شغاله موظفه كامله حكايات رومانى مكرم
شغاله موظفه ١
حكايات رومانى مكرم
انا ست شغاله موظفه ومتزوجه ومعى ولد وبنت
زوجي بيسافر الكويت بقاله سنتين وبعد ما كان بيبعت مصروف البيت بطل نهائى
حماتي بقت تقوله لم علي قرشك مراتك هنا معاها فلوس
وانا بصراحه يتيمه ومتجوزه في بلد غريبه صعبان عليا نفسي علطول مخصمني ومش بيكلمني عشان مطلبش منه فلوس
حتي في ايام العيد لما طلبت فلوس مش بيبعت
وانا حاليا حاسه اني راجل وست ومش قادره اصفي من ناحيتهم ومش عارفه اعمل ايه واروح لمين يحكم بالعدل
لغايه لم فكرت كلمت عمى ابن عم ابويا رجل كبير وواصل
البيت كان هس هس.. مفيش غير صوت المروحة السقف اللي بتزن في الصالة، وصوت العيال وهم نايمين في الأوضة التانية بعد يوم طويل من اللعب والزن. قعدت “منى” على الكنبة، سندت راسها بين إيديها وبصت لشاشة الموبايل. الساعة اتخطت اتناشر بالليل بتوقيت القاهرة.. يعني بتوقيت الكويت واحدة صباحاً.
فتحت الشات بينها وبين “أحمد”.. آخر رسالة منها كانت من أسبوع: *”يا أحمد، مصاريف المدارس نزلت، والعيال محتاجين كسوة العيد، أرجوك ابعت أي حاجة”.*
الرسالة متعلم عليها “قُريت” (Read) من يومها، بس مفيش رد.. مفيش حتى كلمة “الله يسهل”.
منى اتنهدت بحرقة، دموعها نزلت من غير ما تحس. افتكرت أول سنتين في جوازهم قبل ما يسافر.. كان طيب، أو على الأقل كان بيحاول يكون طيب. لكن من ساعة ما سافر الكويت، وحماتها “الحاجة فاطمة” مابتفصلش. الكلمة الرايحة واللي جاية: *”يا أحمد، مرتك موظفة وقابضة.. لم قرشك يا واد وبلاش تندعق، هي مش محتاجة، والقرش اللي يروح لمرتك، عيال عيلتك أولى بيه”.*
وفي كل عمارة العيلة، منى كانت عايشة زي الغريبة.. يتيمة، لا ليها أب يدخل يضرب كرسي في الكلوب ويقول “بنتي خط أحمر”، ولا أم تاخدها في حضنها وتطبطب عليها.
شريط الأيام الأخيرة مر قدام عينيها زي الفيلم.. افتكرت وقفتها في العيد الصغير اللي فات، لما العيال صحيوا يبكوا عايزين عيدية زي بقية ولاد عمامهم، وأحمد مخصمها بقاله شهر.. قافل تليفونه في وشها لمجرد إنها قالتله “هات”. يومها نزلت اشترت لهم لبس العيد من راتبها، ووقفت في المطبخ تطبخ وهي حاسة بكسرة نفس تخلي الحجر ينطق.
قامت منى، دخلت الحمام، غسلت وشها بمية ساقعة وبصت في المراية: *”لأ.. أنا مش هفضل مكسورة كده. أنا بشتغل ومرتبي بيكفيني أنا وعيالي، بس هو لازم يعرف إن الله حق، وإن العيال دول عياله هو كمان”.*
سهرت لغاية الفجر وهي بتاخد قرار بقالها شهور خايفة تاخده. قررت تكلم “الحاج عبد الحميد”.. ابن عم أبوها. راجل قاضي مجالس عرفية، كلمته مابتنزلش الأرض، وليه هيبة تهز بلد.
الصبح صحيت، لبست لبس الشغل، ونزلت العيال عند جارتها الطيبة، وركبت المواصلات لغاية بلد أهلها.. البلد اللي سابتها من سنين.
وصلت لبيت الحاج عبد الحميد.. بيت كبير بوابته خشب عتيق. دخلت والمجلس كان مليان رجالة، لكن أول ما شافها، وقف ورحب بيها: *”أهلاً ببت الغالي.. خطوة عزيزة يا بنتي”.*
استنت لغاية ما المجلس فضي، وقعدت قدامه. أول ما فتحت بقها عشان تتكلم، خانتها دموعها وانفجرت في العياط. حكت له كل حاجة.. من أول القرش اللي بيتمتع بيه في الغربة وبيستخسره في ضناه، لكلام حماتها اللي بتقوي قلب ابنها على مراته وعياله، لحد حالة “الخرس الاختياري” والمقاطعة اللي أحمد عاملها معاها عشان ماتطلبش فلوس.
