القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

التلات بنات التوأم قربوا من راجل بيربي طفل لوحده وقالوله

 التلات بنات التوأم قربوا من راجل بيربي طفل لوحده وقالوله



التلات بنات بقلم زيزي احمد


التلات بنات التوأم قربوا من راجل بيربي طفل لوحده وقالوله مامتنا عندها نفس الوشم اللي عندك... وساعتها عرف إن 8 سنين من الكدب خلاص هيتكشفوا.

أحمد الشناوي ماكانش بيدور على مشاكل عصر اليوم ده.

كل اللي كان عايزه يقعد عشر دقايق على دكة في حديقة الأزهر، يشرب القهوة اللي جابها من الكشك وكانت بردت، ويبص إذا كان مرتب آخر شغلانة ليه كميكانيكي نزل في حسابه ولا لأ.

من يوم ما أخته ماتت، وهو اللي بيربي ابن أخته آدم، اللي عنده ست سنين. في المدرسة كل الناس كانت فاكرة إنه أبوه، وهو بطل يصحح لهم.

لأنه في الحقيقة... كان أقرب حد للأب في حياة الولد.

عشان كده، لما شاف 3 بنات شبه بعض نسخة طبق الأصل واقفين قدامه، افتكر إنهم تايهين.

كانوا لابسين بالطوهات بيج، وربطات شعر بيضا، وجزم تلمع، وباصين للناس بنظرة اللي متعودين الكل يفسحلهم الطريق.

واحدة منهم أشارت على دراعه وقالت

يا عمو... مامتنا عندها نفس الوشم اللي عندك بالظبط.

أحمد بص على ساعده.

كان مرسوم عليه بوصلة مكسورة. الوشم ده ماكانش مجرد رسمة، كان ذكرى عمره ما عرف ينساها.

كوباية القهوة كادت تقع من إيده.

إنتوا قلتوا إيه؟

البنت اللي في النص قربت خطوة وقالت

ماما عندها نفس البوصلة... بس هي عندها على كتفها الشمال.

أحمد حس إن نفسه اتقطع.

الوشم ده مستحيل يكون صدفة.

من 8 سنين، وهو في الغردقة، اتعرف على بنت اسمها ياسمين.

كانت قاعدة لوحدها على البحر، وضحكت وهي بترسم على منديل شكل البوصلة المكسورة، وقالتله

إحنا الاتنين تايهين... لا عارفين جايين منين ولا رايحين فين.

وقبل الفجر، دخلوا محل وشم صغير، وعملوا نفس الوشم.

وقالتله وهي بتضحك

بوصلة مكسورة... لقلوب تايهة.

وبعدها...

ياسمين اختفت.

من غير رسالة.

من غير تفسير.

من غير حتى كلمة وداع.

فضل يدور عليها شهور، لكن رقمها


اتقفل، والعنوان اللي قالتله عليه طلع غلط.

ومن يومها، الوشم بقى وجع مستخبي جواه.

اسم مامتكم إيه؟ سأل وهو بيحاول يبان هادي.

البنات بصوا لبعض.

أصغر واحدة كانت هترد...

لكن في اللحظة دي، وصلت ست لابسة يونيفورم رمادي، شكلها مربية، وكانت بتجري عليهم.

ريم! سارة! ملك! إنتوا بتعملوا إيه هنا؟

البنات اتخضوا.

واحدة منهم قالت

إحنا بس قولناله على الوشم يا نورا.

نورا بصت على دراع أحمد...

وفجأة وشها اتغير.

ماكانش استغراب...

كان خوف.

قالت بسرعة

معلش يا أستاذ... البنات ماكانش قصدهم يضايقوك.

رد أحمد وهو بيقف

هم ما ضايقونيش... أنا بس عايز أعرف مين والدتهم.

نورا بلعت ريقها وقالت

يلا يا بنات... حالًا.

اسم عيلتكم إيه؟ سأل بإصرار.

مسكت إيد البنات جامد وقالت

الأستاذة ياسمين المنياوي مش بتحب أي حد غريب يقرب من بناتها.

أحمد اتجمد مكانه.

المنياوي.

اسم معروف... بيتقال في الأخبار، وفي البرامج، وصاحبه واحدة من أكبر شركات الاستثمار في مصر.

