القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 سكريبت في قداس بنته كاملة 



في قداس بنته بقلم زيزي احمد

 

كان قداس السنتين على وفاة ماريان لسه بيخلص، لما موبايل مينا اهتز وهو قاعد على الدكة الخشبية في الكنيسة.

في الأول ما كانش ناوي يرد.

الرقم ده ما كانش بيتصل بيه غير مديرين الشركة أو المحامين، وكلهم عارفين إنه في يوم الحد وقت القداس ما بيردش على حد.

لكن أول ما بص على الشاشة...

حس إن الدم اتجمد في عروقه.

الرسالة جاية من رقم ماريان...

بنته.

نفس البنت اللي قالوا إنها ماتت من سنتين في حادثة على طريق القاهرة العين السخنة.

فتح الرسالة بإيد بتترعش.

يا بابا... بكرة هتخرّج. لو لسه بتحبني، ماتتأخرش عليّا المرة دي.

اتسمر مكانه.

صوت أبونا كان لسه بيتكلم عن الرجاء والقيامة والحياة الأبدية...

لكن مينا ما بقاش سامع أي كلمة.

نانسي، مراته التانية، لاحظت إن وشه اتغير.

همست وهي بتقرب منه

في إيه يا مينا؟

من غير ما يتكلم، وراها الموبايل.

أول ما قرت الرسالة...

وشها اصفر في ثانية.

وقالت بسرعة

دي أكيد لعبة سخيفة... حد بيحاول يستفزك.

في اللحظة دي، قرب ماهر، ابن نانسي، والمدير المالي لشركة العيلة.

قال وهو بيمد إيده

اديني الموبايل... هعرف أوصل لصاحب الرقم.

لكن مينا ضم التليفون لصدره وقال بحزم

محدش هيلمسه.

مسكت نانسي دراعه وهي بتحاول تهديه.

يا حبيبي... ماريان ماتت. إحنا استلمنا شهادة الوفاة... وحضرنا جنازتها.

بصلها بعين مليانة وجع وقال

حضرنا جنازة... لكن التابوت كان مقفول. أنا عمري ما شفت وش بنتي.

سكت التلاتة.

ماهر بص لأمه وقال

المستشفى أكد الهوية... مستحيل الرسالة دي تكون حقيقية.

وفجأة...

الموبايل اهتز تاني.

وصلت صورة.

كانت مش واضحة قوي، ومتتصورة من بعيد...

لكن كانت كفاية تخلي مينا يحس إن روحه خرجت منه.

بنت لابسة روب التخرج، واقفة قدام الجامعة.

وفي إيدها الشمال...

إسورة فضة عليها تعليقة صليب صغير.

نفس الإسورة اللي مينا جابها لماريان يوم عيد ميلادها ال.

الإسورة اللي نانسي قالت إنها اتحرقت في الحادثة.

همس وهو بيبص للصورة

الإسورة دي... مستحيل


تكون موجودة.

مدت نانسي إيدها بسرعة عشان تاخد الموبايل.

لكن مينا شده منها وهو صرخ

لا!

صوته دوّى في الكنيسة.

ناس كتير بصوا عليهم، لكن هو ما اهتمش.

بعد القداس، حاولت نانسي تقنعه يرجع البيت ويرتاح.

وقالت

إنت متوتر... ولو الصحافة عرفت إنك بالحالة دي، هتبقى مشكلة.

لكنه ما كانش سامعها.

رجع البيت، وطلع أوضة ماريان...

كانت زي ما هي من يوم وفاتها.

كتبها...

صورها...

دفاترها...

وكل حاجة كانت في مكانها.

فتح واحد من دفاترها...

ولقى جملة مكتوبة أكتر من مرة

ماتتأخرش.

قعد على سريرها...

وانهار في عياط صامت.

ولما الساعة عدت نص الليل، اتصل بالمحامي القديم جورج، اللي كان بيشتغل زمان مع ميرفت، مراته الأولى وأم ماريان.

وصل جورج بسرعة.

شاف الرسالة...

والصورة...

والإسورة.

وبعدين سأل سؤال واحد

إنت شفت جثة بنتك بنفسك؟

مينا هز راسه بالنفي.

وقال

نانسي قالتلي الأفضل أفتكرها وهي جميلة.

قفل جورج الملف وقال بهدوء

يبقى مفيش دليل إن بنتك ماتت... فيه بس قصة اتقالتلك، وإنت صدقتها.

تاني يوم الصبح...

صحيت نانسي، لقت السرير فاضي.

الدولاب مفتوح.

وجواز سفر مينا اختفى.

نزلت السلم وهي مرعوبة.

