، علم وينفذ.. كتر خيرك.”
الراجل مشي، وأنا واقف في مكاني مش شايف قدامي. جوز أختي وقف جـ . ـنبى وبص في الجواب وقال بزهول:
* “إيه ده يا رومانى؟ الناس دول معندهمش ريحة الدين ولا الأصول؟ بقى بعد ما وديت لهم حاجتهـ . ـم باللوري لحد باب بيتهـ . ـم، يرفعوا قضية تبديد؟ والشقة اللي شقيت فيها برا وجوا عايزين ياخدوها بوضع اليد؟”
ضحكت بمرارة وقلت له:
* “الطمـ . ـع يعمي القلوب يا بو نسب. هما فكروا إنهم لما يلووا دراعي بالقانون والمحاكم، أنا هخـ . ـاف وأروح أتحايل عليهم وأوافق على شـ . ـروطهم القديمة وأكتب نص الشقة باسـ . ـمها.. بس هما لسه ميعرفوش رومانى مكرم كويس.”
دخلت البيت مأبّي، وحاولت مبيّنش أي حاجة قدام أمي عشان صحتها اللي يادوب بدأت ترد، لكن أمي بقلبها حست بيا. نادتني وقالت:
* “مالك يا ولد بطني؟ عينك فيها كلام واعـ . ـروعرق الصعيد شادد في جبينك.. في إيه تاني يا بني؟”
قعدت جـ . ـنبها وبوست إيدها وقلت لها بيقين:
* “مفيش أي حاجة واصل يا أمي، شوية ورق بخلصهم تبع الشغل في مصر، وراجع بكرا الصبح عشان ورايا كام مشوار لازم يخلصوا. إنتي بس ادعي لي.”
صليت الفجر وركبت أول قطر رايح على القاهرة. طول الطريق وأنا برتب أوراقي وعقلي شغال كأنه مكنة. أول ما وصلت، مروحتش الشقة، طلعت عل طول على مكتب “الأستاذ مدحت”، المحامي بتاعي وصاحب عمري اللي بيقعد معايا في الحتة.
دخلت عليه ورميت الجوابات على مكتبه:
* “شوف يا مدحت الفجر والافترا وصل بيهم لفين.”
مدحت قرا الورق وعينه وسعت:
* “يا نهار أبيض! تبديد وعايزين تمكين؟ دول ناوين على شـ . ـر يا رومانى.. بس هما غفلوا عن حاجة مهمة جداً.”
بصيت له وقلت له:
* “حاجة إيه؟”
مدحت ابتسـ . ـم وقال:
“يوم ما نزلنا العفش باللوري، أنا قلت لك لازم نعمل محضر إثبات حالة في القسـ . ـم، ونخلي شيخ الحارة والشهود يوقعوا على كشف المنقولات كاملة وهي بتتحمل.. وإنت ساعتها صورت فيديو لكل حتة خشب وكل كرتونة وهي بتنزل قدام بيت حماك، وصورت أخوها وهو بيستلم وبيمضي للريس بتاع اللوري.. فاكر؟”
هنا الضحـ . ـكة ردت في وشي وقلت:
* “فاكر يا مدحت.. ده أنا مصور كل مسـ . ـمار بالصوت والصورة، والمنطقة كلها كانت واقفة شاهدة.”
مدحت ضـ . ـرب على المكتب وقال:
* “حلو قوي! الفيديو ده مع محضر إثبات الحالة وبون الاستلام اللي مضى عليه أخوها، يوديهم في داهية بتهـ . ـمـ . ـة البلاغ الكـ . ـاذب والافتراء.. إحنا هنقلب التربيزة عليهم في المحكمة. أما بخصوص الشقة والتمكين، فدي محتاجة نفس طويل شوية، لأن القانون بيحمي الحاضنة، بس إحنا عندنا ثغرة إن الشقة إيجار قانون جديد وليها مدة وهتنتهي، أو إننا نثبت إن عندك سكن بديل للعيال.”
قلت له بعزم:
* “أنا معنديش مشـ . ـكلة أدفع دم قلبي سكن بديل لعيالي، لكن الشقة دي بالذات، اللي اتقال لي فيها إن أمي متعتبهاش، مش هيدخلوها تاني لو على رقبتي!”
خرجت من عند المحامي وأنا حاسس إن ربنا معايا ومبيسبش صاحب الحق. نزلت الحتة، وأول ما رجلي داست الشارع، لقيت العيون كلها بتبص لي بنظرات مختلفة، ناس زعلانة عشان بيتي اللي اتخرب، وناس مستغربة من قسـ.ـوة قلب أهل مراتي.