الحاج عبد الحميد كان بيسمع وهو بيهز راسه، وعينيه بتطق شرار. حط إيده على عصايته الأبنوس وقال بصوت رخيم يهز الحيطة:
*”بقى ابن… بيعمل كده في لحمنا؟ فاكرك مقطوعة من شجرة عشان أبوكي مات؟ وعز جلال الله يا منى يا بنتي، لأخليه ييجي من الكويت دي راكع، وحقه وحق عياله هيرجعوا تالت ومتلت.. بس إنتي اسمعي اللي هقولك عليه بالحرف، وماتخافيش.. ضهرك سداد”.*
#الكاتب_رومانى_مكرم
منى حست لأول مرة من سنتين إن في جبل واقف وراها.. بس الخطة اللي الحاج عبد الحميد قالهالها، كانت مرعبة ومحتاجة قلب ميت.. خطة هتقلب بيت العيلة وهتوصل لأحمد في الكويت زي الصاعقة!
***”يا ترى هيحصل إيه.. وإيه هي الخطة اللي هتشقلب حياة أحمد وحماتها، وتخليه يرجع من الغربة مكسور؟”**
الجزء الثاني:
خرجت منى من بيت الحاج عبد الحميد ونسمة هوا باردة بتخبط في وشها، لأول مرة من سنتين تحس إن نفسها طالع مستريح، وإن الحمل اللي كان كابس على ضهرها في حد شاله معاها. كلام ابن عم أبوها كان بيرن في ودنها زي الطبل: *”الحق يا بنتي مبيجيش بالطلب، الحق بيتاخد بالناشف.. وأحمد طالما استقوى بغربته وفلوسه، يبقى لازم يعرف إن الله حق، وإن السايبة وراها متبوع”.*
الخطة اللي رسمها الحاج عبد الحميد كانت قاسية، بس هي دي الطريقة الوحيدة اللي تخليه يفتح تليفونه المظلم ويفوق من سكرة الغربة وكلام أمه.
أول خطوة بدأت تاني يوم الصبح.. منى منزلتش الشغل، أخدت إجازة عارضة، وأخدت العيال في إيدها وراحت على شقة الحاجة فاطمة حماتها. دخلت والشقة كانت ريحتها خبيز، وحماتها قاعدة على الكنبة بتعد في فلوس باعتها لها أحمد مع واحد صاحبه لسه راجع من السفر.
منى وقفت في وسط الصالة، ملامحها كانت جامدة وخالية من أي انكسار، وقالت بصوت عالي وثابت: “صباح الخير يا حاجة.. أنا جاية أقولك إني سايبة العمارة وراجعة بلد أبويا.. العيال دول عيال ابنك، ومدارسهم ومصاريفهم وكسوتهم من هنا ورايح عليكي وعلى ولادك، أنا مش قادرة أشيل شيلة راجل وست لوحدي، وأحمد اللي مخصمني عشان القرش، يوريني هيصرف على عياله إزاي وهو قافل تليفونه”.
الحاجة فاطمة اتنططت من مكانها، والفلوس اتبعثرت في الأرض: “وه.. عاد تقولي إيه يا بت الناس؟ تسيبي عيالك وتمشي؟ ورايحة فين وعايزة تفضحينا في البلاد؟ أحمد بيموت في الغربة عشان يأمن مستقبله!”.
منى ابتسمت بوجع وقالت: “بيموت في الغربة؟ أهو عايش وبيرسل، بس بيرسل للي بيقووه عليا.. العيال أهو معاكم، وأنا راجعة لأهلي وناسي اللي هيجيبوا لي حقي”. وسابت العيال بشنطة هدومهم الصغيرة، وخرجت قبل ما حماتها تستوعب الصدمة. العيال بقوا في رقبة الجدة وأعمامهم، والمسؤولية اللي كانوا متهربين منها بقت فرض عين عليهم.
في نفس الساعة، كان الحاج عبد الحميد قاعد في مجلسه، ومسند الموبايل الصغير بتاعه على دكة الخشب. طلب رقم “أحمد” الدولي.. أحمد اللي كان قافل تليفونه في وش منى، رن تليفونه برقم غريب من مصر، ولما شاف مفتاح المحافظة، رد وهو مكسل: “ألو.. مين معايا؟”.
جاءه صوت الحاج عبد الحميد زي رعد الشتا، قوي ويهز الأرض: “معاك عبد الحميد الهواري، ابن عم المرحوم مكرم أبو منى مرتك.. اسمعني زين يا واد الناس، ومتقاطعنيش بكلمة واصل”.
أحمد في غربته اتعدل في قعدته، عرق بارد نزل على ضهره.. اسم الحاج عبد الحميد معروف في البلاد كلها، راجل قاضي مجالس وبكلمة منه بيوت بتتخرب وبيوت بتتفتح.
