جردل ميه بتلج
جردل ميه بتلج
أنا عمري ما قلت لطليقي ولا لعيلته الواصلة والمتحكمة إني في الحقيقة المالك الخفي للشركة اللي قيمتها بمليارات الدولارات، واللي هما كلهم شغالين فيها. بالنسبة لهم، أنا مكنتش أكتر من “المسكينة الحامل” اللي اتجبروا يستحملوها.
في ليلة من الليالي وإحنا قاعدين على عشا عائلي، حماتي السابقة، ميرفت، فجأة دلقت جردل مياه بتلج متبهدلة تراب فوق راسي وضحكت بخباثة.
سخرت مني وقالت: “بصي للجانب الإيجابي.. على الأقل استحميتي أخيرًا!”
بهاء ضحك معاها، وخطيبته الجديدة جاسمين دارت بقها وهي بتضحك بشماتة.
قعدت في مكاني كلي مياه، والمياه نازلة من شعري ومغرقة هدومي. كانوا مستنيين مني أعيط أو أعتذر أو أمشي وأنا كاسفة راسي من الذل.
بدل كل ده، في حاجة جوايا اتدلت وبقت هادية تماماً.
هادية ببرود.
مديت إيدي في شنطتي، طلعت تليفوني، وكتبت رسالة قصيرة:
“بدء البروتوكول 7.”
في خلال عشر دقائق، نفس الناس اللي بيضحكوا عليا دول هيتوسلوا عشان أرحمهم.
“أوبس!”.. قالتها ميرفت بابتسامة متكبرة، ومأنتختش حتى إنها تتظاهر بالاعتذار بعد ما رمت جردل المياه بتلج نصف الدايب فوقي. السقعة المفاجئة خلت ابني اللي لسه متولّدش يرفس بطني جامد.
وأضافت بقسوة: “حاولي تركزي في الإيجابيات، على الأقل بقيتي نضيفة دلوقتي.”
بهاء ضحك تاني، وجاسمين ضحكت من ورا ضوافرها المتظبطة على الفرازة.
وقالت جاسمين بخفة دم مصطنعة: “أهم حاجة خلوها تستخدم فوطة قديمة، مش عاوزين ريحتها تلمس الملايات والغيار الغالي بتاعنا.”
قعدت مكاني والمياه بتنقط مني على الأرض، وكنت بترعش على الكرسي المعدن. واضح جداً إنهم كانوا مستنيين الدموع — إني أرجوهم أو أهج من البيت.
بس الوجع اختفى بالتدريج، وحل مكانه تركيز بارد وثابت زي الحديد.
طلعت تليفوني في الوقت اللي كانت قطرات المياه بتنزل فيه على السجادة العجمي — نفس السجادة اللي أنا وافقت عليها بنفسي لما كنت براجع ميزانية تجديدات الشركة من تلات سنين.
ضحكت جاسمين تاني وقالت: “بتكلمي مين؟ الخط الساخن للجمعيات الخيرية؟ إحنا يوم الأحد يا حبيبتي، كلو إجازة.”
ميرفت قالت وهي بتصب كاس تاني: “بهاء.. اديها متين جنيه تاخد تاكسي وتمشي بدل القعدة دي.”
تجاهلتهم تماماً ودست على اسم “عادل” — النائب القانوني التنفيذي للشركة.
رد عليا في ثانية.
“مدام كارما؟” عادل قالها وصوته كله انتباه: “خير؟ في حاجة حصلت؟”
قلت بهدوء، وصوتي قطع الضحك والمسخرة ا
عادل قال بخضة: “مدام كارما؟ صوتك ماله؟ إنتي كويسة؟”
قلت بنبرة خالية من أي مشاعر، وعيني مثبتة على ميرفت: “عادل.. فعل ‘البروتوكول 7’. حالاً.”
الخط سكت لثواني. كان عارف إن الكلمة دي معناها ‘الأرض المحروقة’. ده البند اللي حطيناه للطوارئ القصوى، لو حد هدد حياتي أو كرامتي بشكل مباشر.
عادل رد وصوته جدي جداً: “علم وينفذ يا فندم. قدامي دقيقة واحدة والعملية تبدأ.”
قفلت السكة وحطيت التليفون على الترابيزة بالراحة. المياه كانت لسه بتنقط مني، بس الرعشة وقفت. الهدوء اللي جوايا كان مرعب، زي الهدوء اللي بيسبق الإعصار.
بهاء بصلي بسخرية وقال: “البروتوكول 7؟ إيه ده؟ اسم فيلم هندي جديد؟ إنتي عبيطة يا بنتي؟”
جاسمين ضحكت بصوت عالي: “تلاقيها بتكلم الدليفري، أصلها شكلها جاعت من كتر النظافة.”
ميرفت هزت راسها بشفقة مصطنعة: “مسكينة.. الصدمة لحست دماغها. يالا يا بهاء، ارميلها الـ 200 جنيه خليها تغور من وشنا.”
