القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

مراتي كانت بتشتغل في مصنع 12 ساعة كل يوم كامله

 مراتي كانت بتشتغل في مصنع 12 ساعة كل يوم



مراتى بتشتغل ١

كامله


مراتي كانت بتشتغل في مصنع 12 ساعة كل يوم عشان تساعدني أدفع مصاريف كلية أختي… ويوم فرح أختي، وقفت على باب القاعة ومنعتها تدخل عشان أمي قالت إن هدومها تكسفنا.


 


وقفت قدامي بفستانها البسيط، وإيديها اللي خشنتها الماكينات ماسكة علبة هدية صغيرة.


 


بصتلي وقالت:


 


—يعني إنت كمان مش عايزني أدخل يا أحمد؟


 


ماقدرتش أبص في عينيها.


 


قلت:


 


—معلش يا منى… النهارده يوم أختي، وماما مش عايزة مشاكل.


 


سكتت ثواني.


 


وبعدين ابتسمت.


 


ابتسامة لحد النهارده بتطاردني.


 


—حاضر يا أحمد. ربنا يسعدها.


 


ادتني علبة الهدية ومشيت.


 


دخلت القاعة وأنا مقتنع إني حليت المشكلة.


 


أمي كانت فرحانة.


 


أختي بتتصور.


 


والناس بتاكل من بوفيه فرح اتدفع جزء كبير منه من فلوس مراتي.


 


بعد نص ساعة، أختي فتحت علبة الهدية.


 


كان جواها مفتاح شقة.


 


وشيك بمبلغ كبير.


 


وورقة مكتوب فيها:


 


«لأخت جوزي اللي اعتبرتها أختي… دي الشقة اللي كنت بشتغل 12 ساعة عشان أساعد أخوكي يجهزهالك.»


 


القاعة كلها سكتت.


 


أمي بصتلي.


 


—هي منين جابت الفلوس دي؟


 


وقبل ما أرد، دخل راجل كبير القاعة وسأل:


 


—فين مدام منى؟


 


قلت:


 


—مشيت.


 


وشه اتغير.


 


—إنتوا خليتوها تمشي؟


 


أمي قالت بضيق:


 


—وإنت مالك؟


 


الراجل بص لها، وبعدين طلع ملف من شنطته وحطه قدامنا.


 


—أنا محامي والد منى.


 


ضحكت أمي وقالت:


 


—أبوها اللي مات وهي صغيرة؟


 


رد:


 


—والدها ما ماتش.


 


حسيت إن الأرض بتتحرك تحتي.


 


فتح الملف وقال:


 


—والدها كان واحد من أكبر أصحاب المصانع في مصر. وقبل وفاته من شهر، كتب كل ممتلكاته لبنته الوحيدة.


 


بصيت ناحية باب القاعة.


 


الرجل كمل:


 


—ومن ضمن الممتلكات… المصنع اللي كانت منى بتشتغل فيه.


 


أمي شهقت.


 


أما أنا، فافتكرت حاجة أخطر.


 


قبل ما منى تمشي، كانت طلبت مني أمضي على ورقة.


 


قالت إنها مجرد إجراءات عشان قرض الشقة.


 


جريت ناحية علبة الهدية وفتشتها.


 


كان جواها ظرف تاني باسمي.


 


فتحته بإيد بتترعش.


فتحت الظرف بإيد بتترعش والناس كلها عينيها عليا، أختي سابت عريسها ووقفت مذهولة، وأمي كانت لسه بتحاول تستوعب صدمة المحامي. سحبت الورقة اللي جوه الظرف، وبمجرد ما عيني وقعت على الكلمات اللي فيها، حسيت ببرودة الموت بتسري في جسمي.



الورقة ما كانتش إجراءات قرض ولا شقة.. دي كانت ورقة طلاق وتنازل!


منى كانت مجهزه كل حاجة، وممضيا وموثقا كل حاجة في الهدوء اللي سبت به العاصفة. الورقة كان مكتوب فيها:


«أنا، أحمد عبد الرحمن، أقر بطرد زوجتي منى من قاعة زفاف شقيقتي، وأوافق على انفصالنا بشكل نهائي مع إبراء ذمتها من أي حقوق زوجية، وأقر بقراري هذا بكامل إرادتي.»


وتحت الكلمات دي، كان فيه ملحوظة صغيرة بخط إيدها اللي حفظته:


«الورقة دي وموافقتك اللي مضيتها بنفسك هي تمن حريتي يا أحمد. الشقة والشيك هدية لأختك عشان أنا بأصل العيلة مش بفلوسها، بس من اللحظة دي.. إنت برا حياتي وبرا مصنعي.»


المحامي بص على الورقة اللي في إيدي وابتسم بسخرية مريرة، وقال وهو بيقفل شنطته:


— مدام منى كانت عارفة كويس إنك هتنزل من عينك وعين نفسك النهارده، عشان كده طلبت مني آجي القاعة في الوقت ده بالذات.. عشان تدوقوا طعم النتيجة سوا. أستأذنكم.. المصنع من بكره الصبح هيقفل أبوابه في وشك يا أستاذ أحمد، لأن الإدارة الجديدة قررت الاستغناء عن خدماتك.


المحامي مشي، والقاعة اللي كانت من شوية مليانة زغاريط وفرحة، اتحولت لسرادق عزا. المزيكا وقفت، والمعازيم بدؤوا يتهامسوا ويبصوا لنا بنظرات كلها شماتة واحتقار. أختي قعدت على الكرسي وهي ماسكة مفتاح الشقة والشيك وبتعيط بانهيار، وبتقول لأمي:


— شوفتي؟ شوفتي الهدوم اللي كانت مكسفاكي عملت فينا إيه؟ دي شقتي اللي كنت هموت عليها! دي الفلوس اللي كانت هتسترني قدام أهل جوزي! منى اللي طردتوها هي اللي عملت عزي!


أمي وقفت مكانها زي الصنم، وشها اصفر وعينيها زاغت، حاولت تتكلم وتدافع عن نفسها وتقول: “أنا كنت فاكراها حتة حتة عاملة غلبانة.. أنا كنت خايفة على منظرك يا أحمد!” بس صوتها خرج مخنوق وضد المنطق.


أنا ما سمعتش كلامهم، وما ردتش على حد. سيبت القاعة وجريت في الشارع زي المجنون ببدلة الفرح. كنت بكلم نفسي وبدور في الشوارع المحيطة بالقاعة زي اللي ضيع روحه. منى كانت فين؟ مشيت إزاي؟ ركبت إيه؟


افتكرت شكلها وهي واقفة على الباب، فستانها البسيط اللي اشترته من حر مالها عشان ما تكلفنيش قرش، وإيديها الخشنة اللي شقيت في المكن عشان تدفع مصاريف كلية أختي وتجيب لها جهازها. افتكرت طيبتها وصبرها على إهانات أمي السنتين اللي فاتوا، وتنازلها عن كل حاجة عشان “أحمد وظروف أحمد”.


