في فرح اخت زوجي
في فرح اخت زوجي
ليلة الانبهار والخديعة القصة الكاملة
الفصل الأول خلية النحل ووعود البساطة
كان فرح نورا أخت جوزي فاضل عليه أقل من شهر، والبيت عندنا اتتحول فجأة لخلية نحل ما بتهداش. البيوت في عائلاتنا الصعيدية أو حتى في الأحياء الشعبية الأصيلة لما بيكون فيها فرح، مابتنامش. الحركة في الممرات، صوت الضحك، والطلبات اللي مابتخلصش. كل يوم بنصحى على مشوار جديد وتجهيز جديد؛ يوم ننزل نشتري هدايا وجهاز العروسة، ويوم نلف على محلات الأقمشة والتفصيل عشان لبس العيال الصغار، ويوم تالت يضيع بالكامل في أسواق الأحذية ندور على مقاسات مناسبة وألوان تليق بالبهجة اللي داخلة علينا.
كنت حاسة من جوايا إننا داخلين على فرحة العمر، عيلة جوزي ناس طيبين وبيردوا الكلمة الحلوة بعشرة، وكل همي في الدنيا كان إن الليلة دي تعدي على خير، ومن غير أي منغصات أو مصاريف تكسر ضهر الالتزامات اللي علينا. جوزي أحمد راجل على قد حاله، شغال في شركة مقاولات صغيرة، بيكافح عشان يوفر لنا لقمة العيش الكريمة، ومابيخلينيش أحتاج حاجة أنا وعيالي، بس كل خطوة في حياتنا بتمشي بالحساب والبركة.
في ليلة من ليالي التجهيزات دي، رجع أحمد من بره وبإيده كيس شيك. دخل الأوضة وابتسامة رضا مالية وشه، ناداني وقالي وهو بيمد إيده بالكيس
بصي يا أم العيال.. أنا عارف إنك بتحبي البساطة ومش غاوية بهرجة زيادة، وعارف إن فرح أختي يهمك تكوني فيه زي القمر. لفيت النهاردة وجبتلك الملحفة السودا الشيك دي.. قماشتها كريب سعودي نضيف جدًا، وتطريزها هادي على الإيدين والصدر. أنا حاسس إنها هتبقى لايقة عليكي أوي وكمان هتشرفني قدام أهلي.
فتحت الكيس وأنا مش قادرة أداري فرحتي. الملحفة كانت فعلاً قطعة فنية من شدة بساطتها ووقارها.
شكرت ربنا من كل قلبي إن جوزي بيفكر فيا وبيهتم بمظهري حتى وسط كل الديون والمصاريف والجمعيات اللي دافنين نفسنا فيها عشان نجهز أخته. قولتله وعيني بتلمع
تسلم إيدك يا أبو العيال، ربنا ما يحرمني منك ولا من ذوقك. دي عندي بالدنيا كلها، وهتشوف هبقى فيها عاملة إزاي، كفاية إنها من خيرك.
الفصل الثاني فكرة هناء وسحر الخروج عن النص
لكن الدنيا مابتفضلش هادية كتير لما يدخل فيها عنصر الحماس الزايد والغيرة المستخبية. قبل الفرح بأربع أيام بس، دخلت عليا سلفتي هناء مراد أخو أحمد الكبير. هناء طبعها مختلف عني تمامًا؛ بتحب المظاهر، وبتغير من أي حد يظهر أحسن منها، ودائمًا شايفة إن رجالتنا مقصرين معانا في الفسح واللبس، رغم إن حالهم كحال كل الشباب المطحون في الأيام دي.
دخلت هناء وأنا قاعدة بلم غسيل العيال، ملامحها كانت غريبة، عينيها بتلمع بحماس مش طبيعي، قعدت جنبي على الكنبة ولزقت فيا، وقالت بصوت ملهوف
بصي يا سمر.. أنا جاتلي حتة دين فكرة، لو عملناها، محدش في الفرح كله هيتكلم غير علينا، وهنكون أحلى من العروسة نفسها!
ضحكت بهدوء وقولت وأنا بكمل طبق الغسيل
خير يا بنتي؟ فكرة إيه تاني؟ إحنا خلاص خلصنا كل حاجة ومفاضلش غير الصبر على يوم الفرح.
