مجهول طلب مني أنام على كتفه طول الرحلة
مجهول طلب مني بقلم زيزي احمد
مجهول طلب مني أنام على كتفه طول الرحلة... ولما الطيارة نزلت اكتشفت إنه الملياردير اللي البلد كلها بتدور عليه، وإن طليقي سبقني للمطار! ماريانا كروز طلعت الطيارة وهي شايلة شنطتين، وعربية البيبي المطبقة، وقلبها مكسور ألف حتة.
عندها 31 سنة، وعمرها ما كانت تتخيل إنها هتسيب مونتيري بالشكل ده... وبنتها آنا نايمة على صدرها، لا معاها بيت، ولا فلوس تكفيها، ولسه شايلة اسم جواز انتهى بطريقة وجعت أكتر من أي حاجة.
كانت رايحة مكسيكو سيتي عشان تبدأ من جديد عند بنت خالتها في إيزتابالابا.
ماكانش حلم.
كان آخر حل قدامها.
طليقها دانيال أرياجا كان غير كالون الشقة، وجمّد الحساب المشترك، ونزل صور مع واحدة تانية، كأن الأربع سنين اللي عاشهم معاها ماكانوش يفرقوا معاه.
ماريانا ماعيطتش وهي بتركب الطيارة.
هي كانت خلصت دموعها من بدري.
لكن أول ما الطيارة بدأت تستعد للإقلاع، وآنا بدأت تعيط وتتململ، حسّت إن كل اللي حواليها بصولها.
ست كبيرة لابسة نضارة شمس تمتمت بضيق
يا نهار... هو أنا لازم أقعد جنب بيبي بيعيط؟
ماريانا وطّت راسها ومسكت شنطة الحفاضات بإيديها.
وفجأة الراجل اللي قاعد جنبها اتكلم بهدوء خلى الكابينة كلها تسكت.
البيبي ما اختارش يركب الطيارة... ولو حد محتاج شوية صبر، فإحنا الكبار أولى.
لا صوته كان عالي.
ولا كلامه كان قليل الأدب.
لكن الست سكتت، وعدلت قعدتها وهي متضايقة، ومافتحتش بُقها تاني.
ماريانا بصتله.
كان شكله حوالي 38 سنة، لابس قميص أبيض بسيط وجاكيت كحلي، دقنه متشذبة، وعنيه باين فيها تعب واحد ماعرفش ينام من شهور.
شكرًا.
قالتها بصوت واطي.
ابتسم وقال
العفو... أنا ماتيو.
وأنا ماريانا.
ماحاولش يفتح كلام.
ولا سألها عن حياتها.
بس ساعدها تحط عربية البيبي، وناولها اللعبة لما آنا وقعتها، وحتى ضحّك البنت وهو بيعمل وشوش مضحكة بمنديل ورق.
ولأول مرة من أسابيع... ماريانا
حسّت إنها قادرة تاخد نفس من غير إحساس بالذنب.
الطيارة كانت مليانة.
رجال أعمال، طلبة، سياح، وعائلات.
لكن بعد شوية، ماريانا بدأت تلاحظ حاجة غريبة.
في كذا واحد كان بيبص لماتيو باستمرار.
شاب على الناحية التانية رفع موبايله كأنه بيصور الشباك.
وبنتين قاعدين ورا كانوا بيهمسوا ويبصوله كل شوية.
ماتيو فضل مبتسم...
بس فكه كان مشدود.
وفجأة مال عليها وقال بصوت واطي
ممكن أطلب منك طلب غريب شوية؟
استغربت.
طلب إيه؟
بص حوالين الكابينة وقال
ممكن تعملي نفسك نمتي على كتفي؟
اتصدمت.
نعم؟
عارف إنه طلب غريب... بس الناس دي بتحاول تصورني. لو افتكرونا عيلة تعبانة من السفر، غالبًا هيسيبونا في حالنا.
المفروض كانت ترفض.
أي ست مكانها، معاها طفلة ولسه خارجة من طلاق، كانت هتخاف.
لكن كان في حاجة في عينيه.
مش غرور.
ولا خبث.
كان خوف حقيقي.
فحضنت آنا أكتر، وسندت راسها على كتفه.
وفعلًا...
الشاب نزل الموبايل.
والبنتين بطلوا يبصوا.
حتى الست اللي كانت متضايقة فقدت اهتمامها.
ماتيو خرج نفس طويل وقال
شكرًا.
ماريانا كانت ناوية تبعد بعد دقيقة.
لكن التعب غلبها.
ونامت بجد.
ولما فتحت عينيها...
كانت الطيارة خلاص بتستعد للهبوط في مكسيكو سيتي.
ماتيو ماكانش اتحرك من مكانه، وسايب دراعه ثابت عشان مايصحيهاش ولا يزعج آنا.