يعني ياسمين ماكنتش بنت عادية...

دي كانت بنت واحدة من أغنى وأشهر العائلات.

في اللحظة دي، السواق فتح باب عربية سوداء فخمة كانت واقفة على الرصيف.

البنات ركبوا، لكن ريم بصت لأحمد، ورفعت كفها على إزاز العربية.

وقبل ما العربية تتحرك...

أحمد لمح حاجة خلت رجليه تضعف.

في إيد البنت كان فيه أسورة دهب صغيرة، منقوش عليها

ر. أ. ش. 7 سنينوووو

بقلم_زيزي_احمد

أحمد فضل واقف مكانه، وعينيه معلقة على العربية وهي بتتحرك ببطء.

الأسورة...

كان متأكد إنه شاف الحروف صح.

ر. أ. ش.

الحروف دي كانت محفورة على سلسلة فضة قديمة كانت تخص والده، وبعد وفاته احتفظ أحمد بيها سنين، ولما ابن أخته آدم تم سنة، فكها وعلّق منها تعليقة صغيرة هدية ليه.

لكن... إزاي نفس الحروف تبقى على أسورة البنت؟

رجع بيجري ناحية العربية، لكن

السواق زوّد السرعة واختفت وسط الزحمة.

وقف يلهث وهو بيحاول يستوعب اللي حصل.

في اللحظة دي سمع صوت آدم من وراه.

خالو... إحنا هنروح؟

لف أحمد بسرعة، وحاول يخفي ارتباكه.

ابتسم وقال أيوه يا حبيبي... يلا.

لكن طول الطريق كان ساكت.

أول ما رجع البيت، طلع علبة خشب قديمة من فوق الدولاب.

كانت فيها كل حاجة فاضلة من أيام شبابه.

صور...

تذاكر سفر...

ورقة عليها رسمة البوصلة...

وفي آخر العلبة، لقى ظرف أصفر نسي وجوده.

فتحه.

خرجت منه صورة قديمة ليه مع ياسمين على شاطئ الغردقة.

ولما قلب الصورة...

لقى بخط إيدها

لو الأيام فرقتنا... البوصلة هترجعنا لبعض مهما طال الوقت.

تحت الجملة كان فيه رقم.

مش رقم موبايل...

رقم خزنة في أحد البنوك.

أحمد استغرب.

طول السنين دي عمره ما لاحظ الرقم.

في اليوم التالي، وبعد ما وصل آدم المدرسة، راح للبنك.

الموظف بص للرقم وقال باستغراب

الخزنة دي لسه موجودة... لكنها مشتركة باسم شخصين.

مين؟

الموظف بص في الشاشة، وسكت ثواني.

حضرتك الأستاذ أحمد الشناوي؟

أيوه.

يبقى حضرتك صاحب النص التاني من الخزنة.

أحمد اتجمد.

مستحيل... أنا أول مرة أعرف بوجودها.

الموظف قال بهدوء

الخزنة ماينفعش تتفتح إلا بحضور الطرفين... أو لو معاك خطاب تفويض رسمي.

خرج أحمد وهو دماغه بتلف.

يعني ياسمين كانت مخططة تسيب له حاجة؟

طب ليه اختفت؟

وليه ما رجعتش؟

وقبل ما يركب عربيته، موبايله رن من رقم غريب.

رد بحذر.

جاله صوت ست كبيرة في السن.

أستاذ أحمد؟

أيوه.

معاك مدام فريدة... المديرة التنفيذية لمؤسسة المنياوي.

اتعدل في وقفته.

خير؟

قالت بنبرة هادئة لكنها حازمة

الأستاذة ياسمين عرفت إنك قابلت البنات امبارح.

قلبه دق بعنف.

هي... كويسة؟

سكتت ثواني، ثم قالت

الأستاذة ياسمين عايزة تقابلك... لكن قبل أي مقابلة، لازم تعرف الحقيقة كاملة.

أحمد

أخد نفسًا عميقًا.

وأنا مستعد أسمع أي حاجة.

ردت فريدة

الحقيقة مش هتتقال في التليفون... لأنها تخصك، وتخص البنات، وكمان تخص الطفل اللي بيربيه من ست سنين.

