ثمن الأبوة والندم
ثمن الأبوة والندم
الفصل الأول مشهد في المخبز وعودة الماضي
كان عاصم راجل أعمال كبيراً، قفل صفقات وضمن مشاريع ضخمة في دبي ونيويورك ومدريد من غير ما يرمش له جفن أو يتردد لحظة واحدة. الناس في البلد وفي أوساط المال والأعمال كانوا بيسموه ملك المقاولات، لأن أي مشروع يحط فيه إمضته أو يلمسه كان بيتحول فورا لأبراج فخمة، ومولات ضخمة، ومجتمعات سكنية مغلقة ومخصصة للأغنياء وصفوة المجتمع بس. كان عايش في برجه العاجي، محاطاً بحراسة مشددة وسيارات فارهة، وشايف إن كل حاجة في الدنيا ليها ثمن، وإن المشاعر مجرد نقطة ضعف بتعطل قطار النجاح والنفوذ. طلق زوجته فريدة من حولي أربع سنين ونص بسبب خلافات حادة وغيرة من نجاحه وطموحه الأعمى اللي خلاه ينسى بيته وحياته معاها، سابها وهي پتبكي وما فكرش يسأل عنها أو يعرف راحت
فين، واعتبر صفحتها اتقفلت للأبد في كتاب حياته المليان بالارقام والصفقات والنجاحات المتتالية.
لكن في عصر يوم جمعة هادي، وهو داخل مخبز بسيط ومتواضع جداً في حي شعبي قديم، بعيد تماماً عن مناطقه المعتادة، نزل من عربته الفارهة عشان يشتري نوع معين من الخبز التقليدي بناءً على نصيحة طبيبه الخاص، وفجأة اتجمد مكانه قدام مشهد عمره ما كان مستعد يشوفه أو يتخيله حتى في أشد كوابيسه. طليقته فريدة كانت واقفة عند بائع الخبز والكاشير، بتعد شوية عملات معدنية بسيطة وفكة مجمعاهم فوق الرخامة الخشبية بتوتر واضح. جنبها كان فيه طفلين توأم، شكلهم عندهم حوالي أربع سنين، لابسين شنط مدرسية قماشية بسيطة عليها رسومات ديناصورات ملونة، وركبهم الصغيرة كلها خدوش وچروح بسيطة من كتر اللعب والجري في حوش المدرسة أو الشارع. واحد
منهم كان واقف على طراطيف صوابعه وباصص على لفائف القرفة المخبوزة ورا الزجاج كأنها كنز كبير بعيد المنال ويشتهيها بشدة، والتاني الهادي كان ماسك في إيده كشكول صغير مليان رسومات وتلوين للكواكب والنجوم والفضائ الخارجي.
قال الطفل الهادئ بنبرة طفولية حزينة هزت جدران المخبز يا ماما، لو الفلوس مش كفاية عشان الحلوى، أنا مش عايز عيش كمان، شيلى نصيبي. ابتسمت الأم فريدة بابتسامة مريرة فيها كمية كرامة وتعب وعزة نفس في نفس الوقت، وطبطبت على كتر الطفل وقالت كفاية يا حبيبي والخير كتير... بس هنعدهم كويس عشان ندي عمه حقه. عاصم حس في اللحظة دي إن الأرض بتميد من تحته، وإن جدران المكان بتلف بيه. مش معقول، دي فريدة! هي لسه ما شافتوش ولا حست بوجوده. شعرها مربوط ببساطة، ولابسة بلوزة عمل بسيطة جداً وقديمة، وعلامات
الإرهاق والتعب والسهر واضحة ومحفورة في خطوط رفيعة حوالين عينيها الجميلة. ما بقتش الست الشابة النضرة اللي كانت بتتعشى معاه زمان في أفخم فنادق العاصمة وسط وعود حب وأحلام وردية ما كملتش بسبب قسۏة قلبه. بقت أم بتحارب لوحدها في طاحونة الحياة عشان تعيش وتأكل عيالها. صاحب المخبز، وهو راجل عجوز وطيب، حس بحالها وزق لها كيس كبير مليان مخبوزات وحلويات زيادة وقال بصوت واطي وخجول خدي دول كمان للأولاد يا بنتي، بركة المخبز اليوم. فريدة ردت بسرعة وعزة نفس لا يا عمي، كده مينفعش، أنا هاخد على قد فلوسي بس. الراجل قال ما تكسفينيش قدام نفسي وقدام الأولاد يا بنتي، دول زي ولادي. التوأم الصغيرين فرحوا جداً وصفقوا بهدوء وسعادة طفولية بريئة هزت قلب عاصم من جوه. أما هو، فرجع لورا بسرعة وړعب قبل ما تلتفت وتبص ناحيته،
وخرج للشارع وركب عربته وقلبه بيدق پعنف وجنون كأنه خسر كل ثروته وكل حاجة يملكها في لحظة واحدة.