ابتسم وقال
نمتي أكتر من ساعتين.
اعتدلت بسرعة وهي محرجة.
آسفة... أكيد تعبتك.
ابتسم ابتسامة باهتة.
صدقيني... عديت بمواقف أصعب بكتير.
وقبل ما الطيارة توقف، مضيفة قربت منهم وقالت
أستاذ فياسينيور... فريق الأمن مستني حضرتك أول ما تنزل.
ماريانا اتجمدت.
فريق أمن؟
بصتله باستغراب.
تنهد وقال
واضح إنك ماتعرفيش أنا مين.
هزت راسها بالنفي.
قال بهدوء
أنا ماتيو فياسينيور... صاحب مجموعة فياسينيور.
ماريانا حسّت ريقها نشف.
الاسم ده كل المكسيك تعرفه.
شركات تكنولوجيا، وبنوك رقمية، ومؤسسات خيرية، وعمارات
كاملة باسمه.
همست بعدم تصديق
إنت... ماتيو فياسينيور؟
هز راسه وقال بابتسامة هادية
وإنتِ أول واحدة من شهور تعاملني كأني مجرد راكب عادي.
قبل ما ترد...
موبايله اهتز.
فتح الرسالة، وملامحه اتغيرت فجأة.
سألته بقلق
في إيه؟
رفع عينه وبصلها بجدية وقال
ماريانا... في حد سأل عنك في المطار قبل ما الطيارة توصل.
وفي اللحظة دي...
حست إن الأرض بتسحب من تحت رجليها ووو
بقلم_زيزي_احمد
نزلت ماريانا من الطيارة وهي حاسة إن قلبها بيدق بعنف.
بصّت لماتيو، وقالت بصوت مرتعش
مين اللي سأل عني؟
رد وهو ماشي جنبها بخطوات ثابتة
واحد ادّعى إنه جوزك... أو بالأصح طليقك.
اتسعت عينيها.
دانيال؟
هز رأسه ببطء.
الأمن بلغني إن الراجل كان واقف من قبل وصول الرحلة، ومعاه صورتك، وكان بيسأل كل موظف يشوفه إذا كنتِ على الطيارة.
قبضت ماريانا على عربية آنا بقوة.
مستحيل... هو يعرف إني جاية هنا إزاي؟
ماتيو ما ردش.
لكن ملامحه كانت بتقول إنه بيفكر في نفس السؤال.
خرجوا من بوابة الوصول.
وفي اللحظة دي ظهر أربعة رجال ببدل سوداء، وقفوا حوالين ماتيو.
واحد منهم قال بسرعة
أستاذ ماتيو، العربية جاهزة، لكن لازم نتحرك فورًا.
وقبل ما يرد...
سمعوا صوت عالي وسط الزحمة.
ماريانااا!
اتجمد الدم في عروقها.
الصوت ده مستحيل تنساه.
لفّت ببطء...
وشافت دانيال بيجري ناحيتها، هدومه مكركبة، وعينيه كلها توتر، ومعاه اتنين رجالة شكلهم مش مريح.
ابتسم ابتسامة مصطنعة وهو بيقرب.
أخيرًا لقيتك... كنت قلقان عليكي جدًا.
بصتله بصدمة.
قلقان؟ بعد اللي عملته؟
حاول يمسك إيدها، لكنها رجعتها بسرعة.
ابعد عني.
ملامحه اتغيرت للحظة، لكنه رجع يبتسم قدام الناس.
يا جماعة... دي مراتي السابقة، حصل بينا سوء تفاهم بس.
ماريانا قالت بحزم
إحنا مطلقين... ومافيش أي حاجة تربطني بيك.
دانيال قرب خطوة وقال بصوت منخفض ما سمعوش غيرها
هترجعي معايا بالعافية لو لزم
الأمر.
شحب وشها.
لكن قبل ما يتكلم أكتر...
وقف ماتيو بينهم.
كان هادي جدًا.
لدرجة إن دانيال استغرب.
قال ماتيو
السيدة قالت إنها مش عايزة تتكلم معاك.
بصله دانيال باستخفاف.
وإنت مالك؟
مالي إنك بترفع صوتك على واحدة شايلة طفلة.
ابتسم دانيال بسخرية.
واضح إنك فارس أحلامها الجديد؟
ماتيو ما اتغيرش تعبيره.
واضح إنك محتاج تحترم حدود الآخرين.
في اللحظة دي...
رجالة الأمن اتحركوا خطوة واحدة للأمام.
دانيال بص لهم، وبعدها بص لماتيو باستغراب.
بدأ يحس إن الشخص اللي قدامه مش راكب عادي.
همس لأحد اللي واقفين معاه
هو ده...؟
الرجل فتح موبايله بسرعة، وما إن ظهرت صورة ماتيو حتى اتغير لون وشه.