اتسعت عينا أحمد.

آدم؟!

أغلقت فريدة المكالمة بعد أن قالت جملة واحدة فقط

بكرة الساعة خمسة... وهتعرف ليه كل السنين دي كانت مليانة أسرار في اليوم التالي، أحمد وصل قبل الموعد بنصف ساعة.

كان المكان عبارة عن فيلا قديمة هادئة على أطراف القاهرة، محاطة بأشجار عالية وأسوار كبيرة، لكن مفيهاش أي مظاهر مبالغة.

كل دقيقة كانت بتمر عليه كأنها ساعة.

وفي تمام الخامسة، فتحت البوابة.

استقبله رجل كبير في السن، وقال باحترام

اتفضل يا أستاذ أحمد... الأستاذة مستنياك.

دخل وهو حاسس إن قلبه بيدق بعنف.

ولما وصل إلى غرفة واسعة تطل على الجنينة، وقف مكانه.

ياسمين كانت واقفة قدام الشباك.

لما لفت وشها ناحيته، سكتوا الاتنين.

ثماني سنين كاملة اختفت في لحظة.

قال أحمد بصوت مبحوح

إنتِ عايشة...

ردت بابتسامة حزينة

أيوه... وعارفة إن ليك حق تسأل عن كل حاجة.

وقبل ما يتكلم، دخلت البنات التلاتة يجروا عليها.

ماما...

حضنتهم واحدة واحدة، ثم بصت لأحمد وقالت

دول ريم، وسارة، وملك.

البنات سلموا عليه في هدوء، وكأنهم فاكرينه من امبارح.

بعدها خرجوا مع المربية نورا، وساد الصمت.

أحمد قال مباشرة

ليه اختفيتي؟

تنهدت ياسمين وقالت

لأن والدي كان رافض تمامًا أي ارتباط خارج العيلة، ولما عرف إني بحبك، نقلني برة مصر فترة طويلة، وسحب مني التليفون، وغير كل وسيلة أقدر أوصلك بيها.

سكتت لحظة ثم أكملت

حاولت أرجع وأدور عليك بعد وفاة والدي، لكن عرفت إنك بقيت مسؤول عن طفل صغير بعد وفاة أختك، فقلت يمكن حياتك اتغيرت، وماحبيتش أدخلها من جديد وأقلبها.

أحمد هز رأسه بحزن.

لو كنتِ بعتي رسالة واحدة... كنت فهمت.

قالت وهي تخفض عينيها

حاولت... لكن الرسائل عمرها ما وصلت.

وقبل أن يكمل الحديث، دخلت مدام فريدة وهي تحمل ملفًا أزرق.

وضعته على الطاولة وقالت

ده الملف اللي لازم تشوفه.

فتح


أحمد الملف.

وجد صورًا قديمة، ومستندات، وخطابات لم تُرسل، كلها تحمل اسمه.

وفي آخر الملف، وجد إيصالًا من محل الوشم في الغردقة.

كان مرفقًا معه ظرف صغير مغلق.

قالت ياسمين

افتحه.

فتح الظرف ببطء.

خرجت منه ورقة مطوية.

كانت بخط ياسمين.

لكن تاريخها كان منذ ثماني سنوات.

قرأ أول سطر، فتغيرت ملامحه تمامًا

لو وصلت لك الرسالة دي، اعرف إن في أمانة كبيرة لازم تعرف حقيقتها... والأمانة دي مرتبطة بعيلتك قبل ما تكون مرتبطة بيا.

رفع أحمد رأسه بسرعة وقال

أمانة إيه؟

ياسمين نظرت إليه وقالت بهدوء

قبل ما أجاوبك... لازم حد تاني يدخل يسمع الكلام ده معانا.

ثم التفتت نحو الباب وقالت بصوت واضح

اتفضل يا عم حسن... جه الوقت تقول الحقيقة اللي احتفظت بيها كل السنين دي.

وفُتح الباب ببطء، ودخل رجل مسن يحمل في يده صندوقًا خشبيًا قديمًا، وما إن وقع نظر أحمد على الصندوق حتى شعر أنه رآه من قبل... لكنه لم يتذكر أين ولا متى دخل عم حسن بخطوات بطيئة، ووضع الصندوق الخشبي على الطاولة بحرص شديد.