الفصل الثاني الحقيقة الصاډمة والديون المكتومة
في نفس الليلة، وهو قاعد في مكتبه الفخم المبني من الزجاج والصلب، ما قدرش يركز في أي أوراق أو صفقات. مشهد المخبز وصوت الأطفال وصورة فريدة المجهدة كانت بتتعرض قدام عينيه زي شريط سينمائي مش عايز يقف. مسك تليفونه وطلب من مساعدته الشخصية والمقربة، تجمع له كل المعلومات الممكنة والتفاصيل الدقيقة عن فريدة وحياتها الحالية من يوم ما اطلقوا لحد اللحظة دي، وشدد عليها إن الموضوع يتم بمنتهى السرية والسرعة. في اليوم اللي بعده الصبح، دخلت المساعدة وهي شايلة ملف أبيض صغير، وحطته على مكتبه بملامح وش جادة. فتح عاصم الملف وبدأ يقرا، وهنا كانت الصدمة الصاعقة اللي خلت جفونه تترعش وعقله يقف عن التفكير.
فريدة عندها طفلين توأم، ولدين اسمهم آدم ويوسف، عمرهم أربع سنين بالضبط. الصدمة الكبرى والقاټلة إن التوأم دول اتولدوا بعد تاريخ طلاقه منها بسبعة شهور بس! يعني فريدة خرجت من بيته وقصره وهي حامل في الشهر التاني، وهو ماكنش يعرف، ولا هي قالت له بسبب قسوته وجبروته ساعتها لما قال لها أنا مش عايز عيال يعطلوني عن طريقي وبنائي لإمبراطوريتي.
فضل عاصم ساكت وقت طويل جداً، الصمت في المكتب كان مرعب ومسموع فيه دقات الساعة بس. كان حاسس إن جبل من الذنب نزل على كتافه. بعد ساعات من الذهول، طلب من المساعدة معرفة وفحص كل تفاصيل حياتها الحالية شغلها فين، عنوان بيتها بالظبط، ظروفها المادية والصحية، وديونها لو موجودة. التحريات السريعة كشفت مستور أصعب وأقسى؛ عرف إنها بتشتغل مدرسة علوم في مدرسة حكومية بسيطة ومتهالكة في أطراف المدينة، وبتسافر
يوميًا ساعات طويلة في المواصلات العامة والاتوبيسات المزدحمة عشان توصل لشغلها وترجع لعيالها، وإنها ساكنة في شقة إيجار صغيرة جداً، والأخطر إن عليها ديون ومبالغ كبيرة لأشخاص ومستشفيات بسبب مصاريف الولادة المبكرة والرعاية الطبية الصعبة اللي احتاجوها التوأم لما اتولدوا في الشهر السابع وكانوا بين الحياة والمۏت في الحضانات، وهي ما لقيتش حد يسندها أو يدفع معاها قرش واحد، واضطرت تستلف من طوب الأرض عشان تنقذ عيالها... عياله هو! ملك المقاولات عياله كانوا هيموتوا عشان ثمن حضانة بسيطة، وهو كان بيقفل صفقات بالمليارات في نفس الوقت. حس لأول مرة في حياته بالخزي والعاړ، وإنه مش قادر يتجاهل أو يهرب من اللي حصل، وقرر إنه لازم يتصرف فوراً بس من غير ما يظهر في الصورة عشان كبريائها ما يرفضش المساعدة.
