القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 مملكة الزجاج الأسود 




مملكة الزجاج الأسود 


في عيادة الـ VIP، كنت واقفة بساعد بنتي الحامل في الشهر التاسع عشان تقلّع هدومها عشان تعمل السونار الأخير. أول ما قميصها نزل، نفس اتكتم وما قدرتش أتنطق. ظهرها وضلوعها كانوا عبارة عن لوحة مرعبة من الكدمات الزرقاء والمنفوخة، وكلها على شكل جزمة.. كدمات واضحة وصريحة. هي اتخضت وخافت، ولمت هدومها على صدرها وهي بتموت من الرعب وبترتعش. وبقهر دمعت وقالت لي: “يا ماما، أرجوكي بلاش مشاكل! ده جوزي شريف، مدير المستشفى.. قال لي لو فكرت أسيبه، هيتأكد إني مش هقوم من العملية القيصرية وصاحية.”

أنا ما صرختش، ولا حتى اتعصبت.. عيني بس نظرتها ماتت وبقت زي الإزاز. ساعدتها بالراحة تلبس لبس المستشفى وقلت لها بنبرة هادية تخوف: “طب يلا يا حبيبتي، خلينا ندخل ونسمع دقات قلب البيبي.” وطول ما هي كانت نايمة على سرير الفحص، كنت أنا في دماغي بفرتك الإمبراطورية الطبية بتاعة جوزها وبنهيها تماماً.

آثار الضرب اللي كانت معلمة في جسم بنتي كانت واضحة وما يختلفش عليها اتنين.. طبعة جزمة تقيلة. ضرب مقصود، وبغل، ومعمول عشان يكسرها ويوجعها لأقصى درجة.

مريم كانت واقفة قدامي، جسمها كله بيتنفض من الرعب، ورجليها بتخبط في الأرض الرخام من الخوف. كانت في الأسبوع الـ 38، يعني خلاص بتولد، ومع ذلك كانت شبه أسرى الحرب.

“ماما”، قالتها وهي بتنهج وبتتخانق مع بلوزتها الحرير عشان تداري ظهرها المتدغدغ. “أرجوكي… أرجوكي بلاش تعملي حاجة.”

حلقي اتسد وما كنتش قادرة أبلع ريقي. مديت إيدي ليها وأنا بترعش، غريزة الأم اللي عايزة تطمن بنتها وتطبطب عليها.

لكنها تراجعت لورا بخوف وخطفت جسمها مني.

الخضة والرجعة لورا دي وجعتني أكتر من منظر ضلوعها المكسورة.. دي كسرت روحي أنا.

“مريم”، همست بصوت واطي ومكتوم على قد ما قدرت عشان ما أتحولش. “مين اللي عمل فيكي كده؟”

عينيها المضروبة اتملت دموع سخنة وقالت: “شريف.”

جوز بنتي.. الدكتور شريف علام. الولد المدلل والنجم بتاع أكابر دكاترة مصر.

مريم مسكت معصم إيدي بأصابعها المتلجة بكل قوتها وقالت: “قال لي… لو حاولت أمشي أو أسيبه، هيخلي في مضاعفات وقت الولادة. هيتأكد إني مش هقوم من البنج أبداً في القيصرية.”

في اللحظة دي بالذات، قلبي ما اتكسرش.. قلبي اتحول لحجر.

ست الجدّ الـطيبة والناعمة اللي عشتها بقالي سنين اختفت في ثانية، وطلع مكانها حد قديم، ناشف، وقاسي ومخيف لأبعد حد.

“يا ماما، مش هتقدري تعملي حاجة! هو صاحب المستشفى دي كلها.. هياخد مني الابن وهيقتلني!”

ما ردتش عليها. رفعت عيني وبصيت لكاميرا المراقبة اللي في السقف. شريف بنى مملكة من الإزاز والمنظرة والسمعة اللي فاكرها ما بتهتزش. بس من كتر غروره ونرجسيته، نسي تماماً مين اللي كان شاري الأرض والوساخة اللي بنى عليها مملكته دي.

“يا حبيبة أمك”، همست لها وأنا برسم ابتسامة هادية وباردة ترعب، وبقفل لها رباط فستان المستشفى ورا ظهرها المحني والمضروب. “جوزك حسبها غلط خالص، وحسبته دي هتكلفه غالي أوي.”

مسكت مقرة الباب النحاس التقيلة. شريف كان فاكر إنه حبس قطة غمضة وخايفة، ما كانش يعرف إنه قفل الباب على نفسه في قفص واحد مع وحش مستني الإشارة.


سيبوا بصمتكم الحلوة وارفعوا البوست بكومنت، وما تحرموش نفسكم ونفسنا من الأجر.. **صلوا على النبي، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.**


فتحتُ الباب بهدوء مبالغ فيه، الهدوء الذي يسبق العاصفة التي تقتلع الحجر قبل الشجر. أخذتُ نفسًا عميقًا وطردتُ كل مشاعر الضعف؛ الأم التي كانت تبكي بالداخل ماتت، ووُلدت مكانها امرأة تعرف تمامًا كيف تذبح خصمها دون أن تلوث يدها بقطرة دم واحدة.

التفتُّ إلى مريم، كانت نائمة على سرير الفحص، ووجهها شاحب كالموتى، وعيناها معلقتان بي برجاء حار ألا أفعل شيئًا. أومأتُ لها برأسي وكأنني أطمئنها، لكن في داخلي كانت طبول الحرب قد دُقت.