أحمد فضل يبص له باستغراب.

وفجأة قال

الصندوق ده... كان عند جدي.

ابتسم عم حسن وقال

أيوه... لأن جدك هو اللي سلّمه لوالد الآنسة ياسمين من أكتر من تلاتين سنة، وقال له احتفظ بيه لحد ما ييجي صاحبه الحقيقي.

اتسعت عينا أحمد.

صاحبه الحقيقي؟

فتح عم حسن الصندوق، فظهر بداخله عدد من الأوراق القديمة، وساعة جيب فضية، وميدالية صغيرة على شكل بوصلة.

كانت نفس البوصلة المكسورة المرسومة في الوشم.

قال عم حسن

زمان، والدك ووالد ياسمين كانوا أصحاب عمر. دخلوا مشروع مع بعض، لكن المشروع خسر، وكل واحد راح في طريقه. قبل وفاة والدك بأيام، سلّم الصندوق ده لصاحبه، وقال له لما ابني يكبر، اديله الأمانة بنفسك.

سأل أحمد

بدهشة

وليه ما أخدتوش؟

تنهدت ياسمين وقالت

لأن بابا توفى فجأة، وبعدها اكتشفت الورقة اللي كاتب فيها وصيته لعم حسن. لكنه كان طالب إن الصندوق مايتفتحش إلا لما تكون مستعد تعرف الحقيقة.

أخرج عم حسن ظرفًا مختومًا بالشمع الأحمر.

دي رسالة من والدك.

فتحها أحمد وبدأ يقرأ، وكانت الكلمات بخط والده

يا أحمد... لو الرسالة دي وصلت لك، يبقى ربنا كتب لك تعرف الحقيقة. أنا مدين لوالد ياسمين بجميل كبير، وهو عمره ما طلب المقابل. كل اللي طلبه إن المحبة تفضل بين العيلتين، وماحدش يورث خصومة ولا كراهية.

أحمد أكمل القراءة وعيناه امتلأتا بالدموع.

ولو قابلت ياسمين في يوم، اعرف إنها إنسانة طيبة، وأيًا كانت الظروف، اسمع منها قبل ما تحكم.

أغلق الرسالة وهو يحاول يسيطر على مشاعره.

قال لياسمين بصوت هادئ

يبقى كل اللي حصل... كان بسبب سوء تفاهم وسكوت ناس كتير.

هزت رأسها بأسى.

للأسف... أيوه.

وفي هذه اللحظة، دوّى صوت ضحكات الأطفال من الحديقة.

نظر أحمد من الشباك، فرأى آدم يلعب الكرة مع ريم وسارة وملك، وكأنهم يعرفون بعضهم من زمان.

ابتسم لأول مرة منذ أيام.

لكن ابتسامته اختفت سريعًا عندما لمح سيارة بيضاء تقف خارج الفيلا.

نزل منها رجل في منتصف الخمسينات، وبمجرد أن رآه عم حسن، تغير لون وجهه وقال بقلق

لا... هو عرف يوصل للمكان.

سأل أحمد بسرعة

مين ده؟

رد عم حسن بصوت منخفض

الشخص الوحيد اللي كان بيحاول يمنع الحقيقة دي تظهر للنور... ولسه معاه ورقة ناقصة من الملف، من غيرها محدش هيقدر يثبت كل اللي اتقال.

وفي اللحظة نفسها، دق جرس الباب بقوة، ونظرت ياسمين إلى أحمد وقالت

واضح إن الوقت خلص... والاختبار الحقيقي لسه هيبدأ ساد صمت ثقيل في الفيلا.

رن الجرس مرة تانية، لكن المرة دي كان أطول

وأقوى.

اتجه عم حسن ناحية الباب، إلا أن ياسمين أوقفته.

استنى... أنا هفتح.

فتحت الباب بهدوء، فدخل رجل وقور في منتصف الخمسينات، يرتدي بدلة بسيطة، وفي يده حقيبة جلد سوداء.

بمجرد ما شاف أحمد، قال

الحمد لله... أخيرًا بقيت هنا.