هناء بصت حواليها يمين وشمال كأن في جواسيس مستخبيين ورا الستائر، وقربت من ودني وقالت بصوت واطي ومخطط
تعالي نروح أكبر كوافير في وسط البلد، ونأجر فساتين سواريه من الأتيليهات الغالية اللي بنشوفها في الإعلانات، ونعمل ميكب سواريه كامل وشعر، وننزل على القاعة فجأة.. نعملها مفاجأة تهز العيلة كلها في فرح نورا!
بصيتلها بذهول، وحسيت إن الكلام مش راكب على بعضه، وقولت باستغراب شديد
إيه؟ كوافير وفساتين سواريه؟ يا بنتي وإحنا
معانا فلوس للكلام ده؟ إنتي عارفة الكوافيرات دي والفساتين بتتكلف كام دلوقتي؟ دي تقطم الظهر!
هناء ضحكت باستهزاء وقالت وهي بتخبط على كتفي
يا خايبة.. ومين قالك إننا هندفع من جيبنا؟ أنا لسه قابضة فلوس الجمعية بتاعتي وبتاعتك الصبح من الست أم محمد.. الفلوس معانا اهي وطازة!
وقف قلبي ثانية، وقولت بصوت اترعش
فلوس الجمعية؟! يا هناء إنتي اتجننتي؟ دي فلوس متشالة لأقساط المدارس وباقي حساب التلاجة الجديدة اللي جبناها، وجوزي منبه عليا إن الفلوس دي خط أحمر أول ما تقبضيها تشيليها تحت البلاطة!
قامت هناء ووقفت قدامي، وفضلت تلف وتتحرك بحماس وقالت
يا شيخة عيشي ليكي يومين في عمرك! هو إحنا كل يوم عندنا فرح؟ الفلوس هترجع والدنيا هتمشي، لكن الفرحة دي واللقطة دي مش هتكترر في العمر تاني. تخيلي المنظر.. ندخل القاعة والأنوار متوجهة علينا، الفساتين بتلمع والميكب مغير ملامحنا ومخلينا زي نجمات السينما، وكل الناس وقرايب حماتنا يبصوا علينا ويبقوا هيتجننوا يعرفوا مين دول.. وحتى رجالتنا، مراد وأحمد، أول ما يشوفونا هينبهروا وهيقعوا على ملا وشهم من الجمال.. وساعتها هيسامحونا على أي قرش اتصرف.
بدأ الشك يتسرب لقلبي، وكلامها بدأ يعزف على وتر ضعيف جوايا. أي ست بتحب تبان جميلة، وبتحب جوزها يشوفها في أحسن صورة. لسه هفتح بوقي وأقولها بس أحمد..، قاطعتني بالضربة القاضية اللي وقعتني في الفخ
وأوعي.. أوعي تقولي لأحمد أو لمراد! المفاجأة لو اتعرفت هتبقى ملهاش طعم ولا لون. لو قولنالهم من دلوقتي هيقولوا لأ ووفروا الفلوس وخليكم في اللبس العادي، والرتم هيموت. المفاجأة هي أساس الخطة كلها، خليهم يشوفونا هناك في القاعة ويتفاجأوا وسط الناس، ومحدش هيقدر يتكلم ولا يزعق قدام
المعازيم.
سألتها بقلب مقبوض وعقل بيحاول يلاقي مخرج
طب وأقول لأحمد أنا رايحة فين من الضهر؟ الفرح بيبدأ بالليل، والكوافير بياخد ساعات، هقوله سايبة البيت والعيال ورايحة فين؟
هناء لوحت بإيدها بثقة وقالت
سيبيها عليا.. الخطة جاهزة ومخريرهاش المية. هنقولهم إننا رايحين نقعد مع العروسة بدري في بيت حماتي ونساعدها في لبسها وحاجتها قبل ما تروح الكوافير بتاعها، ومن هناك نخلع إحنا على مشوارنا ومحدش هيحس بحاجة.
فضلت هناء تقنع فيا أكتر من ساعة. تجيبها يمين وتجيبها شمال، وتفكرني بملحفتي السودا وتقولي هو انتي كل يوم هتلبسي فستان؟ سيبي الملحفة دي ليوم عزا ولا مشوار عادي، الفرح محتاج بهجة وألوان.. متدفنيش شبابك يا سمر.