الحاج عبد الحميد كمل وعصايته بتخبط في الأرض وصوت الخبط واصل لأحمد عبر السماعة: “لحمنا مش رخيص يا أحمد، وإحنا سيبنا بنتنا عندك أمانة، قولتوا موظفة ومعاها قرش.. قولتوا يتيمة وملهاش ضهر.. لكن وعزة جلال الله، لو حق بنتنا وعيالها مجاش تالت ومتلت لغاية عندها، ليكون بيننا وبينك المحاكم والمجالس اللي متخرجش منها سليم.. مرتك سابت العيال لأمك وخرجت، والبلد كلها عرفت إنك مستخسر اللقمة في ضناك.. قدامك 48 ساعة، يا تليفونك ده يتفتح والقرش يوصل، يا إما هتشوف وش تاني للهوارية عمرك ما حلمت بيه في غربتك.. سلام يا واد الناس”.
قفل الحاج عبد الحميد السكة، وساب أحمد في شقته بالكويت يضرب دماغه في الحيط.. التليفون اللي كان قافله بالشهور عشان ميردش على طلبات مراته، بقى ماسكه في إيده وصوابعه بترتعش، مش عارف يكلم أمه اللي بتصرخ في التليفون من ورطة العيال، ولا يكلم مراته اللي فجأة ظهر لها ضهر وجبل يهد الدنيا عشانها.
شغاله موظفه ٢
حكايات رومانى مكرم
الجزء الثالث:
مرت الـ 48 ساعة على أحمد في الكويت وكأنها دهر كامل. الشقة اللي كان قاعد فيها ومستقر، وبيرجع من شغله ينام مرتاح البال وهو قافل تليفونه عن مراته وعياله، اتحولت لساحة من النار. تليفونه اللي كان زي الحتة الحديدة الميتة، مبقاش يبطل رن.. مكالمات من أمه الحاجة فاطمة وصوتها طالع مخنوق بالبكاء والزعيب، ومكالمات من إخواته الرجالة اللي أول مرة يلاقوا نفسهم في مواجهة مباشرة مع مسؤولية عيال أحمد، ومطالبين بمصاريف وأكل وشرب ودروس، غير الخوف اللي ركَب العيلة كلها من اسم “الحاج عبد الحميد الهواري”.
الحاجة فاطمة كانت بتتكلم في التليفون وصوتها بيرتعش: “الحقني يا أحمد.. مرتك رمت لنا العيال وراحت بلد أبوها، والعيال من ساعة ما مشيت وهم صريخ وعويل مابيفصلوش، وأنا ست عجوزة ورجلي مابقتش تشيلني.. وإخواتك الرجالة قالوها لي صريحة: (إحنا مش هنشيل شيلة غيرنا، ولا لينا حمل على زعل الهوارية).. كلم مرتك يا واد بطنِك وصالحها، دي طلعت واصلة ووراها رجالة وإحنا كنا فاكرينها مقطوعة من شجرة!”.
أحمد كان بيسمع وكلام أمه بينزل على ودنه زي السكاكين. افتكر كل مرة كانت منى بتبعت له رسالة تترجاه يبعت مصاريف، وافتكر كلام أمه وهي بتقوله: “سيبها تلوص.. دي موظفة وبتشيل قرشها في البنك، بكرا تطلع الفلوس وتصرف غصب عنها”. حس بندم وكسرة نفس وهو شايف صورته قدام أهله وبلده بتهتز.. بقى هو الراجل اللي مستخسر اللقمة في عياله لدرجة إن مراته تلجأ لكبار البلد؟
حاول أحمد يتصل بمنى.. رن مرة واتنين وتلاتة، والتليفون بيدي جرس بس مفيش رد. منى كانت قاعدة في بيت الحاج عبد الحميد، وسط حريم العيلة اللي استقبلوها بالترحاب والود، والعيال كانوا في بالها وفي قلبها، ونفسها تروح تاخدهم في حضنها، بس كانت عارفة إنها لو ضعفت المرة دي، هترجع لنقطة الصفر، وهتفضل طول عمرها “الست الراجل” اللي بتصرف وبتتبهدل وجوزها مخصمها.
الحاج عبد الحميد دخل عليها المضيفة، وبص لها وقال بصوته الرخيم: “تليفونك بيرن يا بنتي.. ده هو؟”.
منى هزت راسها ودموعها حيرانه في عينيها: “أيوا يا عمي.. أحمد”.
الحاج عبد الحميد ابتسم ابتسامة هادية وقال: “مترديش عاد.. سيبيه يغلي في عرق طيبته. الراجل لما يستسهل الخصام مع مرته عشان الفلوس، لازم يتدوق من نفس الكاس.. سيبيه يعرف إن الكلمة ليها تمن، وإن الست اللي صانت بيته في غيابه وراها رجالة بيعرفوا يوزنوا الأمور”.