استغرب أحمد.

كان متوقع يشوف شخص عدائي، لكن ملامح الرجل كانت هادئة.

قالت ياسمين

أستاذ سامح... اتفضل.

جلس الرجل ووضع الحقيبة على الطاولة.

ثم قال

أنا المحامي اللي كان بيتولى تنفيذ وصية والد ياسمين ووصية والدك.

نظر إليه أحمد بدهشة.

يعني حضرتك مش جاي تعمل مشكلة؟

ابتسم سامح وقال

بالعكس... أنا جاي أنهي مشكلة استمرت سنين.

فتح الحقيبة، وأخرج ملفًا سميكًا.

قال وهو يقلب صفحاته

بعد وفاة والد ياسمين، حصل خطأ إداري كبير. جزء من الوصية اتحفظ في مكتب، والجزء التاني اتحفظ في خزنة البنك. ولأن المستندات كانت ناقصة، محدش قدر ينفذ رغبة الرجلين.

أخرج ورقة مختومة بختم رسمي، ودفعها ناحية أحمد.

قرأ أحمد أول سطر، وشعر أن الحمل الذي كان فوق صدره بدأ يخف.

كانت الورقة تؤكد أن الصندوق والخزنة والرسائل كلها أمانة مشتركة، وأن الغرض منها جمع العائلتين إذا التقيا يومًا، وليس التفريق بينهما.

قال سامح

والدك ووالد ياسمين كانوا مؤمنين إن الصداقة الحقيقية بتفضل حتى بعد الرحيل. عشان كده كتبوا الوصايا دي.

تنهد أحمد وقال

يعني كل السنين دي ضاعت بسبب ورق اتفرق؟

أومأ سامح برأسه.

للأسف... أيوه.

في هذه اللحظة دخل الأطفال من الجنينة، يضحكون بصوت عالٍ.

آدم كان ماسك الكرة، وريم قالت بابتسامة

يا ماما... آدم كسبنا.

ضحك أحمد لأول مرة من قلبه.

نظر إلى الأطفال، ثم إلى ياسمين.

قال بهدوء

أهم حاجة إن اللي فات ما يضيعش اللي جاي.

ابتسمت ياسمين دون أن ترد.

لكن قبل أن

ينتهي الحديث، اقتربت ملك الصغيرة من أحمد، وأخرجت من جيبها ورقة مطوية.

دي كانت مع ماما، وقالت أديها لك لما نبقى كلنا قاعدين مع بعض.

فتح أحمد الورقة ببطء.

كانت رسالة قصيرة بخط والده، لكنها مختلفة عن الرسالة الأولى.

وفي نهايتها جملة واحدة جعلته يرفع رأسه في صدمة

في بيت العيلة القديم، خلف المكتبة الخشبية، ستجد آخر أمانة... وهي التي ستكشف السر الذي لم يعرفه أحد حتى الآن.

نظر أحمد إلى ياسمين، فقالت بهدوء

أنا عمري ما روحت بيت العيلة... واضح إن رحلتنا لسه ما خلصتش في صباح اليوم التالي، انطلق أحمد وياسمين ومعهما عم حسن إلى بيت العائلة القديم.

كان المنزل مغلقًا منذ سنوات، لكن عم حسن ما زال يحتفظ بالمفتاح.

بمجرد أن فتح الباب، انتشرت رائحة الخشب القديم والغبار، وكأن الزمن توقف داخل المكان.

أخذ أحمد ينظر في أركان البيت، وكل زاوية كانت تعيد إليه ذكرى من طفولته.

توقف أمام المكتبة الخشبية الكبيرة.

قال بهدوء

دي هي.

اقترب الثلاثة منها، ودفعها أحمد بكل قوته.

تحركت المكتبة ببطء، وظهر خلفها تجويف صغير في الحائط.

داخله صندوق حديدي قديم.

أخرج عم حسن مفتاحًا صغيرًا كان معلقًا في سلسلة قديمة، وفتح الصندوق.

لم يكن بداخله ذهب ولا أموال.

بل مجموعة دفاتر، وألبوم صور، ومظروف مختوم.

فتح أحمد المظروف أولًا.

كانت رسالة أخيرة من والده.