شد دانيال من دراعه وهمس بانفعال
امشِ من هنا... دلوقتي.
لكن دانيال كان عنيد.
رفع صوته وقال
مش همشي غير لما مراتي ترجع معايا.
ابتسم ماتيو لأول مرة، لكن ابتسامته كانت باردة.
ثم قال جملة واحدة فقط
يبدو إنك هتحتاج تشوف ورقة الطلاق مرة تانية.
وفي نفس اللحظة...
وصل ضابط من أمن المطار، وقال وهو ينظر إلى دانيال
أستاذ... وصلتنا بلاغات إنك بتضايق إحدى المسافرات داخل صالة الوصول. هنحتاج حضرتك تيجي معانا دقيقة.
ارتبك دانيال.
أنا... أنا معملتش حاجة.
لكن الضابط أشار له بهدوء.
اتفضل.
ظل دانيال ينظر إلى ماريانا بنظرة غامضة وهو يبتعد، ثم قال بصوت منخفض
الموضوع لسه ما خلصش.
اختفى وسط رجال الأمن.
تنفست ماريانا للمرة الأولى منذ دقائق.
لكن ماتيو لم يبدُ مرتاحًا.
كان ينظر إلى شاشة هاتفه التي وصلت إليها رسالة جديدة.
قرأها، ثم أغلق الهاتف فورًا.
سألته ماريانا
في حاجة حصلت؟
نظر إليها للحظات، ثم قال بجدية
كنت فاكر إن اللي بيلاحقني صحفيين... لكن واضح إن الموضوع أكبر من كده.
يعني إيه؟
رفع بصره نحو موقف السيارات، وقال
العربية اللي كانت مستنياني من نص ساعة... اختفت.
وفي نفس الثانية...
توقفت سيارة سوداء بدون لوحات على بعد أمتار منهم، وانفتح بابها الخلفي ببطء، بينما خرج منها شخص يرتدي قبعة ونظارة سوداء، واتجه مباشرة نحو ماريانا وآنا شهقت ماريانا، كأنها خايفة حد ينتزعها من بين إيديها.
خطفت بنتي؟! دي بنتي أنا... وهو بنفسه كان رافض حتى يشوفها بعد الطلاق!
رجال الأمن تبادلوا النظرات، بينما قال أحدهم
البلاغ لسه في بدايته، ومحدش هيقدر ياخد الطفلة من غير أمر قضائي نهائي، لكن وجوده هنا معناه إنه كان مرتب لكل حاجة قبل ما توصلي.
أغمضت ماريانا عينيها للحظة.
يعني دانيال ماكانش جاي يصالحها...
كان جاي ياخد آنا.
ماتيو التفت إلى قائد فريق الأمن وقال بحزم
العربية البديلة وصلت؟
أيوه يا فندم... من البوابة الخلفية.
كويس... هنخرج من هناك.
تحركوا بسرعة بعيدًا عن صالة الوصول.
لكن قبل ما يوصلوا للمخرج، وقف قدامهم طفل صغير، عمره حوالي عشر سنين.
كان ماسك وردة بيضا.
بص لماتيو وقال
حضرتك الأستاذ ماتيو؟
استغرب.
أيوه.
الولد ناوله الوردة وقال
واحد قالي أديهالك، وقال إنها هتفهمك كل حاجة.
أخذها ماتيو بحذر.
بمجرد ما قلب الوردة، لقى شريحة إلكترونية صغيرة جدًا متثبتة داخل الساق.
اتغيرت ملامحه.
همس
مستحيل...
ماريانا سألته
إيه دي؟
وحدة تخزين مشفرة... حد بيحاول يوصلها ليا من غير ما حد يلاحظ.
قائد الأمن مد إيده بسرعة.
اديني الشريحة يا فندم.
لكن ماتيو رجعها لورا.
لأ... واضح إن اللي بعتها مش عايز غيري يشوفها.
في اللحظة نفسها...
دوى صوت إنذار الحريق في المطار كله.
أضواء حمراء بدأت تومض.
والناس اندفعت ناحية المخارج في حالة فوضى.
صاح أحد رجال الأمن
دي مش مصادفة... حد فعّل الإنذار عمدًا!
وسط الزحمة، ماريانا حاولت تحافظ على آنا، لكن واحدة من الحقائب الكبيرة اصطدمت بعربية الطفلة.
كادت العربية تنقلب.
مد ماتيو إيده بسرعة وأمسكها قبل ما تقع.
ثم صاح
كل واحد يفضل مكانه... متتفرقوش!
لكن الفوضى كانت أكبر من أي سيطرة.
وفي ثانية واحدة...
اختفى اثنان من رجال الأمن وسط الزحام.
بعدها مباشرة، رن هاتف قائد الفريق.
رد بسرعة، ثم شحب وجهه.
