القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 

حرارة بنتى وصلت ل 104




حرارة بنتى وصلت ل 104

 

حرارة بنتي وصلت ل 104، وحماتي أصرت إني أفضل في البيت أطبخ لضيوفها بدل ما آخدها للدكتور.

قالتلي بعصبية

بلاش تفضحينا قدام الناس!

ولما رفضت، جوزي رفع إيده وضربني بالقلم.

شلت بنتي وخرجت من البيت... وعملت مكالمة واحدة بس.

كانت بنتي، سارة، عندها أربع سنين، ومتكوّرة على نفسها في السرير، بتترعش من البرد، لكن جسمها كان مولع نار.

حكايات_شروق_خالد

حطيت الترمومتر، ولما شفت الرقم، حسيت الدم جمد في عروقي.

104 2.

لفيتها بسرعة في بطانية تقيلة، ونزلت بيها أجري على سلم الفيلا عشان ألحقها المستشفى.

لكن قبل ما أوصل لباب الخروج، لقيت حماتي، نعيمة، واقفة قدامي قافلة السكة.

كانت لابسة فستان شيك، وبتظبط السلسلة الدهب اللي في رقبتها، ولا حتى بصت على حفيدتها اللي جسمها بيحرق من السخونية وهي بين إيديا.

قالت بحدة

رايحة على فين كده؟

قلت وأنا بحاول أعدي

سارة حرارتها خطيرة، لازم أوديها المستشفى حالًا.

قالت وهي عاقدة دراعها

الضيوف المهمين جايين بعد عشرين دقيقة، وانتي المفروض تكوني في المطبخ بتتابعي الأكل والخدم.

حكايات_شروق_خالد

صرخت فيها

بنتي تعبانة! ابعدي من قدامي!

على صوتي، باب المكتب اتفتح، وخرج جوزي، كريم، لابس بدلته ومستعد يستقبل ضيوفه.

بصلي بضيق، ولا كأنه شايف بنته، وقال

يا فيفي، كفاية تمثيل. خالي جايب النهارده تلاتة من أكبر


رجال الأعمال، وأنا محتاجك تستقبليهم كويس. بطلي أنانية.

أنانية؟

أنا شايلة بنتنا اللي جسمها بيغلي من السخونية، وهو شايف إني أنانية؟

سارة أكتر، وخطيت ناحية الباب.

وش كريم اتغير، وجري عليا فجأة، مسكني من دراعي بعنف، وزقني في الحيطة وأنا شايلة البنت.

وقال من بين سنانه

لو خرجتي من الباب ده دلوقتي، هتخرجي من غير ولا مليم. لا فلوس، ولا بيت، ولا حتى هتشوفي البنت تاني. هخلي المحكمة تاخدها منك، وأدمر حياتك.

حكايات_شروق_خالد

كان مقتنع إن أنا مجرد ست قاعدة في البيت، عايشة على اسمه وفلوس عيلته.

كان فاكر إني هانهار وأعيط وأترجاه.

لكن اللي حصل كان العكس.

كل الخوف اللي جوايا اختفى في لحظة.

الست اللي فضلت خمس سنين ساكتة وبتستحمل ماتت في الثانية دي.

عدلت وقفتي بهدوء، وبصيت حوالي على الرخام الفخم، والنجف الكريستال، واللوحات الغالية اللي كانت مالية الفيلا.

وبعدين بصيت له... وابتسمت.

ابتسامة خلت ثقته في نفسه تهتز، ورجع خطوة لورا من غير م

القصة كاملة اول التعليق ابتسامتي أربكته فعلًا.

قال وهو بيحاول يبان واثق بتضحكي على إيه؟

طلعت الموبايل بإيد ثابتة، وضغطت على اسم واحد بس في جهات الاتصال.

بعد ثوانٍ ردي الصوت أيوه يا فيفي؟

قلت بسرعة بابا... سارة حرارتها فوق 104، وكريم مانعني أخرج بيها.

سمع بابا كلامي كله، وقال بهدوء عشر دقايق


وهكون عندك.