وصلت البيت وأنا بنهج، طلعت السلم تلات درجات تلات درجات، فتحت الباب وكنت أتمنى ألاقيها قاعدة في الصالة مستنياني وتقولي إن ده مقلب، أو إنها بتعلمني درس.. بس البيت كان ضلمة وهس، وريحتها كانت لسه مآنسة المكان.



دخلت الأوضة، لقيت دواليبها مفتوحة ومفضية كل هدومها القديمة. ما سابتش وراها فتلة واحدة، كأنها بتمسح وجودها من شقتي ومن حياتي. قعدت على الأرض وبكيت لأول مرة من سنين.. بكيت بدموع قهر وندم حرقوا قلبي، عرفت إني خسرت الدهب عشان خاطر التراب، وإني بعت الإنسانة الوحيدة اللي حبتني بجد عشان خاطر “منظر كداب”.


تاني يوم الصبح، روحت على المصنع. كنت لسه بملابس عادية وعينيا منفوخة من قلة النوم. أول ما وصلت، لقيت أفراد الأمن واقفين على البوابة، ومنعوني أدخل.


قلت لهم بذهول:


— إنتوا بتمنعوني أنا؟ أنا أحمد المشرف العام!


واحد منهم رد عليا بأسف:


— معلش يا أستاذ أحمد.. دي أوامر مباشرة من رئيس مجلس الإدارة الجديد. حضرتك مالكش دخول هنا، وحاجتك الشخصية اللي في مكتبك مبعوتة على عنوان بيتك مع مندوب.


وفي اللحظة دي، دخلت عربية سودا فخمة من بوابة المصنع. الإزاز الوراني نزل بالراحة.. وكانت منى.


كانت لابسة لبس غالي وأنيق، ووشها هادي وصافي، بس عينيها مفيش فيها أي لمعة حب ليا، كانت نظرة باردة لدرجة إنها جمدت الدم في عروقي.


جريت على العربية ووقعت على ركبي جنب الباب، ودموعي نازلة:


— منى.. عشان خاطر ربنا اسمعيني. أنا أسف، أنا كنت غبي وعميت، أمي هي السبب.. أنا بحبك ومش عايز فلوس ولا مصانع، أنا عايزك إنتي بس! ارجعيلي يا منى ومتخربيش بيتنا!


منى بصتلي ثواني، ابتسمت نفس الابتسامة الوجيعة بتاعة ليلة الفرح، وقالت بصوت قوي وناشف عمري ما سمعته منها قبل كده:


— بيتنا اتخرب يوم ما وقفتني على الباب يا أحمد.. يوم ما شوفت إيدي الخشنة ومفتكرتش إنها خشنت عشانك وعشان أهلك. الفلوس والمصنع دول بتوع أبويا الله يرحمه، وأنا كنت بشتغل في المصنع ده بالذات عشان أكون قريبة من العمال وأفهم الشغل قبل ما يستلم المحامي التركة ويخلص الإجراءات.. كنت بشتغل بتعب إيدي عشان أثبت لنفسي وإليك إن الست بأصلها وشقاها. بس إنت وأهلك سقطتوا في الإختبار.


حاولت أمسك إيدها، بس رفعتها بسرعة وقالت للسواق: “اطلع يا عم محمد”.


العربية مشيت وسابتني وراها في تراب الشارع، والعمال اللي كنت بتحكم فيهم واقفين يتفرجوا عليا وعلى ذلي. رجعت البيت وأنا مكسور، لقيت أمي وأختي قاعدين في الصالة بيصرخوا؛ عريس أختي لما عرف باللي حصل، واكتشف إن الشقة والشيك باسم أختي من منى مش من طريقي أنا، وعرف إن منى بقت صاحبة المصنع وأنا اتمشيت، خاف من المشاكل ومن شكلنا وقرر يفسخ الجوازة ويرد لها حاجتها!



أمي أول ما شافتني جريت عليا وقالت:


— الحقنا يا أحمد! العريس هيضيع البنت! اتمسح بأعتاب مرتك، بوس رجليها، خليها ترجعلك وتنقذنا من الفضيحة!


بصيت لأمي بنظرة كلها كره، وصرخت بأعلى صوتي:


— إنتي السبب! إنتي اللي ضيعتيني وضيعتي أختي! اتمسح بمين؟ منى خلاص مبقتش منى الشغالة.. منى بقت فوق، وإحنا اللي بقينا في الأرض!


قعدت في ركن الأوضة وأنا حاسس إن الحكاية لسه مخلصتش، وإن اللي جاي من منى هيكون أصعب بكتير من مجرد طرد واستغناء.. منى كانت بتخطط لحاجة تانية تهد بيها كل اللي باقي من كبريائي.


 

مراتى بتشتغل ٢

كامله

مرت الأيام والأسابيع، والبيت اللي كان دايماً مليان حس ودوشة تحول لخرابة تسكنها الصدمة. عريس أختي نفذ كلامه وفسخ الجوازة، وبعت النقل تشيل العفش في نصاص الليالي قدام الجيران، في مشهد كسر ضهر أمي اللي كانت بتتباهى قدام الحتة كلها بمنظرنا.


أما أنا، فكنت عايش زي الميت. بقيت أقعد بالساعات في البلكونة عيني على أول الشارع، مستني معجزة، مستني طيف منى يظهر بفستانها البسيط وتقولي “قمت من الحلم يا أحمد؟”، بس الحلم كان واقع وواقع بيدهسنا كل يوم. الفلوس اللي كانت معايا خلصت على ديون الفرح ومصاريف أختي اللي سابت كليتها ومبقتش قادرة تواجه زمايلها بعد الفضيحة.


وفي يوم، الباب خبط. جريت وكنت فاكر إنها هي، بس لقيت محضر من المحكمة.


فتحت الورقة وأنا مش مستوعب.. منى رافعة عليا قضية “تبديد منقولات زوجية” وقضية “مؤخر صداع ونفقة” بمبالغ خيالية!


نزلت جري للمحامي بتاعها، دخلت مكتبه وأنا بنهج وقلت له:


— أنا مش معايا أدفع المبالغ دي! ومنى عارفة إن قايمة منقولاتها كلها في الشقة محصلهاش حاجة، وهي اللي سابت البيت بمزاجها!


المحامي بصلي ببرود وهو بيعدل نضارته وقال:


— الست منى ما رفعتش القضايا دي عشان الفلوس يا أستاذ أحمد.. هي مش محتاجة، بس هي بتطالب بحقها القانوني والشرعي. والقايمة اللي إنت ماضي عليها فيها بند بيدهب وبمبالغ إنت مقدرتش توفرها، وقدامك خيارين: يا الدفع، يا الحبس.


خرجت من مكتبه والدنيا بتلف بيا. روحت لأمي وأنا بصرخ:


— عاجبك كده؟ منى هتحبسني! القايمة والنفقة هيدخلوني السجن! الست اللي طردتيها عشان لبسها، دلوقتي بتتحكم في حريتي!