نظر إلى ماتيو وقال
عندنا مشكلة.
إيه؟
العربية البديلة... اتسرقت من قدام البوابة الخلفية.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم سمعوا صوت محرك سيارة يقترب بسرعة غير طبيعية من باب الخروج الزجاجي.
رفع أحد الحراس رأسه وهو يصرخ
ابعدوا عن الباب... العربية داخلة علينا!قبل ما أي حد يستوعب اللي بيحصل، دوّى صوت فرامل حاد، وتوقفت السيارة على بعد أمتار قليلة من الباب الزجاجي.
اتفتحت الأبواب بسرعة...
لكن ما نزلش منها رجال مسلحون.
نزل منها رجل في الخمسينات من عمره، لابس بدلة رمادية أنيقة، ورافع إيده لفوق عشان يبين إنه مش جاي يهاجم حد.
رجال الأمن وجهوا أسلحتهم ناحيته.
صرخ قائد الفريق
مكانك! ممنوع تتحرك خطوة!
الرجل وقف فورًا وقال بصوت ثابت
لو كنت عايز أؤذي الأستاذ ماتيو، ما كنتش جيت لوحدي.
ماتيو دقق النظر فيه، واتسعت عيناه فجأة.
رودريجو؟!
ابتسم الرجل بتعب.
الحمد لله إنك لسه فاكرني.
ماريانا بصت بين الاتنين باستغراب.
تعرفه؟
ماتيو هز رأسه.
كان المدير القانوني للشركة... لكنه استقال واختفى من سنتين.
تنهد رودريجو وقال
ما اختفيتش... أنا كنت باستخبى.
اقترب خطوة، ثم أخرج بطاقة تعريف قديمة من جيبه.
لو فضلتوا واقفين هنا، هتكونوا مكشوفين.
قائد الأمن لم يُخفض سلاحه.
وإحنا نصدقك ليه؟
رد رودريجو بهدوء
لأن اللي فعّل إنذار الحريق مش هدفه الأستاذ ماتيو...
هدفه الست اللي واقفة جنبه.
التفتت كل الأنظار إلى ماريانا.
شهقت وهي تشير إلى نفسها.
أنا؟!
قال رودريجو
من ساعة ما نزلتِ من الطيارة، في أربع كاميرات داخل المطار اتعطلت في الأماكن اللي مريتي منها بالذات.
سأل ماتيو بحدة
ليه هي؟
هز الرجل رأسه.
لسه معرفش... لكن أكيد في حد شايف إنها مهمة.
وقبل أن يكمل...
رن هاتف ماريانا.
نظرت إلى الشاشة.
رقم مجهول.
ترددت للحظة.
ثم ضغطت على زر الرد.
ألو؟
لم يأتِ أي صوت.
ثوانٍ من الصمت...
ثم جاء صوت طفولي خافت
ماما... الحقيني.
تجمدت
في مكانها.
استحال...
ده صوت آنا.
لكن آنا كانت بين ذراعيها في نفس اللحظة.
نظرت إلى ابنتها بسرعة، فوجدتها نائمة على كتفها.
عاد الصوت من الهاتف، وهو يبكي
ماما... متسيبنيش.
ثم انقطع الاتصال.
شحب وجه ماريانا، وسقط الهاتف من يدها.
التقطه ماتيو بسرعة، ونظر إلى سجل المكالمة.
ظهر رقم واحد فقط... بدون اسم.
لكن الغريب...
أن المكالمة استمرت سبع ثوانٍ فقط، ومع ذلك كان الهاتف قد سجّل ملفًا صوتيًا تلقائيًا.
ضغط ماتيو على تشغيله مرة أخرى.
انطلق نفس الصوت...
لكن في آخر ثانية، ظهر صوت رجل بالغ يهمس بجملة واحدة
ابدأوا بالمرحلة الثانية.
نظر ماتيو إلى رودريجو.
وردريجو نظر إليه بنفس الذهول.
ثم قال بصوت منخفض
واضح إن اللي بيحصل النهارده... كان متخطط له من قبل ما الطيارة تقلع من مونتيري ساد صمت ثقيل لثوانٍ.
ماريانا كانت لسه ضامة آنا لصدرها، وكل تفكيرها بقى في سؤال واحد
ليه هي؟
هي ست عادية، خرجت من بيتها بعد طلاق مؤلم، لا عندها ثروة، ولا نفوذ، ولا أي سبب يخلي حد يخطط لكل ده.
قطع ماتيو الصمت وهو بيسلم الهاتف لخبير الأمن.
اعمل نسخة من التسجيل، وحاول تعرف المكالمة خرجت منين.
هز الرجل رأسه، وأخذ الهاتف بسرعة.
في اللحظة دي، قال رودريجو
لازم نخرج من المطار حالًا... أي دقيقة زيادة هنا هتبقى في صالحهم.