وفي الكويت، أحمد ملقاش قدامه حل غير إنه يكلم صاحبه “مصطفى” اللي شغال معاه ومسافر معاه من نفس البلد. حكى له وهو دمه محروق ووشه في الأرض من الكسوف. مصطفى بص له بلوم شديد وقال له: “يا أحمد، أنا ياما قولت لك اتقي الله في مرتك وعيالك.. مفيش راجل عاقل يسمع كلام أمه في بيته ويخرب على نفسه. الموظفة دي مش بتشتغل عشان تصرف على عيالك وإنت شايل قرشك؟ القرش ده فرض عليك إنت قدام ربنا وقدام الناس. دلوقتي الحاج عبد الحميد دخل في الموضوع، والراجل ده كلمته سيف، لو ما اتصرفت صح، مش هتعرف تنزل البلد تاني وسط الناس واعتبر نفسك خسرت مرتك وعيالك للأبد”.
أحمد قعد على سريره، وبدأ يكتب رسالة لمنى.. رسالة مفيهاش العند القديم ولا الجفاء اللي كان بيتعامل بيه. كتب: *”يا منى.. أنا عارف إني قصرت، والرجوع للحق فضيلة. أنا بعت لك مع مصطفى اللي نازل إجازة بكرا مبلغ كبير، يكفي مصاريف المدارس وكسوة العيد وزيادة، وهعمل لك تحويل شهري ثابت باسمك يوصلك أول كل شهر من غير ما تطلبي كلمة واحدة.. أرجوكي ردي عليا، وخذي العيال من بيت أبويا ورجعي شقتك، بلاش تفضحينا قدام الحاج عبد الحميد والناس”.*
منى استلمت الرسالة وقرتها.. حست بنصر صغير جوة قلبها، بس النصر ده كان مخلوط بمرارة السنتين اللي عاشتهم في ذل وكسرة. راحت للحاج عبد الحميد وورته الرسالة.
الحاج عبد الحميد قرا الكلام، وهز راسه وقال: “بداية زينة.. بس الكلام في الشات مبيأكلش عيش يا بنتي. هو فاكر إن القرش اللي هيبعته ده هيمحي كسرة النفس؟ لأ.. الموضوع مبقاش مصاريف وبس.. الموضوع في الأصول اللي اتدست بالرجلين”.
التفت الحاج عبد الحميد لواحد من رجالة العيلة وقال له: “يا فوزي، خد رجالة معاك في العربيات، واطلع على عمارة عيلة أحمد.. هات عيال بنتنا من هناك بالمعروف، وهات معاك أعمام العيال والحاجة فاطمة الكبيرة.. قولهم الحاج عبد الحميد مستنيكم في المجلس الليلة عشان نكتب شرط المقاطعة والالتزام.. والواد أحمد يفضل على الخط وسامعنا من الكويت!”.
الخطة كانت لسه بتكبر، ومنى كانت واقفة بتابع وهي مش مصدقة إن صوتها اللي كان مكتوم ومحدش بيسمعه، بقا بيحرك رجالة ويهز عائلات.. والليل بدأ يليل، ومجلس الحاج عبد الحميد بدأ يتملي بنفحات الحسم، وأحمد في الكويت مستني على نار تليفونه يرن عشان يعرف مصيره ومصير بيته إيه!
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
الجزء الرابع:
على الساعة تمانية بالليل، كانت الساحة قدام بيت الحاج عبد الحميد منورة بكشافات كبيرة، وصوت عربيات الهوارية وهي داخلة العمارة ومحملة بالرجالة عمل قلق في البلد كلها. نزلت الحاجة فاطمة من العربية وهي ساندة على عصايتها، ووراها ولادها الاتنين “محمود” و”حسين” أعمام العيال، ووشوشهم في الأرض من الكسوف والخوف.. محمود كان شايل البنت الصغير، وحسين ماسك في إيد الولد.
دخلوا المجلس اللي كان مليان على آخره بكبار عائلات البلد، والكل قاعد في صمت هيبة للحاج عبد الحميد اللي كان مترأس الجلسة وعصايته الأبنوس بين إيديه. منى كانت قاعدة ورا الستارة في المضيفة الحريمي، عينيها على عيالها ونفسها تجري تاخدهم في حضنها، بس ماسكة نفسها بقوة أول مرة تحس بيها في حياتها.
الحاج عبد الحميد شاور للرجالة يقعدوا، وبص للحاجة فاطمة وقال بصوت رخيم وهادي بس يقطع النفس: “نورتوا يا جماعة.. والعيال نورت بيت جدهم مكرم الله يرحمه. قعدي يا حاجة فاطمة.. وأنت يا محمود، حط الموبايل ده على السبيكر في وسط التربيزة.. أخوك أحمد ويانا على الخط؟”.
محمود صوابعه كانت بترتعش وهو بيظبط التليفون، وصوت أحمد طلع من السبيكر مخنوق وبعيد: “أيوا يا حاج عبد الحميد.. معاليك أنا سامعك، وأنا ولدك وخدّامك، والقرش اللي تؤمر بيه هيوصل لمنى والعيال الصبح.. بس بلاش الفضايح بين البلاد، إحنا ناس لبعضنا”.