أمي بدأت تعيط وتلطم على وشها وتدعي على الأيام، وقالتلي:


— بيع الشقة يا أحمد.. بيع الشقة واخلص من سجنها، مش مهم نقعد في إيجار، المهم متتحبسش يا بني!


وبالفعل، عرضت الشقة للبيع بأقل من تمنها عشان ألحق أجمع الفلوس قبل جلسة المحكمة. وفي اليوم اللي جه فيه المشتري عشان يمضي العقد ويسلمني الفلوس، اتفاجئت باللي داخل من الباب.. ما كانش المشتري، كان وكيل أعمال منى ومعه المحامي!


المحامي حط الشنطة على الترابيزة وقال:


— مدام منى اشترت الشقة دي من خلال وسيط، وده عقد البيع النهائي.. والفلوس دي هترجع لخزنتها تاني تمن القضايا والنفقة والتبديد اللي عليك. يعني من النهارده.. الشقة دي بقت ملك لمدام منى، وحضرتك وأهلك قدامكم 48 ساعة لإخلائها.


حسيت بضربة في نص راسي. الشقة اللي شقيت فيها عمري، الشقة اللي منى نزلت تشتغل 12 ساعة عشان تجهز أختي فيها، بقت ملكها بفلوسها! بعتها عشان أسدد لها دينها، وبقيت أنا وأمي وأختي في الشارع.



لمينا هدمتنا في شنط بائسة، وأمي بتبكي دم على جدران الشقة اللي كانت بتتحكم فيها. نزلنا السلم واحنا مش عارفين هنروح فين، واستأجرنا أوضة وصالة ضيقة في منطقة عشوائية، في مكان أبعد ما يكون عن المنظر اللي أمي كانت بتموت عليه.


بعد شهر من العذاب ده، وفي يوم حر وخانق، كنت ماشي في الشارع بدور على أي شغلانة، حتى لو عامل بسيط في أي ورشة، لأن اسمي بقى معروف في السوق ومحدش راضي يشغلني بعد اللي حصل في المصنع.


وفجأة، شفت زحمة قدام قاعة مناسبات قريبة من المنطقة الراقية. وقفت أتفرج من بعيد زي أي غريب. كانت حفلة تكريم ضخمة لرجال وسيدات الأعمال، وشاشات العرض الكبيرة بره القاعة عارضة صور المكرمين.


وفجأة، ظهرت صورتها..


“المهندسة منى عبد الله.. صاحبة مجموعة مصانع النسيج، والأكثر تأثيراً في دعم العمالة النسائية”.


كانت واقفة على المسرح، ماسكة الجايزة، ولابسة فستان أسود غاية في الأناقة والشياكة، مفيش في إيديها أي أثر للتعب أو الشقا، وشها منور بابتسامة ثقة وكرامة. المذيع سألها في المايك اللي صوته كان مالي الشارع:


— مدام منى، إيه السر وراء نجاحك السريع ده وإصرارك على النجاح بعد وفاة والدك؟


منى خدت النفس، وبصت للكاميرا كأنها باصة في عيني أنا بالذات وهي وسط الشارع، وقالت بقوة هزت قلبي:


— السر هو إني اتعلمت درس غالي جداً.. اتعلمت إن الناس اللي بتشوف الهدوم والمظاهر، هي أصغر بكتير من إننا نعيش عشانهم. وشقايا وتعب إيدي القديم هو اللي خلاني أعرف قيمة نفسي وقيمة كل عامل في مصنعي. أنا مدين بالفضل لكل باب اتقفل في وشي، لأنه هو اللي فتحلي أبواب الدنيا دي كلها.


الناس كلها صقفت، وأنا وقفت وسط التراب في الشارع، دموعي نازلة بقهره، هدومي دبلانة، وجيبي فاضي. شفت الست اللي كانت ملكي، الست اللي كانت بتصحى الفجر عشان تسويلي لقمتي وتغسل هدومي، الست اللي بعتها برخيص.. وهي دلوقتي بتتصدر شاشات التلفزيون والكل بيعملها ألف حساب.


رجعت الأوضة الضيقة، لقيت أمي قاعدة على حصير ومكسورة، وأختي بتندب حظها. قعدت على الأرض وحطيت راسي بين إيديا، وعرفت إن منى لسه مخدتش حقها كاملاً.. الورق اللي في جيبي والمحاضر كانت بتقول إنها لسه بتلف الحبل حوالين رقبتي، وإن فيه خطوة تالتة وأخيرة هتدمر اللي باقي من اسمي تماماً.


الخطوة التالتة بدأت تظهر ملامحها بعد أسبوع واحد من حفلة التكريم. كنت فاكر إن طردنا من الشقة وأخذها تمن القضايا هو آخر محطة في انتقام منى، بس أنا كنت لسه مش فاهم منى الجديدة، الست اللي اتظلمت وقررت تدوس على اللي ظلموها بالقانون والأصول ومفيش في قلبها ذرة رحمة عميا.



في ليلة من ليالي الشتا الباردة، والبر د بياكل في جدران الأوضة الضيقة اللي قاعدين فيها، الباب خبط بقوة. فتحت برعب، لقيت اتنين رجال شرطة ومعاهم المحضر.


ـ إنت أحمد عبد الرحمن؟


ـ أيوة أنا يا فندم.. فيه إيه؟


ـ مطلوب القبض عليك في تنفيذ حكم غيابي بالسجن سنة بتهمة التزوير والنصب.


الدنيا اسودت في عيني. أمي صرخت وأختي قعدت تلطم. تزوير إيه ونصب إيه؟! أنا عمري ما حطيت إيدي في حاجة حرام!


المحضر طلع صورة من بلاغ رسمي متقدم من الإدارة القانونية لمجموعة مصانع منى. البلاغ كان بيتضمن مستندات وفواتير قديمة من الأيام اللي كنت فيها مشرف عام على المصنع؛ فواتير كنت بوقع عليها بأمر من المدير القديم (اللي اتضح بعد كده إنه كان بيسرق المصنع بالاتفاق مع المحامي الخاين اللي كان بيلعب لحساب نفسه قبل ما منى تستلم التركة).


أنا كنت بمضي بحسن نية وبغباء، مكنتش فاهم في الحسابات، كنت بوقع على استلام خامات مدخلتش المصنع أصلاً! منى لما مسكت الدفاتر وراجعت كل صغيرة وكبيرة بنفسها، لقت توقيعي على الورق ده. هي كانت عارفة إني مغفل ومش أنا الحرامي الكبير، بس توقيعي كان كفيل يدمرني. ومرحمتنيش. سابت القانون يأخد مجراه وبأقصى سرعة.


كلبشوا إيديا قدام أهل المنطقة العشوائية الجديدة، ونزلت والسلسلة في إيدي وأمي بتجري ورايا في الطين بتصرخ وتقول: “يا ناس ابني بريء! ابني مظلوم!”.. نفس الأم اللي كانت من شهرين بس شيفانا فوق الناس وبتتمنع على خلق الله بفلوس منى.