خرجوا من ممر جانبي مخصص للموظفين، بعيدًا عن الزحام.
كان في الخارج ثلاث سيارات متشابهة، كلها سوداء.
قال قائد الأمن
هنقسم نفسنا على العربيات، عشان محدش يعرف الأستاذ ماتيو في أنهي واحدة.
ركبت ماريانا وآنا مع ماتيو في السيارة الوسطى.
وبعد دقائق من التحرك، بدأت ماريانا تستعيد هدوءها قليلًا.
قالت وهي تنظر من النافذة
ممكن أفهم... ليه حاسس إن كل اللي بيحصل ليه علاقة بيا؟
رد ماتيو بصراحة
لأن من أول ما قابلتك، الأحداث بدأت تتغير بشكل غريب.
وقبل أن يكمل...
رن هاتف رودريجو.
فتح الرسالة، ثم نظر إلى ماتيو بوجه شاحب.
لازم تشوف دي.
ناول له الهاتف.
كانت الرسالة تحتوي على صورة التُقطت داخل الطائرة.
الصورة أظهرت ماريانا وهي نائمة على كتف ماتيو، وآنا بينهما.
وتحتها جملة قصيرة
اللقاء تم بنجاح.
قطب ماتيو حاجبيه.
مستحيل...
قالت ماريانا بقلق
يعني إيه؟
يعني حد كان بيراقبنا من أول لحظة... وحدد اللحظة اللي اتقابلنا فيها.
وفجأة...
أصدر جهاز الاتصال عند قائد الأمن صوتًا متواصلًا.
السيارة الأولى بتبلغ إنها فقدت الاتصال بالسيارة التالتة.
بعد ثوانٍ...
جاء صوت متقطع من الجهاز
العربية... اتصدمت...
ثم انقطع الإرسال تمامًا.
ساد التوتر داخل السيارة.
أمر ماتيو السائق
غيّر الطريق فورًا.
لكن السائق بص في المرآة وقال بقلق
يا فندم... في عربية بيضا من ساعة ما خرجنا وهي ماشية ورانا.
نظر الجميع للخلف.
كانت سيارة بيضاء تسير على نفس المسافة، لا تقترب ولا تبتعد.
قال قائد الأمن
متسرعوش... يمكن تكون صدفة.
لكن بعد أول إشارة...
لفت السيارة البيضاء معهم.
وبعد ثاني إشارة...
كررت نفس الحركة.
لم يعد الأمر صدفة.
أخرج قائد الأمن منظارًا صغيرًا، ونظر من الزجاج الخلفي.
ثم قال بهدوء غريب
لا... دي مش عربية واحدة.
كل ما واحد يسيبنا، واحد تاني يكمل مكانه.
فيه فريق كامل بيتابعنا.
وفي اللحظة نفسها...
وصلت رسالة جديدة إلى هاتف ماتيو.
فتحها بسرعة.
لم تكن فيها كلمات.
كانت مجرد صورة...
صورة لبيت قديم، أمام بابه شجرة كبيرة.
تجمدت ماريانا وهي تنظر إليها.
ثم همست بصوت مرتعش
لا...
نظر إليها ماتيو بسرعة.
تعرفي المكان ده؟
ابتلعت ريقها وقالت
ده... بيت جدي.
بيت مهجور من أكتر من خمس عشرة سنة.
والمفروض...
محدش يعرف إنه يخص عيلتنا رفع السائق قدمه عن دواسة البنزين تلقائيًا.
كانت السيارة البيضاء تسير أمامهم بسرعة ثابتة، وكأنها تقودهم إلى مكان معين.
قال قائد الأمن بحزم
متقربش منها... وخليك محافظ على مسافة آمنة.
هز السائق رأسه.
لكن بعد ثوانٍ، أضاءت الإشارات الخلفية للسيارة البيضاء ثلاث مرات متتالية، ثم انحرفت بهدوء إلى طريق جانبي ضيق.
نظر رودريجو إلى ماتيو.
كأنهم
بيقولولنا امشوا وراهم.
رد ماتيو دون تردد
لأ... إحنا مش هنتحرك حسب أوامر حد.
لف السائق إلى الطريق الرئيسي.
وفجأة...
رن هاتف ماريانا مرة أخرى.
هذه المرة ظهر على الشاشة اسم لم تره منذ سنوات
بيت جدي.
اتسعت عيناها.
مستحيل...
مدت الهاتف لماتيو.
بص.
نظر إلى الشاشة في ذهول.
لم يكن رقمًا مجهولًا، بل ظهر الاسم نفسه، رغم أن ماريانا لم تكن قد سجلته يومًا.
ترددت لثوانٍ، ثم ضغطت على زر الرد.
ألو؟
جاءها صوت رجل مسن، هادئ وواضح.