وأنا ماشي، شفت الحاج فوزي قاعد قدام محله. أول ما شافني، شاور لي وجريت عليه:
* “عاش من شافك يا أستاذ رومانى.. حمد الله على السلامة يا بني.”
قعدت معاه وقلت له:
* “الله يسلمك يا حاج فوزي.. شوفت قعدة الحق اللي كنت جايبني ليها؟ شوفت أولاد الأصول عملوا إيه بعد ما مشيت؟”
الحاج فوزي هز راسه بخزي وقال:
* “والله يا بني أنا مكسوف منك، الحتة كلها بتتكلم على اللي عملوه. حماك نزل امبارح ومعاه ناس غريبة وكانوا بيعاينوا باب الشقة من برة وبيقولوا إنهم هيجيبوا قوة من المحكمة ويفتحوها ويقعدوا فيها.. الناس هنا كلها مستاءة من أسلوبهم.”
قلت له بنبرة حديد:
* “سيبهم يا حاج فوزي، خليهم يفرحوا بالورق اللي في إيديهم شوية.. القوانين فيها ألاعـ . ـيب كتير، بس الأصول ثابتة، وأنا مجهز لهم مفاجأة هتخليهم يلفوا حوالين نفسهم.”
وأنا قاعد مع الحاج فوزي، لقيت إخوات مراتي الاتنين داخلين الشارع، ومعاهم راجل غريب لابس بدلة، وماسـ . ـكين في إيديهم ورق وكأنهم بيستعرضوا قوتهـ . ـم قدام أهل المنطقة. أول ما شافوني قاعد، وقفوا على بعد خطوات، وواحد منهم بص لي بنظرة شمـ . ـاتة ورفع الورقة في الوش وقال بصوت عالي عشان الكل يسـ . ـمع:
* “أهو الباشا مشـ . ـرف في الحتة أهو! جهز نفسك بقى يا صعيدي، عشان الشقة دي هنفتحها بالقانون، وهتيجي تقف تتفرج علينا وإحنا بندخل أختنا وعيالها ورجلينا فوق رقبتك!”
الدم غلي في عروقي، وقمت وقفت والكل اتلم مستني المعركة اللي هتتحسـ . ـم دلوقتي.. يتبع..
الشارع كله اتكهرب في ثانية، والرجالة والجيران وقفوا على رجل، الكل مستني الشـ . ـرارة اللي هتقيد الحتة نـ . ـار. كلام الواد نزل على ودني زي السهم، وعرق الصعيد اللي في جبهتي نفر وبقى يغلي، بس في نفس اللحظة افتكرت كلام المحامي مدحت: “النفس الطويل، والثبات هو اللي بيجيب الحق.”
مسكت إيد الحاج فوزي اللي كان بيحاول يحوشني ويقولي: “استهدي بالله يا رومانى يا بني، دول عيال طايشة وعايزين يروك.”
أخدت نفس عميق، وخطيت خطوات واسعة وثابتة لحد ما بقيت واقف قدام إخوات مراتي بالظبط. الراجل اللي بالبدلة اللي معاهم رجع خطوة لورا لما شاف طولي وعيني اللي مفيهاش خـ . ـوف. بصيت للواد اللي اتكلم وقلت له بنبرة صوت واطية بس حـ . ـادة زي الموس:
* “الشقة دي شقايا، والشارع ده أنا عشت فيه عشـ . ـر سنين مرفوع الراس وعمري ما صغرت بحد. والقانون اللي بتتباها بيه في إيدك ده.. أنا بحترمه لأنه بيجيب حق المظلوم، بس حبل الكـ . ـذب قصير يا واد حمايا.”
أخوه الثاني اتدخل وقال بعنجرية: “كـ . ـذب إيه؟ إحنا رافعين قضية تبديد باللي سـ . ـرقته من دهب وحاجة أختنا، والتمكين مسافة أيام وهيطلع ونفتح الباب ده ورجلينا فوق رقبتك زي ما قالك.”