قفل الخط.

كريم ضحك بسخرية فاكرة أبوكي هيعمل إيه؟

لكن بعد أقل من عشر دقايق، وقفت قدام الفيلا عربية إسعاف، ووراها عربية شرطة، ومعاهم عربية بابا.

أول ما دخلوا، المسعفون خدوا سارة فورًا، وبدأوا يقيسوا حرارتها ويجهزوها للنقل.

واحد من أفراد الشرطة سأل مين اللي منع الأم من نقل طفلتها للمستشفى؟

سكت كريم.

أما حماته، فحاولت تقول دي كانت مكبرة الموضوع...

لكن المسعف قاطعها حرارة بالشكل ده حالة طارئة، وكان لازم تتحرك من أول لحظة.

بابا بص لكريم وقال لو حصل لبنتي أو لحفيدتي أي مكروه، هحاسبك بالقانون.

خرجت مع الإسعاف وأنا ماسكة إيد سارة، وقلبي بيدعي إنها تقوم بالسلامة.

ولما وصلنا المستشفى، بدأ الأطباء العلاج بسرعة، وبعد ساعات طويلة، الدكتور خرج وقال الحمد لله، وصلتوا في الوقت المناسب، وتأخير بسيط كمان كان ممكن يسبب مضاعفات خطيرة.

وقتها دموعي نزلت من الفرحة.

أما كريم، ففضل يتصل عشرات المرات، لكني ما رديتش.

ولأول مرة من سنين، حسيت إن أهم قرار خدته في حياتي هو إني اخترت سلامة بنتي قبل أي حد بعد يومين، كانت سارة أحسن بكتير، والسخونية نزلت، وبدأت تضحك وهي ماسكة لعبتها الصغيرة.

وأنا قاعدة جنبها، دخل بابا وقال فيفي... في حد بره عايز يشوفك.

خرجت، لقيت كريم واقف، وشكله مرهق، وعينيه مليانة ندم.

أول ما شافني قال أنا


غلطت... سامحيني. كنت مضغوط ومش فاكر أنا عملت إيه.

بصيتله بهدوء وقلت الضغوط عمرها ما تبرر إنك تضرب مراتك أو تمنع بنتك من العلاج.

قبل ما يرد، وصل محامي بابا، وسلمه ظرف.

فتح الظرف، واتفاجئ إنه إنذار رسمي بيطالبه بعدم التعرض ليا أو لسارة، مع طلب نفقة ومصاريف علاج وإثبات واقعة الاعتداء.

وشه اصفر.

قال يعني خلاص... انتهى كل حاجة؟

قلت اللي انتهى هو خوفي منك.

في الأيام اللي بعدها، استقريت أنا وسارة في بيت بابا، ورجعت أشتغل في المجال اللي كنت سيباه من سنين.

بدأت أقف على رجلي من جديد، وكل يوم كنت بحس إني بقيت أقوى.

أما كريم، فحاول كتير يصلح اللي عمله، لكن الثقة اللي اتكسرت ما رجعتش بسهولة.

وفي أول جلسة بالمحكمة، كانت التقارير الطبية وشهادة المسعفين كافية تثبت إن تأخير علاج طفلة بحرارة مرتفعة كان تصرفًا خطيرًا.

خرجت من المحكمة وأنا ماسكة إيد سارة.

رفعت وشها الصغير ناحيتي وقالت بابتسامة ماما... إحنا هنرجع بيت الوحش؟وقلت لأ يا حبيبتي... من النهارده، إحنا هنعيش في بيت كله أمان، ومحدش هيمنعك من العلاج ولا هيزعلك تاني.

وسابت الأيام جرحًا لن يُنسى، لكنها علمت فيفي أن كرامتها وسلامة ابنتها أهم من أي بيت أو مال، وأن الصمت على الظلم لا يحمي الأسرة... بل يطيل الألم.

النهاية بعد ستة شهور...

كانت سارة بتجري في جنينة صغيرة قدام


البيت الجديد، وهي بتضحك لأول مرة من قلبها من غير خوف.