قضيت ليلتين في الحجز وسط المجرمين والمسجلين خطر، ليلتين دوقوني العذاب ألوان. مكنتش بنام، كنت ببص للسقف وافتكر منى وهي راجعة من الشغل الساعة 11 بالليل، جسمها مهدود، وتدخل المطبخ عشان تجهزلي أكل تاني يوم وهي بتغني وبتقولي “تعبك راحة يا أبو حميد”.. كنت ببكي دم على نفسي وعلى اللي عملته فيها.


في اليوم التالت، اتعرضت على النيابة، ودخل المحامي بتاع منى. طلبت أتكلم معاه، ودموعي على خدي:


ـ ارجوك ياستاذ.. قولي لمنى أنا مش حرامي، هي عارفة إني كنت بمضي وخلاص.. أنا مستعد أعمل أي حاجة، بس تطلعني من هنا.. أمي وأختي ملهمش غيري في الشارع.


المحامي بصلي بجمود وقال:


ـ البشمهندسة منى عارفة إنك مكنتش بتاكل حرام يا أحمد، وعارفة إن المدير القديم هو اللي وراك.. وعشان كده، هي مش هتعملك قضية جنائية تضيع مستقبلك العمر كله. هي هتنازل عن الشق الجنائي في قضية التزوير دي بشرط واحد.


ـ إيه هو؟ أنا موافق من غير ما أعرف!



ـ تمضي على “إقرار إعسار وشغل باليومية” في المصنع بتاعها.. بس مش مشرف. هترجع المصنع تاني يا أحمد.. بس كعامل نظافة، تشيل التراب اللي بيطلع من المكن اللي مرتك بقت صاحبته، وتعيش بمرتب عامل بسيط، وكل شهر يتخصم نص مرتبك لتسديد بقية التعويضات اللي عليكي للمصنع.. وتفضل تحت عينها، تشوفها كل يوم وهي فوق وإنت تحت.. ده شرطها عشان التنازل، قدامك ساعة تفكر: يا الإقرار.. يا السجن المركزي.


الشرط كان دبح لكبريائي، كان مفرمة لكرامتي. أرجع المصنع اللي كنت بأمر وبنهي فيه، المصنع اللي مراتي كانت شغالة فيه وأنا بتمنظر عليها بوظيفتي، أرجعه بمكنسة وجاروف؟!


بصيت للكلبش اللي في إيدي، وافتكرت أمي وأختي اللي ملهمش لقمة عيش، وافتكرت إن السجن معناه ضياع ملوش قومة. مسكت القلم وإيدي بتترعش.. ومضيت على الإقرار.


بعد يومين، كنت واقف على بوابة المصنع الساعة 7 الصبح. البرد قارس، ولابس لبس عمال النظافة الأزرق. العمال القدام اللي كانوا بيخافوا من نظرة عيني، كانوا بيبصولي بنظرات ميكس بين الشفقة والشماتة. اللي يرمي ورقة على الأرض ويقولي “نظف هنا يا أحمد”، واللي يتودك عليا ويسألني عن أحوالي بسخرية.


وفي تمام الساعة 9 الصبح، زمرت سرينة المصنع.. العربية السودا الفخمة دخلت.


وقفت على جنب، ماسك المكنسة في إيدي، والتراب مالي وشي. العربية وقفت قدام مبنى الإدارة، ونزل السواق فتح الباب.


نزلت منى.. كانت زي الملكة. لابسة طقم رسمي أبيض في منتهى الأناقة، ونظارة شمس سودا. وهي ماشية في اتجاه المكتب، وقفت فجأة.. وبصت ناحيتي.


خلعت النظارة بالراحة.. عيني جت في عينها. مكنش في عينيها شماتة، كان فيه حاجة أصعب بكتير.. كان فيه “عدم اهتمام”. كأنها باصة لحيطة، أو لكرسي، كأن أحمد اللي ضحت عشانه وشقيت عشانه ملوش وجود في ذاكرتها أصلاً.


شاورت للمشرف الجديد بتاع العمال وقالتله بصوت مسموع للكل:


ـ الأرضية دي مش نظيفة ليه يا متر؟ خلوا العمال يشدوا حيلهم، المصنع ده مبيقبلش بالإهمال.


ومشيت.. دخلت مكتبها المكيف، وسابتني واقف في الشمس والتراب، حاسس إن روحي بتتسحب مني.


مرت شهور وأنا على الحال ده.. بدوق الذل كل يوم نقطة نقطة. أمي حست بالذنب وجالها جلطة خفيفة قعدتها في السرير، وبقيت بشتغل الصبح في المصنع، وبالليل بلف على رجليا أبيع مناديل في الإشارات عشان أجيب تمن علاجها وتمن لقمة لأختي.


وفي ليلة من الليالي، وأنا واقف في الإشارة، المطر كان بينزل بغزارة والدنيا كحل. عربية فخمة وقفت في الإشارة.. جريت عليها عشان أبيع باكو مناديل. خبطت على الإزاز.. الإزاز نزل.



وكانت هي.. ومعاها في العربية راجل شاب، وسيم، باين عليه ابن ناس ومحترم جداً، وكان بيضحك معاها وهي بتضحك من قلبها.. نفس الضحكة اللي كنت بشوفها زمان لما كنا بناكل عيش وجبنة في أوضتنا القديمة.


الشاب بصلي، وطلع ورقة بمتين جنيه وادهالي وقال: “خلي الباقي عشان المطر يا بطل”.


منى بصتلي، ملامحها اتغيرت للحظة.. شافت جوزها القديم، الراجل اللي باعها، وهو واقف في المطر متبهدل وهدومه مقطعة ومادد إيده عشان يبيع مناديل لجوزها الجديد (أو خطيبها).


الإشارة فتحت، والعربية مشيت.. والورقة المتين جنيه وقعت من إيدي في طين الشارع. وقفت أصرخ في وسط المطر والناس بتجري.. عرفت إن منى مش بس خدت فلوسي وشقتي وحريتي.. دي خدت الماضي والمستقبل، وسابتني عايش في الجحيم ده..


بس الحكاية لسه مخلصتش.. لأن وأنا راجع الأوضة في نص الليل، لقيت أختي واقفة على الباب ووشها ضايع، وبتقولي مصيبة جديدة هتشقلب اللي باقي من حياتنا للمرة المليون.


 

مراتى بتشتغل ٣

كامله

وقفت مكاني والمطر لسه بينزل على وشي، هدومي مبلولة وطين الشارع مالي جزمتي. بصيت لأختي اللي كانت واقفة على باب الأوضة الضيقة بتترعش، ووشها أبيض زي الورقة. سألتها بصوت مخنوق من التعب والقهر:


— في إيه يا دعاء؟ مصيبة إيه تاني؟ أمك جرى لها حاجة؟


دعاء قعدت على عتبة الباب وبدأت تصرخ وتلطم على وشها بصوت مكتوم عشان الجيران:


— مصيبة سودا يا أحمد.. المصنع.. مصنع منى اتقلب قلبه سودة، والشرطة قالبة الدنيا عليك!


