القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 

سكريبت ابو ولادى كامله بقلم أماني سيد 



ابو ولادى ١

قصص وروايات أمانى سيد


انا وجوزى منفصلين من تلات سنين بس بدون طلاق بسبب إنه اتجوز عليه وانا رفضت الوضع وخلال التلات سنين دول كان عايش حياته خروج وسهر ونسينا انا وولاده وبعد تلات سنين واطفالى بدأو يكبروا واهلى اقترحوا عليه اطلق واتجوز مره تانيه


وقتها حسيت انى فعلاً جه الوقت واولادى وافقوا على الفكره وشجعونىو وانا كمان محتاجه اب وسند لاولادى وخصوصا إن سنى صغير ومش هفضل عايشه طول الوقت لواحدى


بعت لجوزى وطلبت منه الطلاق


…بعتّ له وطلبت منه الطلاق، وكنت فاكرة إنه بعد التلات سنين دول هيوافق عادي، ما هو خلاص عاش حياته ونسينا. بس الصدمة كانت في رده الفعلي!


أول ما شاف الرسالة، لقيته بيكلمني وهو مستغرب ومستنكر قوي، وبنبرة كلها برود قالي:


“طلاق إيه وبتاع إيه اللي بتتكلمي فيه؟ إيه السبب المفاجئ ده اللي خليكي تفكري في الطلاق دلوقتي بعد تلات سنين؟ ما إنتي كنتِ قاعدة ومستحملة، إيه اللي جَدّ يعني؟”


حاولت أتماسك ومبينش الكسرة اللي في قلبي، وقولتله بكل وضوح إن ولاده بيكبروا ومحتاجين سند، وأنا كمان من حقي أعيش حياتي وأتجوز شخص يقدرني ويكون أب لولادي، لإن سني لسه صغير ومش هقضي بقية عمري لوحدي بدفن نفسي بالحيا.


أول ما سيرة “الجواز” جات، لقيته اتقلب تماماً، ورفض الفكرة بعصبية وغرور غريب، وقالي:


“طلاق مش هطلق، وجواز مش هتتجوزي غيري! وأعلى ما في خيلك اركبيه.”


وبعدين كمل بكلام كله استفزاز وبرود وهو بيضحك بسخرية:


“لو على الجواز والونس، أنا موجود يا ستي.. أنا قررت أعدل بينكم من هنا ورايح. هقسم الأسبوع بالعدل والشرع: إنتي ليكي تلات أيام، وهي ليها أربعة.. أهو كده أبقى عَدلت بما يرضي الله ومظلمتكيش، إنما طلاق وتدخلي راجل غريب على ولادي؟ ده بُعدك!”


كلامه كان زي السكاكين، بيحسسني إننا مجرد حاجة بيرجع لها وقت ما يحب، وبيستفزني بكل برود وكأنه معملش أي حاجة في حقنا طول التلات سنين اللي فاتوا


سمعت كلامه وحسيت إن الدم غلي في عروقي، البرود والاستعلاء اللي بيتكلم بيهم كانوا فوق طاقتي، بس هو مأكتفاش بكده، لسه عنده كمية استفزاز وتفكير مريض عايز يرميهم في وشي.


لقيته بيكمل كلامه وبنبرة صوت فيها ضحكة خبيثة ولعب بالكلام وقالي:


“وبعدين تعالي هنا.. لو إنتي غرضك من كل الليلة دي إنك محتاجة راجل في حياتك، فـأنا موجود ومتاح يا ستي، ولا إنتي نسيتي إني جوزك؟ لو ده كل همك فالموضوع بسيط ومش مستاهل تروحي تدوري بره.”


سكت ثانية، وكأنه بيتأمل أثر كلامه السمّ عليا، وبعدين غيّر نبرته لنبرة كلها ثقة وغرور وهو بيكمل:



“ولا يكونش كل الفيلم ده عشان تستفزيني وتجرجلي رجلي عشان أرجعلك؟ لو بتعملي كده عشان تخليني أجيلك.. فـاعتبري يا ستي إن غرضك اتحقق، وأهو أنا جيت وجنبك. جهزي نفسك بقى وظبطي أمورك، عشان أنا جاي!”


الكلام نزل عليا زي الصاعقة، مش قادرة أستوعب كمية الأنانية اللي هو فيها، بيترجم وجعي وتخلي سياط السنين اللي فاتت عني وعن ولاده على إنه مجرد “حيلة” أو “لعبة” عشان أخليه يرجعلي، وبيتكلم بمنتهى الثقة وكأنه بيمنّ عليا بوجوده


 


رد فعله خلاني واقفة مكاني مش مصدقة، الكلام عمال يلف في دماغي زي الدوامة، ونبرة صوته المستفزة والضحكة الخبيثة دي مش عايزة تفارق ودني. “أنا جاي!”… الكلمة دي كانت بتتردد في عقلي مش كبشرى أو كحل لمشكلتي، لأ، دي كانت نازلة عليا كأنها حكم بالإعدام على كل كرامتي وكبريائي اللي عشت أحافظ عليهم طول التلات سنين اللي فاتوا.


بصيت للموبايل في إيدي وأنا حاسة إن صوابعي بتترعش من كتر الغيظ والقهر. هو بجد شايف نفسه إيه؟ وشايفنا إيه؟ تلات سنين رامينا، لا سأل عن لقمة بناكلها، ولا عن مدرسة عيل بيدخلها، ولا حتى في عيد جه طيب خاطر ولاده بكلمة! تلات سنين عايش في العسل، بيخرج ويسهر ويتبسط، وإحنا هنا بنصارع الدنيا والوحدة عشان نكبر العيال ونحافظ على بيته اللي هده بإيده. وبكل بساطة، وبمنتهى البرود، جاي دلوقتي يتعامل معايا وكأني “عروسة لعبة” كانت مركونة على الرف في الصالة، وقرر فجأة، لما لقى حد تاني ممكن ياخدها، إنه ينفض عنها التراب ويلعب بيها شوية!