يا ماريانا... لو لسه فاكرة الشجرة الكبيرة اللي في الجنينة، احفري تحتها.
حبست أنفاسها.
مين حضرتك؟
لكن الخط انقطع.
ظل الجميع صامتين.
قال رودريجو ببطء
الشخص ده يعرف تفاصيل محدش يعرفها غير أصحاب البيت.
وفجأة، أخرج قائد الأمن جهازًا صغيرًا من جيبه، وأخذ يفحص السيارة من الداخل.
سألته ماريانا
بتدور على إيه؟
قال وهو يمرر الجهاز بجوار المقاعد
أجهزة تتبع.
بعد لحظات...
أصدر الجهاز صفيرًا متواصلًا.
تبادل الجميع النظرات.
انحنى قائد الأمن أسفل مقعد ماريانا.
ثم أخرج قطعة صغيرة جدًا، بحجم العملة المعدنية.
رفعها بين أصابعه.
لقيتها.
شهقت ماريانا.
دي كانت تحت كرسيي؟
أيوه... حد حطها من غير ما حد يحس.
قطب ماتيو حاجبيه.
يعني من أول ما خرجنا من المطار، مكاننا كان معروف.
فتح قائد الأمن النافذة، وكسر الجهاز بحذائه، ثم ألقاه بعيدًا.
في اللحظة نفسها...
وصل اتصال على هاتف ماتيو.
رد بسرعة.
جاءه صوت أحد رجال الأمن الذين فقدوا الاتصال بهم.
أستاذ ماتيو... إحنا بخير.
تنفس الجميع براحة.
لكن الرجل أكمل بصوت متوتر
العربية اللي خبطتنا
ماكانتش بتحاول تقتلنا...
أمال كانت عايزة إيه؟
كانوا بيدوروا على شنطة.
نظر ماتيو إلى ماريانا.
ثم إلى الشنطتين الموجودتين في مؤخرة السيارة.
قال بهدوء
ماريانا...
نعم؟
من فضلك، افتحي الشنطة الزرقا.
استغربت.
دي فيها هدومي وهدوم آنا.
ناولها قائد الأمن الشنطة.
فتحتها بسرعة.
الملابس كانت في مكانها.
لكن في القاع...
كان هناك ظرف أسود لم تره من قبل.
رفعت رأسها بصدمة.
ده... مش بتاعي.
أخذ ماتيو الظرف بحذر شديد.
وعندما فتحه...
وجد بداخله مفتاحًا نحاسيًا قديمًا، وبطاقة صغيرة مكتوب عليها بخط اليد
المفتاح لا يفتح باب البيت... بل يفتح الحقيقة نظر ماتيو إلى ماريانا بدهشة.
متأكدة؟
هزت رأسها بسرعة.
أيوه... قضيت فيه كل إجازات طفولتي. بعد وفاة جدي، البيت اتقفل، وكل واحد من العيلة راح في طريقه. حتى أنا ما رجعتلوش من سنين.
رودريجو أخذ الهاتف من يد ماتيو، وكبّر الصورة.
استنوا...
أشار بإصبعه إلى ركن الصورة.
شايفين الراجل ده؟
كان في الخلفية ظل رجل يقف تحت الشجرة، ملامحه غير واضحة.
لكن ماريانا شهقت.
ده... ده عم حسين!
استغرب ماتيو.
مين عم حسين؟
كان حارس البيت زمان... لكنه توفى من حوالي عشر سنين.
ساد صمت قصير.
ثم ابتسم رودريجو وقال
يبقى الصورة قديمة.
لكن ماريانا هزت رأسها بقوة.
لا... مستحيل.
وأشارت إلى نافذة في الدور الثاني.
الستارة دي أنا اللي ركبتها قبل ما البيت يتقفل بشهور... لكنها كانت بيضاء.
سكتت لحظة ثم قالت
في الصورة لونها أزرق.
يعني الصورة جديدة.
تبادل الجميع النظرات.
قال ماتيو
حد دخل البيت بعد كل السنين دي.
رن هاتف قائد الأمن.
استمع لثوانٍ ثم أغلقه.
الأخبار مش مطمئنة.
خير؟
العربية اللي اتعرضت للحادث... لقوها فاضية.
قطب ماتيو حاجبيه.
والحراس؟
اختفوا.
لم يكن هناك وقت للتفكير.
قال رودريجو
لو اللي بعت الصورة عايزكم تروحوا البيت، يبقى أكيد مستنيكم هناك.
رد ماتيو بحزم
وأنا مش هروح لمكان حد غيري اختاره.
لكن ماريانا كانت تنظر للصورة وكأنها تذكرت شيئًا.
همست
استنى...
كلهم بصوا لها.
وأنا صغيرة... جدي كان دايمًا يقول إن في البيت أوضة محدش يدخلها غيره.