ماهر شافها وسألها

مالك يا ماما؟ إنتِ خايفة من إيه؟

بصت للموبايل اللي في إيدها وقالت بصوت واطي

لأن لو مينا لقى ماريان... كل اللي بنيناه هيقع.

وساعتها...

فهم ماهر إن أمه ما كانتش خايفة من رسالة مجهولة...

كانت خايفة من حقيقة اتدفنت... وهي لسه عايشة الجزء الثاني

خرج مينا من البيت قبل شروق الشمس.

ما خدش معاه غير جواز السفر، والموبايل، وملف قديم كان محتفظ بيه من يوم الحادث.

الملف اللي عمره ما قدر يفتحه من كتر الوجع.

أول محطة راحها كانت مكتب المحامي جورج.

كان الراجل مستنيه، وعلى المكتب قدامه نسخة من تقرير الحادث، وشهادة الوفاة، ومحضر الشرطة.

قال جورج وهو بيفتح الملف

في حاجة غريبة من زمان... بس وقتها محدش ركز فيها.

قرب مينا بسرعة.

إيه هي؟

قلب جورج الصفحات لحد ما وقف عند تقرير المستشفى.


وأشار بإصبعه.

الجثمان وصل متفحم بالكامل... والتعرف عليه تم اعتمادًا على المتعلقات الشخصية بس.

عقد مينا حاجبيه.

يعني ما كانش فيه تحليل DNA؟

هز جورج رأسه.

في الوقت ده... ما اتعملش.

ساد صمت طويل.

وفجأة رن موبايل مينا.

رقم مجهول.

رد بسرعة.

لكن ما سمعش غير نفس هادئ لبنت صغيرة.

بابا...

اتجمد مكانه.

ماريان؟

لكن الخط اتقفل.

بعدها بثانية وصلت رسالة جديدة.

لو عايز تعرف الحقيقة... روح جامعة القديسة مريم الساعة عشرة الصبح. وتعالى لوحدك.

قرأ الرسالة أكتر من مرة.

جورج قال بحزم

ممكن يكون فخ.

رد مينا من غير تردد

ولو كان فخ... لازم أعرف.

...

في نفس الوقت...

كانت نانسي ماشية بعصبية جوه الفيلا.

وماهر واقف قدام الشباك بيتابع عربية مينا وهي بتبعد.

قال بهدوء

واضح إنه مش هيسكت.

ردت نانسي وهي بتضغط على إيديها

لازم نعرف رايح فين.

قال ماهر

هنبعت حد يراقبه.

بصت له بسرعة.

من غير ما يحس.

...

الساعة قربت عشرة.

وقف مينا قدام بوابة الجامعة.

الطلبة لابسين روبات التخرج، والفرحة مالية المكان.

كان بيبص في كل وش...

يمكن يشوفها.

يمكن تكون الرسالة صدق.

عدت دقيقة...

واتنين...

وخمسة.

لحد ما بنت صغيرة خبطت فيه بالغلط.

وقعت منها ورقة مطوية.

اعتذر وهو ناولها الورقة.

لكن قبل ما تمشي، همست من غير ما تبصله

الورقة دي ليك.

وجريت وسط الزحمة.

فتحها بسرعة.

كان مكتوب فيها بخط إيد يعرفه كويس

لو لسه بتثق في جورج... اسأله عن القضية رقم ٤٧١.

وتحت الجملة...

مرسوم نفس الصليب الصغير اللي كان متعلق في إسورة ماريان.

رفع مينا عينيه يدور على البنت...

لكنها كانت اختفت تمامًا وسط مئات الطلبة.

وفي اللحظة نفسها...

كان شخص واقف في الدور الرابع من مبنى الجامعة، بيراقبه بمنظار صغير.

وقال في الموبايل بصوت منخفض

هو وصل...

بلغوهم إن الخطة بدأت الجزء الثالث

فضل مينا واقف ماسك الورقة، وعينه بتلف بين وشوش الطلبة.

البنت اللي ادته الرسالة اختفت كأن الأرض انشقت وبلعتها.

طلع موبايله واتصل بجورج.

أول

ما رد، قال من غير مقدمات

إيه هي القضية رقم ٤٧١؟

سكت جورج ثواني.

وبعدين قال بصوت متردد

إنت فين دلوقتي؟

قدام الجامعة.

ماتتحركش... أنا جاي.

قفل الخط.

لكن مينا ما قدرش يستنى.

دخل الجامعة، وكل خطوة كان قلبه بيدق أسرع.

سأل موظف الأمن

لو سمحت... النهارده فيه حفلة تخرج لأي كلية؟

رد الراجل

أيوه... كلية الإعلام وكلية التجارة.

رفع مينا الصورة اللي وصلته.

البنت دي شوفتها؟

الأمن بص للصورة شوية، وهز راسه.