وقفت فيفي تراقبها من الشباك،


 

وابتسمت.

رن جرس الباب.

فتحت، لقت كريم واقف، لكن المرة دي لوحده، من غير عربية فخمة ولا حراس.

قال بصوت هادي جاي أشوف بنتي... لو تسمحي.

بصتله شوية، وبعدين نادت سارة... بابا جه.

جريت سارة عليه، ، وهو بكى لأول مرة قدامها.

قال لها حقك عليا يا حبيبتي.

الطفلة مسحت دموعه بإيديها الصغيرة وقالت متزعلش يا بابا... بس متخلينيش أعيى تاني.

الكلمة نزلت على قلبه كأنها جبل.

بعد الزيارة، وقف كريم قدام فيفي وقال أنا بدأت علاج نفسي، وحضرت برامج لإدارة الغضب. مش بطلب ترجعيلي... أنا بس بحاول أصلح نفسي.

ردت بهدوء أتمنى فعلًا تتغير... علشان بنتك تستحق يكون عندها أب يحميها، مش يخوفها.

هز رأسه ومشى.

مرت سنة كاملة...

كبرت سارة، ودخلت المدرسة، وبقت تحكي بفخر ماما أشجع واحدة في الدنيا.

وفي يوم احتفال المدرسة بعيد الأم، طلعت سارة على المسرح وقالت قدام الجميع

أمي علمتني إن الإنسان لما يخاف على اللي بيحبه، لازم يكون شجاع... حتى لو وقف قدام الدنيا كلها.

لم تتمالك فيفي دموعها، وصفق الحاضرون بحرارة.

وفي تلك اللحظة، أدركت أن أصعب قرار اتخذته في حياتها... كان أيضًا القرار الذي أنقذ مستقبل ابنتها.

تمت بعد خمس سنوات...

كانت سارة عندها تسع سنين، بقت متفوقة في مدرستها، وواثقة من نفسها بشكل لفت انتباه كل المدرسين.

أما فيفي، فكانت افتتحت مشروعها الصغير،

وكبر مع الوقت، لحد ما بقى مصدر رزق ثابت ليها.

وفي يوم، وهي راجعة من الشغل، لقت ظرفًا على باب البيت.

فتحته، ولقت دعوة لحفل تكريم رجال وسيدات الأعمال في المحافظة.

استغربت، لكنها راحت.

وأثناء الحفل، طلع المذيع وقال

النهارده بنكرم سيدة بدأت من الصفر، وحولت أصعب تجربة في حياتها إلى قصة نجاح... الأستاذة فيفي.

طلعت وسط تصفيق الحضور، واستلمت الدرع، وقالت في كلمتها

زمان كنت فاكرة إن القوة معناها إني أستحمل وأسكت... لكن اتعلمت إن القوة الحقيقية هي إنك تحمي اللي بتحبه، حتى لو خسرت كل حاجة.

الجمهور كله وقف يصفق.

وفي آخر القاعة، كان كريم واقف مع سارة.

بصلها بابتسامة فيها احترام لأول مرة، وقال لبنته

أمك أقوى إنسانة عرفتها.

ابتسمت سارة وقالت

أنا لما أكبر... عايزة أبقى زي ماما.

نزلت دموع فيفي وهي بنتها.

ولأول مرة منذ سنوات طويلة، شعرت أن كل الألم الذي مرت به لم يذهب هباءً، بل أصبح بداية لحياة جديدة مليئة بالأمان والكرامة والأمل.

تمت القصة بعد التكريم بأيام...

كانت فيفي قاعدة في مكتبها، لما سكرتيرتها دخلت وقالت

أستاذة فيفي... في سيدة كبيرة برا، مصرة تقابلك.

استأذنت تدخل.

ولما الباب اتفتح... اتجمدت في مكانها.

كانت نعيمة... حماتها السابقة.

لكنها ما كانتش زي زمان.

ملامحها بقى فيها تعب، وشعرها كله شاب، وكانت ماسكة عصاية تساعدها على


المشي.