يا أحمد... لو وصلت لهنا، يبقى عرفت إن الحقيقة عمرها ما كانت في المال، لكن في الثقة. الصندوق ده فيه تاريخ العيلتين، وصور تثبت إن والد ياسمين وقف جنبنا في أصعب أيامنا، وإننا كنا أهل قبل ما نكون أصحاب. حافظوا على العلاقة دي، لأنها أغلى من أي ميراث.

أغلقت ياسمين عينيها وهي تسمع الرسالة.

أما عم حسن، فكانت الدموع تملأ عينيه.

ثم فتح أحمد ألبوم الصور.

كانت صورًا قديمة لرحلات عائلية، وأعياد، وأطفال يلعبون معًا.

وأشار عم حسن إلى صورة بالأبيض والأسود.

دي

 

كانت آخر صورة اتصورت قبل ما الظروف تفرق العيلتين.

ابتسم أحمد وهو يتأملها.

شعر لأول مرة أن أجزاء كثيرة من حياته بدأت تكتمل.

وفي تلك اللحظة، رن هاتف ياسمين.

نظرت إلى الشاشة، ثم ابتسمت.

البنات بيسألوا هنرجع إمتى... وآدم بيقول إنه مستني يكمل الماتش معاهم.

ضحك أحمد وقال

شكلهم بقوا أصحاب من أول يوم.

خرجوا من البيت، وأغلق عم حسن الباب للمرة الأخيرة.

لكن أحمد التفت إلى المنزل، وقال بهدوء

يمكن المكان ده قفل بابه... لكن فتح باب جديد لينا كلنا.

وركبوا السيارة في طريق العودة، بينما كانت الشمس تميل نحو الغروب، ومعها بدأ فصل جديد في حياتهم... فصل قائم على الصراحة، ولمّ الشمل، واحترام الوعد الذي قطعه الآباء للأبناء.

يتبع...مرت عدة أيام، وبدأت العلاقة بين أحمد وياسمين ترجع بالتدريج، لكن كل واحد فيهم كان حريص إن الأمور تمشي بهدوء، خصوصًا عشان الأطفال.

آدم بقى مستني كل جمعة عشان يشوف ريم وسارة وملك.

أما البنات، فبقوا يعتبروا أحمد عمو أحمد، وكانوا يفرحوا أول ما يشوفوه داخل من باب الفيلا.

في أحد الأيام، بينما كانوا جميعًا بيتغدوا، سألت ريم فجأة

ماما... هو إنتِ وعمو أحمد كنتوا أصحاب زمان؟

ابتسمت ياسمين وقالت

أيوه... كنا أصحاب من زمان جدًا.

ردت

ملك ببراءة

عشان كده عندكم نفس الوشم؟

ضحك الجميع، بينما أحمد قال

أهو الوشم ده كان سبب إننا نتقابل تاني.

وفي المساء، جلس أحمد مع عم حسن في الحديقة.

قال أحمد

في حاجة لسه مش مفهومة.

إيه هي؟

الأسورة اللي كانت في إيد ريم... اللي عليها الحروف ر. أ. ش..

ابتسم عم حسن وقال

افتكرت إنك هتسأل عليها بدري.

دخل إلى الفيلا، ثم عاد بعلبة مخمل صغيرة.

فتحها أمام أحمد.

كانت بداخلها ثلاث أساور متشابهة.

وقال

دي اتعملت للبنات يوم عيد ميلادهم الأول. الحروف مش اختصار لاسم شخص، دي أول حروف من أسماء جدودهم رشدي، أنور، وشفيق... التلاتة كانوا أصحاب وشركاء من زمان.

تنفس أحمد الصعداء.

لغز جديد اتحل.

وفي نفس اللحظة، خرج آدم يجري وهو ماسك ظرفًا قديمًا.

خالو... لقيت ده جوه كتاب في البيت.

أخذه أحمد وفتحه.

كان عقدًا قديمًا مكتوبًا بخط اليد، يخص مشروعًا خيريًا كان والده ووالد ياسمين بيخططوا يعملوه، لكنه لم يكتمل.

قرأ أحمد آخر سطر بصوت مرتفع

إذا لم نستطع نحن أن نحقق هذا الحلم... فليحققه أبناؤنا.