الفصل الثالث التدخل السري والمكالمة
الڤاضحة
قرر عاصم إنه يبدأ بمساعدة غير مباشرة عشان يحسن ظروف شغلها ويخفف عنها الحمل شوية. تبرع بشكل سري تماماً وباسم مستعار لجمعية خيرية مرتبطة بوزارة التعليم بمبلغ ضخم جداً، وخلى التبرع ده مشروط وموجه بالكامل للمدرسة الحكومية البسيطة اللي بتشتغل فيها فريدة، والهدف الأساسي والوحيد هو بناء وتجهيز معمل علوم حديث ومتكامل بأحدث الأجهزة والوسائل التعليمية والميكروسكوبات، وتعيين فريدة مشرفة ومسؤولة أولى عن المعمل ده مع رفع راتبها الإداري بشكل غير ملحوظ كنوع من المكافأة على تميزها. كان عاصم فاكر بجهله وغروره القديم إنه بالطريقة دي بيصلح جزء من الماضي وبيريح ضميره اللي صحي فجأة، وكان متأكد وواثق إن نظام السرية اللي بيتبعه في شغله هيحميه ومحدش هيعرف أبداً هوية المتبرع الحقيقي ولا العلاقة اللي بتربطه بالمدرسة ومدرسة العلوم.
لكن
القدر
كان كاتب سيناريو تاني خالص ومختلف تماماً. بعد أيام قليلة جداً من بداية أعمال الإنشاء والتركيب في المعمل الجديد، فريدة كانت ماشية في طرقة المدرسة الطويلة والهدوء سائد لأن الحصص بدأت. وهي معدية من جنب غرفة المعمل الجاري تجهيزه، سمعت المقاول المسؤول عن التنفيذ والعمال واقف بيتكلم في التليفون بصوت واضح وعالي شوية، وبيقول بنبرة نفاق واحترام مبالغ فيه أيوه يا فندم... كل حاجة تمام والمهندسين شغالين على أعلى مستوى، إدارة المدرسة مبسوطة وطايرة من الفرحة بالمعمل الجديد، ومحدش خالص عرف أو شك إن حضرتك، عاصم بيه المنشاوي ملك المقاولات، هو اللي دفع كل التكاليف دي من ألفها لياءها... أمرك مطاع يا فندم والسر في بير. فريدة وقفت مكانها مصډومة كأن صعقة كهربائية ضړبت جسمها كله. عاصم؟ طليقها اللي رماها؟
هو اللي ورا الموضوع ده؟ الصدمة تحولت في ثواني لڠضب عارم وڼار قادت في صدرها. عرفت إنه كشف سرها وعرف بوجود الأولاد، وعايز يشتري ذمته ويريّح ضميره بفلوسه؛ نفس الأسلوب القديم اللي بيكرهه. رجعت بيتها وعقلها شغال زي الآلة، جهزت عيالها وعشّتهم ونيمتهم في أوضتهم الصغيرة، وقعدت في الصالة الضيقة مستنية اللحظة الحاسمة، لأنها كانت عارفة إن خطوته الجاية هي المواجهة. وفي نفس الليلة، بعد ما التوأم ناموا تماماً، رن تليفونها برقم غريب وعرفت دقات قلبها هوية المتصل. ردت، وجاءه صوته المهزوز فريدة... لازم نتكلم، أنا واقف تحت بيتك. بصت ناحية باب الشقة الخشبي البسيط وكأنها كانت مستنياه يوصل، وردت بصوت بارد وقاسٍ زي التلج اطلع يا عاصم... السلم ضلمة بس اطلع، بس أحب أقولك حاجة قبل ما تيجي وتفتح بقك... إنت
لسه ما عندكش أي فكرة عن حجم الغلطة اللي عملتها وعن الکاړثة اللي مستنياك.
