القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 داخل غرفه العمليات كامله 



داخل غرفه العمليات كامله 

كنت داخل غرفه العمليات ونجاح العمليه بتاعتى ضعيف وقتها قررت اعترف لمراتى انى متجوز ومخلف من مراتى التانيه ولد واعترفت لمراتى ط انى متجوز عليها ومخلف ولك ولو جرالى حاجه وصتيها وصيه واجبه التنفيذ انها تاخد بالها من مراتى التانيه وابنى لانهم مالهمش حد فى الدنيا غيرى

بصيت لملامح مراتى كانت فاقده النطق لقتها بعدتت ومابقتش عارفه تقول ايه

اللى خلانى اعترفلها انى مش ضامن لو دخلت العمليات هخرج ولا لأ وغير كده عشان مايكنش فى مشاكل فى الورث وتعترف بابنى على طول عشان ياخد حقه فى املاكى

عيوني كانت بتدور في ملامحها، كنت بدور على أي استيعاب، بس كانت هي تماثيل، متجمدة في مكانها. كملت بلهفة وكأني بنطق وصية أخيرة:

“أمانة عليكي.. الولد في رقبتك، أمه غلبانة وملهاش حد في الدنيا دي غيري، وأنا مش ضامن عمري. لو جرالي حاجة، هما أمانة في إيديكي، خدي بالك منه، اعتبريه ابنك اللي جالك على كبر، بلاش حد ييجي عليه أو ياكل حقه.. خليهم في عينيكي، أنا مش عايز غير إني أكون مطمن عليهم وهما معاكي.”

فضلت أوصيها، بكرر كلامي بضعف، وبحلفها بالله وبالعشرة اللي بينا إنها متهملش في حق ابني ولا في حق أمه، كنت مأكد على كل تفصيلة تخصهم، وكأن مفيش في دنيتي غيرهم.

وفجأة.. سكت.

وقفت وصيتي عند ابني ومراتى التانية، ونسيت تماماً إني ليا بنات من “سمر” واقفة قدامي، نسيت أقولها خدي بالك من البنات، نسيت أوصيها عليهم هما كمان، وكأن في اللحظة دي، بناتنا مكنوش موجودين في حساباتي، وكأن اللي كان شاغل كل تفكيري هو التكفير عن ذنبي تجاه ابنى ومراتى الاانيين ونسيت اللي بنيته معاها طول السنين اللي فاتت. كانت بتبصلى وهى ساكته خالص مقالتش ولا كلمه لا انهارت ولا زعقت ولا صوتت ولا وافقت كانت واقفه ساكته لحد ما انا دخلت غرفه العمليات اللى كنت فاكر انى هموت فيها لكن لما خرجت منها اتفاجئت

فتحت عيني بصعوبة، الرؤية كانت مشوشة، وريحة البنج والمستشفى مالية صدري. كل حاجة حواليا كانت بتلف، بس وسط الدوامة دي أدركت حقيقة واحدة.. أنا لسه عايش! العملية اللي نسبة نجاحها كانت ضعيفة عدت، والموت اللي كنت مستنيه على باب أوضة العمليات مجاش.

أول حاجة دورت عليها عيني كانت “سمر”. كنت مستني أشوفها قاعدة جنبي، كنت متخيل إني هلمحها بتعيط، أو بتبصلي بغضب الدنيا كله، أو حتى بتعاتبني على كل كلمة قلتها قبل ما أدخل. كنت مجهز نفسي لأي حاجة.. لأي عاصفة ممكن تطلع منها.. إلا اللي شفته.

الرؤية بدأت توضح واحدة واحدة، وملامح الوشوش اللي في الأوضة بدأت تبان. مكانتش سمر!

اللي كانت واقفة جنب السرير، ماسكة إيدي وبتعيط بلهفة ودموعها مغرقة وشها، كانت مراتي التانية.. وفي إيديها التانية حاضنة ابني اللي بيبصلي بخوف وفرحة إني فتحت عيني.