فتحت شنطتي تاني، وطلعت علبة قطيفة حمراء صغيرة، وحطيتها قدام جاسمين.
قلت بهدوء: “دي هدية بسيطة ليكي بمناسبة الخطوبة.”
جاسمين فتحت العلبة بلهفة، وعينيها برقت لما شفت خاتم ألماظ ضخم، يجنن، أنضف وأغلى من أي حاجة شفتها في حياتها.
شهقت بذهول: “ده… ده حقيقي؟ بهاء، بص الخاتم ده!”
بهاء بص للخاتم بصدمة، وميرفت وقفت ومسكت العلبة بذهول: “ده ألماظ حر! كارما.. إنتي جبتي الفلوس دي منين؟ سرقتيها؟”
في اللحظة دي، تليفون بهاء رن. بص على الشاشة، ووشه جاب ألوان.
رد بصوت مرعوش: “أيوة يا فندم… خير؟… نعم؟ تجميد إيه؟… الإدارة المالية بتقول إن حساباتي كلها اتجمدت بقرار سيادي من الشركة الأم؟… بس أنا مدير فرع!…”
الخط قطع. بهاء بص لأمه برعب: “ماما… الحسابات البنكية، والكريدت كارد، وعربيتي القسط… كله اتجمد!”
قبل ما ميرفت تنطق، تليفونها هي كمان رن. ردت، وسمعت صوت عادل، النائب القانوني للشركة.
عادل قال بصوت حازم مسموع للكل: “يا مدام ميرفت، بصفتي الممثل القانوني للمالك الخفي لشركة ‘جروب هولدينغ’، ببلغك إنه تم إنهاء خدماتك فوراً من منصبك كمديرة علاقات عامة، مع سحب كافة الامتيازات، وبدء تحقيق عاجل في تهم اختلاس وتبديد أموال الشركة لإقامة مناسبات عائلية خاصة… منها عشا النهاردة.”
ميرفت التليفون وقع من إيدها، ووشها بقى أبيض زي الورقة. بصتلي بذهول وعدم تصديق: “كارما… إنتي…”
قمت وقفت من غير ما أرتب هدومي المبلولة. بصيت لجاسمين، اللي كانت ماسكة الخاتم برعب.
قلت لها بابتسامة باردة: “الخاتم ده تمنه يغطي مرتبات بهاء وميرفت لسنين قدام. بس هو دلوقتي ملكك… هدية من ‘المالك الخفي’ اللي بهاء كان شغال عنده.”
بصيت لبهاء وميرفت، اللي كانوا بيبصولي كأنهم شايفين عفريت.
قلت وصوتي بيرن في الصالة: “البروتوكول 7 مش فيلم هندي يا بهاء. ده البند اللي بيسمحلي أطردكم من الجنة اللي أنا خلقتها ليكم. ميرفت… الـ 200 جنيه اللي عرضتيهم عليا؟ خليهم معاكي، تلاقيكي محتاجالهم عشان تدفعي تمن الميه بتلج اللي دلقتيها فوق راسي.”
أخدت شنطتي ومشت خطوتين ناحية الباب، وبعدين التفتت ليهم تاني.
“أوبس!”.. قلتها بابتسامة شامتة: “التاكسي اللي طلبتيه يا ميرفت… أنا اللي طلبته ليكي. عشان النيابة مستنياكي تحت.”
خرجت من البيت، والهوا البارد لمس هدومي المبلولة، بس مكنتش حاسة بالبرد. كنت حاسة بدفا النصر، وبالحرية، وبالقوة اللي أخيراً قررت أستخدمها.
نزلت سلم الفيلا بكل ثبات، ومن ورايا كنت سامعة صوت صريخ ميرفت وهي بتعيط وبتزعق في بهاء: “اتصرف يا بهاء! كلم أي حد من معارفك! إحنا بنضيع!” وبهاء صوته طالع مخنوق وهو بيرد: “أكلم مين يا أمي؟ بقولك الخطوط كلها اتقطعت، تليفون الشغل اتسحب شبكته، وعادل قافل سكتي!”
أول ما وصلت للبوابة الخارجية، كانت عربيتي المرسيدس السودا واقفه والمطرة الخفيفة بدأت تنزل. السواق بتاعي نزل بسرعة وفتحلي الباب وهو مخضوض من شكلي: “كارما هانم! إيه اللي بهدلك كده؟!”
قلت له وأنا بركب ورا وبقفل الباب: “مفيش يا عم أحمد.. شوية تراب وكان لازم ينضفوا. اطلع بيا على المستشفى بسرعة، عاوزة أطمن على النونو.”
طول الطريق للمستشفى، تليفوني م بطلش رن.
أرقام بهاء وميرفت وجاسمين وعم بهاء الكبير.. كل عيلة الشناوي اللي كانوا شايفين نفسهم “أسياد البلد” وبيركبوا فوق الخلق، بقوا دلوقتي زي الفراخ الدايخة. عملت لكل الأرقام “بلوك” وكلمت عادل.