وللأسف الشديد، ضعف نفسي، والزن اللي يفك الحديد، خلوني أوافق وأنا قلبي مقبوض وبيدق دقات سريعة مش مريحة.
الفصل الثالث صباح الكذبة الأولى
وجيه يوم الفرح المنتظر. صحينا من النجمة، والبيت كله كان مقلوب رأسًا على عقب. صوت العيال الصغار وهما بيجروا في الممرات، لبسهم المتطور على السرير، أحمد بيتحرك في كل مكان بيجهز حاجته ويسأل عن شراباته. كنت بتحرك وسطهم كأن شايلة جبل على كتافي، وكل ما عيني تيجي في عين أحمد، أحس بوخزة ضمير حامية زي الإبرة بسبب الكذبة الكبيرة اللي رتبتها مع هناء.
أحمد كان واقف قدام المراية بيكوي بدلته السودة اللي بيشيلها للمناسبات الغالية، التفت ليا وابتسم وقال بنبرة حنينة
يا سمر، جهزي العيال بدري وبلاش لخلخة. أنا أول ما أخلص لبس وأتطمن على الترتيبات مع رجالة العيلة، هاجي أخد العيال وأطلع بيهم على القاعة علطول عشان نكون في استقبال الناس. متتأخريش إنتي بقى.
بلعت ريقي بصعوبة، ولقيت نفسي بنطق الكذبة اللي دربني عليها شيطاني وشيطان هناء
أنا.. أنا
هروح مع هناء عند العروسة في بيت حماتي من دلوقتي بدري. أصل نورا متبقاش قاعدة لوحدها ومفيش حد معاها يظبطلها الشنط ويأكلها لقمة قبل الفرح والزحمة.
أحمد بصلي بنظرة كلها رضا وفخر، وقالي
طول عمرك أصيلة يا أم العيال وبتفهمي في الأصول. تمام، توكلي على الله وربنا يسهلكم، وسلميلي على نورا وحماتي.
الكلمة نزلت على قلبي زي المية المغلية. الراجل بيثق فيا وعارف إني رايحة أعمل واجب، وأنا رايحة أصرف فلوس الجمعية في الهوا ومن وراه.
المهم، نزلت وتقابلت مع هناء على السلم، كانت مجهز شنطة كبيرة فيها جزمنا وحاجاتنا. مشينا ورحنا بيت حماتي الأول عشان الحبكة الدرامية للكذبة تكتمل. أول ما دخلنا، استقبلتنا حماتي بوشها البشوش وابتسامتها المعتادة اللي بتنور وشها الطيب، فتحت دراعاتها وقالت
أهلًا يا بنات.. مرحب بزوجات ولادي الغاليين. ربنا يستركم ويفرحكم ويجبر بخاطركم زي ما جيتوا تفرحوا أخت جوزكم وتعينوها في يومها ده.
هناء ردت بسرعة وبنبرة تمثيلية متقنة
يا ماما إحنا ملناش بركة إلا نورا، إحنا جايبين لها أكل معانا وجايين نقعد معاها شوية ونظبط مع الحنانة والكوافير اللي هيجوا هنا.
حماتي طيبة وعلى نياتها، قالت
يا بنتي تعبتم نفسكم ليه؟ أنا شايلة لها وجبات كاملة في التلاجة من أكل الطباخ اللي بيطبخ للفرح تحت.. طلعوها وسخنوها وكلوا معاها واشبعوا منها قبل ما تروح لبيت جوزها.
طلعنا فعلًا لأوضة نورا العروسة، البنت كانت متوترة وخايفة زي أي عروسة في يومها. قعدنا معاها، سخنا الأكل وأكلناها بإيدينا، وضحكنا وهزرنا وخففنا عنها التوتر. كنت حاسة في اللحظات دي إني إنسانة طبيعية، بس هناء كانت كل شوية تبص في ساعتها وتغمزلي بعينيها عشان نتحرك قبل ما الوقت يسرقنا والكوافير
يقفل حجوزاته.
أول ما نورا بدأت تلبس وتستعد لدخول الكوافير الخاص بيها، هناء سحبتني من إيدي وقالت بصوت همس
يلا يا سمر.. دلوقتي تبدأ المفاجأة الكبيرة. التاكسي مستنينا تحت.