حسيت كأن جبل تلج نزل على صدري، الأجهزة اللي متوصلة بيا بدأت تدي أصوات سريعة من خضة قلبي. وجع الجرح اللي في جسمي كان ولا حاجة قصاد الوجع والصدمة اللي ضربتني في اللحظة دي.

إيه اللي جابهم هنا؟! ومين اللي عرفهم طريق المستشفى؟! أنا مقلتلهمش إني هعمل عملية أصلاً عشان مخوفهمش..

الإجابة نزلت على عقلي زي الصاعقة.. “سمر”.

سمر اللي وقفت ساكتة زي الصنم وأنا بنطق وصيتي، سمر اللي نسيت بناتي وأنا بكلمها ومركزتشانتباهي غير في ابني ومراتي التانية.. نفذت الوصية قبل حتى ما أموت! تواصلت معاهم وجابتهم لحد عندي عشان تستلم الأمانة اللي رميتها في حجرها، وانسحبت هي بهدوء من المشهد كله.

حاولت أتكلم، لساني كان تقيل من البنج، بصيت لمراتي التانية وسألتها بصوت مقطع طالع بالعافية: “إنتوا.. جيتوا.. إزاي؟”

ردت عليا وهي بتمسح دموعها: “مدام سمر كلمتني.. قالتلي إنك في المستشفى وتعبان جداً وطلبت مني أجي أنا والولد فوراً.. ولما وصلنا دخلتنا الأوضة هنا وقالتلي خليكوا جنبه هو محتاجكم أكتر مني.. ومشت.”

كلمة “مشت” رنت في وداني كأنها حكم إعدام. دورت بعيني في الأوضة، على أمل ألمح طيفها، على أمل ألاقي بناتي واقفين في أي ركن.. مفيش. الأوضة فاضية إلا مني ومن العيلة اللي خبيتها سنين.

طلعت من الموت عشان أكتشف إن سمر مانهارتش ولا صوتت ولا زعقت، سمر عملت اللي أصعب من كل ده.. سمر اللي مسحتها هي وبناتي من آخر حساباتي، قررت إنها تمسحني من حياتهم للأبد. عشت من العملية، بس خسرت بيتي الأولاني بلا رجعة.


سحبت نفسي بالعافية، حاولت أعدل قعدتي، ووجع العملية كان بيصرخ في جسمي، بس وجع قلبي كان أعلى بكتير. بصيت لمراتي التانية اللي كانت لسه متمسكة بإيدي، والولد قاعد جنبها عيونه متعلقة بيا، سألتها بصوت مخنوق:

“سمر.. هي سمر فين و قالتلك إيه بالظبط لما كلمتك؟ كانت عامله إزاي؟ واخدة بالها من البنات؟ طيب هي راحت فين لما سابت المستشفى؟”

اتنهدت هي وبصت للأرض، كأنها بتجمع الكلمات اللي خايفة تقولها، وبعدين رفعت عينها فيا وقالت بصوت هادي ومكسور:

“مدام سمر كانت غريبة يا أحمد.. كلمتني بصوت ثابت، ثابت لدرجة خوفتني أكتر من العياط. قالتلي بالحرف: ‘أحمد في المستشفى، عمليته صعبة، ومحتاج ابنه ومحتاجك جنبه دلوقتي، أنا قمت بالواجب اللي كان عليه، والباقي أمانة في رقبتكم’. ما قالتش أكتر من كدة، ما سألتنيش مين أنا، ولا حتى لامتني على حاجة.”