حاسس إني شوفت حد شبهها من شوية... بس مش متأكد.

قبل ما مينا يسأله تاني...

سمع صوت المذيع الداخلي

نرجو من جميع الخريجين التوجه إلى القاعة الرئيسية.

جرى ناحية القاعة.

كانت مليانة مئات الطلبة، كلهم بنفس الروب الأسود والطاقية.

بقى يدور بعينه بين الصفوف.

وفجأة...

لمح من بعيد إيد مرفوعة.

وفيها إسورة فضة...

وصليب صغير بيلمع تحت نور القاعة.

اتحرك بسرعة ناحية المكان.

لكن أول ما وصل...

كانت البنت قد أدارت ظهرها وخرجت من الباب الجانبي.

نادا بأعلى صوته

ماريان!

البنت وقفت لحظة...

لكنها ما بصتش وراها.

وبعدين كملت مشي.

جرى وراها.

خرج للممر الطويل.

كان فاضي.

ولا فيه أي حد.

لكن على الأرض...

كان فيه ظرف أبيض.

فتحه بسرعة.

لقى جواه مفتاح قديم.

ومعاه ورقة صغيرة مكتوب فيها

الخزانة رقم 18... محطة مصر.

وفي آخر الورقة

متخليش حد يعرف إنك لقيت المفتاح.

في نفس اللحظة، وصل جورج وهو بياخد نفسه.

بص للمفتاح، واتغير لون وشه.

قال بصوت منخفض

أنا أعرف المفتاح ده.

اتسع نظر مينا.

تعرفه إزاي؟

رد جورج

من سنتين... قبل الحادث بأسبوع... أم ماريان، ميرفت، كانت سلمتني مفتاح زيه بالظبط.

تجمد مينا.

ميرفت؟

هز جورج رأسه.

قالتلي وقتها لو حصل أي حاجة، ابقى ادّي المفتاح ده لمينا... لكن بعدها بيومين ماتت هي... وبعدها بأيام حصل حادث ماريان.

سكت لحظة، ثم أكمل

افتكرت إن الموضوع انتهى... لكن واضح إنه كان لسه في بدايته.

وفي الجهة المقابلة من الجامعة...

كانت عربية سوداء واقفة.

ماهر كان قاعد في المقعد الخلفي، بيتابع كل اللي حصل.

رفع الموبايل واتصل بوالدته.

قال بهدوء

هو خد المفتاح.

جاله صوت نانسي متوتر

قبل ما يوصل للخزانة... لازم نسبقه الجزء الرابع

خرج مينا وجورج من الجامعة بسرعة.

كان مينا ماسك المفتاح بقوة، وكأنه خايف

 

يختفي من بين إيده.

قال وهو بيركب العربية

على محطة مصر.

رد جورج وهو شغّل العربية

قبل ما نتحرك... لازم نفكر. لو اللي بيبعتلك الرسائل كان عايز يأذيك، كان عملها من أول يوم. واضح إنه عايز يوصلك لحاجة.

هز مينا رأسه، لكنه ما ردش.

كان كل تفكيره في سؤال واحد

هل ماريان عايشة فعلًا؟

...

في نفس الوقت...

وصل ماهر إلى محطة مصر قبلهم بدقائق.

كان لابس كاب ونظارة شمس، وماشي وسط الزحمة كأنه واحد من المسافرين.

وقف قدام صف الخزائن الحديدية.

وبص على الأرقام...

١٦...

١٧...

١٨.

مد إيده ناحية القفل.

لكن اتفاجأ إنه محتاج مفتاح.

زفر بضيق، واتصل بنانسي.

لسه مقفولة.

ردت بسرعة

يبقى استنى... أول ما مينا يفتحها، خد اللي فيها.

...

بعد ربع ساعة...

وصل مينا وجورج.

كان قلب مينا بيدق بعنف.

دخل المفتاح في القفل.

لفه ببطء...

صدر صوت خفيف.

واتفتح الباب.

لكن الاتنين وقفوا في مكانهم من المفاجأة.

الخزانة ما كانش فيها فلوس...

ولا مجوهرات...

كان فيها صندوق خشب صغير، عليه صليب محفور بإتقان.

فتح مينا الصندوق بحذر.

جواه كان فيه

ألبوم صور قديم.

فلاشة إلكترونية.

ظرف مختوم باسم إلى بابا.

ارتعشت إيده وهو فتح الظرف.

كانت أول سطر فيه

لو بتقرأ الرسالة دي... يبقى فيه حد أخيرًا سمحلك تعرف الحقيقة.

نزلت دمعة من عين مينا.

لكن قبل ما يكمل القراءة...

سمع صوت خطوات سريعة وراهم.

لف هو وجورج في نفس اللحظة.

كان ماهر واقف على بعد أمتار.