الفصل الرابع في طريق الوهم
ركبنا التاكسي، وطول الطريق وأنا حاطة إيدي على قلبي، دقاته كانت مسموعة لدرجة تخوف. أما هناء فكانت في عالم تاني خالص، عمالة تتكلم برتم سريع ومشغلانا معاها
أنا حجزت فستان أحمر ناري مطرز بالكامل، وانتي حجزتلك فستان كحلي ملكي شيفون في جبير، هيخليكي زي الأميرات. والميكب أرتيست هناك اسمها شهيرة، دي بتعمل ميكب مبيغيرش الملامح بس بيخلي الوش ينور ويبقى زي الأجانب. مراد وأحمد هيموتوا من الانبهار، والناس في القاعة هيقولوا مين الهوانم دول اللي داخلين الفرح.
كنت كل شوية أقطع كلامها وأقولها بصوت مخنوق
والله يا هناء أنا خايفة.. قلبي مش مطمن والكدب ده آخره وحش. أحمد لو عرف إني صرفت فلوس الجمعية وكدبت عليه وقاليله إني مع العروسة وهيحصل مشكلة كبيرة، أنتي عارفة جوزي لما بيمسك في موضوع الأمانة مابيرحمش.
فتحت هناء شنطتها وطلعت رزمة الفلوس وبصتلي بثقة وقالت
خايفة من إيه يا جبانة؟ دي ليلة فرح، وإحنا رايحين نفرح ونشرف رجالتنا. الفلوس دي فدا ليلة واحدة نعيش فيها ملكات. وبعدين إحنا مش هنسرق، دي فلوس جمعيتنا يعني فلوسنا، ولما نرجع البيت ونقعد معاهم هيفهموا إن شكلنا قدام الناس كان يستاهل كل مليم.
وصلنا الكوافير اللي كان في منطقة راقية بوسط البلد. أول ما دخلنا من الباب، حسيت إني دخلت كوكب تاني؛ مرايات في كل مكان، إضاءات بيضا وصفرا قوية تعمي العين، روايح صبغات ومثبتات شعر بتخنق، وبنات وستات قاعدين وواقفين في كل ركن وكل واحدة وشها مليان ألوان وأشكال.
استقبلتنا
البنت اللي على الريسبشن، وهناء بدأت تطلع الفلوس وتدفع الحساب مقدم عشان نضمن الحجز السريع. قعدنا على الكراسي وبدأت العاملات يشتغلوا فينا.
وهناك.. في الكوافير ده، بدأت المفاجأة الأولى اللي ماكنتش مستعدة ليها خالص، مفاجأة هزت ثقتي في الخطة كلها من أول دقيقة.
الفصل الخامس صدمة المراآة والتحول المخيف
بينما كنت قاعدة على كرسي الميكب، والميكب أرتيست عمالة تحط طبقات ورا طبقات من الفاونديشن والكونسيلر والبودرة، كنت قفل عيني ومستسلمة تمامًا، بحاول أهدي ضربات قلبي اللي مابتوقفش. هناء كانت على الكرسي اللي جنبي وعمالة تتكلم مع اللي بتعملها شعرها وتضحك بصوت عالي.
بعد حوالي ساعتين من الشغل والتعب والشد، الميكب أرتيست قالتلي بنبرة فخر
ألف مبروك يا مدام.. شوفي نفسك في المراية بقى، بجد طلعتي تحفة ومختلفة تمامًا!
فتحت عيني وبصيت في المراية الكبيرة اللي قدامي. للحظة، جالي هبوط وحسيت إن ركبي مش شايلاني. بصيت يمين وشمال عشان أتأكد إن الوش اللي في المراية ده هو وشي أنا!
الملامح ماكنتش ملامحي بالمرة. الوش كان أبيض زي الجبس من كتر البودرة، العيون مرسومة بطريقة غريبة ومسحوبة بظلال جفون غامقة وتقيلة جداً تخوف، والروج كان لونه صارخ ومحدد بطريقة خلت شفايفي باينة ضخمة بشكل غريب. أنا اللي طول عمري وشي هادي وبشرتي قمحية صافية ومابحطش غير كحل خفيف، اتتحولت لعروسة مولد أو شخصية مرعبة في فيلم سينما!