ابتسمنا وإحنا أطفال وافتكرناه بيخوفنا.
لكن مرة شوفته خارج منها وهو شايل صندوق حديد صغير.
سألته وقتها إيه ده؟
قالي أمانة... ولما ييجي صاحبها هياخدها.
نظر إليها ماتيو باهتمام.
قلتي إيه؟
أمانة.
رودريجو انعقدت ملامحه.
أمانة...
كرر الكلمة كأنه سمعها قبل كده.
ثم اتسعت عيناه فجأة.
يا إلهي...
التفت إلى ماتيو بسرعة.
فاكر آخر اجتماع مع والدك قبل وفاته؟
كان بيتكلم عن الأمانة اللي لازم ترجع لصاحبها.
وقف ماتيو مذهولًا.
إنت فاكر الكلام ده؟
وقتها افتكرناه مجرد كلام رمزي...
لكن يمكن ماكنش رمزي أصلًا.
وقبل أن ينطق أحد بكلمة أخرى...
أضاءت شاشة السيارة.
لم يكن أحد يلمسها.
ظهرت عليها رسالة قصيرة من رقم مجهول
إذا أردتم الحقيقة... أمامكم ساعتان فقط للوصول إلى البيت.
ثم اختفت الرسالة وحدها.
في نفس اللحظة...
نظر السائق إلى المرآة وهو يقول بقلق
يا أستاذ ماتيو...
العربية البيضاء اختفت.
تنفس قائد الأمن براحة.
لكن السائق أكمل وهو يشير إلى الطريق أمامهم
لأنها بقت قدامنا ظل الجميع ينظر إلى المفتاح في صمت.
كان نحاسيًا قديمًا،
ثقيلًا بشكل غير معتاد، وعلى رأسه نقش صغير على هيئة شجرة.
همست ماريانا
نفس الشجرة اللي قدام بيت جدي...
قلب ماتيو المفتاح بين أصابعه، ثم سلّمه إلى رودريجو.
شوف لو عليه أي علامة تانية.
أخرج رودريجو عدسة صغيرة من حقيبته، وبعد لحظات قال
فيه أرقام محفورة بصعوبة... 17 4 22.
سألت ماريانا
دي معناها إيه؟
هز رأسه.
لسه مش عارف... لكن أكيد مش أرقام عشوائية.
في تلك اللحظة، انحرفت السيارة إلى طريق هادئ بعيد عن وسط المدينة.
قال السائق
يا فندم... إحنا بقينا قريبين من المنطقة اللي فيها البيت.
نظر ماتيو من النافذة.
أنا غيرت رأيي.
التفت إليه الجميع.
هنروح البيت... لكن بطريقتنا إحنا، مش بالطريقة اللي حد رسمها لينا.
ابتسم قائد الأمن لأول مرة.
تمام.
أخرج جهاز الاتصال، وأصدر أوامره بسرعة
فريق أول يسبقنا بخمس دقائق ويفحص المكان بالكامل... وفريق تاني يفضل على الطريق الخارجي.
بعد أقل من عشر دقائق...
ظهرت البوابة الحديدية القديمة.
كانت مغطاة بالصدأ، وأغصان الأشجار ملتفة حولها.
ترجل الجميع من السيارة.
وقفت ماريانا تحدق في المكان.
كل الذكريات رجعت دفعة واحدة.
ضحكاتها وهي طفلة...
وجدها وهي تحكي لها الحواديت...
ورائحة الخبز اللي كانت تملأ البيت كل صباح.
قالت بصوت خافت
عمره ما اتفتح من يوم وفاة جدي.
اقترب أحد رجال الأمن من البوابة.
دفعها برفق...
فانفتحت بسهولة شديدة.
نظر الجميع إلى بعضهم.
همس رودريجو
لو البيت مقفول من سنين... مين اللي زوّت المفصلات؟
دخلوا بحذر.
الغبار كان في كل مكان، لكن الغريب...
كان فيه آثار أقدام حديثة على الأرض.
انحنى قائد الأمن يتفحصها.
شخص واحد على الأقل دخل هنا خلال الأربع وعشرين ساعة الأخيرة.
تقدمت ماريانا ببطء حتى وصلت إلى الشجرة الكبيرة في الحديقة.
وقفت أمامها وهي تتذكر كلمات الرجل في الهاتف
احفري تحتها.
ناولها أحد الحراس مجرفة صغيرة كانت في السيارة.
بدأت تحفر.
دقيقة...
اتنين...
ثم اصطدمت المجرفة بشيء صلب.
تبادل الجميع النظرات.
ركع ماتيو على الأرض، وأزاح التراب بيديه.
ظهر صندوق معدني صغير، مغطى بالصدأ، وعليه نفس نقش الشجرة الموجود على المفتاح.