دخل الطبيب المسؤول عن الأشعة، وبدأ في تحريك جهاز السونار على بطنها. كان صوت دقات قلب الجنين يملأ الغرفة.. صوت نقي، بريء، لا ذنب له في أن يكون والده شيطانًا يرتدي معطفًا أبيض. كنت أنظر إلى الشاشة، وفي نفس الوقت، كانت أصابعي تتحرك على هاتفي ببراعة وخفة خلف ظهري.

أرسلتُ رسالة واحدة، لثلاثة أشخاص فقط:

**الأول:** مستشاري القانوني، وصديق عمري الذي يعرف “البير وغطاه” في هذه البلد.

**الثاني:** لواء في مباحث الأموال العامة، كان يدين لي بجميلٍ قديم.

**الثالث:** صحفي استقصائي من الوزن الثقيل، يعشق جثث المشاهير الفاسدين.

الرسالة كانت جملة واحدة: **”الملف رقم (٤) جاهز للتفعيل.. التنفيذ الآن.”**

شريف كان يظن أن نفوذه في المستشفى يحميه، ونسي غبيًا أنني أنا من وقّعتُ على شيكات تأسيس هذا الصرح قبل عشر سنوات كـ “شريك صامت” بنسبة ٥١٪، نسي أن الأرض التي يقف عليها مستشفاه مسجلة باسم شركتي القابضة، وأن التسهيلات البنكية التي جعلته “مليونيرًا” في ليلة وضحاها كانت بضمان توقيعي أنا.

انتهى الفحص، وساعدتُ مريم على النهوض. وقبل أن نخرج من باب الغرفة، التفتُّ إلى طبيب الأشعة وقلت له بنبرة هادئة وثابتة:

“يا دكتور.. أريد نسخة كاملة وموثقة من تقرير السونار، بالإضافة إلى تقرير طبي رسمي بالحالة الجسدية لابنتي، والكسور والكدمات الموجودة في ظهرها وضلوعها.”

ارتبك الطبيب بشدة وتلعثم: “يا فندم.. بس ده.. الدكتور شريف هو مدير المستشفى، وأنا مش هقدر…”

قاطعتُه بابتسامة جليدية جعلت ريقه يجف: “الدكتور شريف كان مدير المستشفى لحد من خمس دقايق فاتوا. من دلوقتي، لو ما عملتش التقرير ده وبأقصى سرعة، هتحصلُه في المكان اللي هو رايحه.. وافتكر إن كاميرات الممر بره رصدت كل حاجة.”

خرجنا إلى الممر الفخم المؤدي لمكتب شريف. كان الممر يعج بالحركة، دكاترة وممرضات يتحركون يمينًا ويسارًا، يلقون التحية بنفاق وخوف على “الدكتور العظيم”. وفي نهاية الممر، كان هو واقفًا، يتحدث بكبرياء وغرور مع أحد الموردين، يرتدي بدلته الإيطالية الفاخرة وساعته التي تلمع.

أول ما رآنا، ارتسمت على وجهه تلك الابتسامة اللزجة والمنافقة. مشى باتجاهنا وقال بثقة: “خير يا حماتي؟ طمنيني على مريم والبيبي؟ السونار تمام؟”

نظرتُ إليه من أسفل لأعلى، لم أنطق بكلمة. مريم اختبأت خلف ظهري وهي ترتعش وتشد على عباءتي.

في تلك اللحظة بالذات، انفتح باب المصعد الرئيسي للمستشفى. لم يخرج منه مريض، بل خرج منه رجال يرتدون ملابس رسمية، يتقدمهم ضابط ومعه قوة من الشرطة، وبجانبهم الممثل القانوني لشركتي يحمل حقيبة سوداء.

تصلب شريف في مكانه، واختفت ابتسامته تدريجيًا.

تقدم الضابط بخطوات واثقة ونظر إلى شريف قائلاً: “الدكتور شريف علام؟”

رد شريف بتلعثم: “أيوا.. أنا.. في إيه؟ أنتوا مش عارفين أنا مين؟”

أخرج الضابط إذن النيابة وقرأه بصوت جهوري مسموع لكل من في الممر: “مطلوب القبض عليك بتهمة التزوير في أوراق رسمية، والاختلاس المالي من أموال الشراكة، وإدارة منشأة طبية بدون استيفاء شروط السلامة.. بالإضافة إلى البلاغ المقدم الآن بتهمة الشروع في قتل والتعدي بالضرب المبرح على زوجتك السيدة مريم.”

صُعق شريف، التفت إليّ وعيناه تتسع برعب، وقال بصوت متقطع: “أنتي.. أنتي بتعملي إيه؟ أنتي بتهدي المستشفى؟ هتدمروا اسمنا!”

تقدمتُ منه خطوة واحدة، وكنتُ أطول منه بكبريائي في تلك اللحظة. همستُ في أذنه بحيث لا يسمعه أحد غيره:

“المملكة دي أنا اللي بنيتها بفلوسي يا ابن علام.. والنهارده أنا اللي بهدها على دماغك. القيصرية بتاعة بنتي هتتعمل في أكبر مستشفى عسكري في مصر وتحت حراسة، ورجلك مش هتعتب برا الزنزانة لحد ما البيبي ده يتخرج من الجامعة. شفت بقى مين اللي مش هيقوم صاحي؟”

التفتُّ إلى ابنتي، وحضنتها بقوة قائلة: “يلا يا قلب أمك.. كابوسك انتهى.”

تركناه والخزي يكسوه، والكلبشات تُغلق على يديه وسط ذهول كل العاملين الذين كان يستعبدهم. تهاوت إمبراطوريته الزجاجية في ثوانٍ، لأن النمرود حين ينسى أصله، تكفيه ذبابة لتهز عرشه.. فما باله إذا كان الخصم أمًا جُرحت في ضناها؟



تعليقات

التنقل السريع
    close