فضلت واقفة ثواني، وبعدين قالت بصوت مكسور

ممكن تسامحيني؟

سكتت فيفي.

كملت نعيمة وهي دموعها بتنزل

بعد ما كريم باع الفيلا وسافر، بقيت لوحدي. الناس اللي كنت بعمل كل حاجة علشانهم اختفوا... ومحدش فضل جنبي.

بصتلها فيفي وقالت

فاكرة اليوم اللي وقفتي فيه تمنعيني أودي سارة المستشفى؟

هزت نعيمة رأسها وهي بتبكي.

كل يوم بفتكره... وكل يوم بدعي ربنا يسامحني.

في اللحظة دي، دخلت سارة المكتب.

كانت بقت بنت هادئة وعاقلة.

بصت لجدتها، وقربت منها، وقالت

حضرتك تيتة؟

انهارت نعيمة من البكاء، وهزت رأسها.

سارة مدت لها إزازة مية وقالت بابتسامة بريئة

ماما علمتني إن ربنا بيحب اللي يسامح.

بصت فيفي لبنتها، وشعرت أن أجمل شيء ربحتُه في حياتها ليس المال ولا النجاح... بل أنها ربت إنسانة قلبها مليء بالرحمة.

اقتربت من نعيمة وقالت

أنا مش هنسى اللي حصل... لكن مش همنع عنك الرحمة. هساعدك كإنسانة محتاجة، لكن حياتي أنا وسارة هتفضل بعيدة عن أي أذى.

خرجت نعيمة وهي تدعو لهما بالخير.

وأغلقت فيفي باب الماضي نهائيًا، لتبدأ هي وابنتها فصلًا جديدًا لا مكان فيه للخوف، بل للأمان والكرامة. النهاية الحقيقية بعد سنة...

كانت سارة بتذاكر في أوضتها، لما سمعت جرس الباب.

فتحت فيفي، ولقت شابًا في أواخر العشرينات، لابس بدلة بسيطة، وفي إيده ملف.

قال باحترام حضرتك الأستاذة


فيفي؟

أيوه.

أنا المحامي الخاص بعم حضرتك... الأستاذ فؤاد.

اتعجبت وقالت عمي؟! أنا ماليش حد من عيلة بابا غير اللي أعرفهم.

ابتسم المحامي وقال الأستاذ فؤاد كان عايش بره مصر أكتر من تلاتين سنة، وكان متابع أخباركم من بعيد. ولما عرف اللي حصل معاكي، قرر ينزل بنفسه.

وفي اليوم التالي...

دخلت فيفي قصرًا قديمًا على أطراف المدينة.

كان رجل في السبعين من عمره جالسًا ينتظرها.

أول ما شافها، قام وقال سامحيني... سيبتكم سنين طويلة.

دمعت عيناها وهي تسمع لأول مرة حكاية عيلتها كاملة، وعرفت أن خلافًا قديمًا هو اللي فرّق الأسرة.

وبعد ساعات من الحديث، قال العم فؤاد

أنا مليش أولاد... وكل اللي بنيته طول عمري عايز أسيبه لحد يستحقه. لكن عندي شرط.

سألته إيه هو؟

ابتسم وقال

تفتحي مؤسسة خيرية لعلاج الأطفال غير القادرين... باسم سارة.

سكتت لحظة، ثم ابتسمت والدموع في عينيها.

ده أجمل شرط ممكن أسمعه.

وبعد عامين، افتُتحت مؤسسة سارة لرعاية الأطفال، وأصبحت تستقبل مئات الأسر التي لا تستطيع تحمل تكاليف العلاج.

وكانت فيفي تقف كل صباح عند باب المؤسسة، تستقبل الأطفال بنفسها، لأنها لم تنسَ أبدًا ذلك اليوم الذي كادت تخسر فيه ابنتها بسبب الإهمال.

أما سارة، فكانت تقول لكل طفل يدخل المؤسسة

متخافش... هنا محدش هيسيبك تتوجع.