لفيت وشي لهناء وقولت بصوت بيموت من الرعب
إيه ده يا هناء؟! مين دي؟ أنا شكلي بقى يخوف! أحمد لو شافني بالمنظر ده مش هيعرفني، ولو عرفني هيطلقني! الميكب ده تقيل وصارخ أوي ومش لايق عليا خالص!
هناء بصتلي وضحكت بصوت عالي وقالت
يا بنتي انتي مش فاهمة حاجة في الموضة!
ده اسمه ميكب سينمائي سواريه، عشان لما تدخلي القاعة وتحت الإضاءة القوية الألوان دي بتهدا وبتبان طبيعية وشيك جداً. انتي بس عشان مش متعودة تشوفي نفسك متزوقة. بصي عليا أنا طالعة إزاي؟
بصيت على هناء، ولقيتها هي كمان شبه ملامحها اختفت تماماً تحت أطنان المكياج والشعر المستعار المرفوع لفوق بشكل مبالغ فيه. الفساتين وصلت من الأتيليه، لبسناهم وصدمتي كملت. الفستان الكحلي اللي اختارتهولي كان ضيق جداً من عند الصدر والوسط، ومنفوش بشكل يخليني مش عارفة أمشي خطوتين على بعض، وفتحة الرقبة كانت أوسع بكتير من اللي أنا متعودة عليه وكنت عمالة أشد في القماش عشان أداري جسمي.
أما هناء فكانت لابسة فستان أحمر مكشوف الضهر وبتتحرك بيه بكل فخر وخيلاء. حسيت إننا بنعمل جريمة في حق وبساطتنا وحق رجالتنا، بس خلاص.. الفلوس اتدفعت، والوقت أزف، والفرح بدأ وصوت الأغاني والدي جي بدأنا نسمعه من بعيد لأن القاعة كانت قريبة من الكوافير.
الفصل السادس دخول القاعة وسقوط الأقنعة
ركبنا التاكسي تاني واتوجهنا للقاعة. الساعة كانت داخلة على تسعة بالليل. وصلنا قدام البوابة، وكان في زحمة وعربيات كتير والمعازيم بيدخلوا. نزلت من التاكسي وأنا بجر الفستان الكحلي بالعافية، وحاسة إن كل الناس بتبص علينا بنظرات استغراب وسخرية، مش نظرات انبهار زي ما هناء كانت متخيلة. الفساتين والمكياج كانوا مبالغ فيهم جداً بالنسبة لفرح شعبي أو عائلي متوسط.
وقفت عند مدخل القاعة وقولت لهناء وأنا برتعش
هناء، أنا مش قادرة أدخل.. رجلبا مش شايلاني. تعالي نرجع أو ندخل من الباب الوراني نغسل وشنا ده ونلبس لبسنا العادي.
مسكتني هناء من إيدي بقوة وقالت بحدة
تغسلي إيه وتتراجعي فين يا خايبة؟ إحنا دافعين ألوفات في الليلة دي! ارفعي راسك كده وادخلي معايا كأنك
ملكة.. يلا!
فتحت بوابة القاعة الكبيرة، ودخلنا. الأنوار كانت لفت والدي جي مشغل أغنية عالية جداً. أول ما دخلنا، الأنوار المتحركة فعلاً جت علينا للحظات، والناس بدأت تلتفت تبص مين دول.
مشينا بخطوات بطيئة وسط الطاولات. حماتي كانت قاعدة في الصفوف الأمامية مع قرايبها، أول ما عينيها جت علينا، برقت عينيها بذهول وصدمة، وحطت إيدها على صدرها وقامت وقفت من مكانها وهي مش مصدقة.
وفي نفس اللحظة، لمحت أحمد ومراد واقفين في جنب مع رجالة العيلة بيناقشوا حاجة. أحمد التفت بالصدفة وشاف المنظر. وش أحمد اتقلب في ثانية؛ ملامحه الطيبة والهادية اتمحت وحل مكانها غضب مرعب وعروق رقبته برزت واحمرت لدرجة خوفتني.