الحاج عبد الحميد خبط بالعصاية خبطة واحدة على الأرض، المجلس كله سكت تماماً، وقال: “الفضيحة يا واد الناس مش إنك تقعد في مجلس حق.. الفضيحة هي الخرس الاختياري اللي عيشت فيه مرتك سنتين.. الفضيحة إن عيالك في العيد يبكوا عشان عيدية، وأنت قفل تليفونك في الغربة عشان خايف تقولك هات! لحمنا مش جمعية خيرية أنت بتتبرع لها لما تروق، دي أصول وشرع ربنا”.
التفت الحاج عبد الحميد للكاتب اللي قاعد جمبه وقال له: “اكتب يا جابر.. شرط اتفاق ومقاطعة شرعية، يوقع عليه أعمام العيال كفلا وضامنين لأخوهم اللي في الغربة”.
الحاجة فاطمة اتكلمت بصوت مرعوب: “يا حاج عبد الحميد، إحنا ملناش صالح، ده وادنا وهو اللي مقصر، إحنا ذنبنا إيه نوقع على شروط؟”.
الحاج عبد الحميد بص لها بنظرة حادة خلتها تسكت فوراً: “ذنبكم إنكم كنتوا بتسمعوا الست وهي بتشتكي وتقولوا لها (اصبري جوزك غريب)، وذنبك يا حاجة إنك كنتِ بتقولي له (لم قرشك مرتك موظفة). الموظفة دي بتشيل اسم ابنك، وبتصون شرفه في غيابه، والقرش اللي بتجيبه من شغلها ده ليها ولأهلها، مش عشان ابنك يتدلع بيه في الكويت!”.
أحمد صوت بكائه طلع من التليفون، الندم والكسرة وسط كبار بلده هدّوا كل العند اللي كان فيه، وقال: “تؤمر بإيه يا حاج؟ أنا موافق على كل اللي تقوله، بس رجّع منى بيتي ومتخربش عليا”.
الحاج عبد الحميد أملى الكاتب الشروط بالحرف:
“أولاً: يلتزم الطرف الأول (أحمد) بدفع مبلغ شهري ثابت (حدد قيمته بما يضمن حياة كريمة جداً للعيال) يوصل ليد منى أول كل شهر، من غير ما تطلب أو تترجى.
ثانياً: مصاريف المدارس، ولبس العيدين (الصغير والكبير)، ومصاريف العلاج، دي تطلع برا المصروف الشهري وتندفع فوراً.
ثالثاً: شقة الزوجية اللي في عمارة العيلة، منى ليها كامل الحرية والأمان فيها، ومحدش من العيلة يدخل في شؤونها أو يوجعها بكلمة، وإلا يعتبر الشرط مكسور.. وفي حالة كسر أي بند من البنود دي، يلتزم الضامنين (محمود وحسين) بدفع شرط جزائي كبير جداً، وتعود منى لبيت أهلها بالطلاق وحقوقها كاملة تالت ومتلت”.
الحاج عبد الحميد بص لأعمام العيال وقال: “امضوا يا رجالة.. وإنت يا أحمد، بكرا الصبح التحويل يوصل ليد مرتك، وإقرار منك بالبند ده يتبعت موثق”.
محمود وحسين مضوا وبصموا وهم مش قادرين يرفعوا عينيهم في عين حد، والحاجة فاطمة كانت بتبص للأرض وهي حاسة إن القوة والسيطرة اللي كانت شايلاهم على منى اتبخرت في ثواني قدام كبار الهوارية.
بعد ما المجلس فضي، خرجت منى من ورا الستارة. الحاج عبد الحميد بص لها واشترط عليها خطوة أخيرة ومفاجئة، خطوة خلت منى تقف مذهولة وهي بتفكر: هل أحمد فعلاً هيتغير بعد كل ده، ولا النار اللي قادت في عمارة العيلة وفي الكويت لسه هتجيب وراها عواصف تانية جرحها أكبر؟
شغاله موظفه ٣
حكايات رومانى مكرم
الجزء الخامس:
وقفت منى قدام الحاج عبد الحميد، وعينيها لسه مدمعة وهي شايفة ولادها نايمين على الكنبة اللي جمبها بعد ما تعبوا من الصريخ واللف طول اليوم. الحاج عبد الحميد حط إيده على راس الولد، وبص لمنى وقال لها بلهجة مفيهاش هزار: *”اسمعي يا بنتي.. الشروط دي عشان تحفظ كرامتك ولقمة عيالك، بس الراجل اللي بيبعد ويتعود على الخرس، الفلوس لوحدها مش هتربيه.. الخطوة الجاية عليكي إنتي، ورجلك مش هتعتب عمارة عيلة أحمد الليلة ولا الأسبوع ده واصل”.*
منى برقت بعينيها وقالت بخوف: *”كيف يا عمي؟ طب والشرط اللي مضوا عليه؟ والناس اللي شافتهم وهم مكسورين؟”*
الحاج عبد الحميد قال لها وعينيه فيها نظرة ثاقبة: *”لو رجعتي الليلة، حماتك هتقول لأحمد (مرتك جابت لنا الرجالة لغاية البيت ورجعت قعدت في وسطنا)، وهيتحول الندم اللي في قلبه دلوقتي لغل وعناد.. إنتي هتقعدي هنا في بيت أبوكي معززة مكرمة، لغاية ما التحويل يوصل في إيدك، ولغاية ما أحمد بنفسه ينزل إجازة من الكويت ويجي يخدك من هنه.. من بيت الرجالة اللي جابوا لك حقك.. يقعد ويدخل المضيفة ويطلب مرته وعياله بالأصول”.*
منى حست برعب؛ أحمد لسه فاضل في عقده مع الشركة في الكويت سنة كاملة، ونزوله إجازة فجأة كده معناه إنه ممكن يخسر شغله أو ينزل مديون.. بس كلام الحاج عبد الحميد كان أمر وميصحش فيه المراجعة.