الفصل الرابع المواجهة العاصفة في الشقة الصغيرة
طلع عاصم السلم المتهالك خطوة بخطوة، وهو حاسس إن كل خطوة بتقل طن. الراجل اللي بيهز سبعة أرطال من رجال الأعمال، كان خاېف ومړعوپ من مواجهة ست بسيطة في شقة إيجار. خبط على الباب، فتحت له فريدة وهي واقفة بكل شموخ وكبرياء، عيونها كانت بتطلع شرار وڠضب يكفي لحړق إمبراطوريته كلها. دخل وبص حواليه؛ الصالة صغيرة جداً، الأثاث بسيط ومتواضع بس نظيف ومرتب، وفيه ركن صغير مليان ألعاب أطفال بلاستيكية رخيصة وكتب تلوين. عاصم بلع ريقه وبدأ يتكلم بصوت واطي فريدة... أنا مش جاي اټخانق، أنا عرفت كل حاجة بالصدفة في المخبز. الأولاد... آدم ويوسف، دول ولادي صح؟ إنتِ ليه مخبيتي عني؟ ليه حرمتيني
من عيالي خمس سنين وعيشتيهم في الفقر ده وأنا عايش في خير وفلوس مش عارف أوديها فين؟. فريدة ضحكت ضحكة سخرية عالية ومريرة رعبت عاصم، وقربت منه وقالت بنبرة حادة وصوت واطي عشان الأولاد ما يصحوش ولادك؟ دلوقتي بقوا ولادك يا عاصم بيه؟ إنت نسيت إنت قلت لي إيه وأنا خارجة من باب قصرك؟ قلت لي مش عايز عيال يربطوني بيكي ولا يعطلوني عن طموحي ومشاريعي! نسيت إنك طلقتني ورميتني في الشارع لمجرد إني طلبت منك ساعة فضاوة نقعد فيها سوا؟ أنا ما خبيتش عليك، أنا يوم ما عرفت إني حامل، كلمت مكتبك وسكرتيرتك مية مرة، وقلت لهم قولوا له فريدة عايزاك في أمر حياة أو مۏت، وردك كان إيه؟ بعت لي المحامي بتاعك ومعاه ورقة الطلاق وشيك بمبلغ صغير وبيقولي عاصم بيه بيقولك مش عايز يسمع اسمك تاني ومفيش بينكم أي كلام!.
عاصم اڼصدم،
وبص لها بذهول أنا؟ أنا ما وصليش أي تليفون منك! المحامي بتاعي قال لي إنك استلمتي ورقتك ومشيتي ومطلبتيش أي حاجة!. فريدة ردت بقسۏة لأنك محاط بشياطين، ولأنك كنت عامي عينك وقلبك بالفلوس. أنا تعبت لوحدي، عيالي كانوا هيموتوا في الحضانة وأنا مش لاقية ثمن الدوا، كنت بشتغل وأنا في الشهر الثامن في المدارس والدروس الخصوصية عشان أجمع القرش على القرش، وإنت كنت بتتصور في الجرايد والمجلات وجنبك ملكات جمال وبتفتخر بصفقاتك. ودلوقتي جاي بكل بساطة وعين قوية تقول ولادي؟ وجاي تشتري سكوتي وضميرك بمعمل علوم في مدرسة حكومية؟ فلوسك دي تحت رجلي يا عاصم، والمعمل ده أنا قدمت استقالتي من المدرسة كلها بسببه اليوم الصبح عشان ما أقبلش منك مليم واحد ولا صدقة من فلوسك الحړام!. عاصم حس إن الكلام بينزل على دماغه زي المطارق، انهار
كبريائه تماماً وقال وعيونه مليانة دموع أنا أسف... والله ما كنت أعرف، أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان أعوضكم، هكتب لهم القصر والشركات، هخليهم ملوك في البلد دي، أرجوكي يا فريدة ما تحرمنيش منهم، أنا شفتهم وحسيت بدمي بيتحرك في عروقهم. فريدة بصت له بنظرة احتقار وقالت التعويض ده خليه لنفسك، ولادي ملهمش أب، وأبوهم ماټ من خمس سنين، واخرج بره بيتي فورا قبل ما ألم عليك حارة الرجالة اللي بجد اللي وقفوا جنبي وأنا بربي عيالي في غيابك.
الفصل الخامس الصفقة الكبرى والشرط المستحيل
خرج عاصم من الشقة وهو مكسور وضايع، ركب عربته وفضل يلف في الشوارع لحد الصبح. الأيام مرت عليه وهو مش عايش، الشغل اللي كان كل حياته بقى ملوش طعم، والفلوس بقت مجرد أرقام ملهاش قيمة. في نفس الوقت، كان فيه صفقة عمره ومستقبله بتتجهز؛ صفقة بناء
وتطوير مدينة سكنية وإدارية عملاقة في قلب العاصمة، الصفقة دي لو رسيت عليه كانت هتخليه فعلياً وبشكل رسمي ملك المقاولات بلا منازع في الشرق الأوسط كله، وكانت هتضاعف ثروته ونفوذه لدرجات خيالية. المنافس الوحيد ليه في الصفقة دي كان رجل أعمال قاسې ومستثمر أجنبي معاه تحالف ضخم. عاصم كان شغال على الملف ده بقاله سنة، والاجتماع النهائي لترسية العطاءات كان بعد يومين. لكن عقله كان في مكان تاني؛ كان بيفكر إزاي يرجع فريدة وعياله، وإزاي يخليهم يسامحوه. بعت لفريدة مية رسالة ووسيط، والمحامي بتاعه راح لها عشان يعرض عليها أي شروط هي عايزاها بس تسمح له يشوف الأولاد ويقعد معاهم ويعترف بيهم رسمياً في الأوراق الرسمية ويغير شهادات ميلادهم اللي مكتوب فيها أسماء ثلاثية عادية هرباً من الڤضيحة والملاحقة زمان.