حسيت بمرارة في حلقي، ودموعي اللي كنت حابساها طول المكالمة بدأت تنزل، بس مكنتش دموع كسر ولا ضعف، كانت دموع غضب ونار قايدة جوايا. الأنانية والغرور اللي في كلامه عموا عينه عن الحقيقة.. الحقيقة المرة اللي هو مش عايز يستوعبها، وهي إنه مبقاش يعنيلي أي حاجة! هو فاكر إن الست لما بتطلب الطلاق بعد سنين جفاء، بتكون بتدلع أو بتعمل حركات عشان تلفت انتباهه؟ مش قادر يفهم إن الباب اللي اتقفل في وش السنين مبيفتحوش كلمتين وبقين كدب عن “العدل والشرع”.


العدل؟ لسه فاكر العدل دلوقتي؟ لسه فاكر إن ربنا هيحاسبه على الأيام والشرع؟ طب وفين الشرع ده من تلات سنين فاتوا وإحنا منسيين؟ فين العدل لما ساب ولاده يكبروا من غير سند ومن غير أب يعلمهم ويوجههم؟ دلوقتي بس لما حس إن كبريائه كرجل “شرقي” اتهز، وإن الست اللي سابها ممكن تروح لراجل تاني يقدرها، افتكر التقسيمة والـ ٣ أيام والـ ٤ أيام!



مسكت الموبايل، وكنت عايزة أصرخ فيه، كنت عايزة أقوله: “فوق من الوهم اللي أنت عايش فيه! أنا مطلبتش الطلاق عشان اجرجرك ليه تانى ، أنا طلبت الطلاق عشان أخلص منك، عشان أشيل اسمك اللي بقاله تلات سنين مجرد حبر على ورق، عشان أفتح لولادي وليا طاقة نور بعيد عن أنانيتك!”


بس رجعت سكت وتنفست بصعوبة.. عرفت إن الكلام مع شخص بالنرجسية دي والعقلية المريضة دي مش هيجيب نتيجة. هو مش هيسمع غير صوته، ومش هيشوف غير نفسه. هو جاي وفاكر إنه داخل معركة هيكسبها بفرد عضلاته وكلمتين الاستعلاء بتوعه.


مسحت دموعي بقسوة، ووقفت وسط صالة بيتي وبصيت لصور ولادي، وحسيت بقوة غريبة بتتملكني. قولت لنفسي: “لا يا ابن الناس.. ده بُعدك أنت! السنين اللي استحملت فيها لوحدي وشيلت حمل يشيلوه جبال، مش هضيعها في لحظة ضعف عشان أوافق أكون نص ست في حياتك، أو أكون ملجأ بتجيله يومين في الأسبوع لما تزهق من حياتك التانية. لو أنت فاكر إنك جاي تكسرني أو تفرض شروطك.. فإنت لسه متعرّفش أنا بقيت مين في التلات سنين اللي أنت كنت غايب فيهم!”


ابو ولادى ٢

امانى سيد


قفلت السكة وأنا حاطة إيدي على قلبي اللي كان بيدق زي الطبل، بس المرة دي الدق مكنش خوف.. كان تجمّع لبركان بقاله تلات سنين بيكتم في نفسه. الغطرسة اللي في صوته والضحكة المستفزة دي كانت هي القشة اللي قطمت ظهر الصبر اللي كنت فاكرة إنه ملوش آخر. “جهزي نفسك بقى وظبطي أمورك عشان أنا جاي!”… الجملة دي كانت بتلف في ودني وبتخليني عايزة أهد الدنيا فوق دماغه. هو بجد متخيل إن البيوت دي ملهاش حرمة؟ متخيل إن مشاعر البني آدمين زرار بيدوس عليه وقت ما يحب يطفي ويولع؟

قعدت على الكنبة وأنا بفتكر الأيام الأولى لانفصالنا. بفتكر الليالي اللي كنت بقعد فيها أعيط والعيال نايمين، وأنا بسأل نفسي: “أنا قصرت في إيه عشان يعمل فيا كده؟” بفتكر شكل العيال في أول يوم مدرسة وأنا شايلاهم لوحدي وكتفي مخلوع من الشيل والمسؤولية، والآباء حواليا واقفين مع أولادهم، وهو ولا هو هنا.. كان غرقان في دنيته الجديدة، بيصرف ويبسط نفسه ولا فارق معاه إن ليه لحم ودم رميهم في الدنيا. ودلوقتي، بكل بساطة، جاي يمنّ عليا بوجوده؟ جاي يحسسني إنه بيعمل فيا جميلة لما يقرر “يعدل” ويقسم الأسبوع؟

ضحكت بمرارة وأنا ببص للفراغ. العدل! الكلمة دي طالعة من بقه كأنها نكتة ماسخة. الست اللي اتجوزها عليا ورفعت من شأنها وسابني عشانها، جاي دلوقتي ينقص من أيامها عشان يراضيني؟ يعني هو مبيظلمش بس.. ده بيظلم ويفتري وبيلعب بالشرع على مزاجه وكأن الدين ده نزل مقاس على مقاس أنانيته ورغباته! فاكر إن الجواز والونس مجرد “راجل متاح” في البيت تلات أيام في الأسبوع، مش مشاركة، ولا شيل مسؤولية، ولا حنية وطبطبة وأمان!

الغريب والمضحك في نفس الوقت إنه مترجم طلبي للطلاق على إنه “حيلة نسوان” عشان أجرجره! كمية النرجسية دي مكنتش متخيلة إنها توصله للعمى ده. مش قادر يستوعب إن الست اللي شالت وراجلت في غيابه تلات سنين، هي الست اللي نفضته من حساباتها تماماً. هو فاكرني لسه واقفة في نفس النقطة اللي سابني فيها.. الست المكسورة، المصدومة، اللي بتبكي على أطلال حبها وبيتها. مش عارف إني كبرت، وإني في التلات سنين دول اتولدت من جديد، وعرفت قيمتي وقيمة نفسي، وعرفت إن ولادي محتاجين راجل بجد يسندهم، مش خيال مآتة بيفتكرهم بالريموت كنترول وقت ما يحب.