ساب الرجالة ومشي بخطوات سريعة وعنيفة باتجاهنا، ومراد وراه وشه زي الضلمة. أحمد وصل قدامي، وبص في وشي المتغطي بالمكياج ولف عينه على الفستان الضيق، وقال بصوت فحيح زي الأفعى من كتر الغيظ والكبت، بصوت واطي بس يقطع القلب
مين دي؟ سمر؟ إنتي سمر مراتي وأم عيالي؟ إيه القرف اللي انتي عاملاه في نفسك ده؟ وإيه اللبس المسخرة ده؟ وإنتي مش قولتلي إنك مع أختي في البيت بتساعديها؟!
الفصل السابع المواجهة العاصفة
لسه هفتح بوقي وأتكلم وأبرر والدموع بدأت تتجمع في عيني وتسيح المكياج، مراد أخوه وصل وزعق في هناء بصوت مسموع للناس القريبة
إيه المهزلة دي يا هناء؟ إيه اللي انتوا لابس ده ومنين الفلوس دي كلها؟ انتوا فاكرين نفسكم فين؟!
هناء حاولت تتماسك وترد بثقة كدابة
في إيه يا رجالة؟ جرى إيه؟ إحنا جايين نفرح بأختكم ونشرفكم قدام الناس.. دي فلوس الجمعية بتاعتنا وإحنا حرين فيها!
كلمة فلوس الجمعية نزلت على دماغ أحمد زي الصاعقة. بصلي وعينيه طالع منها شرار وقال بنبرة مكسورة وغاضبة في نفس الوقت
فلوس الجمعية؟ الفلوس اللي قولتلك شيليها عشان أقساط المدارس والتزامات البيت؟ الفلوس اللي بكدب على نفسي وبشقى الليل والنهار عشان أسدها؟ خدتيها تفرقعيها في كوافير وفساتين عريانة عشان تتفشخري قدام الناس وتكدبي عليا؟!
أنا انهرت تماماً والدموع بدأت تنزل بغزارة على وشي وعملت خطوط سودا من الكحل والماسكرا، وبقيت شبه حد طالع من حادثة. قولتله وأنا برتعش وببكي
يا أحمد والله هناء هي اللي أقنعتني.. وقالتلي مفاجأة.. أنا أسفة..
قاطعني أحمد وبصلي بنظرة عمري ما هنساها، نظرة قرف واستهانة، وقال ببرود قاتل
المفاجأة تمت يا هانم، والكل اتفاجأ فعلاً وعرفت أنا متجوز مين. الفرح
ده ملوش مكان ليكي فيه، ولا البيت عندي ليه مكان لواحدة كدابة وخاينة للأمانة.
التفت أحمد لمراد وقاله
أنا ماشي يا مراد، والست هانم دي حسابها معايا مش هنا.. حسابها في بيت أبوها.
أحمد سابني وسط القاعة ومشي، ومطلعش حتى يبص وراه. مراد سحب هناء من إيدها بغضب ولوا دراعها وقالها
امشي قدامي على البيت.. ليلتك سودا وسودا جداً كمان!
بقيت واقفة لوحدي في وسط القاعة، الفستان الكحلي المنفوش اللي كان من المفترض يخليني أميرة، بقى زي الكفن اللي خانقني. الناس بدأت تتوشوش وتبص عليا، وحماتي جت تجري عليا ووشها مليان زعل وعتاب وقالتلي
ليه كده يا سمر؟ ليه يا بنتي تكسري بخاطر جوزك الطيب ده وتكدبي عليه في ليلة زي دي؟ ده أحمد كان شايلك في عينيه!
الفصل الثالب الانهيار والعودة لخربة الوهم
خرجت من القاعة وأنا بجر أذيال الخيبة والندم. مكنتش عارفة أروح فين، فستاني ضخم ووشي متبهدل بالدموع والمكياج السايح، والناس في الشارع بتبص عليا كأني مجنونة أو هاربة من مصحة. ركبت تاكسي تاني وأنا ببكي بحرقة وصوت نحيبي مالي العربية. السواق كان بيبصلي في المراية بشفقة ومش عارف مالي.
قولتله يوديني بيت أبويا.. مكنتش أقدر أواجه أحمد في بيتنا وهو بالحالة دي، وكلمته مالكيش مكان في بيتي كانت بترن في ودني وتدبحني.
وصلت بيت أبويا ببرجولة مرتعشة. أول ما أمي فتحت الباب وشافتني بالمنظر ده، صرخت وحطت إيدها على بوقها
يا لهوي يا سمر! إيه اللي في وشك ده؟ وإيه اللبس ده؟ في إيه؟ جوزك جرى له حاجة؟ العيال فيهم حاجة؟!