فريدة لما لقت
الملاحقات زادت، والمحامي بيضغط بورق وقوانين ومحاكم ممكن يدخل فيها نفوذ عاصم عشان ياخد الأولاد منها، قررت تلعب معاه بلعبته وقواعده الصعبة. طلبت مقابلة عاصم في مكتبه الرئيسي بشرط إن المقابلة تكون في وجود محامين من الطرفين. دخلت فريدة المكتب بكامل ثباتها، وعاصم وقف يستقبلها بلهفة وخوف. قعدت وحطت ملف أسود على المكتب وقالت بنبرة جافة وصارمة عاصم... إنت عايز تعترف بالولاد وعايزهم يشيلوا اسمك ويكون ليك حق رؤيتهم ورعايتهم؟. عاصم رد بسرعة أموت وأعمل كده يا فريدة، أرجوكي قولي شروطك. فريدة بصت له في عينه وقالت الشرط الصاډم اللي زلزل المكتب شرطي هو التنازل الكامل والمطلق والنهائي عن الصفقة الكبرى اللي إنت داخلها بعد بكرة! التنازل يكون موثق رسمي ومعلن في الصحف، وتخرج من التحالف وتخسر الصفقة دي بالكامل للمنافس
بتاعك، ومستند التنازل يتبعت للمحكمة وللوزارة المعنية فوراً وقبل اجتماع الترسية بساعة واحدة. أنا عايزة أشوفك وأنت بتتخلى عن حلم حياتك، عن الحاجة اللي بعتني وبعت عيالك عشانها، عايزة أعرف هل عيالك ودمك ولحمك يسووا عندك أكتر من لقب ملك المقاولات والمليارات، ولا الفلوس لسه هي إلهك اللي بتعبده؟ لو وافقت وتنازلت رسمياً وخسړت الصفقة دي وكسرت كبريائك ونفوذك بإيدك، هسمح لك تدير ورق الأولاد ويشيلوا اسمك وتشوفهم، لو رفضت... يبقى أنت بتثبت لي إنك لسه عاصم الأناني القاسې، وساعتها هسافر بيهم بره البلد ومحدش هيعرف لنا طريق طول ما أنا عايشة!. المحامي بتاع عاصم وقف وزعق ده جنون! الصفقة دي تمنها مليارات وبتحدد مستواكي ومستقبل الشركة كله! عاصم بيه مستحيل يوافق على ټدمير نفسه بالشكل ده!. لكن عاصم رفع إيده وسكت المحامي، وفضل باصص
لفريدة بذهول، الشكوك والحروب العڼيفة كانت شغال في عقله وقلبه؛ يتنازل عن عرشه وعن لقب الملك عشان طفلين شافهم مرة واحدة في مخبز؟ ولا يرفض ويحافظ على ثروته ويخسر دمه ولحمه للأبد؟
الفصل السادس ليلة القرار الصعب وحروب العقل
فريدة سابت مكتب عاصم والملف الأسود والشروط المكتوبة، ومشيت وهي واثقة وفي داخلها يقين إن عاصم الأناني مستحيل يتنازل عن صفقته وعرشه وملايينه عشان خاطر عيال ما يعرفهمش وم عاش معاهم يوم واحد. عاصم قفل على نفسه باب مكتبه، ومنع أي حد يدخل عليه أو يكلمه في التليفون. الليلة دي كانت أطول ليلة في حياته كلها، ليلة مليانة بصراعات وحروب نفسية طاحنة بين عاصم رجل الأعمال الجشع وعاصم الأب اللي صحي جواه شعور الفطرة والدم والندم. فتح الدرج وطلع صورة قديمة لفريدة وهي بتضحك زمان أيام خطوبتهم، وافتكر ملامح التوأم
في المخبز؛ افتكر الولد الصغير اللي كان بيبص على لفائف القرفة بنظرة حرمان، وافتكر الولد التاني اللي ماسك كشكول الكواكب وبيرسم النجوم ببراءة. حس إن المليارات والشركات والقصور واللقب الكبير ملك المقاولات كلها حاجات ملهاش أي قيمة لو كان ثمنها إنه يعيش وېموت وهو عارف إن ولاده من دمه ولحمه بيتحرموا من اللقمة وبيكبروا وهما بيكرهوا اسمه ويعتبروه مېت.