فوقت من أفكاري على صوت خطوت ولادي في الطرقة. بصيت لهم وهم داخلين عليا بضحكتهم الصافية، وببراءة سألوني: “في إيه يا ماما؟ بابا قالك إيه؟”

حسيت بغصة في حلقي، بس بلعتها بسرعة ورسمت على وشي ابتسامة قوية. مكنش ينفع يشوفوا في عيني أي انكسار. بصيت في عيونهم وقولت في بالي: “وعز جلال الله يا ابن الناس، ما هتشوف المرة دي الست الضعيفة اللي كنت بتلعب بدموعها. أنت جاي وفاكر إنك داخل تفرض شروطك وتكسر مناخيري بكلمتين الاستعلاء بتوعك.. بس أنت هتيجي تلاقي سد منيع، تلاقي ست تمنها غالي قوي، ومبقاش يرضيها فُتات من وقتك ولا من حياتك. وزي ما قولتلي أعلى ما في خيلك اركبيه.. أنا بقى هوريك خيلي أنا هتوصلني لفين!”

قومت من مكاني ودخلت المطبخ أعمل لنفسي كبّاية شاي دافي، كنت محتاجة أي حاجة تهدّي النار اللي قايدة في صدري. وقفت قدام البوتاجاز وأنا بتابع حركة المية وهي بتغلي، وحسيت إن الغليان ده هو بالظبط اللي بيحصل جوايا. تلات سنين كاملين وأنا عاملة زي الهدوم المركونة في الدولاب، مستنية فرج ربنا، ومستحملة نظرات الشفقة من القرايب، والأسئلة المخنوقة في عيون ولادي. تلات سنين وأنا بدفن شبابي بالحيا عشان المركب تمشي، وهو كان عايش دور “العازب” اللي ملوش رابط ولا ضابط، ودلوقتي فجأة افتكر إنه رب عيلة وله بيت وعايز ييجي يمارس عليا دور السيادة!

سمعت صوت عربية بره في الشارع، قلبي انقبض للحظة وقولت: “مش معقول يكون جه بالسرعة دي!”، بس لما ركزت لقيتها عربية حد من الجيران. أخدت نفس طويل وطلعت قعدت وسط ولادي في الصالة. كنت ببص لهم وهم بيذاكروا وبيتكلموا، وبقول في بالي: العيال دول كبروا طول تلات سنين من غير ما يلمحوا ضله في البيت، كبروا وأنا الأب وأنا الأم، وأنا اللي بتابع وبشيل وبحل المشاكل. جاي دلوقتي يقول “راجل غريب يدخل على ولادي؟”. طب ما أنت كنت غريب عنهم تلات سنين يا ابن الناس! الغريب مش اللي ملوش صلة دم، الغريب هو اللي هان عليه لحمه ورمى ولاده للدنيا ومسألش فيهم.

المشكلة إنه مش باصص غير لنفسه، مش شايف غير كبريائه اللي اتهز لما عرف إن في احتمال ييجي راجل تاني ياخد مكانه ويصلح اللي هو أفسده. التفكير المريض ده هو اللي مخليه مش شايف الحقيقة؛ فاكر إن الدنيا لسه واقفة في يوم ما سابنا ومشي. مش قادر يستوعب إن المركب مشيت من غيره، وإننا اتعلمنا نعوم في البحر الغريق اللي رمانا فيه، ودلوقتي لما وصلنا للشط وجايين نتنفس، عايز يرجع يغرقنا تاني في أنانيته وتحكماته.

بصيت في الموبايل اللي كان محطوط على الترابيزة قدامي، وكأني مستنية رسالة تانية منه أو مكالمة يكمل فيها وساخته واستفزازه. مسكته ودخلت على الشات بتاعه، كنت عايزة أكتبله كلام يوجعه، كلام يخليه يعرف حجمه الحقيقي في حياتنا دلوقتي. كتبت: “أنت ملكش مكان هنا، والبيت ده اتقفل في وشك من يوم ما بعتنا عشان نزوتك”، بس قبل ما أدوس إرسال، مسحت الكلام كله. قولت لنفسي: لأ، الكلام مع اللي زيه خسارة، والاستفزاز بالرسائل هيخليه يحس إنه لسه مؤثر عليا وإنه لسه قادر يحرك مشاعري حتى لو بالغل. الزهد هو أعلى درجات العقاب، وأنا هسيبه ييجي، هسيبه يخبط على الباب وهو فاكر إنه الداخل المنتصر، وعايزة أشوف وشه لما يتصدم بالواقع الجديد.

التفتّ لولادي وقولتلهم بنبرة هادية بس ثابتة: “بابا كلمني وبيقول إنه جاي يزوركم”. العيال سكتوا وبصوا لبعض، ومكنش في عيونهم الفرحة اللي أي عيل بيشوفها لما يعرف إن أبوه جاي بعد غياب؛ كان في عيونهم علامات استفهام، ووجل، كأنهم ضيوف مستنيين حد غريب يدخل عليهم. المنظر ده كسر قلبي بس قسّاني أكتر، وأكدلي إن طريقي اللي بدأته مش هيرجعني فيه لا تهديد ولا وعيد. يا أنا يا هو في الأيام اللي جاية، وكرامتي اللي عشت أحميها تلات سنين، مش هفرط فيها عشان ليلة سخرية ولا كلمتين برود من شخص مبيعرفش يعني إيه مسئولية ولا يعني إيه بيت.

عشان كده كانت اول خطوه اللى ربيته بيها


مسحت المحادثة كلها من قدامي وأخدت نفس طويل، وعرفت في اللحظة دي إن الكلام ملوش أي لازمة، وإن المواجهة مع شخص بالعقلية دي والنرجسية دي في التليفون أو في الصالة عندي مش هتجيب غير حرق الدم. هو فاكر إنه ماسك كل الخيوط في إيده، ومطمن قوي لدرجة الاستهزاء، وفاكر إن مفيش ست تقدر تكسر كلمته أو تخرج برة طوعه.