مسكتها من كتفها وهزيتها بعنف وأنا مش قادر أستحمل:


— شرطة إيه ومصنع إيه؟ أنا لسه سايب المصنع العصر ومخلص ورديتي! انطقي في إيه؟


دعاء طلعت تلفونها بإيد بتترعش ورتني فيديو نازل على صفحات أخبار المنطقة. الفيديو كان فيه عربيات إطفاء وعربيات شرطة محاصرة بوابة المصنع، والعناوين مكتوب فيها: “الحريق يلتهم المخزن الرئيسي لمجموعة مصانع منى عبد الله.. وشبهة جنائية تحوم حول عامل النظافة!”


حسيت إن رجلي مش شايلاني، ساندت على الحيطة المقشرة بتاعة الأوضة. عامل النظافة؟ الشبهة حامت عليا أنا؟ أنا مالي؟ ده أنا كنت بكنس ممرات العنابر بعيد عن المخازن أصلاً!


أمي سمعت صوتنا جوه، بدأت تئن وتدعي بصوت مبحوح وهي مش قادرة تتحرك من السرير بسبب الجلطة:


— يارب ارحمنا.. يارب نجيه.. يا منى يا بنتي سامحينا، الله يخرب بيت المظاهر اللي ودتنا في داهية!


مكملتش الكلمة، ولقيت تلات بكسات شرطة داخلين زقاق المنطقة العشوائية، النور الأحمر والأزرق عكس على حيطان البيوت الطوب الأحمر. الناس بدأت تطلع من الشبابيك يتفرجوا. وفي ثواني، كان الضابط والعساكر واقفين قدام الأوضة.


— إنت أحمد عبد الرحمن؟


— أيوة يا فندم، بس والله العظيم أنا ماليش دعوة بحريق المخازن! أنا مشيت الساعة 4 العصر مع نهاية الوردية!


الضابط زقني للعساكر وقال بجمود:


— ائبض عليه.. الكلام ده تقوله في النيابة. كاميرات المراقبة جايباك وإنت خارج من ورا المخزن الرئيسي قبل الحريقة بنص ساعة، وفيه شاهد عيان من عمال الأمن قال إنك كنت بتلف هناك.


ركبت البكس وأنا حاسس إن السقف بيقع عليا للمرة المليون. الكلبش في إيدي تالت مرة، بس المرة دي الق*ضية “جناية حريق عمد وتخريب منشآت اقتصادية”.. دي فيها مؤبد وسجن يضيع فيه اللي باقي من عمري.


وصلنا القسم، واترميت في الحجز. مكنتش قادر أصدق إن منى ممكن تتبلى عليا! هل كرهها ليا وصل لدرجة إنها تلفقلي ق*ضية حريقة عشان تخلص مني للأبد؟ لأ.. منى اللي أنا عشت معاها سنتين كانت دايماً دغري، كانت بتاخد حقها بالحق والقانون، مكنتش بتتبلى على حد. طب إيه اللي حصل؟ ومين اللي صورته طلعت في الكاميرات؟



قعدت ليلتين في الحجز من غير أكل ولا شرب، دماغي هتنفجر من التفكير والخوف. وفي اليوم التالت الصبح، طلعوني لمكتب رئيس المباحث.


أول ما دخلت، لقيت الصدمة مستنياني.. منى كانت قاعدة على الكرسي قدام الضابط، ومعاها المحامي بتاعها، وبجانبهم كان واقف “متر محمد” المشرف العام الجديد بتاع العمال في المصنع.. الراجل اللي كان بيذلني كل يوم ويخليني أكنس التراب تحت رجليه، وكان واقف دلوقتي والكلبش في إيديه ووشه في الأرض وعرقان لدرجة الموت.


الضابط بصلي وقال:


— اقعد يا أحمد.


قعدت وإيدي بتترعش وبصيت لمنى، بس منى مكنتش باصة عليا بالكره اللي كنت متوقعه، كانت نظرتها فيها نوع من الأسى والهدوء الصادم.


الضابط كمل كلامه:


— البشمهندسة منى طلبت تفريغ كامل وبجودة عالية لكاميرات المصنع من بره ومن جوه من خلال لجنة فنية متخصصة، واتضح إن الشاب اللي كان لابس لبس النظافة بتاعك وخارج من ورا المخزن مش إنت.. ده كان عامل تبع المتر محمد، والمتر محمد هو اللي خطط للحريقة بالاتفاق مع المدير القديم اللي هربان، عشان يحرقوا دفاتر الجرد القديمة اللي بتثبت سرقاتهم قبل ما النيابة تحقق فيها. وكانوا عايزين يلبسوهالك إنت عشان يضربوا عصفورين بحجر.. يخلصوا من القضية، ويستغلوا إن بينك وبين صاحبة المصنع مشاكل وقضايا فيبقى عندك “دافع للانتقام”.


أنا بوقي اتفتح ومكنتش قادر أنطق. بصيت للمشرف محمد وقلت له بصوت راعش:


— حرام عليك.. أنا عملتلك إيه؟ ده أنا كنت بنفذ كل أوامرك وببوس إيدك عشان تسيبني في حالي!


المشرف محمد مردش وفضل باصص في الأرض.


الضابط أشار للعساكر: “خدوه على الحجز وقفلوا المحضر”.


لما المتر محمد خرج، المكتب فضي مفيش فيه غير الضابط والمحامي ومنى وأنا. الضابط بص لمنى وقال لها:


— كده يا فندم أحمد ملوش أي علاقة بالجناية، وهيتعمله أمر إخلاء سبيل حالا من النيابة.


منى وقفت، عدلت الجاكيت بتاعها، وبصت للمحامي وقالت له: “استناني بره يا أستاذ”. المحامي خرج، والضابط استأذن وسابنا في المكتب لوحدنا لدقائق.


وقفت قدامها وأنا مش قادر أرفع عيني في عينها. كنت بعيط زي العيل الصغير.


— منى.. أنا.. أنا مكنتش عارف أقول إيه. أنا كنت فاكر إنك إنتي اللي..


منى قطعت كلامي بصوت هادي وبمنتهى الرزانة:


— كنت فاكر إني هتبلى عليك يا أحمد؟ كنت فاكر إن منى اللي شقيت معاك وتعبت ممكن تظلم؟ أنا لما باخد حقي باخده بالأصول وبالقانون.. القايمة حقي، والنفقة حقي، وفلوس المصنع اللي مضيت على فواتيرها بغبائك كانت حق عمال بيوتهم هتتخرب. أنا عمري ما أظلمك ولا أظلم غيرك.



نزلت تحت رجليها وبكيت:


— سامحيني يا منى.. أناو الله العظيم دوقوت الذل ألوان. بيعنا الشقة وبقينا في الشارع، وأمي عيانة بالجلطة وأختي جوازتها اتفركشت وقعدت من التعليم.. وإنتي شوفتيني وأنا ببيع مناديل في المطر.. ارحميني وسامحيني، رجعيني بس مشرف زي زمان وأنا هفضل خدام تحت رجليكي العمر كله!