وهكذا، تحولت أصعب لحظة في حياتهما إلى سبب


في إنقاذ حياة كثير من الأطفال، وبقي اسمهما مرتبطًا بالرحمة والأمل، لا بالألم. بعد افتتاح

 

المؤسسة بثلاث سنوات...

في صباح هادئ، دخلت ممرضة إلى مكتب فيفي وهي تبدو متوترة.

قالت أستاذة فيفي... في حالة طارئة وصلت دلوقتي، والطفل محتاج عملية عاجلة، لكن أهله مش معاهم أي فلوس.

وقفت فيفي فورًا وقالت جهزوا كل حاجة... المؤسسة هتتكفل بكل المصاريف.

وأثناء مراجعة الأوراق، وقعت عيناها على اسم الأب.

كريم عزت.

تجمدت في مكانها.

خرجت مسرعة إلى غرفة الطوارئ، فوجدت كريم جالسًا على الأرض، يحتضن طفلًا صغيرًا لا يتجاوز الثالثة من عمره، ووجهه شاحب من الخوف.

رفع رأسه، وما إن رآها حتى انكسرت نظراته.

قال بصوت مرتجف ابني... محتاج العملية حالًا... وأنا خسرت كل فلوسي، ومش قادر أوفر تكلفتها.

نظرت إلى الطفل، ثم قالت للطبيب دون تردد ادخلوا العمليات فورًا... المؤسسة هتتحمل كل التكاليف.

نظر إليها كريم بدهشة وقال بعد كل اللي عملته فيكي... هتساعديني؟

أجابته بهدوء أنا مش بساعدك... أنا بساعد طفل مالوش ذنب في أخطاء الكبار.

انطلقت العملية، وبعد ساعات خرج الجراح مبتسمًا.

قال الحمد لله... العملية نجحت.

انهار كريم من البكاء، وقال النهارده فهمت معنى الرحمة الحقيقي.

ابتسمت فيفي، ثم أمسكت بيد سارة، التي كانت تقف بجوارها، وقالت يا سارة... افتكري دايمًا، الإنسان القوي هو اللي يقدر يمنع الألم عن غيره، حتى لو هو نفسه اتألم قبل كده.

هزت سارة رأسها،

وابتسمت.

وفي تلك اللحظة، شعرت فيفي أن دائرة الألم قد أُغلقت أخيرًا، وأن الخير الذي زرعته عاد إليها سلامًا وطمأنينة. تمت مرّت عشر سنوات...

كبرت سارة، وبقت في كلية الطب، وكان حلمها من وهي صغيرة إنها تبقى دكتورة أطفال.

وفي يوم التخرج، وقفت على المسرح تستلم شهادة الامتياز، ثم طلبت الكلمة.

قالت وهي بتبص ناحية أمها في الصف الأول

وأنا عندي أربع سنين، كنت بين الحياة والموت. يمكن أنا مش فاكرة كل اللي حصل، لكن عمري ما نسيت أمي وهي شايلاني وجارية بيا علشان تنقذني.

سكتت لحظة، ومسحت دموعها.

النهارده، لو بقيت دكتورة، فالفضل بعد ربنا يرجع لأمي... لأنها علمتني إن حياة الإنسان أهم من أي مصلحة، وأهم من أي خوف.

وقف الحضور كله يصفق.

أما فيفي، فلم تستطع تمنع دموعها.

وبعد الحفل، خرجت الأم وابنتها يتمشوا في حديقة الجامعة.

قالت سارة وهي تضحك فاكرة يا ماما المؤسسة اللي فتحناها؟

ابتسمت فيفي أنساها إزاي؟

قالت سارة بحماس أنا قررت أول مرتب آخده هيكون تبرع للمؤسسة... علشان طفل تاني يلاقي حد ينقذه، زي ما إنتِ أنقذتيني.

، وقالت النهارده بس حسيت إن رسالتي في الدنيا اكتملت.

وفي نفس اللحظة، مرّت سيارة إسعاف بصوتها المعتاد.