ضحكت بصوت عالي سَمع الشارع كله، وقلت لهم:
* “الدهب والحاجة؟ طيب يا رجالة الحتة، ويا حاج فوزي، إنتوا كبار ومسؤولين قدام ربنا عن شهادتكم.. الناس دول أنا رجعت لهم حاجتهـ . ـم في لوري لحد باب بيتهـ . ـم، وأخوهم الكبير مضى على ورق الاستلام، وكل مسـ . ـمار متصور فيديو بالصوت والصورة وهو بينزل. القضية اللي انتوا فرحانين بيها دي اسـ . ـمها في القانون ‘بلاغ كـ . ـاذب وافتراء’، والمحامي بتاعي جهز لكم المفاجأة اللي هتقلب السحـ .ـر على الساحـ . ـر، وهتخلي أبوكم الشيخ الكبير يقف قدام القاضي بتهـ . ـمـ . ـة التزوير.”
وشوشهم اتمسحت ضحكتها في ثانية، والراجل اللي بالبدلة اللي معاهم بصلهم وقال بوشوشة: “إنتوا مقلتوليش إن فيه فيديو ومحضر استلام!”
سبتهـ . ـم واقفين في نص الشارع زي التماثيل، ولفيت ضهري ورجعت قعدت مع الحاج فوزي، وقلت له:
* “شفت يا حاج فوزي؟ الغل والطمـ . ـع يعمي القلوب. هما فاكرين إن الصعيدي بيتهدد، وميعرفوش إن الصعيدي يمـ . ـوتولا يمس عرضه وأمه وسامته في وسط الناس.”
الحاج فوزي طبطب على كتفي وقال: “جدع يا بني، الراجل يبان وقت الشدة، وإنت وقفتك وقفة رجالة، والمنطقة كلها عارفة مين اللي صان ومين اللي خان.”
طلعت شقتي الفاضية، قعدت على الأرض في الصالة، وبقيت باصص للسقف.. الحيطان اللي كانت شايلة ضحك عيالي وصوت أمي وهي بتدعي لي، بقت باردة وفاضية. طلعت التليفون وكلمت مدحت المحامي، حكيت له على اللي حصل في الشارع.
مدحت قال لي بثقة:
* “ولا يهمك يا رومانى، بكرا أول جلسة في قضية التبديد، وأنا مجهز حوافظ المـ . ـستندات وفيها الفلاشة اللي عليها الفيديو، وبون الاستلام اللي عليه إمضاء أخوهم ومحضر القسـ . ـم. بكرا اللعبة هتنتهي رسـ . ـمياً في الجزء ده، والقاضي هيشوف الفجر اللي هما فيه. أما بالنسبة للتمكين، فـ أنا قدمت مستندات تثبت إنك موفر سكن بديل ومستعد تدفع قيمته الإيجارية عشان العيال، وده هيمنعهم من دخول الشقة دي بالذات.”
قفلت مع مدحت وأنا حاسس براحة، ونمت ليلتها في الشقة الفاضية على هدومي، والصبح بدري كنت واقف قدام باب المحكمة.
ساحة المحكمة كانت زحمة، ووسط الزحمة شفت حمايا وإخوات مراتي، ومعاهم مراتي.. كانت لابسة أسود في أسود، ووشها دبلان وتحت عينيها أسود، أول ما عيني جت في عينها، دارت وشها بسرعة وبقت تبص في الأرض.
أبوها كان واقف شادد ضهره وبيتكلم مع المحامي بتاعهم بثقة، لحد ما المنادي نادى على اسـ . ـمي واسـ . ـمها:
* “القضية رقم…. رومانى مكرم ضد…..”
دخلنا أوضة المداولة، ووقفنا قدام منصة القضاء. القاضي بص في الأوراق، وبص لحمايا وللمحامي بتاعهم وقال:
* “الدفاع عن المدعية بيقول إن الزوج بدد منقولات الزوجية واستولى على مبالغ مالية ودهب.. إيه ردك يا أستاذ رومانى؟”
مدحت المحامي بتاعي خطى خطوة للأمام بكل هيبة، وطلع المحفظة من شنطته وقال بصوت جهوري:
* “سيادة القاضي، معايا هنا حافظة مستندات تقلب الدعوى دي رأساً على عقب. معايا محضر إثبات حالة من قسـ . ـم الشـ . ـرطة بتاريخ تنزيل العفش، ومعايا بون استلام رسـ . ـمي ممضي من شقيق المدعية بالاستلام الكامل لكل محتويات القائمة بدون نقص مسـ . ـمار واحد، والأهم من ده.. معايا فلاشة عليها تصوير فيديو كامل وصوت وصورة لكل قطعة أثاث وكرتونة وهي بتنزل قدام بيت حما موكلي وبتتسلم لهم في يد طليقته وأهلها.”