بدأ يفكر في كلام فريدة؛ عايزة أعرف هل عيالك ودمك ولحمك يسووا عندك أكتر من لقب ملك المقاولات والمليارات؟. عرف إن فريدة مش عايزة فلوسه، فريدة عايزة تكسر الصنم اللي عاصم كان بيعبده وبيظلم الناس عشانه؛ صنم النفوذ والمال والسيطرة. اتصل بالمحامي بتاعه الساعة تلاتة الفجر، والمحامي رد بصوت كله نوم وزعر أيوه يا عاصم بيه، فيه حاجة جديدة بخصوص ملف الصفقة؟. عاصم رد بصوت هادي جداً
وصارم وثابت جهز ورق التنازل الرسمي وغير المشروط عن الصفقة الكبرى والتحالف كله يا متر. التنازل يكون جاهز وموثق وممضي مني الساعة تمانية الصبح، وهيتبعت لوزارة الإسكان ولهيئة المجتمعات العمرانية وللصحف الرسمية قبل اجتماع الترسية بساعة، زي ما مدام فريدة طلبت بالظبط. المحامي صړخ پجنون يا فندم إنت واعي للي بتقوله؟! دي خسارة فادحة وشروط جزائية ومستقبلك في السوق هيهتز والناس هتقول عاصم بيه انهار أو اټجنن!. عاصم قفل السكة في وشه وقال لنفسه خليهم يقولوا اللي يقولوه... المهم عيالي يرجعوا لحضني، وأنا هبدأ من جديد بس المرة دي وأنا أب بجد ومش راجل آلي.
الفصل السابع التنازل التاريخي وذهول السوق
يوم الأحد الصبح، يوم اجتماع الترسية الكبير اللي كان مستنيه السوق العقاري والتجاري كله في البلد، كانت القاعة الكبرى في الوزارة مليانة
بالمهندسين والمستثمرين ورجال الصحافة والإعلام. الكل كان مستني دخول عاصم المنشاوي المنطلق بقوة عشان ياخد الصفقة التاريخية دي ويثبت ملكه. المنافس الأجنبي والتحالف التاني كانوا قاعدين متوترين وحاطين إيديهم على قلوبهم لأنهم عارفين إن عرض عاصم مستحيل منافسته. وفجأة، وقبل بداية الاجتماع وإعلان النتيجة بساعة واحدة، انتشر خبر كالصاعقة وهز أركان المبنى والسوق كله ونزل على شاشات الأخبار الاقتصادية عاجل رجل الأعمال عاصم المنشاوي، ملك المقاولات، يعلن تنازله الرسمي والكامل وغير المشروط عن الصفقة الكبرى وانسحابه من التحالف العقاري لأسباب شخصية وخاصة جداً!. الذهول حل على الكل، الصحفيين بدأوا يجروا ويتصلوا، والمنافسين مش مصدقين نفسهم ومستغربين إزاي الملك يتنازل عن عرشه بالبساطة دي ويسيب صفقة بمليارات تروح لغيره من غير قتال أو منافسة.
في
نفس اللحظة، كان مندوب من مكتب عاصم واقف قدام باب شقة فريدة البسيط، ومعاه ظرف حوا فيه صورة من مستند التنازل الرسمي الموثق والممضي ومختوم بختم الدولة، مع نسخة من الجرايد الرسمية اللي نزلت فيها الأخبار. فريدة فتحت الباب واستلمت الظرف، ولما فتحت الورق وقرأت الكلام، دموعها نزلت من غير ما تحس وصډمتها كانت حقيقية. ماكنتش متخيلة ولا واحد في المية إن عاصم المنشاوي، الراجل اللي بيعشق الفلوس والنفوذ أكتر من روحه، هيتخلى فعلاً عن صفقة عمره واللقب اللي عاش يبنيه طوب فوق طوبة عشان خاطر شروطها وعشان يشوف ولاده. عرفت في اللحظة دي إن عاصم اتغير بجد، وإن صدمة الأبوة والندم عملت معجزة وكسرت الجبروت اللي كان جواه. شالت الورق ودخلت أوضة الأولاد، بصت لآدم ويوسف وهما بيلعبوا ببراءة وقالت لهم بصوت مليان شجن خلاص يا حبايب قلبي... حقكم رجع، وأبوكم
دفع تمن غلطته غالي قوي، وباع الدنيا كلها عشانكم.