بس أنا خلاص، الست اللي كانت بتخاف من كلام الناس ومن المحاكم ومن لقب “مطلقة” ماتت من تلات سنين.


قومت من وسط ولادي ودخلت أوضتي، قفلت الباب عليا وبدأت أفكر بترتيب وعقل بارد، بعيد تماماً عن العاطفة أو الغل. قولت لنفسي: “هو جاي وفاكر إنه هيدخل البيت يفرض شروطه ويقسم الأسبوع على مزاجه؟ لاء، ده بُعده”. أنا مش هستناه لما ييجي يمارس عليا الأستاذية بتاعته، ولا هدخل معاه في خناقة يلم فيها علينا الجيران ويهز فيها صورتي قدام عيالي. أنا هتحرك في الساكت، ومن وراه.


فتحت الموبايل وكلمت قريبتي اللي كنت عارفة إنها بتتعامل مع محامي شاطر وكبير في قضايا الأحوال الشخصية. أخدت منها الرقم والعنوان، وكل ده وأنا حريصة إن نبرة صوتي تكون عادية ومفيش أي حاجة تبان عليا. اتفقت مع المحامي على ميعاد تاني يوم الصبح علطول.


الخطة في دماغي كانت واضحة وزي الشمس: هرفع قض//ية “طلاق للضرر”. أنا معايا كل الأدلة اللي تثبت إنه هجرني وهجر ولاده تلات سنين، معايا رسايله اللي بيعترف فيها إنه متجوز وعايش حياته ومقصر في حقنا، ومعايا شهادة الشهود من أهلي ومن الجيران اللي عارفين إنه عتبة البيت دي مداسهاش من سنين. والأهم من كل ده، إني مش هـنطق بحرف واحد قدامه.


مش هعرفه إني رايحة لمحامي، ولا هقوله إني هرفع قض//ية. هسيبه عايش في وهمه وغروره، فاكر إن الفيلم ده كله “لعبة” عشان أجرجله يرجعلي. لو عرف إني ناوية على المحاكم، هيبدأ يخطط ويفكر ويشيل الفلوس اللي في البنك أو يتهرب من النفقة، أو يروح يعمل حوارات ويلعب بالأوراق عشان يلوّي دراعي بالعيال. النرجسي لما بيحس بالخطر بيتحول لوحش ومبيسمّيش على حد، وأنا مش هيداله الفرصة دي أبداً عشان ياخد احتياطاته أو يسبقني بخطوة.


أنا هخليه ييجي، ويخبط، ويتكلم براحته ويهدد بأعلى ما في خيله.. وأنا هقابه بابتسامة باردة وهادية تقتله من جواها. هسيبه غرقان في ثقته المريضة لحد ما يصحى في يوم على إعلان المحكمة نازل فوق دماغه زي الصاعقة. وقتها بس هيعرف إن الست اللي استضعفها واستخف بوجعها تلات سنين، هي هي الست اللي هتنهي حكايته بالقانون، وبمنتهى الشياكة والنظافة


نمت الليلة دي وأنا حاسة براحة غريبة مكنتش حساها من تلات سنين. النوم هرب من عيني شوية، بس مكنش بسبب الخوف، كان بسبب الأدرينالين اللي بيجرى في عروقي وأنا برتب خطواتي في دماغي خطوة بخطوة. الصبح صحيت بدري، جهزت فطار العيال ونزلتهم، ولبست أشيك طقم عندي، وحطيت ميكب خفيف يخبي إرهاق السنين، وكنت ببص لنفسي في المراية وبقول: “يا واد يا ثقيل، جه اليوم اللي هتاخدي فيه حقك وتنهي المهزلة دي”.


وصلت مكتب المحامي في الميعاد بالظبط. دخلت وكنت متخيلة إني هبقى متوترة، بس لقيت نفسي بتكلم بمنتهى الثبات والقوة. حكيتله الحكاية من طقطق لسلام عليكم؛ عن جوازه، وعن هجره لينا تلات سنين، وعن الرسايل والمكالمة الأخيرة اللي قالي فيها “أعلى ما في خيلك اركبيه”. المحامي كان بيسمع وهو بيهز رأسه ويدون الملاحظات، وفي الآخر ابتسم وقالي: “متقلقيش يا مدام، موقفك القانوني قوي جداً. طالما اتجوز عليكي وإنتي رفضتي الوضع، ومعانا إثبات الهجر والتقصير في النفقة، قض//ية طلاق للضرر مضمونة بإذن الله. بس أهم حاجة زي ما اتفقنا: مش عايزينه يحس بأي حاجة لحد ما الإعلان يوصله في إيده”.


طمنّي كلامه وخلاني أحس إن القانون واقف في ضهري. دفعتله الأتعاب وطلعت من المكتب وأنا حاسة إني طايرة، كأن جبل كان كاتم على نفسي واتشال.


رجعت البيت، ومفيش ساعتين ولقيت جرس الباب بيرن برنة كلها غشم واستعلاء. قلبي دق، بس المرة دي عرفت أتحكم في ملامحي تماماً. فتحت الباب، ولقيته واقف قدامي بكامل أناقته، والابتسامة السخيفة والغرور مالين وشه، وكأنه داخل قصر فتح خيبر. دخل وبص حواليه بنظرة فاحصة، وقال بنبرة كلها ثقة: “أهو أنا جيت يا ستي، جهزتي نفسك وظبطي أمورك ولا لسه؟”


بصيتله من فوق لتحت ببرود تام، وابتسمت ابتسامة هادية جداً وقولتله: “أهلاً يا ابن الناس، نورت.. ادخل اقعد علبال ما أعملك حاجة تشربها”.