القاضي بص للمـ . ـستندات بعناية، وطلب تشغيل الفيديو على الكمبيوتر الخاص بالمنصة. الغرفة كلها سكتت، وصوت الفيديو اشتغل وهو بيعرض العمال وهم بينزلوا العفش حتة حتة، وصوت أخوها وهو بيقول: “تمام يا ريس، حاجتنا كاملة.”
وجه القاضي نظرة صارمة وشديدة لحمايا ولمحاميهم، ونبرة صوته اتغيرت تماماً وبقت ترعـ . ـب:
* “بقى انتوا جايين تتبلوا على الراجل وتزوروا في محاضر رسـ . ـمية؟ الحاجة واصلة لكم كاملة وجايين ترفعوا قضية تبديد؟”
حمايا وشه بقى أبيض كأنه لابس كفـ . ـن، وبدأ يتلعثم في الكلام: “يا سيادة القاضي.. إحنا.. أصل البنت.. والعيال..”
في اللحظة دي، مراتي مأدرتش تستحمل، صـ . ـرخت وسط القاعة وبكت بانهيار وبصت لأبوها وقالت: “مش قلت لكم بلاش؟ مش قلت لكم رومانى مبيسبش حقه؟ خربتوا بيتي وضيعتوا عيالي وضيعتوني معاكم!”
القاضي ضـ . ـرب بالشاكوش وقال بصوت هز القاعة:
* “حكمت المحكمة حضوريًا ببراءة المتهـ . ـم رومانى مكرم من التهـ . ـمـ . ـة المنسوبة إليه، وتحويل أوراق الدعوى للنيابة العامة للتحقيق مع المدعين بتهـ . ـمـ . ـة البلاغ الكـ . ـاذب والتزوير والافتراء!”
خرجـ . ـنا من القاعة، وأنا راسي في السـ . ـما، ومدحت بيطبطب على كتفي وبيضحك. حمايا وإخواتها كانوا واقفين برة مصدومين والمحامي بتاعهم عمال يزعق فيهم ويقولهم: “وديتونا في داهية!”
وأنا ماشي وخارج من باب المحكمة، لقيت إيد بتشدني من جاكت البدلة.. لفيت، لقيتها مراتي، دمـ . ـوعها مغرقة وشها، والكسـ . ـرة اللي كانت في عين أمي من أسبوعين، شفتها أضعاف في عينها دلوقتي. وقفت قدامي وقالت بصوت مكسور ومبحوح:
* “عشان خاطر العشـ . ـرة يا رومانى.. عشان خاطر ولادك، أنا مستعدة أعمل أي حاجة، بلاش تحبس أبويا وإخواتي، وبلاش تضيعني.. أنا ماليش ذنـ . ـب، هما اللي مشوني وراهم.”
بصيت لها ونظرتي كانت خالية من أي مشاعر، وقلت لها الكلمة اللي هتحدد مصير كل اللي جاي.. يتبع في الجزء الأخير..
وقفت قدامها، والشارع والمحكمة والدنيا كلها حوالينا اختفت، ومبقاش في عيني غير صورتها وهي واقفة مكسورة؛ نفس الكسـ . ـرة اللي حطتها هي وأهلها في قلب أمي الست الكبيرة الطيبة من أسبوعين، بس الدنيا دارت بسرعة والكسـ . ـر رجع لصحابه، والباغي تدور عليه الدوائر.
بصيت في عينيها اللي مليانة ندم ودمـ . ـوع، وقلت لها بصوت راسخ زي جبال الصعيد، هادي بس بيقطع زي السيف:
* “العشـ . ـرة؟ إنتي عرفتي معنى العشـ . ـرة عشان تتكلمي عنها؟ العشـ . ـرة دي هي اللي كانت بتخلي أمي تصحى من النجمة عشان تخبز لك وتخدمك وتريحك، وإنتي رديتيها بـ ‘ما تدخلش بيتنا تاني’. وعشان خاطر ولادي، ولادي راسهم مرفوعة لأن أبوهم مركبش العار ولا وافق على إهانـ . ـة أمه. أما بخصوص أبوكي وإخواتك.. فاللي يمد إيده بالشـ . ـر ويتبلى على الناس بالباطل، لازم يتحمل نتيجة فجر خصومته. أنا مش هتنازل عن المحضر، والقانون هياخد مجراه.”