نظر إلى ياسمين.

قالت بابتسامة

إيه رأيك؟ بدل ما نخلي الورق يفضل في الأدراج... ننفذ حلمهم؟

ابتسم أحمد لأول مرة دون أي تردد.

موافق... ودي هتبقى أحسن طريقة نكرم بيها ذكراهم.


بدأ الاثنان يخططان لتحويل البيت القديم إلى مركز لتعليم الأطفال الحرف اليدوية والدروس المجانية، حتى يظل المكان شاهدًا على الخير الذي جمع العائلتين.

لكن قبل أن يبدأ التنفيذ بأيام قليلة، وصل إلى أحمد خطاب رسمي من إحدى الجهات الحكومية.

فتح الخطاب بسرعة...

وما إن قرأ أول سطر، حتى تغيرت ملامحه تمامًا.

رفع رأسه نحو ياسمين وقال

واضح إن في حد عرف بقصة البيت القديم... وعايز يوقف المشروع قبل ما يبدأ.

يتبع...أخذت ياسمين الخطاب من يد أحمد وقرأته بهدوء.

كان الخطاب يفيد بأن هناك مراجعة قانونية تخص ملكية البيت القديم، وأنه لا يجوز البدء في أي أعمال حتى انتهاء الإجراءات.

قالت ياسمين مطمئنة

متقلقش... دي إجراءات طبيعية، خصوصًا إن البيت مقفول من سنين.

لكن أحمد كان قلقًا.

أخاف يضيع الوقت، ويضيع معاه حلمهم.

في اليوم التالي، ذهب أحمد وياسمين مع المحامي سامح إلى الجهة المختصة، حاملين كل المستندات التي وجدوها في الصندوق والخزنة.

استقبلهم الموظف المسؤول باحترام، وراجع الأوراق واحدة تلو الأخرى.

وبعد أكثر من ساعتين، ابتسم وقال

الحقيقة إن المستندات كاملة، لكن كان لازم نراجعها لأن البيت مسجل بأسماء الورثة القدامى. بعد استكمال التوقيعات، مفيش أي مانع

قانوني.

تنفس الجميع الصعداء.

وأثناء خروجهم، لمح أحمد رجلًا مسنًا يقف أمام سور المبنى، يراقبهم بابتسامة.

اقترب منهم وقال

إنت أحمد الشناوي؟

أيوه.

أخرج الرجل من جيبه مفتاحًا نحاسيًا صغيرًا.

أنا كنت جار والدك زمان. قبل ما يتوفى بأيام، اداني المفتاح ده وقال لي لو ابني رجع يكمل اللي بدأناه، سلّمهوله.

أخذ أحمد المفتاح وهو في قمة الدهشة.

مفتاح إيه ده؟

ابتسم الرجل وقال

ورشة النجارة القديمة اللي كان والدك بيشتغل فيها مع أصحابه. محدش فتحها من أكتر من عشرين سنة.

نظر أحمد إلى ياسمين، وقال

يمكن دي تكون بداية المشروع.

وفي عصر اليوم نفسه، ذهبوا جميعًا إلى الورشة.

فتح أحمد الباب بالمفتاح، فأصدر صريرًا طويلًا.

كانت الأدوات ما زالت في أماكنها، وكأن أصحابها خرجوا بالأمس فقط.

وعلى الحائط، لافتة خشبية مغطاة بالتراب.

مسحها أحمد بيده، فظهرت الكلمات

العلم والحرفة... ميراث لا يضيع.

ابتسمت ياسمين وقالت

أهو ده الاسم.

رد أحمد وهو ينظر إلى الورشة

ومن هنا... هنبدأ نحول حلمهم لحقيقة.

وفي الخارج، كان آدم والبنات يقفون أمام الباب، ينظرون إلى المكان بفضول، دون أن يدركوا أن هذا المبنى الصغير سيصبح يومًا ما سببًا في تغيير حياة عشرات الأطفال... وأن الحكاية التي بدأت بوشم قديم، أصبحت الآن قصة عائلة اجتمع شملها، ووعدٍ قديم تحقق خطوة بعد خطوة.

تمت.

 

تعليقات

التنقل السريع
    close