اتصدم من هدوئي، كان متوقع إني هعيط، أو هصرخ في وشه، أو على الأقل هعاتبه على السنين اللي فاتت. مكنش فاهم إن السكوت ده هو الهدوء الذي يسبق العاصفة، وإن الابتسامة دي مش رضا، دي ابتسامة الشماتة في المغفل اللي مش دريان إن حبل المشنقة القانونية بدأ يلف حوالين رقبته. دخل قعد وهو حاطط رجل على رجل ومطمن لآخره، وأنا دخلت المطبخ وأنا بقول في بالي: “عيش اللحظة يا سيّد الناس، واشبع بغرورك كام يوم دول.. لحد ما المحضر يخبط على بابك ويفوقك من الوهم اللي أنت عايش فيه!”


طلعت من المطبخ شايلة صينية الشاي، وبمنتهى الثبات حطيتها قدامه. قعدت على الكنبة اللي في الوش، وربعت إيدي وأنا ببص له ونظراتي ثابتة في عينه. هو أخد كباية الشاي، ورجع ضهره لورا بكل غطرسة، وبدأ يتكلم بنغمة الصوت اللي كان متخيل إنها هتكسرني:



“أهو أنا جيت وجنبك يا ستي.. قوليلي بقى، إيه موضوع الطلاق والجواز اللي كنتِ بتهرتلي بيه في الرسائل؟ لسه برضه مصممة على الأوهام دي، ولا عقلتِ وعرفتي إن مالكيش غير بيتك وجوزك اللي هيستر عليكي وعلى عيالك؟”


كنت سامعة الكلمات وهي طالعة من بقه مليانة سم واستحقار، بس العجيب إني متهزتش. بالعكس، كنت ببص له وأنا حاسة بـ”شفق” عليه! الراجل ده عايش في غيبوبة نرجسية مخلية مش شايف غير خياله. ابتسمت نفس الابتسامة الباردة وقولتله بنبرة هادية جداً:


“والله يا ابن الناس، أنت قولت اللي عندك وأنا سمعتك.. ودلوقتي أنت جيت، يعني خلاص مفيش داعي للكلام والكلام المعاد.”


بصلي باستغراب، عينيه كانت بتدور في الوش عايز يلمح أي أثر للكسرة أو الغل، بس لقى جبل واقف قدامه. هدوئي ده جننه ولخبط كل حساباته، مكنش ده رد الفعل اللي مرتبه في دماغه. هو كان جاي مستني ست بتعيط وبتندب حظها، أو ست بتخانق عشان تاخد منه يوم زيادة في الأسبوع. لما لقاني باردة ومش مدياله حجم، بدأ يتوتر، نزل رجله من فوق الرجل التانية وقال بحدة:


“هو إيه اللي مفيش داعي للكلام؟ إنتي فاكرة الموضوع بمزاجك؟ أنا قولتلك التقسيمة اللي هتمشي من هنا ورايح، تلات أيام هنا وأربعة هناك، والعيال دول خط أحمر، راجل غريب مش هيدخل عليهم سامعة ولا لأ؟”


هزيت رأسي بالراحة وقولتله: “سامعة.. سامعة كل كلمة بتقولها.” قومت من مكاني بكل هدوء وقولتله: “اسيبك بقى تشرب شربك براحتك، وادخل أشوف العيال عشان وراهم مذاكرة.”


سيبته قاعد في الصالة لوحده بياكل في نفسه من الغيظ، ودخلت أوضة ولادي. قفلت الباب، وسندت ضهري عليه وأنا باخد نفس طويل وببتسم من كل قلبي. المحامي قالي الصبح إن الأوراق هتتجهز في خلال أيام، والإعلان هيروح له على بيته التاني وعلى مكان شغله عشان نضمن إنه يستلمه بنفسه.


بصيت لولادي وهم قاعدين على مكتبهم، وقولت في سري: “خلاص يا حبايب قلبي.. هانت قوي. الكابوس ده هيتهي، والراجل اللي فاكر نفسه إله بيتحكم في مصايرنا، هيفوق على قلم القانون اللي هيجيبه الأرض. خليه يعيش الكام يوم دول في دور العنتر اللي مفيش منه.. مسيره يعرف إن الله حق، وإن الست اللي هانت عليه تلات سنين، هي اللي هتكتب سطر النهاية في غروره.”ياترى رد فعله ايهولما يعرف


 

ابو ولادى٣

قصص وروايات أمانى سيد

مرت الأيام وهو عايش في وهمه، بييجي يومين في الأسبوع يدخل البيت كأنه فندق، يتعامل بتعالي وبرود، وفاكر إن السكوت بتاعي ده علامة استسلام وإني خلاص “اتلميت” ورضيت بالأمر الواقع. مكنش يعرف إن السكوت ده كان السكون اللي بيسبق العاصفة، وإني كنت بعدّ الأيام والثواني مستنية اللحظة اللي المحامي قالي عليها.


وفي يوم، كان قاعد في بيته التاني، وسط حياته اللي اختارها، مطمن لآخره ومرتاح البال.. لحد ما جرس الباب رن.


فتح الباب وهو مربع إيده، لقى المحضر واقف قدامه وبيقوله بمنتهى الرسمية: “حضرتك الأستاذ فلان؟ اتفضل استلم إعلان دعوى طلاق للضرر مرفوعة من مدام أماني سيد.”


في اللحظة دي، الدنيا لفت بيه. الصدمة نزلت على وشه كأنها قلم فّوقه من غيبوبة تلات سنين. المحامي حكالي بعد كده إن ملامحه اتخطفت تماماً، الضحكة الساخرة والبرود اللي كان بيقابلني بيهم اتمسحوا في ثانية، وحل مكانهم ذهول ورعب حقيقي. عينيه كانت بتتحرك على الورق وهو مش مصدق السطور اللي قدامه.. كلمة “طلاق للضرر” كانت بتضرب في نرجسيته وكبريائه ميت قلمين.