سكتت لحظة، كأنها بتسترجع المشهد، وكملت:

“لما وصلنا هنا، لقيتها واقفة في الممر بره الأوضة دي، كانت بتنتظرنا. مجرد ما شافتني أنا والولد، شورتلي على باب الأوضة، وقالتلي ببرود: ‘ادخلوا، هو محتاجكم’. حاولت أسألها هي رايحة فين، أو اطمن منها عليك، بصتلي نظرة.. مش عارفة أوصفها، نظرة كأنها شافت فيا حياتها التانية اللي اتسرقت منها. وقبل ما أنطق بكلمة تانية، سابتنا ومشت.. مشيت بخطوات واسعة، من غير ما تلتفت وراها ولا مرة.”

حسيت الدنيا بتلف بيا أكتر. يعني هي ما كانتش بس بتنفذ الوصية.. هي كانت بتنهي دورها في حياتي.

غمضت عيني، والدموع خانتني ونزلت على خدي. سمر مشيت، وخدت معاها حقي في بناتي، وخدت معاها بيتي، وسابتني هنا، وسط “الوصية” اللي كنت فاكر إنها هترتب حياتي، بس هي في الحقيقة.. فرقتها لقطع لا يمكن تتجمع تاني.قصص وروايات أمانى سيد عدى أسبوع كامل وأنا في المستشفى، أسبوع كان أطول من عمري كله. طول الأيام دي، كنت عايش على أمل إن الباب يتفتح وتدخل “سمر” ومعاها البنات، ولو حتى عشان تصرخ في وشي، أو تطلب الطلاق، أو حتى تشتمني.. أي رد فعل كان أهون بكتير من السكوت ده.اللى عايز يشوف الحصرى والجديد يعمل متابعه على صفحتى قصص وروايات أمانى سيد

مراتي التانية كانت بتحاول تقوم بكل حاجة، بتخدم، وبتاخد بالها من الولد، وبتحاول تقرب مني، بس كل حركة منها كانت بتزود المسافة اللي بيني وبين بيتي الأولاني. كنت ببص لكل اللي داخلين المستشفى، أي حد بيعدي من قدام باب الأوضة، قلبي كان بينط من مكانه وأقول أكيد هي.. بس خيبات الأمل كانت بتتكرر كل يوم، وكل ساعة.

لا سمر جات، ولا حتى سألت، ولا البنات اتصلوا بيا يطمنوا.. تليفوني اللي كان على الكومودينو، كنت بفتحه كل شوية، براجع سجل المكالمات، وبدخل على رسايل الواتساب، يمكن ألاقي مسج واحدة، عتاب، توبيخ.. أي حاجة تقول إنهم لسه فاكرين إني موجود، أو إن ليا مكان في حياتهم. بس مفيش، مفيش أي أثر.

حتى التليفونات اللي كنت ببعتها لسمر، كانت بتوصل، بس مفيش رد. كانت بتشوف الرسايل -علامتين الصح الزرقاء بتظهر- بس مفيش حرف واحد بيرد على كل الوجع اللي ببعته.

بمرور الأيام، بدأ يقين مرعب يتسرب لقلبي.. سمر مش بس سابت المستشفى، سمر سابت حياتي، سابتني وخدت معاها البنات وقطعت كل الخيوط اللي كانت بتربطنا. عرفت في الأسبوع ده إن “الوصية” اللي كنت فاكرها طوق النجاة، كانت هي الحبل اللي خنقت بيه نفسي، وهي السكينة اللي قطعت بيها علاقتي باللي فعلاً كانوا بيحبوني.

كنت قاعد على السرير، باصص لشباك الأوضة، شايف الناس بره ماشية في حياتها عادي، وأنا بقيت غريب في دنيتي.. بقيت لوحدي رغم إنهم حواليا، وحيد رغم وجود اللي كنت بخبي وجودهم عشان أرتاح. الأسبوع ده علمني إن في كسور مفيش دكتور ولا عملية تقدر تعالجها، وإن الندم لما بييجي متأخر، بيكون طعمه أمر من الموت نفسه.