ابتسم ابتسامة باردة وقال

أنا كنت متأكد إنكم هتوصلوا هنا.

رد مينا بغضب

إنت بتعمل إيه هنا؟

قال ماهر بهدوء

جيت أحمي العيلة... لأن اللي في الصندوق ده لو خرج للنور، ناس كتير هتدفع الثمن.

رد جورج بحزم

ولا حد هيلمس أي حاجة.

لكن ماهر رفع إيده ببطء.

وفجأة...

خرج من خلف الأعمدة ثلاثة رجال أمن خاص كانوا يراقبون المكان.

نظر مينا إليهم، ثم إلى الرسالة التي لم يكمل قراءتها بعد.

وقبل أن ينطق أحد بكلمة...

صدر

صوت امرأة من آخر الممر

سيبوه... هو من حقه يعرف كل حاجة.

التفت الجميع نحو الصوت...

لكن صاحبة الصوت كانت تقف في الظل، ولم يظهر من ملامحها سوى إسورة فضية يتدلى منها... صليب صغير الجزء الرابع

خرج مينا وجورج من الجامعة بسرعة.

كان مينا ماسك المفتاح بقوة، وكأنه خايف يختفي من بين إيده.

قال وهو بيركب العربية

على محطة مصر.

رد جورج وهو شغّل العربية

قبل ما نتحرك... لازم نفكر. لو اللي بيبعتلك الرسائل كان عايز يأذيك، كان عملها من أول يوم. واضح إنه عايز يوصلك لحاجة.

هز مينا رأسه، لكنه ما ردش.

كان كل تفكيره في سؤال واحد

هل ماريان عايشة فعلًا؟

...

في نفس الوقت...

وصل ماهر إلى محطة مصر قبلهم بدقائق.

كان لابس كاب ونظارة شمس، وماشي وسط الزحمة كأنه واحد من المسافرين.

وقف قدام صف الخزائن الحديدية.

وبص على الأرقام...

١٦...

١٧...

١٨.

مد إيده ناحية القفل.

لكن اتفاجأ إنه محتاج مفتاح.

زفر بضيق، واتصل بنانسي.

لسه مقفولة.

ردت بسرعة

يبقى استنى... أول ما مينا يفتحها، خد اللي فيها.

...

بعد ربع ساعة...

وصل مينا وجورج.

كان قلب مينا بيدق بعنف.

دخل المفتاح في القفل.

لفه ببطء...

صدر صوت خفيف.

واتفتح الباب.

لكن الاتنين وقفوا في مكانهم من المفاجأة.

الخزانة ما كانش فيها فلوس...

ولا مجوهرات...

كان فيها صندوق خشب صغير، عليه صليب محفور بإتقان.

فتح مينا الصندوق بحذر.

جواه كان فيه

ألبوم صور قديم.

فلاشة إلكترونية.

ظرف مختوم باسم إلى بابا.

ارتعشت إيده وهو فتح الظرف.

كانت أول سطر فيه

لو بتقرأ الرسالة دي... يبقى فيه حد أخيرًا سمحلك تعرف الحقيقة.

نزلت دمعة من عين مينا.

لكن قبل ما يكمل القراءة...

سمع صوت خطوات سريعة وراهم.

لف هو وجورج في نفس اللحظة.

كان ماهر واقف على بعد أمتار.

ابتسم ابتسامة باردة وقال

أنا كنت متأكد إنكم هتوصلوا هنا.

رد مينا بغضب

إنت بتعمل إيه هنا؟

قال ماهر بهدوء

جيت أحمي العيلة... لأن اللي في الصندوق

ده لو خرج للنور، ناس كتير هتدفع الثمن.

رد جورج بحزم

ولا حد هيلمس أي حاجة.

لكن ماهر رفع إيده ببطء.

وفجأة...

خرج من خلف الأعمدة ثلاثة رجال أمن خاص كانوا يراقبون المكان.

نظر مينا إليهم، ثم إلى الرسالة التي لم يكمل قراءتها بعد.

وقبل أن ينطق أحد بكلمة...

صدر صوت امرأة من آخر الممر

سيبوه... هو من حقه يعرف كل حاجة.

التفت الجميع نحو الصوت...

لكن صاحبة الصوت كانت تقف في الظل، ولم يظهر من ملامحها سوى إسورة فضية يتدلى منها... صليب صغير الجزء الخامس

ساد صمت ثقيل في الممر.

كل الأنظار اتجهت ناحية السيدة الواقفة في آخره.

تقدمت خطوة واحدة، فظهر وجهها تحت الضوء.

كانت في أواخر الخمسينيات، ملامحها هادئة لكنها مرهقة، وعيناها تحملان حزن سنين.