مشاعره في اللحظة دي كانت خليط من الغل الأعمى والإحساس بالإهانة. هو؟ سيّد الناس؟ الراجل اللي قال “أعلى ما في خيلك اركبيه”، تطلع الست اللي مستضعفها وراكنها على الرف وتسبقه بخطوة؟ وتججره في المحاكم من غير ما تديله علم؟ حس إن الأرض بتهتز تحت رجليه، وغروره اتمهك تماماً في الطين. التفكير المريض اللي كان مخليه يفسر طلبي للطلاق على إنه “حيلة عشان يرجعلي” اتقلب عليه، وعِرف إنه كان مغفل، وإن الست اللي سابها تلات سنين مكنتش بتموت في غيابه، دي كانت بتبني سجن قانوني تقفل بيه صفحته للأبد.


تليفوني رن.. بصيت على الشاشة لقيت اسمه. المرة دي مكنش بيتصل ببرود، التليفون كان بيزن بهستيريا، كأنه عيل صغير تاه في الضلمة. سبته يرن مرة واتنين وتلاتة وعشرة ومردتش. كنت شامة ريحة شياط كبريائه من ورا الشاشة.


لما زهق، بعت رسالة طويلة كلها شتيمة ووعيد، بس نبرة الخوف والتهديد الفاضي كانت واضحة بين السطور: “إنتي بتلعبني يا أماني؟ بترفعي عليا قضايا ومحاكم من ورايا؟ وعزة جلال الله لأسففك التراب وأحرمك من العيال!”


مسكت الموبايل، وبكل برود الدنيا، بعتله رسالة من كلمتين اتنين بس:


“أعلى ما في خيلك اركبه.. ونقعد في المحكمة يا ابن الناس.”


قفلت الموبايل وأنا باخد نفس عميق، وحسيت بنصر ملوش مثيل. الراجل اللي دخل بيتي من كام يوم وهو حاطط رجل على رجل وفاكر نفسه بيمّ عليا بوجوده، قاعد دلوقتي بياكل في نفسه من الغيظ، وشه أحمر، وعروقه بارزة، ومش عارف ياخد احتياطاته ولا يهرب فلوسه لأن الفأس وقعت في الرأس خلاص. القض//ية اتسجلت، والأدلة اتثبتت، وهو دلوقتي في نظر القانون “مدعى عليه”، بعد ما كان فاكر نفسه الآمر الناهي. دورت وشي لولادي، وبستهم، وقولت لنفسي: “النهاردة بس.. حقي وحقكم بدأ يرجع.”


 


الرسالة دي كانت بمثابة رصاصة الرحمة اللي نسفت البقية الباقية من ثباته المزيف. تخيلت شكله وهو بيقرأ الجملة اللي هو نفسه قالهالي من كام يوم، وهي بتترد له زي السهم في قلبه. النرجسي مبيستحملش حد يغلبه بلعبته، ومبيقدرش يعيش في دور الضحية اللي القانون هيحاسبها، هو متعود دايما يكون القاضي والجلاد.


تليفونه مبطلش رن طول الليل، بعت قرايب وأصحاب، وناس مكنتش بشوف وشهم من سنين فجأة افتكروا إن لينا بيت وعيال، وبدأوا يتدخلوا ويقولوا: “عيب يا أماني، المحاكم بتخرب البيوت، والراجل شاري وعايز يرجع ويعدل”. كنت برُد بكل برود وكلمة واحدة: “البيوت اتخربت من تلات سنين مش من النهاردة، والكلام بقا مع المحامي”.


لما لقى كل المحاولات دي فشلت، وجِه ميعاد الجلسة الأولى، جِه بنفسه المحكمة. كنت واقفة مع المحامي بتاعي في الطرقة مستنيين دورنا، ولمحته جاي من بعيد. ملامحه كانت متغيرة تماماً، الوش المبتسم المستهزئ اختفى، وحل مكانه وش باهت، وعيون مليانة غل وقلق في نفس الوقت. كان بيحاول يمشي وسط الناس بنفس الهيبة القديمة، بس خطوته كانت مهزوزة.



أول ما وصل عندي، وقف وربع إيده وقال بصوت واطي ومخنوق عشان محدش يسمع:


“برافو يا أماني.. برافو عليكي، لعبتيها صح وضبطتيها من ورايا. فاكرة نفسك كسبتي؟ المحاكم دي حبالها طويلة، وأنا هقعدك فيها سنين وموراياش حاجة، والطلاق ده مش هتنوليه غير لما تطلعي من المولد بلا حمص!”


بصيت في عينيه مباشرة، ومفيش أي شعور بالخوف جوايا، بالعكس، كنت حاسة إني ببص لشخص غريب تماماً ملوش أي سلطة عليا. قربت منه خطوة وقولتله بنبرة واطية بس حادة وزي الموس:


“الحبال الطويلة دي أنا قعدت فيها تلات سنين لوحدي مع ولادك يا ابن الناس، يعني متعودة على النفس الطويل. أما بخصوص الحمص.. فأنا كسبت نفسي وكسبت كرامتي، ودول عندي بالدنيا وما فيها. أنت جاي دلوقتي تهدد في المحكمة بعد ما كنت جاي بيتي تمنّ عليا بتلات أيام؟ قولتلك من الأول.. أنت لسه متعرفش أنا بقيت مين في التلات سنين اللي أنت غبتهم.”


في اللحظة دي، حاجب المحكمة نادى على اسمنا.. “رول رقم ٣٥.. دعوى أماني سيد ضد…”


المحامي بتاعي طبطب على كتفي وقالي: “يلا يا مدام”. سيبته واقف في مكانه، وشه بيجيب ألوان، وعينه بتلف في المكان كأنه بيدور على مخرج من الورطة اللي حط نفسه فيها بغروره. دخلت قاعة المحكمة وأنا رافعة راسي، وكل خطوة بخطيها كانت بتدّوس على تلات سنين من الظلم والكسرة، وكنت عارفة ومطمنة إن السطر الأخير في الحكاية دي.. أنا اللي بكتبه وبإرادتي.