المشكلة الاكبر اللى حسستنى انى صغير لما خرجت وواجهتها



اليوم اللي خرجت فيه من المستشفى، كان جسمي لسه مكسر، بس روحي كانت أكتر كسر. ركبت العربية ووجهتي كانت بيتي.. بيتنا اللي بنيته لبنة لبنة، اللي كنت فاكر إنه الملاذ اللي هرجعله مهما غبت.

وقفت قدام باب الشقة، إيدي كانت بترجف وأنا بطلع المفتاح. دخلت، البيت كان هادي.. هدوء غريب، هدوء مقابر. لقيتها قاعدة في الصالون، مش بتعمل حاجة، بس باصة للفراغ، كأنها كانت مستنية اللحظة دي.

بصيت لها، ملامحها كانت صخر، لا حزن، لا فرح، لا عتاب. مشيت ناحيتها بخطوات تقيلة، قلت بصوت مكسور:

“أنا جيت.. أسبوع كامل كنت في المستشفى بين الموت والحياة، ولا حتى تليفون.. لا أنتي، ولا البنات. ليه يا سمر؟ ليه هونت عليكي؟ ده حتى العدو بيسأل عن عدوه في محنته!”

وقفت، واتحركت ببطء ناحية الشباك، بصت للشارع من غير ما تلتفت ناحيتي. سكتت ثواني، السكوت ده كان بيقطع شراييني، وبعدين لفت وشها ليا، عينها كانت ناشفة تماماً، وقالت بصوت هادي، بارد، وقوي:

“كنت بسأل نفسي طول الأسبوع ده سؤال واحد.. هو أنا كنت عايشة مع مين؟ أنا اللي كنت فاكراك راجل بيحمي، اكتشفت إني كنت عايشة مع سر مدفون، ووصية مبنية على خذلان.”

حاولت أقاطعها، أدافع عن نفسي، بس هي رفعت إيدها وقطعت كلامي:

“مش عايزة أسمع مبررات. أنا سألت عنك، وعرفت إنك خرجت من العملية بالسلامة، ده كان كفاية عشان أرتاح ضميرياً. بس اللي ما عرفتوش.. هو إزاي أسامح نفسي إني فضلت مغيبة سنين، وإزاي أرجع أبدأ يومي تاني وأنا شايفة في عيون البنات صورة أبوهم اللي نسي وجودهم في لحظة موته.”

بلعت ريقي بصعوبة، لساني عجز عن الرد. قربت مني خطوة، بصت في عيوني بنظرة أخيرة، وقالت:

“أنا ما زرتكش لأني كنت بموتك جوايا، وبدفن أي ذكرى ربطتني بيك عشان أعرف أكمل. أنا مش عايزة أعاتبك، ولا عايزة أسمع أعذار تانية. اللي بينا انتهى يا أحمد في اللحظة اللي اخترت فيها ‘أمانتك’ التانية ونسيتنا نسيت توصينى على بناتى .. أنا عايزة الطلاق.”

كلمة “طلاق” نزلت عليّ زي الصاعقة، حسيت الأرض بتميد بيا. حاولت أتحايل، أقولها “عشان خاطر البنات”، “عشان العشرة”، بس سمر كانت أخدت قرارها، وبنت سد بيني وبينها، سد لا يمكن يتهد. كانت واقفة قدامي، مش بس بتطلب الطلاق، كانت بتعلن استقلالها عن حياة كنت فاكر إني بملكها، وطلعت هي اللي كانت مملكاني.

الكلمة رنت في وداني كأنها صوت رعد في ليلة شتا، حاولت أستوعب إن دي “سمر”.. سمر اللي كانت بتخاف عليا من نسمة الهوا، بقت واقفة قدامي بصلابة مش قادر أكسرها.