دخلت اترميت في حضن أمي وأنا بصرخ وبقول
خربت بيتي يا أمي.. كدبت على أحمد وضيعت فلوس الجمعية في الهوا عشان ليلة انبهار كدابة.. أحمد طردني وقالي مالكيش مكان في بيتي!
أبويا صحي على صوت صراخي، وخرج من أوضته ولما شاف المنظر وعرف الحكاية، وشه اتغير وجاب آخره من الغضب. أبويا راجل صعيدي ناشف وبيفهم في الأصول، بصلي بقسوة وقالي
تستاهلي.. تستاهلي كل اللي جرى لك! الراجل شقيان وطالع عينه عشان يوفر لكم اللقمة، وانتي تروحي مع سلفتك المتهورة دي وتصرفي شقاه في كوافير ومظاهر كدابة وتكدبي عليه؟ إحنا ما ربيناكيش على الكدب وخيانة الأمانة يا سمر. اقعدي هنا في الأوضة دي، ومفيش خروج، ولما جوزك يتصل أو يجي ساعتها نشوف العمل إيه، ده لو رضي يبص في وشك تاني.
دخلت الأوضة، قلعت الفستان الكحلي اللعين ده ورميته على الأرض بكل غل، ودخلت الحمام فضلت أغسل في وشي بالمية والصابون
بغل، كنت عايزة أشيل كل أثر للمكياج اللي غطى على عقلي وعمى عيني. فضلت أدعك في بشرتي لحد ما احمرت ودمت، ورجعت سمر الطبيعية.. بس سمر المكسورة، النادمة، اللي ضيعت جوزها وبيتها في لحظة طيش.
الفصل التاسع مرارة الانتظار وسماع الأخبار
مرت الأيام الأولى عليا في بيت أبويا زي الدهر. مكنتش بنام، ومكنتش باكل. تليفوني مبي بطلش رن من قرايبي اللي بيستفسروا عن اللي حصل في الفرح، وأنا قافلة التليفون ومش عايزة أسمع صوت حد. كنت بموت في اليوم مية مرة من شوقي لعيالي اللي سيبتهم مع أحمد، ومن خوفي ليكون أحمد أخذ قرار الطلاق النهائي.
في اليوم الرابع، عرفت الأخبار من أمي اللي اتصلت بحماتي عشان تطمن على العيال وتهدي النفوس. أمي دخلت عليا الأوضة وقعدت جنبي وقالت بنبرة حزينة
بصي يا سمر.. هناء جرى لها أيام يعلم بيها ربنا. مراد أخو أحمد بهدلها، وأخذ منها دهبها وباعه عشان يسدد فلوس الجمعية اللي صرفتها، وحلف عليها يمين طلاق وترجع بيت أهلها تقعد هناك لحد ما تتربى وتعرف إن بيتها وجوزها أهم من المنظرة.
سألتها بلهفة وعيني مليانة دموع
وطب وأحمد؟ أحمد قال إيه يا أمي؟ والعيال عاملين إيه؟
تنهدت أمي وقالت
أحمد رافض يتكلم في الموضوع خالص. أخذ العيال ووداهم لحماتك تاخد بالها منهم وهو بينزل شغله ويرجع وشه في الأرض ومش طايق يسمع اسمك. حماتك بتقول إن أحمد مكسور.. مش بس زعلان، مكسور لأنك كدبتي عليه واستغليتي ثقته فيكي وطيبته.
بكيت وقولت
أنا مستعدة أروح أركع تحت رجليه وندمانة والله، أنا عمري ما كدبت عليه قبل كده، دي كانت لحظة غباء وشيطان!
أمي قالتلي
الراجل المجروح محتاج وقت يا بنتي. سيبيه دلوقتي لحد ما ناره تهدى، وأبوكي هيكلمه بعد كام يوم ويقعد معاه راجل لراجل ونشوف الأمور هتوصل لفين.
الفصل العاشر جلسة الحق والدرس القاسي
بعد أسبوعين كاملين من العذاب، وافق أحمد أخيراً يجي يقعد مع أبويا في بيت أهلنا عشان يقرروا مصير
حياتنا. اليوم ده كنت قاعدة في الأوضة وجسمي كله بيرتعد، سامعة صوت أحمد بره في الصالة وهو بيتكلم برزانة وبصوت هادي بس حاد زي السكين.