بص لها جورج واتسعت عيناه.

همس

مدام ليلى؟!

رفع مينا رأسه بسرعة.

كان الاسم مألوفًا... لكنه احتاج ثواني ليتذكر.

ليلى...

الممرضة التي كانت تعمل مع ميرفت، زوجته الأولى، وكانت تعتبرها أختًا.

اختفت بعد وفاة ميرفت بشهور، ولم يسمع عنها أحد.

قال مينا وهو يقترب

إنتِ... فين كنتِ كل السنين دي؟

تنهدت ليلى وقالت

كنت مستنية اليوم اللي تقدر تسمع فيه الحقيقة من غير ما حد يمنعها.

نظر إليها ماهر بحدة.

الكلام ده مالوش لازمة.

التفتت إليه وقالت بثبات

بالعكس... هو أهم كلام هيتقال.

ثم نظرت إلى مينا.

اقرأ الرسالة الأول.

فتح مينا الظرف مرة أخرى.

كانت الورقة مكتوبة بخط يعرفه جيدًا... نفس الخط الذي كان يراه كل يوم في كراسات ماريان.

بدأ يقرأ بصوت مرتعش

يا بابا... لو الرسالة دي وصلت لإيدك، يبقى حد أمين نفذ اللي طلبته منه. يمكن تكون دلوقتي فاكر إني مت، ويمكن تكون صدقت كل اللي اتقالك. لكن قبل ما تصدق أي حد... افتح الألبوم الأول.

توقف عن القراءة.

فتح الألبوم.

أول صفحاته كانت صورًا عائلية قديمة.

ماريان وهي طفلة.

ميرفت تضحك وهي تمسك بيدها.

رحلات، أعياد ميلاد، قداسات...

ثم فجأة...

توقفت

الصور العائلية.

وبدأت صور لمستندات.

عقود.

إيصالات.

وأوراق تخص شركة العائلة.

تجمد مينا.

إيه علاقة أوراق الشركة بالألبوم؟

قال جورج وهو يقلب الصفحات

دي نسخ... والنسخ دي كنت فاكر إنها اتعدمت.

اقتربت ليلى وقالت

ميرفت كانت دقيقة جدًا. كانت بتحتفظ بصورة من أي ورقة تشك إنها ممكن يحتاجها مينا يومًا ما.

نظر إليها مينا باستغراب.

تشك في إيه؟

هزت رأسها.

مش هجاوب... لأن الإجابة موجودة في الفلاشة.

في تلك اللحظة، تقدم ماهر خطوة للأمام.

وقال بنبرة حاول يخفي فيها توتره

كفاية لحد كده.

رد مينا بحزم

لا... مفيش حاجة هتقف دلوقتي.

مد يده وأخذ الفلاشة.

لكن قبل أن يغادر...

قالت ليلى بصوت منخفض

في حاجة لازم تعرفها.

التفت إليها.

قالت وهي تنظر في عينيه مباشرة

آخر مرة شفت فيها ماريان... ما كانتش في مستشفى... ولا في مكان الحادث.

اتسعت عينا مينا.

أمال كانت فين؟

أجابت بعد لحظة صمت

كانت في الكنيسة... قبل الحادث بساعات. وسلمتني الصندوق ده بنفسها، وقالت لي لو بابا فضل يدور ورا الحقيقة، اديله الأمانة بنفسك... ولو استسلم، خبيها للأبد.

أحس مينا أن كل ما كان يظنه حقيقة بدأ يتغير.

ضم الصندوق إلى صدره، وقال لجورج

هنرجع المكتب... ونشوف اللي على الفلاشة.

وفي اللحظة التي خرجوا فيها من المحطة...

كان شخص مجهول يراقبهم من داخل سيارة متوقفة على الجانب الآخر.

أخرج هاتفه، وأرسل رسالة قصيرة إلى رقم غير مسجل

الصندوق وصل لمينا... المرحلة الثانية تبدأ الليلة الجزء السادس

وصل مينا وجورج إلى المكتب القديم قبل غروب الشمس.

كان المكتب هادئًا، كما تركه صاحبه منذ سنوات.

أغلق جورج الباب بنفسه، وأسدل الستائر، ثم وضع الفلاشة على المكتب.

قال وهو ينظر إلى مينا

من اللحظة دي... أي حاجة هنعرفها لازم تفضل بينا لحد ما نفهم الصورة كاملة.

أومأ مينا في صمت.

أدخل جورج الفلاشة في الكمبيوتر.

ظهرت مجلدات كثيرة، لكن واحدًا فقط كان يحمل اسمًا واضحًا

ابدأ من هنا.

فتحوه.

ظهر مقطع فيديو.

الصورة كانت مهزوزة قليلًا، كأنها متصورة بهاتف محمول.