في الكويت، قفل أحمد التليفون وهو حاسس إن جدران الأوضة بتلف بيه. كان بيعرق وينهج كأنه كان في معركة حراب. كلام الحاج عبد الحميد كان زي السكين اللي قطعت حبل الأمان اللي كان عايش فيه. لقى نفسه لوحده، أهله اللي كان بيحول لهم الفلوس وبيسمع كلامهم اتخلوا عنه ومضوا على الشروط عشان ينجوا بنفسهم، ومراته اللي كانت بتبكي له في الشات، بقت وراها عيلة الهوارية بكبراتها.
مسك تليفونه والدنيا بتسود في عينيه، وطلب أمه.. الحاجة فاطمة ردت وهي في العربية راجعة العمارة، وصوتها كله مرارة: *”أهو مضينا وبصمنا يا أحمد.. الله يسامحك يا ابني، صغّرتنا قدام البلاد وخليت اللي ميسواش يتفرج علينا.. مرتك طلعت مش سهلة، ورمت لنا العيال وراحت استقوت بأهلها.. من هنا ورايح يا أحمد، قرشك اللي كنت بتبعتوا ليا، يروح لمرتك تالت ومتلت، إحنا مش قد كلام الحاج عبد الحميد ولا شروطه الجزائية اللي تخرب بيوتنا”.*
أحمد زعق بكسرة ونفاد صبر: *”يا أمي إنتي اللي كنتِ بتقولي لي لم قرشك ومتبعتش! دلوقتي بقيت أنا الغلطان؟ أنا هكلمها وهخليها ترجع الشقة الصبح والعيال معاها، والمبلغ هحوله حالا”.*
ردت الحاجة فاطمة بقلة حيلة: *”تكلم مين يا حزين؟ دي منزلتش معانا، الحاج عبد الحميد حلف يمين ما تخرج من بيته إلا وأنت واقف على رجليك في المضيفة بتسلم وتعتذر.. مرتك مبقتش مقطوعة من شجرة يا أحمد.. صلح عملتك معاها بدل ما تضيع من إيدك والبلد كلها تقاطعنا”.*
الكلمات دي نزلت على أحمد كأنها جبل ووقع عليه. نزل الصبح جري على الصرافة، وسحب كل القرش اللي كان محوشه وشايله ومستخسره في لبس العيد ومصاريف المدارس، وحول مبلغ كبير جداً باسم “منى مكرم”.
بعدها، قعد في شقته يكتب لها رسايل ورا رسايل.. بيترجاها ترد، بيبكي لها في التليفون ويقولها: *”أنا أسف.. حقك عليا.. الفلوس وصلت الصرافة وروحي استلميها، بس بلاش تخربي بيتي، أنا غريب وبشقى عشانكم”.*
منى كانت قاعدة في بيت أهلها، والموبايل في إيدها بيتبعت عليه رسايل أحمد والتحويلات.. شافت الفلوس اللي كانت بتموت عشان تلاقي ربعها عشان تجيب لبس العيد للعيال، شافت الإلحاد والتوسل في كلامه بعد ما كان بيقفل التليفون في وشها بالشهور.
حست براحة.. بس رعب الخطوة الجاية كان لسه مسيطر عليها.. أحمد في رسالته الأخيرة كتب لها جملة هزت قلبها: *”أنا حجزت تذكرة طيران ونازل مصر بعد تلات أيام.. نازل ومش راجع الكويت تاني، وهصفي شغلي هناك عشان أقف قدام أهلك وأرجعك.. بس افتكري إنك إنتي اللي اختارتي الطريقة دي يا منى”*.