 


بعد القلم اللي أخده في المحكمة، وبعد ما عِرف إن التهديد والوعيد مش جايبين معايا نتيجة، نبرته اتقلبت ١٨٠ درجة. النرجسي لما بيحس إن الحبل بيلف حوالين رقبته، وإن الضحية اللي كان مستضعفها هربت من تحت إيده وبقت أقوى منه، بيتحول فجأة من دور “الوحش الكاسر” لدور “الضحية المسكينة”، ويبدأ يستعمل سلا//ح جديد: المَسكنة والوعود الكدابة.


في يوم، لقيت جرس الباب بيرن. المرة دي الرنة مكنتش فيها الغشم والاستعلاء بتاع المرة اللي فاتت، كانت رنة هادية، متوجسة. فتحت الباب، ولقيته واقف وشايل في إيده أكياس كتير فيها لعب للولاد وحاجات حلوة، وشه كان هادي، ومفيش فيه أي أثر للغل اللي كان مالي عينيه في المحكمة.


دخل وهو بيبص للأرض، حط الأكياس على الترابيزة، والتفت ليا وبنبرة صوت هادية ومليانة حزن مصطنع قال:


“أماني.. أنا مش جاي أخانق، ولا جاي أفرض شروط. أنا جاي أقعد مع أم ولادي، الست الأصيلة اللي شالت اسمي واستحملت كتير.”


قعد على الكنبة، بس المرة دي محطش رجل على رجل، كان حاني ضهره لقدام، وباصصلي بنظرة رجاء وقال:


“أنا فكرت في كل اللي حصل.. وعرفت إني غلطت في حقك وحق العيال. تلات سنين الغربة والبعد عموا عيني، والمكالمة الأخيرة دي الشيطان هو اللي كان بيحركني فيها. أنا اتهزيت لما حسيت إنك ممكن تضيعي مني وتكوني لراجل تاني.. الغيرة عمتني وخليتني أقول كلام غبي مكنتش أقصده.”


قرب خطوة، وحاول يمسك إيدي بس أنا سحبتها بسرعة وبرود. أخد نفس طويل وكمل وهو بيحاول يبان صادق:


“أنا مستعد ألغي كل اللي فات.. البيت التاني ده أنا هقفله، أو على الأقل هخليه مجرد ورق، وأنا هبقى هنا معاكي ومع ولادي طول الوقت. هعوضك عن كل ليلة عيطتي فيها، وكل مليم قصرت فيه. بلاش المحاكم يا أماني.. بلاش شكلنا قدام الناس والعيال، إحنا عشرة عمر، والصلح خير.. ارجعيلي، وأنا هكونلك السند والأب اللي بتتمنيه للعيال، ومش هتشوفي مني غير الوش اللي يرضيكي.”


كنت قاعدة بسمعه وأنا حاطة إيدي على خدي، وببص له بنظرة فاحصة زادت من توتره. زمان.. الكلام ده كان ممكن يخليني أعيط وأصدق وأقول “عشان خاطر العيال”. لكن النهاردة؟ كنت شايفة اللعبة بوضوح. الراجل ده مش جاي عشان بيحبني، ولا عشان ندمان على تلات سنين ضاعوا من عمر ولاده.. الراجل ده جاي مرعوب من خسارة القض//ية، مرعوب من النفقة والمؤخر وشكله قدام أهله وأصحابنا لما يتقال إن مراته خلعته أو طلّقته للضرر.



ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقولتله بمنتهى الهدوء:


“خلصت كلامك يا ابن الناس؟”


بصلي بلهفة وقال: “يعني إيه يا أماني؟ هتقفلي المحاضر دي ونرجع نلم شملنا؟”


وقفت من مكاني، وبصيت له من فوق لتحت وقولتله بنبرة حاسمة زي السيف:


“الدموع والمَسكنة دول كانوا ينفعوا من تلات سنين، يوم ما جيت قولتلك أنا اتجوزت عليكي وأعلى ما في خيلك اركبيه. وقتها كنت محتاجة أسمع الكلمتين دول، كنت محتاجة أشوف في عينك نظرة ندم. لكن دلوقتي؟ الوش الجديد ده مش لايق عليك، ومبقاش ياكل معايا. أنت مش ندمان عليا ولا على العيال، أنت ندمان على كبريائك اللي اتهان في المحكمة، وخايف من حكم القاضي اللي جاي.”


اتغيرت ملامحه للحظة، وحاول يتكلم بس أنا قاطعته بإيدي:


“الكلام خلص، والصلح اللي بتتكلم عنه ده ميعاده فات والقطر تحرك. أنا ولادي مش لعبة تركنها تلات سنين ولما تزهق تيجي تشتريلهم لعب وتفتكر إنك أب. وفر كلامك ووفر وعودك للجلسة الجاية.. لإن الق//ضية مكملة، وأنا مش هتنازل عن حريتي وعن كرامتي تمن لأي وعد كداب.”


اتنفض من مكانه، ووشه بدأ يرجع لطبيعته التانية، الغل بدأ يظهر تاني ورا قناع المسكنة، وعرف إن الحيلة مفلحتش. أخدت نفسي وشاورت له على الباب وقولت: “خطوتك عزيزة.. المحكمة بينا.”


مرت سنة كاملة.. سنة كانت كفيلة إنها تقلب كل الموازين وتثبتلي إن ربنا لما بيقفل باب، بيفتح وراه أبواب من وسع. ق//ضية الطلاق للضرر خلصت وأخدت حريتي بقوة القانون، والورقة اللي كانت رابطاني بشخص أناني اتقطعت للأبد.


وبعد السنين العجاف دي كلها، ربنا عوضني.. ارتبطت واتجوزت راجل بمعنى الكلمة، راجل كان “ونعم الزوج والأب”. مكنش مجرد زوج ليا، كان السند والأمان اللي كنت بتمناه لولادي، دخل حياتنا بحنية وطيبة، احترم ولادي وعاملهم كأنهم حتة منه، عوضهم عن كل لحظة غياب وكل جفاء شافوه من أبوهم الحقيقي. لأول مرة من سنين، حسيت يعني إيه بيت فيه دفا وأمان، يعني إيه ست تنام وهي مطمنة إن في ضهر وسند حقيقي واقف معاها وبيشاركها كل تفاصيل الحياة.