نظرت لها سارة وقالت زمان كنت بخاف من صوتها... دلوقتي بقيت مستنية اليوم اللي أركبها وأنا رايحة أنقذ حد.

ابتسمت فيفي وهي تنظر

إلى السماء، وهمست

الحمد لله... الألم اللي عشنا فيه بقى سبب في حياة ناس كتير.

وهكذا انتهت الحكاية، لكن أثرها فضل مستمر في كل طفل اتعالج، وكل أم اتطمنت، وكل إنسان عرف إن الرحمة أقوى من القسوة. بعد خمسة عشر عامًا...

كانت مؤسسة سارة قد أصبحت من أكبر المؤسسات الخيرية لعلاج الأطفال في مصر، واستقبلت آلاف الحالات مجانًا.

وفي صباح أحد الأيام، دخلت سيدة مسنة إلى الاستقبال، تمسك بيد حفيدتها الصغيرة.

كانت تبدو مرهقة وخائفة.

استقبلتها الدكتورة سارة بنفسها، وابتسمت لها قائلة

متقلقيش... بنتك هتاخد أفضل رعاية.

بمجرد أن سمعت السيدة صوتها، رفعت رأسها واتسعت عيناها.

قالت وهي ترتجف إنتِ... سارة؟

ابتسمت سارة أيوه... حضرتك تعرفيني؟

بدأت السيدة تبكي.

زمان... كنت واحدة من الضيوف اللي كانوا في بيت جدتك يوم مرضك.

سكتت لحظة ثم أكملت

أنا سمعت خناقة أمك مع والدك، وكنت عايزة أتكلم... لكن خوفت. ومن يومها وأنا ندمانة إني سكت.

نظرت إليها سارة بهدوء، ثم قالت

المهم إنك جيتي النهارده علشان تنقذي حفيدتك... وده كفاية.

أجريت الطفلة الفحوصات، وبدأ علاجها على نفقة المؤسسة.

وقبل أن تغادر، أخرجت السيدة ظرفًا قديمًا من حقيبتها.

قالت ده كان معايا من سنين... تسجيل بالصوت للي حصل يومها. احتفظت بيه لأني كنت فاكرة إني ممكن أحتاج أشهد بالحقيقة.

فتحت سارة الظرف،

ونظرت إليه طويلًا، ثم ابتسمت وأعادته إليها.

وقالت

الحقيقة أثبتها الزمن... وإحنا مش محتاجين نرجع للماضي علشان نعيش المستقبل.

خرجت السيدة وهي تدعو لها.

أما سارة، فوقفت أمام صورة كبيرة تجمعها بوالدتها عند مدخل المؤسسة، وهمست

لو ماما خافت يومها... كان زماني مجرد صورة على الحيطة.

وفي تلك اللحظة، دخل طفل صغير يضحك، يجري في الممر بعد أن تعافى.

ابتسمت سارة، وقالت لنفسها

علشان الضحكة دي... كان يستحق كل شيء. بعد عشرين سنة...

كان الاحتفال بمرور عشرين عامًا على تأسيس مؤسسة سارة حدثًا كبيرًا، حضره أطباء ومتطوعون وأسر آلاف الأطفال الذين تعالجوا فيها.

وقفت الدكتورة سارة على المسرح، وبجوارها والدتها فيفي، التي غزا الشيب شعرها، لكن ملامح القوة ما زالت كما هي.

قالت سارة

المؤسسة دي بدأت بسبب يوم واحد... يوم أمي رفضت تختار بين إرضاء الناس وإنقاذ بنتها.

ساد الصمت في القاعة.

ثم أضافت

كل طفل خرج من هنا سليم هو دليل إن قرارها كان صح.

تعالت التصفيقات.

وبعد انتهاء الحفل، اقترب رجل مسن يتحرك بصعوبة مستندًا إلى عصاه.

كان كريم.

تغيرت ملامحه تمامًا، ولم يبق من غروره شيء.