وبعد ثوانٍ...

ظهرت ماريان.

كانت ترتدي نفس السلسلة التي في الصورة، ووجهها متعب، لكنها كانت تبتسم ابتسامة هادئة.

شعر مينا


أن أنفاسه توقفت.

مد يده نحو الشاشة دون أن يشعر.

بدأت ماريان تتكلم

يا بابا... لو بتشوف الفيديو ده، يبقى عدي وقت طويل.

توقف الفيديو فجأة.

ظهرت شاشة سوداء.

ثم رسالة

أدخل كلمة المرور.

ضرب مينا المكتب بيده.

لأ... كملي!

حاول جورج أكثر من كلمة.

تاريخ ميلاد ماريان.

تاريخ ميلاد ميرفت.

اسم الشركة.

لكن كل المحاولات فشلت.

وفجأة...

تذكر مينا الجملة التي كانت مكتوبة في دفترها عشرات المرات.

ماتتأخرش.

كتبها كما هي.

وضغط إدخال.

انفتح الفيديو من جديد.

تنهد جورج وقال

واضح إنها كانت عارفة إنك هتفتكر.

ابتسم مينا لأول مرة منذ أيام، رغم الدموع في عينيه.

واصلت ماريان كلامها

لو وصلت لحد هنا... يبقى أنت لسه بتدور، وده كان أملي.

يا بابا... في ناس هتحاول تمنعك تعرف الحقيقة، وفي ناس هتقولك تنسى.

لكن أوعدني... ما تتهمش حد قبل ما تشوف كل الأدلة.

ثم أخرجت ورقة مطوية أمام الكاميرا.

وقالت

كل الإجابات موجودة في الملف اللي اسمه الأمانة.

انتهى الفيديو.

فتح جورج الملف.

لكن قبل أن يظهر أي شيء...

انطفأت الكهرباء في المكتب كله.

غرق المكان في ظلام كامل.

قال مينا بقلق

دي أول مرة الكهرباء تقطع هنا.

وفي اللحظة نفسها...

سمعوا صوت باب المكتب الخارجي يُفتح ببطء.

ثم...

خطوات هادئة تقترب.

توقفت أمام الباب مباشرة.

ودق أحدهم الباب ثلاث دقات متتالية...

ثم جاء صوت رجل هادئ يقول

أستاذ مينا... أنا معايا رسالة أخيرة من ماريان... ولازم أوصلها لحضرتك الليلة الجزء السابع

نظر مينا إلى جورج في الظلام.

لم ينطق أي منهما.

عاد الصوت من خلف الباب، أكثر هدوءًا هذه المرة

أنا مش جاي أؤذي حد... ولو اتأخرت دقيقة واحدة، ممكن تضيع أمانة فضلت محفوظة سنتين.

أخرج جورج مصباحًا صغيرًا من درج مكتبه وأضاءه.

أشار إلى مينا ألا يفتح الباب قبل أن ينظر من العين السحرية.

اقترب مينا بحذر.

نظر...

فرأى رجلًا في الستين من عمره، يرتدي بدلة سوداء بسيطة، ويحمل حقيبة جلدية قديمة.

لم يتعرف عليه.

فتح الباب نصف فتحة.

قال الرجل باحترام

حضرتك الأستاذ مينا؟

أومأ برأسه.

أخرج الرجل بطاقة تعريف قديمة وقال

اسمي فؤاد... كنت أمين محفوظات في الكنيسة اللي كانت ماريان بتخدم فيها.

قطب مينا حاجبيه.

ومين قالك إني هنا؟

ابتسم فؤاد ابتسامة خفيفة.

اللي

بعتلك أول رسالة... هو نفسه اللي بلغني.

وقبل أن يسأل مينا أي سؤال آخر...

عادت الكهرباء فجأة.

امتلأ المكتب بالنور.

وضع فؤاد الحقيبة على المكتب وقال

ماريان سلمتهالي قبل اختفائها بأيام.

نظر جورج بسرعة.

وليه مستني كل السنين دي؟

تنهد فؤاد وقال

لأنها قالتلي ما تسلمهاش غير لما أبويا بنفسه يبدأ يدور... ولو حد غيره طلبها، قول له إنها ضاعت.

فتح الحقيبة ببطء.

كان بداخلها مفكرة جلدية صغيرة.

وعلبة معدنية.

ومظروف مختوم بالشمع الأحمر.

أمسك مينا بالمظروف.

كان مكتوبًا عليه بخط ماريان

يفتح بعد مشاهدة ملف الأمانة.

ابتسم جورج وقال

واضح إنها كانت مرتبة كل خطوة.

فتحوا المفكرة أولًا.

كانت عبارة عن يوميات قصيرة.