وفي نفس الوقت اللي كنت ببدأ فيه حياتي الجديدة والنضيفة، كانت الدايرة بتدور على طليقي في الناحية التانية.. والعدالة الإلهية بتخلص حقي منه حتة حتة وبمنتهى الشياكة.


مراته التانية، اللي كان عايش معاها في العسل تلات سنين وسايبنا عشانها، وبيدخل بيتي يهددني بيها ويقولي “ليكي تلات أيام وهي ليها أربعة”.. اتقلبت عليه تماماً! الست دي طول ما كنت أنا موجودة في الصورة ومربوطة على اسمه، كانت بتعامله زي الملك، بتدلع وتتمسكن وتعمل كل حاجة عشان تضمن إنه يفضل معاها وميرجعش لبيته الأولاني.


لكن أول ما الطلاق اتنفذ رسمي، وأنا طلعت برة حياته تماماً، واتجوزت وبقى ماليش أي علاقة بيه.. الست دي ضمنت وجوده! عرفت إنه مبقاش ليه ملجأ غيرها، ومبقاش في “منافسة” تشد حيلها عشان تكسبها. هنا بقا، القناع وقع والوش الحقيقي ظهر. المعاملة اتغيرت ١٨٠ درجة؛ الدلع اتقلب لطلبات ونكد وتحكمات، والهدوء اللي كان بيهرب له عندها اتقلب لخناقات وضغط ملوش آخر.


عرفت من القرايب إنه بقى عايش في جحيم، بقى يلف ويدور ويشتكي لكل الناس من معاملتها وجبروتها، وحس بالندم اللي بياكل في قلبه أكل. افتكر الست الأصيلة اللي كانت مستحملة ظروفه وعايشة في هدوء وبتبني معاه خطوة بخطوة من غير طلبات تعجيزية.


وفي يوم، شفته بالصدفة وأنا خارجة مع جوزي الجديد وولادي من مكان عام. كنت ماشية وأنا رافعة راسي، أيدي في إيد الراجل اللي قدرني، وولادي حوالينا بيضحكوا وفرحانين. لمحته واقف من بعيد، كان باين عليه الهم والتعب، وشه مطفي وعينيه مليانة حسرة وكسرة وهو بيبص على النعمة اللي كانت في إيده وضيعها بغروره وأنانيته.



بصيتله نظرة واحدة سريعة.. مكنش فيها غل ولا شماتة، كان فيها “زهد” تام، كأني ببص لشخص غريب ملوش أي وجود في ذاكرتي. ودورت وشي لزوجي وولادي وكملت طريقي وأنا بقول في بالي: “يمهل ولا يهمل يا ابن الناس.. أهو أنت قعدت في خيلك لوحدك، وأنا ربنا جبر بخاطري وكتبلي بداية جديدة مكنتش أحلم بيها.”


مكالمة تليفون جالي نصها بالصدفة من واحدة من قرايبه أكدتلي إن اللي بيحفر حفرة لغيره مبيقعش فيها غيره. قالتلي إنه بقى يقعد في القهاوي بالساعات عشان يهرب من نكد البيت التاني، وإن مراته الجديدة بقت تحاسبه على المليم وعلى النفس اللي بيتنفسه، وكل ما يفتح بقه تفكره بإنه اتخلى عن ولاده وتعايره وتقوله: “اللي ملوش خير في أوله، ملوش خير في آخره!”


سبحان الله، نفس الجملة اللي كان بيقولها لي بالبرود والاستعلاء: “لو على الجواز والونس فـ أنا موجود ومتاح”، بقت هي الكابوس اللي بيتمنى يهرب منه. الراجل اللي كان عايز يقسم الأسبوع بالمسطرة تلاتة وأربعة ويذلني بوجوده، بقى يتمنى يوم واحد هدوء ومش لاقيه.


وفي يوم جمعة، كنت قاعدة في صالة بيتي الجديد، الشمس داخلة مالية المكان، وصوت ضحك ولادي مالي الأوضة وهم بيلعبوا “بلايستيشن” مع جوزي، وهو قاعد وسطهم بيشجعهم ويضحك معاهم من قلبه، ولا كأنه زوج أم.. كان أب حقيقي بكل ما تحمله الكلمة من حنان ومسؤولية. جاب لهم السند اللي أبوهم الحقيقي استخسر يقدمهولهم.


بصيت للمشهد ده، وحسيت بغسيل جوه قلبي، كأن تلات سنين الوجع والوحدة اتمسحوا بأستيكة. افتكرت لما كان طليقي بيقولي بثقة عمياء: “تدخلي راجل غريب على ولادي؟ ده بُعدك!”.. وقولت في بالي: الراجل الغريب ده يا ابن الناس، طلع أحن عليهم من صلب دمك، وصان الأمانة اللي أنت رميتها في الشارع عشان نزوة.


بصيت للسما وقولت: “الحمد لله.. حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه”. الحكاية مكنتش مجرد قض//ية طلاق كسبتها، الحكاية كانت درس من ربنا إنه مبيسيبش حد مظلوم، وإن الست لما بتختار كرامتها وبتتوكل على الله، ربنا بيعوضها بجبر ينسيها كل اللي فات.


قفلت صفحة الماضي ورميت مفتاحها في البحر، وبدأت أكتب مع عيلتي الجديدة سطور حياة حقيقية، مليانة احترام وأمان وونس حقيقي.. وسبت التاني هناك، غرقان في خيله وغروره، يدوق من نفس الكأس اللي سقاني منه، وعرفت ساعتها إن العدالة الإلهية لما بتيجي.. بتيجي تخلص الحقوق تالت ومتلت وبمنتهى العدل.


 


 





أنت الان في اول موضوع

تعليقات

التنقل السريع
    close