“طلاق؟” قلتها بصوت مخنوق ومكسور، “يا سمر ده إحنا عمر.. ده إحنا سنين وبنات! معقولة عشان غلطة، عشان لحظة خوف من الموت، تهددي كل ده؟”

بصتلي بهدوء مرعب، وقالت: “الغلطة مش في الجوازة نفسها يا أحمد.. الغلطة في ‘الاستغفال’. الغلطة إنك في اللحظة اللي كنت بتواجه فيها ربك، كان عقلك وقلبك ووصيتك مشغولين بيهم هما، مش بينا.. إحنا اللي شيلناك في تعبك ومرضك، إحنا اللي بنينا معاك الطوبة فوق الطوبة، فجأة بقينا بره حساباتك، بره وجودك.. بقيت أنا والبنات مجرد ‘تحصيل حاصل’.”

مشيت ناحية أوضة البنات، ووقفت بتبص للباب، وكملت بصوت مبحوح: “البنات لما عرفوا.. مش هقولك انهاروا، بس اتكسروا. اتكسروا لما عرفوا إن أبوهم اللي بيشوفوه بطل في حياتهم، كان بيخبي عليهم دنيا تانية، وكان بيوصي عليهم الغريب وناسي لحمه ودمه.”

قربت منها، كنت عايز أمسك إيديها، بس بعدت عني كأنها خايفة من لمسي: “مش عايزة أعذار، ولا عايزة أسمع ‘كان قصدي إيه’. اللي حصل حصل، والشرخ اللي في قلبي مفيش أي عملية في الدنيا تقدر تخيطه. أنا مش هحرمك من بناتك، بس بيتك.. بيتك انتهى من اللحظة اللي اخترت فيها إنك تودعني وأنت بتوصي عليا حد غيري.”

قعدت على الكرسي بضعف، وبصيت للأرض، والبيت اللي كان دافي بقى بارد جداً. سمر سابتني وطلعت من الأوضة، وسمعت صوت قفل باب أوضتها وراها.. صوت كان بمثابة إعلان النهاية.

لقيت نفسي لوحدي، في وسط أحلامي اللي اتهدت، وجدران البيت اللي بقت بتسمع صمتي. “الوصية” اللي كنت فاكرها بتأمن مستقبل ابني، كانت هي اللي بتهدم مستقبلي ومستقبل بناتي. طلعت من المستشفى جسدياً، بس روحي فضلت محبوسة في اللحظة اللي نطقت فيها كلمات الوصية، وبدأت أعيش “الموت” الحقيقي.. الموت اللي مفيش بعده رجوع.

مرت الأيام والأسابيع وأنا مكسور، عايش في بيت بقى شبه المتاهة، جدرانه بتفكرني بكل لحظة غلطتها. كنت بحاول أصلح اللي انكسر، بحاول أفتح كلام مع “سمر”، بس كانت بتتعامل معايا بحدود ضيقة، حدود “أب لبناتها” مش “شريك حياة”.

في يوم، لقيتها واقفة قدامي، ملامحها هادية بس فيها حزم مفيش بعده رجوع. قالتلي من غير مقدمات: “أحمد، الموضوع مش محتاج وقت أكتر من كدة. الطلاق مش بس عشان اللي عملته، الطلاق عشان أنا مبقتش شايفة الراجل اللي عرفته زمان. الثقة لما بتتهز من الجذور، مفيش قوة في الأرض تقدر ترجعها.”

حاولت أرد، أقولها إني غلطت وندمان، إن الدنيا كانت ضيقة في عيني، بس قاطعتني ببرود: “أنت كنت بتفكر في ‘الوصية’، وأنا كنت بفكر في ‘العمر’. أنت عشت حياتك في صمت وخوف، وأنا قررت أعيش حياتي بوضوح.. حتى لو كان الوضوح ده طلاق.”

سكتت، وقفت أبص لها وللبيت اللي كنت فاكره مملكتي. لقيت نفسي غصب عني بسأل: “والبنات؟ هتفهميهم إيه؟”

بصتلي وعيونها لمعت بوجع مكتوم: “هقولهم الحقيقة.. الحقيقة اللي أنت قولتها بلسانك في وقت ضعفك، الحقيقة اللي خلتني أشوف إنك كنت بتوزع أماناتك وناسي إننا أمانة أكبر. البنات كبروا يا أحمد، وهما شافوا بعينهم وشعروا بقلبهم، مش محتاجين تفسير.”