منى حست إن الأمور بدأت تخرج عن السيطرة.. نزول أحمد وفسخ عقده في الكويت معناه قطع رزقه ورزق عياله، وهل نزوله ده هيكون للصلح والأصول، ولا هيكون وراه عاصفة من الغل والانتقام هتقلب حياتهم جحيم؟
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
الجزء السادس:
كلمة “نازل ومش راجع تاني” نزلت على منى زي مية ساقعة في عز الشتا. الموبايل فضل في إيدها وصوابعها اتجمدت وهي بتبص للشاشة. الفرحة اللي حست بيها لما شافت الفلوس والاعتذار اتبخرت في ثواني، وحل محلها خوف ووجع بطن.. أحمد هيهد كل اللي بناه في سنتين غربة وشقا عشان العند؟ ولا هو نازل وعينه بتطق شرار وعايز ينهي كل حاجة؟
لمت منى هدومها في الأوضة ودخلت على الحاج عبد الحميد وهو قاعد بيشرب شاي العصاري في جنينة البيت. حطت الموبايل قدامه والدموع محبوسة في عينيها وقالت بصوت مرعوب: “الحقني يا عمي.. أحمد كتب لي إنه حجز تذكرة ونازل بعد تلات أيام، وبيقول إنه مش راجع الكويت تاني وهيصرف نظره عن السفر.. أنا خايفة يا عمي، قطع الرزق مش زين، وأنا كنت عايزة حقي وحق عيالي، مش عايزة أخرب على جوزي وشغله”.
الحاج عبد الحميد خد الموبايل، عدل نظارته وقرا الرسالة على مهله، وهز راسه وهو بينفخ دخان الشيشة براحة، وملامحه متهزتش واصل. بص لمنى وقال بصوت هادي يطمن الخايف: “اقعدي يا بنتي وهدي روعك.. أحمد مش نازل يقطع رزقه، أحمد نازل يلحق كرامته اللي حس إنها اتهانت قدام رجالة البلاد.. الراجل لما يلاقي مرته بقا ليها ضهر وجبل، وبيته هيتخرب، والشرط الجزائي هيمضي عليه إخواته، لازم ينزل يقف في وسط المعمعة.. ده مش قطع رزق، ده فواق من الغيبوبة اللي كان عايش فيها”.
منى سكتت بس قلبها كان دليها، وعارفة إن أحمد طبعه حامي، ولمّا بيحس إنه اِتلوى ذراعه بيميل للخراب.
مرت التلات أيام على عمارة عيلة أحمد وكأنها أيام عزا.. الحاجة فاطمة مكنتش بتخرج من شقتها، والبلد كلها بتتكلم عن مجلس الحق اللي عقده الهوارية، وإزاي إن منى اليتيمة المقطوعة طلع وراها كبار يهزوا الأرض. محمود وحسين أعمام العيال كانوا بيروحوا شغلهم ويرجعوا وشهوشهم في الأرض، ومستنيين وصول أحمد بفارغ الصبر عشان يشيل الليلة معاهم ويمضي على الأوراق الرسمية.
وفي اليوم الموعود.. الساعة كانت عشرة بالليل لما عربية تاكسي وقفت قدام عمارة العيلة، ونزل منها أحمد. كان باين عليه التعب والهم، وشه مخطف من قلة النوم، وشايل شنطة سفر واحدة صغيرة.. يعني فعلاً نازل على عماها ومن غير ترتيب.
أول ما دخل الشقة عند أمه، الحاجة فاطمة جريت عليه وخدته في حضنها وهي بتبكي: “نورت بلدك يا واد بطني.. شفت اللي مرتك عملته فينا؟ صغرتنا قدام البلاد وخليت الحاج عبد الحميد يكتب علينا شروط تكسر الضهر”.
أحمد فك إيد أمه براحة، وبص لها بنظرة غريبة، مفيهاش العطف القديم ولا الطاعة العمياء.. قال لها بصوت ناشف: “منى مكنتش هتعمل كده يا أمي لو كنت أنا ببعت لها قرشها وقايم ببيتي.. ومنى مكنتش هتروح للحاج عبد الحميد لو لقيت حد في البيت هنا يطبطب عليها ويقول لها إنتي بنتنا.. إحنا اللي صغرنا نفسنا لمّا استقوينا على ست يتيمة ملهاش حد”.
الحاجة فاطمة اتصدمت من كلام ابنها، وعرفت إن أحمد اللي سافر من سنتين غير أحمد اللي راجع الليلة.
أحمد مغيرش هدوم السفر، غسل وشة وأخد إخواته محمود وحسين في إيده، وركبوا عربية وطلعوا مباشرة على بلد الهوارية.. على بيت الحاج عبد الحميد.
وصلوا والوقت كان متأخر، بس مجلس الحاج عبد الحميد مبيقفلش بابه في وجه حد. دخل أحمد والمجلس كان فيه كام راجل من كبار العيلة. أول ما دخل، وقف قدام الحاج عبد الحميد، قلع طاقيته وحطها على التربيزة وقال بصوت عالي وثابت وفيه عزة نفس صعيدية: “السلام عليكم يا حاج عبد الحميد.. أنا أحمد عبد الدايم، وجاي لغاية بيتك عشان أخد مرتي وعيالي بالحق والأصول.. والشرط اللي كتبتوه على إخواتي، أنا أولى بيه وأنا اللي هبصم عليه الليلة!”.