منى رجعت خطوة لورا، وبصتلي بنظرة خالية من أي مشاعر.. نظرة وجعتني أكتر من السجن. وقالت:


— أنا خلاص سامحتك يا أحمد.. سامحتك عشان أريح قلبي أنا ونفسي، مش عشانك. وعشان أثبت لنفسي إن منى الكبيرة مبتشيلش غل من حد صغير. أنا قدمت طلب للإدارة الإنسانية في المصنع تصرفلك مكافأة تعويض عن اليومين اللي قضيتهم في الحجز بسبب الشبهة، وتقدر ترجع مصنعك.. بس كعامل برضه يا أحمد، لأن الأماكن الإدارية للأمانة والكفاءة، وإنت أثبت إنك معندكش لا دي ولا دي لما بعتني على باب القاعة عشان “كلام أمك والمظاهر”.


منى لفت ضهرها عشان تمشي وتخرج من المكتب، وقبل ما تفتح الباب، التفتت وقالت كلمة وقعت عليا زي الصاعقة:


— على فكرة يا أحمد.. الراجل اللي كان معايا في العربية ليلة المطر.. ده يبقى المهندس شريف، شريكي الجديد.. وإحنا قرينا فاتحتنا وبكتب كتابي الأسبوع الجاي. أنا بعرفك عشان لما تشوف فرحنا مالي الجرايد والمصنع متتفاجئش.. ربنا يسعدك في حياتك الجديدة.. يا ابن الأصول.


منى خرجت وقفلت الباب وراها.. وأنا وقفت مكاني حاسس إن السكينة انغرست في قلبي بجد. منى هتتجوز.. هتتجوز راجل تاني، راجل هيصونها ويشيلها فوق الراس، الراجل اللي هياخد كل الحب والدعم اللي أنا غرزت فيه السكاكين.


خرجت من القسم بعد الإجراءات وأنا حاسس بالضياع التام. رجعت الأوضة الضيقة وأنا شايل الفلوس التعويض في جيبي، بس الفلوس دي كانت حرقاني كأنها جمر نار. دخلت لقيت أمي نايمة، وأختي قاعدة بتعيط ومخبية وشها في إيديها.


حطيت الفلوس على الترابيزة وقلت بدبلان:


— خدي يا دعاء.. دي فلوس من منى.. علاج لأمك وأكل ليكي.


دعاء بصت للفلوس وبصتلي وقالت بصوت مليان رعب وغرابة:


— مش مهم الفلوس دلوقتي يا أحمد.. انزل بسرعة، فيه راجل غريب قالب الدنيا عليك تحت في الشارع، ومعاه رجالة شكلهم يخوف وبيقولوا إنهم جايين ياخدوا حقهم القديم منك إنت وأبوك الله يرحمه!


حسيت إن النفس اتقطع عني.. حق إيه ورجالة مين؟ أبويا مات من سنين ومكانش وراه مشاكل! نزلت السلم وأنا رجلي بتخبط في بعضها، وعرفت إن الحكاية لسه بتفتح أبواب تانية من الجحيم، وإن الماضي مبيسيبش حد في حاله.



نزلت السلم وجسمي كله بيترعش، والدرج المكسر بتاع البيت القديم كان كأنه بينزلني لقبري. أول ما رجلي لمست الشارع، لقيت تلات عربيات دفع رباعي سودا واقفين قافلين الزقاق الضيق، ورجالة بجلاليب وصقاليين شكلهم هيبة ويخوف واقفين وحواليهم أهل المنطقة بيتفرجوا من بعيد برعب.


من وسطهم طلع راجل كبير في السن، شعره أبيض كله، ولابس عباية صعيدي غالية جداً وعليها شال كشمير. عينه كانت حادة زي الصقر. أول ما شافني، بص للمحضر اللي معاه وقال بصوت جهوري هز الحارة:


— هو ده؟ هو ده ولد عبد الرحمن؟


الراجل اللي جنبه هز رأسه وقال: “إيوه يا فؤاد بيه، هو بعينه.”


قربت منهم وأنا بلع ريقي، وحاطط إيدي في جيبي على فلوس التعويض بتاعة منى كأني بستنجد بيها.


— أيوة أنا أحمد عبد الرحمن.. في إيه يا فندم؟ ومين حضرتك؟ وأبويا الله يرحمه ماله ومالكم؟ أبويا مات من عشر سنين ومكانش ليه علاقة بحد!


فؤاد بيه بصلي بنظرة كلها غل واحتقار، وتف في الأرض وقال:


— أبوك الله يرحمه مات وماتت معاه أمانته، بس منسناش حقنا! أبوك زمان كان شغال مقاول أنفار ومخازن عند عيلتنا في الصعيد، وقبل ما يمشي ويقعد هنا في مصر، سرق من خزنة العيلة ورق أرض ودفاتر وسندات لسه لحد النهارده بنموت عشان نرجعها.. دفاتر تساوي ملايين، وضيعت وراها أرض وعز ناس ملهمش ذنب!


أنا بقيت بصلهم بذهول:


— سرق؟ أبويا أنا يسرق؟ والله العظيم ما حصل، إحنا طول عمرنا عايشين على القد، وأبويا مات ومسابش لينا غير الشقة اللي اتطردنا منها ومصاريف أختي! لو كان سرق ملايين كنا بقينا في الحال ده؟


فؤاد بيه قرب مني لحد ما بقيت أنفاسه في وشي، وطلع من جيبه ورقة قديمة ومصفرة:


— أبوك مسرقش الفلوس كاش يا فالح.. أبوك هرب بالورق والسندات وعقد أرض جدنا الكبير، ولما تاهت منه هنا في مصر قبل ما يموت، كتب وصية ومضاها وبصم عليها، وقال إن الورق ده أمانة عند مراته وولده.. ومكتوب في الوصية إن الورق ده محطوط في صندوق حديد مدفون أو مستخبي في مكان محدش يعرفه غيركم! إحنا بقالنا سنين بندور عليكم، لحد ما اسمك ظهر في المحاضر والجرايد الأسبوع اللي فات بسبب قضية المصنع.. وعرفنا مكانك.


حسيت إن صاعقة ضربتني. صندوق حديد؟ وصية؟


افتكرت فجأة كلمة أمي زمان لما أبويا كان بيموت، لما قالتلي “أبوك ساب صندوق صغير في بيتنا القديم اللي في القرية وقالي أوعى حد يشوفه”، بس إحنا لما نقلنا مصر نسينا الموضوع تماماً وأمي قالتلي إنه ورق قديم ملوش عازة!



فؤاد بيه كمل كلامه الناشف زي الحجر:


— قدامك 48 ساعة يا ولد عبد الرحمن.. تاخدني بيدك للمكان اللي فيه الصندوق وتجيبلي ورق جدي.. يا إما يمين بالله العظيم، لا هتشوف سجن ولا نيابة.. إنت وعيلتك هتختفوا من على وش الأرض، والبلد دي مش هتعرفلكم طريق! سامع؟ 48 ساعة وهنتقابل هنا.