وفي كل صفحة كانت ماريان تكتب تاريخًا، ثم ملاحظة.

لكن آخر صفحة كانت مختلفة.

لم تكن فيها سوى جملة واحدة

لو حصل لي أي شيء... ابحثوا عن الحقيقة في دير الأنبا أنطونيوس.

ساد الصمت.

قال مينا باستغراب

أنا ولا عمري رحت الدير ده مع ماريان.

رد فؤاد بهدوء

لكن هي كانت بتروح مع والدتها ميرفت كل سنة.

نظر مينا إلى جورج بدهشة.

ميرفت ما قالتليش ده أبدًا.

قال جورج وهو يغلق المفكرة

واضح إن فيه تفاصيل كتير من حياة ميرفت نفسها، إنت ما كنتش تعرفها.

وفي تلك اللحظة...

صدر صوت إشعار من هاتف مينا.

فتحه بسرعة.

وصلت رسالة جديدة من نفس الرقم المجهول.

ما تفتحوش ملف الأمانة على أي جهاز متصل بالإنترنت.

ثم بعد ثوانٍ...

وصلت رسالة ثانية.

فيه حد وسطكم... بينقل كل خطوة بتعملوها.

رفع مينا رأسه ببطء.

نظر إلى جورج...

ثم إلى فؤاد...

وللمرة الأولى منذ بدأت الرحلة...

شعر أن الخطر لم يعد في الماضي...

بل أصبح داخل الغرفة نفسها الجزء الثامن

ساد صمت ثقيل داخل المكتب.

لم يتحرك أحد.

كان كل واحد منهم ينظر إلى الآخر، وكأن الرسالة زرعت الشك في القلوب.

أغلق مينا هاتفه ووضعه على المكتب.

ثم قال بهدوء

مش هتهم حد... لكن من دلوقتي، أي خطوة هنعملها لازم تبقى قدام الكل.

أومأ جورج موافقًا.

أما فؤاد، فجلس في هدوء وقال

وده اللي كانت ماريان نفسها عايزاه.

اقترب جورج من الكمبيوتر.

فصل كابل الإنترنت بنفسه، ثم أغلق شبكة الواي فاي.

وقال

دلوقتي الجهاز معزول تمامًا.

أعاد فتح الفلاشة.

ثم ضغط على ملف الأمانة.

ظهرت عشرات الملفات

المرتبة حسب التواريخ.

وفي مقدمتها ملف بعنوان

ابدأ بالحقيقة.

فتحوه.

لم يكن فيديو هذه المرة...

بل رسالة صوتية.

ضغط مينا على زر التشغيل.

وجاء صوت ماريان واضحًا

يا بابا... أول حاجة لازم تعرفها، إن اللي حصل من سنتين ما كانش مجرد حادث طريق.

تجمدت ملامح مينا.

واصل الصوت

العربية اتعطلت قبل الحادث بساعات، وأنا كنت عارفة إن فيها مشكلة، لكن ماكنتش أعرف إنها هتوصل للحادث اللي حصل.

تنهدت في التسجيل، ثم أكملت

لما فوقت بعد الحادث... لقيت ناس حواليا بيقولوا إن لازم أختفي فترة، لأن في أوراق مهمة لو وقعت في إيد الشخص الغلط، هتضيع حقوق ناس كتير.

نظر مينا إلى جورج.

قال بصوت خافت

يعني كانت عايشة بعد الحادث...

هز جورج رأسه، لكنه لم يعلق.

استمر التسجيل

أنا وافقت أستخبى... بشرط واحد.

سكتت لحظة.

إن أول ما الخطر يخلص... أرجع لحضنك.

اغرورقت عينا مينا بالدموع.

لكن التسجيل لم ينته.

قالت ماريان

ولو أنا ما قدرتش أرجع... يبقى أكيد فيه سبب أكبر مني.

ثم توقف الصوت.

ظهر ملف آخر اسمه

الشاهد الأول.

قبل أن يفتحه جورج...

رن هاتف فؤاد.

نظر إلى الشاشة، ثم أغلقه فورًا.

لاحظ مينا ارتباكه.

سأله

مين كان بيتصل؟

رد فؤاد بسرعة

رقم غلط.

لكن مينا لمح اسمًا على الشاشة قبل أن تنطفئ...

دير الأنبا أنطونيوس.

رفع رأسه ببطء.

رقم غلط... ولا حد مستني يعرف إحنا وصلنا لإيه؟

لم يجب فؤاد.

واكتفى بالنظر إلى الأرض.

وفي اللحظة نفسها...

وصلت رسالة جديدة إلى هاتف مينا من الرقم المجهول

لو عايز تشوف ماريان بعينك... سافر الدير قبل شروق الشمس. بعد كده هيبقى فات الأوان النهاية

لم ينم مينا تلك الليلة.