“كله تمام يا عادل؟”
رد عليا باحترام شديد: “تمام يا فندم. البوكس وصل قدام الفيلا، وميرفت هانم اتقبض عليها رسمي بتهمة التزوير والاختلاس من ميزانية الشركة. وبهاء اتبعت له قرار الفصل بالطرد الفوري مع حرمان من مكافأة نهاية الخدمة، والعربيات اللي باسم الشركة تم سحبها من قدام البيت في ثواني. عيلة الشناوي انهارده اتمسح تاريخها من السوق.”
سندت ضهري لورا وأنا بتنهد نَفَس طويل حسيت بيه إن روحي رجعتلي: “الله ينور عليك يا عادل. قفل المحاضر دي كويس، ومش عاوزه أي ثغرة تخليهم يشموا النفس.”
وصلت المستشفى، والدكتورة طمنتني على ابني، وقالت لي إن الرفسة الجامدة دي كانت مجرد خضة من المية الساقعة بس هو زي الفل. حطيت إيدي على بطني وقلت في سري: “خلاص يا حبيبي.. حقك وحق أمك رجع، ومحدش في الدنيا دي كلها هيقدر يلمسنا تاني.”
بعد شهرين بالتمام والكمال..
كنت قاعدة في مكتبي الرئيسي في الدور الخمسين من برج الشركة، لابس بدلة فورمال شيك جداً، وبطني بدأت تبان عليها ملامح الحمل بوضوح.
الباب خبط، ودخل عادل ومعاه السكرتيرة: “كارما هانم.. بهاء الشناوي واقف بره في الاستقبال، وبقاله تلات ساعات بيبكي ومصمم يقابل حضرتك.. ونزلت تعليمات الأمن بمنعه بس هو رافض يمشي.”
ابتسمت ببرود وقلت له: “دخله يا عادل.. خلينا نشوف آخره.”
دخل بهاء الأوضة.. ومكنتش هعرفه لو شفته في الشارع.
الراجل اللي كان بيدخل وراسه في السماء والغرور عايم على وشه، دخل وكتفاها نازلة الأرض، دقنه طويلة، وهدومه دبلانة. أول ما شافني قاعدة ورا المكتب الفخم وتحت إيدي ملفات المليارات، عينه اتملت دموع ونزل على ركبه قدام المكتب.
“كارما.. أرجوكي.. سامحيني!” صوت بهاء كان بيرتعش: “أمي بتموت في السجن، ومش قادرة على الحبس الاحتياطي. وإحنا طردونا من الفيلا لأنها كانت إيجار تبع الشركة، وأنا مش لاقي شغل في أي مكان.. أول ما أي شركة بتعرف إني مطرود من عندك بيرفضوا حتى يشوفوا الـ CV بتاعي. جاسمين سابتني وأخدت الخاتم اللي إدتهولها وهربت.. أنا اتدمرت يا كارما!”
بصيت له من فوق نظارتي الطبية بكل برود، وربعت إيدي وقلت له: “وإنت جاي لي ليه يا بهاء؟ مش أنا ‘المسكينة الحامل’ اللي ريحتها وحشة ومينفعش تلمس ملاياتكم الغالية؟ مش أنا الست اللي مكنتوش طايقين تبصوا في وشها؟”
بكى بصوت مسموع: “كنت أعمى وغبي! والنعمة عمت عيني.. أرجوكي يا كارما، عشان خاطر ابني اللي في بطنك، بلاش تخربي بيتنا للاخر.. اسحبي البلاغ عن أمي ورجعيني أي وظيفة، حتى لو كاتب صغير في المخازن!”
قمت وقفت، ومشيت بالراحة لحد ما وقفت قدامه وهو راكع. بصيت له من فوق لتحت ونطقت بكل حسم:
“ابني اللي في بطني ده ملوش أب اسمه بهاء الشناوي. ابني ده ابن كارما هانم، المالك الخفي للشركة اللي إنت بتبكي تحت رجليها دلوقتي. أمك هتكمل عقوبتها في السجن عشان تتربى وتعرف إن ولاد الناس مش لعبة تحت إيدها، وإنت.. مش هتشتغل في شركتي ولا في أي شركة في مصر طول ما اسمي بيهز السوق.”
شاورت لعادل وأنا برجع لمكتبي: “خده بره يا عادل.. ومشوفش وشه هنا تاني.”
الأمن دخل وسحب بهاء وهو بيصرخ ويتوسل، وصوته كان بيبعد بالتدريج لحد ما اختفى تماماً.
قعدت على كرسيّ الهزاز، وبصيت من الشباك الإزاز الكبير على القاهرة كلها وهي تحت رجلي. حطيت إيدي على بطني وابتسمت وأنا بحس بالهدوء الحقيقي.. الهدوء اللي مفيش بعده عواصف، لأن الإعصار خلاص عدى، ونضّف حياتي وحياة ابني من كل الوسخ اللي كان فيها.


تعليقات
إرسال تعليق