وقف أمام فيفي وقال بصوت مبحوح

أنا عارف إن الاعتذار متأخر... لكن قبل ما أموت، كنت عايز أقولك إنك كنتِ على حق... وأنا كنت السبب في ضياع أسرتي.

نظرت إليه فيفي بهدوء، ثم قالت

أنا سامحتك من زمان... علشان أعيش مرتاحة. لكن اللي حصل كان لازم يفضل درس

 

لكل واحد يفتكر إن الكرامة أو حياة طفل ممكن تتأجل.

اغرورقت عينا كريم بالدموع.

اقتربت منه سارة، وربتت على كتفه وقالت

ادعيلنا بس نكمل الخير.

ابتسم كريم لأول مرة منذ سنوات، وقال

ربنا يبارك فيكم... أنتم حولتم أكبر غلطة في حياتي إلى خير للناس.

غادر في هدوء.

وقفت فيفي تنظر إليه حتى اختفى، ثم أمسكت يد ابنتها.

قالت سارة

ماما... لو رجع بيكي الزمن، كنتِ هتعملي نفس اللي عملتيه؟

ابتسمت فيفي وهي تنظر إلى الأطفال يلعبون في حديقة المؤسسة، وقالت

ألف مرة... لأن مفيش حاجة في الدنيا أغلى من حياة طفل.

انتهت

الكلمات، لكن ضحكات الأطفال التي ملأت المكان كانت أجمل خاتمة لقصة بدأت بدموع وخوف... وانتهت بالأمل والرحمة. النهاية الأخيرة بعد ثلاثين سنة...

تحولت مؤسسة سارة إلى مدينة طبية متكاملة، تحمل اسم مدينة سارة الطبية للأطفال، وصارت تستقبل المرضى من مختلف المحافظات.

كانت فيفي قد تجاوزت السبعين من عمرها، وأصبحت تتحرك ببطء، لكن ابتسامتها لم تتغير.

وفي صباح هادئ، طلبت أن تجلس وحدها في الحديقة التي زرعت فيها أول شجرة يوم افتتاح المؤسسة.

جلست على المقعد الخشبي، تتأمل الأطفال وهم يركضون ويضحكون.

اقتربت

منها سارة، التي أصبحت من أشهر أطباء الأطفال في البلاد، وجلست بجوارها.

قالت فيفي وهي تبتسم

فاكرة اليوم اللي كنت شايلاكي فيه وإنتِ حرارتك كانت 104؟

ضحكت سارة وقالت

كل البلد بقت عارفة الحكاية يا ماما.

قالت فيفي

يومها كنت فاكرة إن حياتي انتهت... وماكنتش أعرف إن ده هيكون أول يوم في حياتي الحقيقية.

أمسكت سارة يد أمها وقبلتها.

وفي تلك اللحظة، بدأ الأطفال الذين تعالجوا في المؤسسة على مدار السنين يدخلون الحديقة واحدًا تلو الآخر.

شاب أصبح مهندسًا...

وفتاة أصبحت معلمة...

وطبيب كان يومًا طفلًا مريضًا.

..

كل واحد منهم يحمل وردة.

تجمعوا حول فيفي، وقالوا بصوت واحد

شكرًا... لأنك يومًا ما أنقذتِ طفلة، فأنقذتِ بعدها آلاف الأطفال.

لم تستطع فيفي أن تمنع دموعها.

نظرت إلى السماء وهمست

الحمد لله... كان القرار صعب، لكنه كان يستحق.

ثم أغلقت عينيها للحظة، وعلى وجهها ابتسامة هادئة، بينما كانت ضحكات الأطفال تملأ المكان.

رفعت سارة رأسها إلى السماء وقالت

متقلقيش يا ماما... الرسالة هتفضل مكملة.

وانتهت الحكاية، لكن بقي أثرها في كل طفل عاد إلى بيته سليمًا، وفي كل أم تعلمت أن حياة ابنها أو ابنتها لا يجوز أبدًا أن تؤجل من أجل إرضاء أحد.

 

أنت الان في اول موضوع

تعليقات

التنقل السريع
    close