الفصل الثامن اللقاء الأول والدموع الدافئة
بعد مرور أربعة وعشرين ساعة على التنازل التاريخي اللي هز البلد، رن تليفون عاصم وكان المتصل فريدة. قالت له بنبرة هادية وخالية من الغل القديم عاصم... تعالي اليوم الساعة خمسة المغرب في حديقة الطفل العامة البسيطة اللي في الحي بتاعنا، هتشوف الأولاد وهنقعد سوا نصلح ورقهم. عاصم ما صدقش نفسه، لبس هدوم بسيطة جداً وعادية، وما ركبش عربته الفارهة؛ أخد عربية تاكسي عادية وراح للمكان عشان ما يلفتش النظر ولا يضايق فريدة وعياله بمظاهر الغنى والنفوذ اللي بيكرهوها. دخل الحديقة العامة البسيطة وعيونه بتدور في كل مكان زي المچنون، لحد ما شافهم قاعدين على دكة خشبية تحت شجرة كبيرة؛ فريدة ولابسة فستان هادي، وجنبها التوأم آدم ويوسف بيلعبوا ب طائرات ورقية صغيرة
وبسيطة.
قرب عاصم منهم وخطواته بترتعش، فريدة شافته وشاورت للولاد وقالت لهم بصوت حنون آدم... يوسف... تعالوا يا حبايب قلبي، ده عاصم... الأب اللي قُلت لكم إنه كان مسافر في شغل بعيد وطويل جداً، ودلوقتي رجع عشان يفضل معاكم ومعي على طول ومش هيسافر تاني. الأولاد وقفوا وبصوا له بعيونهم الواسعة والجميلة، نفس الملامح والعيون والابتسامة اللي شافها في المخبز. عاصم ما قدرش يتمالك نفسه، نزل على ركبه على الأرض والتراب، وفتح دراعاته والدموع نازلة من عينيه زي السيول. يوسف الصغير قرب منه بخطوات بطيئة وحط إيده الصغيرة على وش عاصم ومسح دموعه وقال إنت بابا؟ إنت اللي كنت في الطيارة وبتجيب لنا النجوم والكواكب؟. عاصم حضنهم هما الاتنين بقوة وعڼف وډفن وشه في كتافهم الصغيرة وهو بيبكي وينتحب بصوت مسموع هز قلوب الناس اللي في الحديقة، وكان بيشم ريحتهم
وبيقول سامحوني يا ولادي... أنا أسف يا حبايب قلبي، أنا عمري كله فداكم، مش هسيبكم تاني أبداً، أنا جيت عشان أفضل تحت رجليكم. فريدة كانت واقفة بتبص للمشهد ودموعها نازلة بغزارة، وحست إن الۏجع والمرار اللي عاشت فيه خمس سنين لوحدها بدأ يدوب ويختفي قدام صدق دموعه وندمه وتضحيته الكبيرة.
الفصل التاسع بناء البيت والبداية الجديدة من الصفر
مرت الأسابيع والشهور، وعاصم بدأ يغير حياته بالكامل وبشكل جذري ومتكامل. قفل ورق القضايا وورق الأولاد في المحاكم والسجلات الرسمية، وبقى اسمهم رسمياً آدم عاصم المنشاوي ويوسف عاصم المنشاوي، واحتفلوا بالموضوع ده في جو عائلي دافي وبسيط جداً من غير أي مظاهر صخب أو صحافة. عاصم ما رجعش لغروره القديم في الشغل؛ بالرغم من إنه خسر الصفقة الكبرى وضاعت منه مليارات واسمه اهتز شوية في سوق الحيتان الكبار، إلا إنه بدأ يركز في مشاريع من نوع تاني خالص؛ مشاريع بناء مستشفيات أطفال مجانية، وتطوير مدارس حكومية متهالكة
في الأحياء الفقيرة والشعبية، وبناء مجمعات سكنية مخصصة للشباب بأسعار بسيطة، وبقى يسمي المشاريع دي مشاريع آدم ويوسف للخير.