سيبت إيدها بتترعش في الهوا، ومشيت خطوتين لورا، وبصيت لحمايا وإخواتها اللي كانوا واقفين على بعد خطوات والخـ . ـوف واكل قلوبهم بعد ما عرفوا إن رجليهم عتبت باب الحبس بتهـ . ـمـ . ـة التزوير والبلاغ الكـ . ـاذب. قلت لهم والكل سامع:
* “شقا عمري وعرق جبيني خط أحمر، وأمي خط أحمر أطول من رقابكم.. إنتوا افتكرتوا إنكم لما تلووا دراعي بالعيال والقانون هطاطي؛ مكنتوش تعرفوا إن الصعيدي يقطع دراعه ولا يتلويش، والبيت اللي يتبني على طمـ . ـع، يتهد على دماغ أصحابه.”
سبتهـ . ـم وخرجت من باب المحكمة، الهوا برة كان نضيف وحاسس بنصرة ربنا ليا في كل خطوة. ركبت أول قطر وراجعت نفسي على الصعيد.
وصلت البيت على المغارب، الشمس كانت بتغيب وبتسيب وراها سـ . ـما صافية. دخلت المندرة، لقيت أمي قاعدة على مصلايتها بتدعي، وأختي وجوزها حواليها. أول ما شافتني، وشها نور، وقامت وقفت على رجليها وصحتها ردت فيها لما شافت ضحكتي وراسي المرفوعة.
قربت منها، نزلت على ركبي وحطيت راسي في حجرها، وخدت إيدها الاتنين بوستهـ . ـم وقلت لها:
* “بركتك ودعوتك يا أمي هما اللي نصروني. ولدك رجع وراسه في السـ . ـما، وبراءة من كل تهـ . ـمـ . ـة، والحق ظهر والكل عرف مقامه.”
أمي دمعت وطبطبت على راسي وقالت:
* “الحمد لله يا بني إن ربنا نصرك وظلـ . ـمكش، بس يا رومانى يا بني.. العيال.. قلبي واكلني عليهم.”
* “العيال في حفظ الله وصيانتهـ . ـم يا أمي”.. قلت لها بيقين: “أنا مأجرت لهم شقة تانية في مكان نضيف، ومصاريفهم وحقهم هيوصلهم بالمليم، وهيطلعوا رجالة وبنات أصول، وهعلمهم إن الجدة والأم هما البركة اللي من غيرهم البيت يتهد وميبقاش ليه عمار.”
مرت الأيام، والمحكمة حكمت بحبس حمايا وإخوات مراتي مع إيقاف التنفيذ بعد ما المحامي بتاعي وافق على الصلح في آخر لحظة مش خـ . ـوفاً منهم، ولا شـ . ـراءً لخاطرهم، لكن عشان ولادي ميبقاش في عينهم كسـ . ـرة إن جدهم وإخوالهم محبـ . ـوسين بسبب أبوهم. طليقتي فضلت في بيت أهلها مكسورة، تندم على اليوم اللي سـ . ـمعت فيه كلام الشحن والغل، وتعرف إن البيت اللي كان صاينها بالحب والعشـ . ـرة، مبيتعوضش بمال ولا بقائمة.
وأنا قفلت الشقة القديمة، الشقة اللي شهدت أحلى أيام عمري وأصعبها، وأخدت أمي وعيشتها معايا، وبقى بيتي منور بحسها وبركتها ودعوتها اللي بتفتح لي كل الأبواب المقفولة.
### 💡 الحكمة من وراء الحكاية:
إن البيوت لا تُبنى على القوانين والمحاكم والقوائم، بل تُبنى على **الأصل، والعشـ . ـرة، والبركة**.
* **الأم خط أحمر:** الست اللي شقيت وربت وصنعت منك راجل، هي باب الجـ . ـنة وبركة العمر، والبيت اللي يشترط صاحبه على طـ . ـرد الأم أو كسـ . ـر خاطرها، هو بيت منزوع البركة ولا يستحق العمار.
* **الأصل مبيتشتريش بفلوس:** بنت الأصول هي اللي تصون سر جوزها وتحترم أهله وتكون سند ليه في الشدة، مش اللي تفتح ودانها لكلام الشحن والغل والتحدي اللي يخرب البيوت العامرة.
* **اتقِ شـ . ـر الحليم إذا غضـ . ـب:** الراجل الصاين لبيته وعياله مش معنى كده إنه ضعيـ . ـف؛ الراجل الحقيقي بيتحمل ويصبر عشان العشـ . ـرة، لكن وقت ما الكرامة والأصل يتمسوا، بيتحول لجبل ميهزهوش ريح، ويبيع الغالي بالرخيص لو كان الثمن كسـ . ـر نفسه وأهله.
تمت
رومانى_مكرم


تعليقات
إرسال تعليق