ظل ينظر إلى الرسالة الأخيرة، وكأنها الفرصة الوحيدة التي بقيت له.

وقبل أذان الفجر، انطلق هو وجورج إلى دير الأنبا أنطونيوس.

كان الطريق طويلًا، وكل دقيقة تمر كانت أثقل من التي قبلها.

وعندما وصلا إلى الدير، استقبلهما أحد الرهبان وكأنه كان ينتظرهما.

قال بهدوء

الأستاذ مينا؟

أومأ برأسه.

ابتسم الراهب ابتسامة حزينة وقال

اتفضل... في حد نفسه يشوفك.

توقف قلب مينا.

دخل ممرًا طويلًا حتى وصل إلى حديقة صغيرة داخل الدير.

وهناك...

كانت تقف شابة ترتدي ملابس بسيطة، وظهرها إليه.

قال بصوت مرتجف

ماريان...

استدارت ببطء.

وانهمرت دموعه.


كانت هي.

كبرت سنتين، لكن ابتسامتها لم تتغير.

ركض نحوها، وهي أيضًا جرت نحوه.

احتضنها بقوة، وهو يبكي لأول مرة دون أن يخجل.

قال وهو يربت على شعرها

سامحيني... سامحيني يا بنتي.

بكت ماريان وقالت

أنا عمري ما زعلت منك يا بابا... كنت بس مستنية اليوم ده.

وقف جورج بعيدًا، ومسح دموعه في صمت.

بعد أن هدأت المشاعر، جلست ماريان تحكي الحقيقة كاملة.

بعد الحادث، نُقلت إلى مستشفى قريب وهي فاقدة الوعي.

ولأن أوراقها كانت مفقودة، حدث خطأ في تسجيل البيانات، وفي الوقت نفسه كان هناك جثمان آخر تعذر التعرف عليه.

وسط الارتباك، اعتقد الجميع أنها هي المتوفاة.

وقبل تصحيح الخطأ، ظهرت مستندات كانت والدتها ميرفت قد تركتها مع المحامي جورج، تثبت حقوق عدد من العاملين والشركاء الصغار في شركة العائلة، وتمنع ضياع أموالهم.

لكن بعض أصحاب المصالح حاولوا الاستيلاء على تلك الحقوق، فنصح أشخاص أمناء ماريان بأن تبقى بعيدة فترة قصيرة حتى تُحفظ المستندات وتُستكمل الإجراءات القانونية.

ومع مرور الوقت، تعقدت الأمور أكثر، حتى أصبح إعلان ظهورها المفاجئ قد يفسد كل ما كانت تسعى إليه والدتها قبل وفاتها.

لذلك ظلت على تواصل مع عدد محدود جدًا من الأشخاص الذين وثقت بهم، وكانت تتابع أخبار

والدها من بعيد، حتى تأكدت أنه بدأ يبحث بنفسه عن الحقيقة.

أما نانسي...

فلم تكن شريكة في أي جريمة، ولم تكن قد أخفت ماريان.

هي أيضًا كانت تعتقد أن ماريان توفيت، مثل مينا تمامًا.

لكنها كانت تخشى أن يؤدي فتح الماضي من جديد إلى انهيار استقرار العائلة والشركة، لذلك حاولت منعه من البحث، بدافع الخوف لا بدافع الذنب.

وماهر...

كان يخشى فقط أن تؤدي المفاجآت إلى نزاعات قانونية تهدد الشركة التي قضى سنوات في إدارتها، فتصرف باندفاع، لكنه لم يكن جزءًا من أي مؤامرة.

بعد أسابيع، ظهرت الحقيقة كاملة أمام الجهات المختصة.

صُححت السجلات الرسمية.

وأُلغيت شهادة الوفاة الخاطئة.

وعادت ماريان إلى بيتها.

دخلت غرفتها، فوجدتها كما تركتها.

الكتب في أماكنها...

والصور على الحائط...

والإسورة الفضية ذات الصليب الصغير ما زالت في يدها.

ابتسمت وهي تنظر إلى والدها.

وقالت ضاحكة

فاكر آخر رسالة بعتها لك؟

ابتسم مينا وسط دموع الفرح.

أيوه... كتبتي ماتتأخرش.

ردت وهي تمسك يده

وأخيرًا... جيت في معادك.

ومنذ ذلك اليوم، لم يعد مينا يؤجل لقاء من يحب، ولا يترك كلمة محبة لوقت آخر.

لأنه تعلم أن أغلى ما في الحياة ليس المال ولا النجاح...

بل أن تجد من تحب بجوارك، قبل أن تظن أنه أصبح مجرد ذكرى.

تمت.


تعليقات

التنقل السريع
    close