لف ضهره وركب عربيته، والعربيات مشيت وسابت وراها عاصفة من التراب، وأنا واقف مكاني دمي هرب من عروقي.


طلعت الأوضة جري زي المجنون، دخلت على أمي اللي كانت شبه غايبة عن الوعي بسبب الجلطة، مسكت إيدها وهزيتها وأنا بصرخ وعمري ما صرخت في وشها كده:


— ياما! انطقي وعشي معايا! الصندوق الحديد اللي أبويا سابه فين؟ الناس بتوع الصعيد جم وعايزين يقت*لونا! أبويا سرق ورقهم؟ الصندوق فين يا أمي قبل ما نموت كلنا؟!


أمي عينيها وسعت برعب، وبدأت تتكلم بصعوبة بالغة وصوت يقطع القلب:


— أبوك.. أبوك مسرقش يا أحمد.. أبوك كان مخبيه عندهم عشان خايف عليهم يقت*لوه.. الصندوق.. الصندوق أنا شيلته زمان.. واديته لأمانة.. لأكتر حد كنت واثقة فيه..


دعاء أختي قربت وهي بتعيط: “أمانة عند مين ياما؟ انطقي!”


أمي بلعت ريقها بمرار، والدموع نزلت من عينيها:


— واديته لمنى.. من سنة.. لما كانت بتنظف معايا الأوضة القديمة، قلت لها شيليه عندك يا بنتي ده ورق غالي من ريحة حماكي ومتقوليش لأحمد عشان ميبعوش.. منى شالته في بيتها.. في شقتها القديمة..


قعدت على الأرض وأنا بضحك وببكي زي المجنون.. الصندوق عند منى!


الحاجة الوحيدة اللي ممكن تنقذ رقبتي ورقبة أختي وأمي من الموت، موجودة في إيد الست اللي طردتها من الفرح.. الست اللي كتبت كتابها الأسبوع الجاي.. الست اللي مبقتش طايقة تسمع اسمي!


نزلت في نفس اللحظة، ركبت مواصلات وروحت على المصنع.. مكنتش شايف قدامي. وصلت البوابة والأمن منعوني، صرخت فيهم: “عايز منى! قولوها أحمد هيموت وعايزك في دقيقة واحدة!”


من حظي، أو من سوء حظي، كانت منى خارجة من مبنى الإدارة ومعاها خطيبها المهندس شريف. سمعت صوتي وشافتني وأنا بتبهدل مع الأمن. شاورت ليهم يسيبوني، وقربت مني وهي عاقدة حواجبها، وشريف واقف جنبها وحاطط إيده في جيبه ببرود.


منى قالت بضيق:


— في إيه يا أحمد؟ إنت مش هتبطل مشاكل بقا؟ أنا مش صرفتلك التعويض وخلصنا؟ جاي هنا ليه تاني؟


وقعت على ركبي قدامها، وقدام خطيبها، وقدام العمال كلهم.. مبقاش فيه كبرياء خلاص، الكبرياء بيموت لما الحياة بتبقى على المحك.


— منى.. أنا ببوس رجلك.. الصندوق الحديد اللي أمي ادتهولك من سنة.. الصندوق اللي فيه ورق أبويا.. ارجوعك ادهولي.. فيه ناس هيق*تلوني أنا وأمي وأختي لو مجبتهوش خلال يومين! ارحميني وادهولي يا منى!



منى بصتلي بذهول، ملامح وشها اتغيرت وظهرت عليها الصدمة.. بس الصدمة مكنتش من كلامي عن الق*تل، الصدمة كانت من حاجة تانية خالص.


بصت لشريف خطيبها بنظرة غريبة، وبعدين بصتلي وقالت بصوت راعش لأول مرة:


— صندوق حديد؟ وصية عبد الرحمن؟


شريف خطيبها قرب خطوة، وبصلي بنظرة خبيثة وابتسم ابتسامة هزت ثقتي في كل حاجة في الدنيا، وقال بصوت واطي:


— إنت لسه فاكر تسأل عن الصندوق دلوقتي يا أحمد؟ الصندوق ده فتحناه من شهر.. وعقد الأرض اللي جواه.. هو اللي منى اشترت بيه المصانع دي كلها! أبوك مكانش سارق يا غبي.. أبوك كان شريك لجدنا فؤاد الرفاعي، والورق ده كان حق أبوك الشرعي اللي فؤاد ضحك عليه فيه وهرب بيه هنا.. ومنى دلوقتي.. بقت شريكتي بناءً على الورق ده!


أنا بقيت بصلهم والكون كله بيلف بيا.. شريف خطيبها يبقى ابن فؤاد بيه! ومنى استخدمت ورق أبويا عشان تطلع فوق وتشاركه، والناس اللي جولي تحت البيت كانوا تمثيلية عشان يضغطوا عليا؟ ولا فيه سر تاني؟


منى بصت في عيني وقالت بجمود رجع لوشها تاني:


— أحمد.. الصندوق ده مش هيطلع من إيدي.. والورق ده هو اللي رجعلي حقي وحق أبويا اللي فؤاد بيه كان واكله زمان.. إنت برا اللعبة دي خالص.. اخرج منها عشان متتفرمش في النص.


لفت ضهرها ومشيت مع شريف، وركبوا العربية وسابوني على الأرض.. المرة دي مكنتش مكسور وبس، المرة دي كنت حاسس إني في وسط طبخة مرعبة، بين عيلة صعيدية عايزه تق*تلني، ومراتي القديمة اللي بقت شريكة عدوهم بالورق اللي يخصني!


رجعت زقاق بيتنا وأنا روحي في مناخيري، وفي نيتي حاجة واحدة.. طالما الكل باعني وداس عليا، وطالما منى بقت في حلف مع شريف.. أنا مش هسكت.


فتحت باب الأوضة، لقيت فؤاد بيه قاعد مستنيني جوه، وحاطط مسدسه على الترابيزة، وبصلي وقال:


— هاه يا ولد عبد الرحمن.. فكرت؟ الصندوق فين؟


بصيت للمسدس، وبصيت لصور أمي وأختي، وأخذت القرار اللي هيشعل النار في الكل.. وقررت أقوله على السر اللي منى وشريف مخبينه عنه.. الخطوة الجاية هي المحطة الأخيرة، ويا قاتل يا مقتول!


بصيت للمسدس اللي على الترابيزة، وبصيت لوش أمي العيانة وأختي اللي بتموت من الرعب، وحسيت إن الخوف خلاص مبقاش ليه مكان جوايا؛ الخوف بيموت لما بتوصل لآخر خط في حياتك.


أخذت نفس طويل، ووقفت بثبات قدام فؤاد بيه وقلت له بصوت حاد:


— الصندوق مش معايا يا فؤاد بيه.. الصندوق فتحته منى، مراتي القديمة، بالاتفاق مع المهندس شريف.. ابن حضرتك!