ابتسم رودريجو.
واضح إن المفتاح أخيرًا لقى مكانه.
أمسك ماتيو بالمفتاح النحاسي، وأدخله في القفل.
دار المفتاح بسهولة...
وانفتح الصندوق ببطء.
لكن قبل أن ينظر أحد إلى ما بداخله...
دوّى صوت محرك سيارة خارج البيت.
ثم تبعه صوت أبواب تُغلق بقوة.
اقترب أحد رجال الأمن من النافذة بسرعة، ثم عاد وهو يقول بجدية
يا أستاذ ماتيو...
إحنا مبقيناش لوحدنا.
فيه خمس عربيات واقفة قدام البيت... واللي نزلوا منها واضح إنهم جايين على هنا نظر ماتيو إلى الصندوق المفتوح، ثم إلى رجال الأمن
الواقفين عند النوافذ.
قال قائد الفريق بسرعة
لازم نمشي حالًا!
لكن ماتيو هز رأسه.
لا... إحنا مش هنهرب تاني.
مد يده داخل الصندوق، فأخرج ملفًا جلديًا قديمًا، ومظروفًا مختومًا بالشمع الأحمر، ووحدة تخزين إلكترونية صغيرة.
فتح المظروف أولًا.
كانت بداخله رسالة مكتوبة بخط يد قديم.
بدأ يقرأ بصوت مسموع
إذا وصلت هذه الرسالة إلى من يحمل اسم فياسينيور،
فاعلم أن والدك أنقذ عائلتي منذ أكثر من ثلاثين عامًا، وعندما اشتدت المطامع حول هذا الملف، طلب مني أن أخفيه في أكثر مكان لن يخطر ببال أحد... بيت صديق قديم لا يعرفه أحد.
شهقت ماريانا.
أكمل القراءة
وإذا جاءت حفيدتي ماريانا يومًا إلى هذا البيت، فاعلموا أن القدر جمعها بصاحب الأمانة، وليس بالصدفة.
ساد الصمت.
نظر ماتيو إلى ماريانا، وقال
يعني جدك كان يعرف والدي.
ابتسمت وسط دموعها.
وأنا ماكنتش
أعرف.
في الخارج، اقتربت خطوات الرجال من الباب.
لكن قبل أن يقتحموه، دوّى صوت سيارات الشرطة من كل اتجاه.
توقفت العربات الخمس فجأة.
سمع الجميع أوامر عبر مكبرات الصوت
المكان محاصر... ألقوا أسلحتكم وارفعوا أيديكم!
نظر رودريجو إلى ماتيو مبتسمًا.
وأنا داخل البيت أرسلت موقعنا للسلطات، ومعاهم نسخة من الأدلة.
خلال دقائق، ألقت الشرطة القبض على الرجال جميعًا.
واتضح أنهم كانوا يعملون لصالح رجل أعمال فاسد، حاول لسنوات الوصول إلى الملف لأنه يحتوي على مستندات تثبت عمليات غسل أموال واستيلاء على شركات، وكان والد ماتيو يحتفظ بالأدلة حتى لا تقع في الأيدي الخطأ.
أما دانيال...
فبعد التحقيق، ثبت أنه تلقى أموالًا مقابل مراقبة ماريانا والإبلاغ عن مكانها، حتى يتم الوصول إلى البيت القديم دون إثارة الشبهات.
لكن لأنه لم يكن يعرف حقيقة الملف،
انتهى به الأمر متهمًا بالتزوير، وتقديم بلاغات كاذبة، واستغلال إجراءات الحضانة لتحقيق مصالح شخصية.
وبعد أشهر...
أُغلقت القضية بالكامل.
استعادت ماريانا حياتها، وأُسقطت كل الادعاءات ضدها، وثبت حقها الكامل في حضانة آنا.
أما ماتيو، فأعلن تسليم الملف كاملًا إلى الجهات المختصة، وقرر إنشاء مؤسسة خيرية تحمل اسم والده وجد ماريانا، تكريمًا للأمانة التي حفظها كل منهما طوال تلك السنوات.
وفي يوم الافتتاح...
وقفت آنا الصغيرة تجري في حديقة المؤسسة، وهي تضحك بصوت ملأ المكان.
ابتسمت ماريانا وهي تراقبها.
اقترب منها ماتيو وقال
واضح إن الرحلة دي غيرت حياة ناس كتير.
ابتسمت بهدوء وردت
أوقات النهاية اللي بنفتكرها نهاية... بتكون في الحقيقة بداية جديدة.
نظر الاثنان إلى الأطفال وهم يلعبون، بينما أشرقت الشمس على المبنى الجديد، وكأنها تعلن أن سنوات الخوف انتهت، وأن الأمانة وصلت أخيرًا إلى أصحابها.
تمت.


تعليقات
إرسال تعليق