في اللحظة دي، أدركت إن “الوصية” اللي كنت فاكرها بتحمي ابني، كانت بتكشف لي إن حياتي السابقة كانت قايمة على خيوط واهية. خرجت من البيت، وقفت في الشارع، والهدوء اللي حواليا كان بيصرخ في وداني. مشيت من غير وجهة، عارف إن “الطلاق” ده مش مجرد ورقة، ده نهاية عالم كامل بنيته بدمي وعرقي، وبإيدي اللي خفت من الموت، دمرت كل حاجة كانت بتديني معنى للحياة.

وقفت قدام باب شقتي، اتأملت آخر لحظة ليّ فيه، وبدأت أدرك إن الندم مهما كان كبير، مش هيرجع اللي راح.. وإن “الوصية” الوحيدة اللي كان لازم أهتم بيها، هي اللي حافظت عليها طول السنين، واللي ضيعتها في لحظة “اعتراف” كانت هي آخر خيوط حياتي القديمة.

وقعت ورقة الطلاق، وكان صوت القلم على الورق زي صوت مقص بتقطع آخر رابط كان بيني وبين عمري اللي فات. سمر مشيت بهدوءها المعتاد، خدت البنات واختفت، وكأنها ما كانتش في يوم من الأيام شريكة عمري.

بدأت صفحة جديدة في بيت تاني، مع مراتي التانية وابني اللي كنت بدعي إني بضحي عشانهم. لقيت نفسي في بيت هادي، فيه كل احتياجاتي المادية، بس كان “بيت” مش “حياة”. مراتي الجديدة كانت بتعمل اللي عليها، بتطبخ، بتنظف، وبتهتم بالولد، بس كان فيه حاجة ناقصة.. حاجة مكنتش قادرة تملأ الفراغ اللي سابته سمر.

بينما أنا قاعد على الكنبة، بشرب الشاي، كنت بفتكر سمر وهي بتقدمهولي بابتسامة، بفتكر نظرة البنات وهما بيجروا عليا أول ما أدخل البيت، بفتكر الدفا اللي كان بيغمرني حتى في عز أزماتنا. مراتي الجديدة كانت ست كويسة، بس “الحنان” اللي كنت باخده من سمر مكنش موجود في تصرفاتها، “الاهتمام” اللي كان بيخليني أحس إني ملك الدنيا، مكنش ليه وجود.

كنت بفضل قاعد ساعات طويلة باصص للحيطان، خيالات سمر وبناتي بتطاردني في كل ركن. ابني الصغير بيجي يقعد جنبي، بضمه، بحاول أحبه، بحاول أعيش الدور اللي رسمته لنفسي، بس قلبي كان في مكان تاني خالص.. كان في البيت اللي دمرته بـ”اعترافي”.

كل ما أحاول أقرب من مراتي الجديدة، ألاقي نفسي ببعد، بقارن بينها وبين سمر في كل تفصيلة صغيرة. هي مش سمر، وعمرها ما هتكون سمر. لقيت نفسي غريب في بيتي الجديد، سجين لندمي، وعايش جسد بس، أما روحي فكانت لسه معلقة في بيت سمر اللي بقيت غريب عنه للأبد.

اكتشفت إن “الوصية” اللي كنت فاكر إنها هتريحني، كانت لعنة بتبتسم في وشي كل يوم، بتفكرني إني ضحيت بالدهب عشان أعيش مع النحاس، وإني مهما حاولت أهرب من الحقيقة، الحقيقة هي إني خسرت كل حاجة عشان سر كان المفروض يفضل مدفون.

انا نسيتهم فى اخر لحظاتى وهما تناسونى


تعليقات

التنقل السريع
    close