فؤاد بيه وقف فجأة، وعينيه برقت بغضب وهز الحارة بصوته:



— ولد شريف؟ إنت بتقول إيه يا ولد؟ شريف واد عمك فؤاد ميعملش إكده!


ـ لا يعمل يا بيه.. شريف اتفوق على الكل، وأنا لسه سايبهم حالا في المصنع مع بعض. ابنك خد ورق جده من منى وعملوا حلف سوا، وممضيين فاتحة الأسبوع الجاي عشان يضمن الورق والمصانع لروحه ويطلعك إنت بره اللعبة! ابنك استغل الورق عشان يعمل لنفسه اسم، وجايب رجالتك هنا يهددوني عشان يعمل تمثيلية يغطي بيها على اللي عمله معاها! لو مش مصدقني.. المصنع عندك، وروح شوف ابنك بنفسك في مكتبها.


فؤاد بيه وشه اسود، ومسك مسدسه وركب عربيته مع رجالته وطلعوا على المصنع زي الإعصار.


أنا مكدبتش خبر، أخذت دعاء أختي وشيلنا أمي على كرسي متحرك وطلعنا وراهم في تاكسي.. مكنتش رايح أنتقم، كنت رايح أشوف نهاية الحرب اللي بدأت بيوم فرح أختي وظلمي لمنى.


وصلنا المصنع، ولقينا الأمن كله هربان وعربيات فؤاد بيه مكسرة البوابة. طلعت مبنى الإدارة وأنا ساند أمي، ودخلنا مكتب منى.. المشهد كان يرعب.


فؤاد بيه كان واقف رافع المسدس في وش ابنه شريف، وشريف وشه أصفر وواقف ورا المكتب بيترعش ويقول: “يا فهد بيه اسمعني.. أنا كنت بعمل إكده عشان نرجع أرض جدنا ونكوش على مصانع البنت!”


أما منى.. فكانت واقفة في ركن المكتب، بكل ثقة وهدوء، مفيش على وشها نقطة خوف واحدة.


أول ما شافتني داخل وساند أمي، بصتلي وابتسمت ابتسامتها الذكية وقالت بصوت مسموع وسط زعيقهم:


— أهلاً يا أحمد.. جيت في وقتك.. وجبت معاك أهلك عشان يشوفوا الفصل الأخير.


فؤاد بيه زعق: “فصل أخير إيه يا بت عبد الله؟ إنتوا كلتوا حقي!”


منى مشيت بخطوات ثابتة، وطلعت ملف من خزنتها وحطته قدام فؤاد بيه وقالت له بلهجة صعيدية أصيلة ظهرت لأول مرة في صوتها:


— مفيش حد كل حقك يا فؤاد بيه.. شريف ابنك هو اللي خاين، جالي وعرض عليا يسرق ورقك ويزور توقيعك عشان ياخد الأرض لنفسه ويتجوزني وياخد مصانع أبويا. بس أنا.. منى بنت عبد الله، مبقبلش الخيانة ومبكلش حرام. الورق الأصلي بتاع جدك وعقود أرضك أهي.. أنا مبعتهاش ولا استخدمتها، أنا سلمتها للنيابة العامة الصبح بصفة رسمية عشان تترد لأصحابها الشرعيين بالعدل، وشريف ابنك متصور ومتسجل له كل كلمة وهو بيعرض عليا الرشوة والتزوير!


شريف وقع على ركبته وبدأ يبكي، وفؤاد بيه نزل مسدسه وهو مش مصدق إن البنت اللي كانوا بيحاربوها طلعت بـ ميت راجل، وحمت حقه من ابنه اللي من دمه.


منى لفت وبصت ناحيتي أنا وأمي.. النظرة دي عمري ما هساها. قربت من أمي المقعدة، ونزلت لمستواها وقالت لها:



— شوفتي يا حماتي؟ شوفتي الهدوم البسيطة اللي كسفتك يوم الفرح عملت إيه؟ الهدوم دي كانت مدارية وراها ست صانت عرض ابنك وشقيت عشان بيتك، ولما دارت الأيام، الهدوم الغالية اللي بتجري وراها مرجعتش حق فؤاد بيه.. أصلي وشقايا وأمانتي هما اللي رجعوا الحقوق لأصحابها.


أمي بدأت تبكي بنشيج يقطع القلب، وحاولت تبوس إيد منى وهي بتقول بصوت مقطع: “سامحيني يا بنتي.. أنا اللي عميت ابني ودمرت بيته.. سامحيني!”


منى رفعت إيد أمي بالراحة وقالت: “مسامحاكي يا أمي.. بس كل حاجة راحت.”


وبعدين بصتلي أنا.. وقفت قدامي للمرة الأخيرة، وقالت:


— الصندوق الحديد بتاع أبوك يا أحمد، مكنش فيه ورق مسروق.. أبوك كان شايل عقود أمانة لعيلة فؤاد بيه عشان يحميهم من غدر زمان، وأنا نفذت أمانة حمايا الله يرحمه وسلمت الأمانة لأهلها. إنت خسرت كل حاجة يا أحمد.. خسرت الشقة، والمصنع، وخسرتني.. مش عشان أنا وحشة، عشان إنت شوفتني بعين أمك ومظاهر الدنيا، ومشفتنيش بقلبك.


منى أشارت للباب وقالت بصوت هادي ونهائي:


— المحضر خلص، وشريف هيتقبض عليه حالا، وفؤاد بيه هياخد حقه بالقانون.. اتفضل خذ أمك وأختك وامشوا.. وعيشوا حياتكم باللي باقي من كرامتكم.


خرجنا من المصنع واحنا بنجر أذيال الخيبة والندم. فؤاد بيه سابنا في حالنا ومبقاش عايز مننا حاجة بعد ما رجعله حقه، وأنا رجعت مع أمي وأختي للأوضة الضيقة.


### الحكمة من القصة


مرت السنين.. وأنا لسه عايش في الأوضة دي، بشتغل وبكفي بيتي بالعافية، وببص لصور منى في المجلات وهي بتبني مستشفيات ومدارس للفقراء. وكل ليلة بقعد مع نفسي وبفتكر الحكمة الغالية اللي دفعت تمنها عمري كله وسعادتي:


> **”المظاهر والهدوم والفلوس ممكن تشتري بيهم قاعة فرح، وممكن تشتري بيهم لِمة كدابة وكلام ناس لا بيقدم ولا يأخر.. بس عمرهم ما هيشتروا ليك (أصل) و(قلب صاينك). الست الأصيلة اللي بتشقى معاك في الضيق، هي الستر والسند اللي لما تبيعه عشان ترضي مباهاة كدابة.. الدنيا بتدور وتلف لحد ما تدوقك من نفس كاس الذل، وتوريك إن اللي منعت دخولها من الباب بسبب هدومها.. هي الوحيدة اللي كانت تقدر ترفع راسك فوق السحاب.”**


>


تمت.


 





تعليقات

التنقل السريع
    close