أبويا بدأ الكلام وقاله
يا أحمد يا ابني.. إحنا عارفين إن سمر غلطت غلط كبير، والغلط راكبها من ساسها لراسها، وإحنا هنا مش بنبرر لها. الكدب وخيانة الأمانة في الفلوس دي حاجة إحنا ما نرضاهاش، وبنتنا اتربت على إيدنا هنا وتأدبت وعرفت قيمتك وقيمة بيتها.
أحمد سكت شوية، وبعدين قال بنبرة مليانة وجع
يا
عمي.. أنا مكنتش محرمها من حاجة على قد مقدرتي. الملحفة اللي جبتها لها كانت بفلوس شقايا وكنت شايفها فيها ست الستات. لكن هي اختارت تسمع لكلام سلفتها وتعمل خطة وكذبة وتصرف فلوس الجمعية اللي أنا طاحن نفسي عشان أسدها كل شهر.. كل ده عشان لقطة انبهار كدابة في فرح! أنا حسيت إنها مش شيفاني ولا مقدرة تعبي، وحسيت إن مظهرها قدام الناس أهم من أمانتي معاها.
أبويا ناداني اخرجي يا سمر.
خرجت ودموعي على خدي، ووشي في الأرض، مكنتش قادرة أرفع عيني في عينه. وقفت قدامه وقولت بصوت مخنوق من البكاء
أنا أسفة يا أحمد.. والله العظيم أنا ندمانة ومستعدة لأي عقاب. أنا مش عايزة فساتين ولا كوافيرات ولا مظاهر، أنا عايزة بيتي وعيالي وعايزاك إنت.. متخربش بيتنا عشان لحظة طيش غبية.
بصلي أحمد بنظرة طويلة، كان فيها عتاب وندم، بس كان فيها برضه بقايا حب وعشرة. قال بعد تنهيدة طويلة
أنا مش هطلقك يا سمر.. عشان العيال وعشان العشرة وعشان عمي الراجل المحترم ده. بس الرجوع لية شروط.
وقفت بلهفة وقولت موافقة على أي شرط!
قال أحمد
أولاً، فلوس الجمعية اللي ضيعتيها، دهبك اللي في إيدك ده هناخده ونبيعه ونرد الفلوس مكانها عشان الأقساط والالتزامات اللي علينا، وإنتي اللي هتتحملي نتيجة ده من غير أي شكوى. ثانياً، هناء وسيرتها وخروجك معاها خط أحمر.. علاقتكم هتبقى سلام من بعيد لبعيد في المناسبات وبس، ومفيش كلام في خصوصيات بيتنا تاني أبدًا. ثالثاً، الكدب.. لو شميت ريحة كذبة واحدة تانية في حياتنا، وري العيال هتبقى هي الأخيرة بيني وبينك.. فهمتي؟
هزيت راسي بسرعة ودموع الفرحة والندم نازلة
فهمت والله وفهمت الدرس كويس جداً.. ربنا يخليك ليا ويقدرني أعوضك عن الوجع ده.
الخاتمة نهاية الوهم وبداية الاستقامة
رجعت بيتي في نفس الليلة. دخلت الأوضة وبصيت على الملحفة السودة الشيك اللي أحمد جابهالي، لبستها ووقفت قدام المراية.. وشي كان طبيعي، ملامحي هادية، والملحفة كانت مدياني وقار وجمال حقيقي مش مزيف زي اللي شوفته في الكوافير.
عرفت في الليلة دي إن رضا الزوج وبساطة العيشة والأمانة هما اللبس الحقيقي اللي بيجمل الست، وإن المظاهر الكدابة والجرى ورا كلام الناس والانبهار الأعمى مابيجبش غير خراب البيوت وفضح المستور. هناء رجعت لجوزها مراد بعد شهور طويلة من المشاكل وبعد ما اتقص ريشها تماماً واتعلمت الدرس هي كمان. ومن يومها، وحياتنا ماشية بالبركة والصداقة، وتوبة لربنا من أي كذبة أو خروج عن طوع الراجل اللي شارينا وبيكافح عشاننا.


تعليقات
إرسال تعليق