فريدة وافقت بعد فترة من الوقت والالحاح الصادق والحب والمراعاة، إنها ترجع له وتتجوزوا من جديد، بس بشرط إنهم ما يعيشوش في القصر الكبير الفاخر والقديم اللي بيفكرها بالأيام السوداء والوحدة والقسۏة؛ طلبوا مهندسين وبنوا بيت حديقة جميل ومتوسط الحجم ودافي ومحاط بالأشجار والزهور، وعاشوا فيه سوا كعيلة حقيقية ومترابطة. عاصم كان بيصحي الصبح بدري بنفسه عشان يحضر الفطار للتوأم، ويوصلهم للمدرسة البسيطة في عربية عائلية عادية، ويقعد مع يوسف الصغير بالليل يقرأ معاه كتب الكواكب والفضاء الخارجي ويرسم معاه النجوم، وياخد آدم يشتري له كل لفائف القرفة والحلويات اللي كان بيتمناها ويشتهيها زمان في المخبز الشعبي القديم ويوزع منها على أطفال الحي كلهم.
الفصل العاشر حصاد الټضحية وملك القلوب الحقيقي
بعد مرور كام سنة، كبر التوأم
آدم ويوسف وبقوا في المدرسة الابتدائية، وكانوا متميزين جداً ومتفوقين، ومتربيين على الأخلاق والكرامة وعزة النفس اللي زرعتها فيهم أمهم فريدة، وعلى العطاء والحب اللي اتعلمه أبوهم عاصم بعد درس العمر القاسې. وفي يوم من الأيام، كان فيه حفل تكريم كبير ورسمي لرجال الأعمال والمستثمرين اللي ساهموا في تطوير المجتمع وبناء البنية التحتية للمناطق العشوائية والفقيرة في البلد. عاصم كان معزوم في الحفل ده كضيف شرف رئيسي ومكرم أول. وقف عاصم على المنصة الكبرى ولابس بدلة أنيقة بس هادية، وبص للقاعة؛ لقى فريدة قاعدة في الصف الأول وجميلة ومتألقة ووشها مليان رضا وسعادة، وجنبها التوأم آدم ويوسف وهما بيبصوا له بفخر وحب وبيدقوا له بإيديهم الصغيرة بكل قوة.
مسك عاصم الميكروفون وبدأ يتكلم وصوته مليان ثقة وحكمة وهدوء الناس زمان والمجتمع كانوا بيسموني ملك المقاولات، وكانوا فاكرين إن نجاح الراجل بيتقاس بحجم الصفقات اللي بيقفلها والمليارات اللي بيجمعها
في حساباته والقصور والشركات. لكن أنا أحب أقولكم اليوم ومن واقع تجربتي وندمي وعمري اللي فات، إن كل الملايين والصفقات دي متساويش مليم واحد، ومتساويش لحظة كبرياء أو ضحكة صافية من طفل من دمك ولحمك وهو داخل عليك البيت وبيقولك يا بابا. أنا اليوم مش ملك المقاولات ولا ملك الفلوس؛ أنا اليوم ملك القلوب بفضل زوجتي العظيمة فريدة اللي علمتني الإنسانية والكرامة، وبفضل ولادي آدم ويوسف اللي أنقذوا روحي وعقلي من الجشع والأنانية. تضحيتي بصفقة المليارات زمان كانت أعظم وأذكى صلب وإمضاء عملته في حياتي
كلها، لأن الخسارة المادية دي هي اللي كسبتني عيلتي وحياتي ونفسي اللي كانت ضايعة. القاعة كلها وقفت وسقفت بحرارة ودموع، وعاصم نزل من على المنصة وجري على فريدة والتوأم واضنهم بقوة، وهو عارف ومقتنع من جوا قلبه إن الحق والخير والدم دايماً بيكسبوا في النهاية، وإن الملك الحقيقي مش اللي بيملك الأبراج والمولات، لكن اللي بيملك حب عيلته ورضا ربنا وراحة
الضمير.


تعليقات
إرسال تعليق