منى كانت واقفة ورا الستارة، قلبها كان بيدق زي الطبل وهي سامعة صوت جوزها بعد سنتين غياب.. الصوت فيه قوة، بس فيه وجع وندم ميتداراش.. والكل في المجلس حبس أنفاسه مستني رد فعل الحاج عبد الحميد على الدخلة الحامية دي!
شغاله موظفه ٤
حكايات رومانى مكرم
الجزء السابع:
ساد الصمت في المجلس، ومحدش من الرجالة اللي قاعدين اتنفس. الكل كان بيبص للحاج عبد الحميد مستنيين إشارته، وأحمد واقف في وسط القاعة، راسه مرفوعة بس عينيه شايلة حزن وهم السنين. كان باين عليه إنه منامش من وقت ما ركب طيارة الكويت، وهدوم السفر لسه عليها تراب الطريق.
الحاج عبد الحميد مبصش لأحمد علطول؛ خد نفس طويل من الشيشة، وطلّع الدخان براحة وهو بيثبّت نظراته الذكية على الواد اللي واقف قدامه بكل حَمِيّته. حط ليّ الشيشة من إيده، ومسك عصايته الأبنوس وخبط بيها خبطة خفيفة على السجادة وقال بصوت هادي وراسي:
“اقعد يا أحمد يا ولد عبد الدايم.. خد نفسك الأول، إحنا هنا في مجلس حق، ومبنكلش حق حد ولا بنلوي دراع راجل جاي لغاية بيتنا بالأصول”.
أحمد قعد على طرف الدكة الخشب، وإخواته محمود وحسين قعدوا جمبه وهم حاطين عيونهم في الأرض. أحمد اتكلم وصوته كان فيه بحة من كتر الشد العصبي: “يا حاج عبد الحميد، معاليك كتبت شرط جزائي على إخواتي، وشرط الالتزام بالمصاريف.. وأنا قولت لك من الأول وأنا في الغربة، أنا سددت وبعت الفلوس وزيادة، بس نزولي الليلة دي عشان أقول لك إن لحمي أنا كمان مش رخيص، وإني مش هقبل مرتي تقعد في بيت غير بيتي والناس تقول إن أحمد اِتلوى دراعه في الغربة”.
الحاج عبد الحميد عدل قعدته، وبص لأحمد بنظرة كلها هيبة وقال له: “ودراعك يتلوى ليه يا ابني لو كنت ماشي بالحق؟ أنت فاكرنا بنتبلى عليك؟ مرتك قعدت سنتين صاينة بيتك وعيالك، بتشتغل وتصرف، والقرش اللي كنت بتبعتوا كان بيروح في حتة تانية وإنت عارف زين قريت إيه في رسايلها.. لما الست تلاقي جوزها وسندها قفل تليفونه في وشها وعامل نفسه مش سامع عشان ماتقولوش (هات لمصاريف عيالك)، يبقى هي ملهاش غير تلت حاجات: يا تموت بالكسرة، يا تنزل تمد إيدها للغريب، يا تروح لأهلها اللي من لحمها يظبطوا لها الميزان.. وإحنا اخترنا نوزن الميزان بالعدل”.
أحمد نزّل راسه في الأرض، كلام الشيخ الكبير كسر الحتة الناشفة اللي كانت جواه. حس بكلام الحاج عبد الحميد كأنه بيعرّي كل الشهور اللي فاتوا اللي كان بيطنش فيها رسايل منى لمجرد إنه بيسمع كلام أمه.
الحاج عبد الحميد شاور للكاتب “جابر” وقال له: “هات الدفتر يا جابر.. أحمد هيمضي على شرط الالتزام بنفسه، وهيكون هو الطرف الأول الكفيل لنفسه ولعياله.. ومبلغ التحويل الشهري هينكتب في الدفتر هنا فرض عين، والكسوة والعلاج والمدارس برا الحسبة”.
أحمد مد إيده، وأخد القلم ومضى وبصم من غير ما يراجع بند واحد. وبص للحاج عبد الحميد وقال: “أهو مضيت وبصمت يا حاج.. دلوقتي أنا عايز مرتي وعيالي يرجعوا معايا الليلة لعربيتنا وبيتنا”.
الحاج عبد الحميد بصلة وقال: “العيال هتاخدهم في حضنك الليلة يا أحمد، يروحوا يناموا في فرشتهم.. أما منى، فهتقعد هنه في بيت أبوها مكرم.. أسبوع بحاله!”.
أحمد اتنفض من مكانه: “كيف ده يا حاج؟ أنا نازل إجازة قصيرة ومفسختش عقدي زي ما فهمت منى، أنا واخد إجازة عشر أيام بس عشان ألم الموضوع وأرجع على شغلي، تقعد أسبوع هنه؟ يعني مش هشوفها غير يومين؟”.
الحاج عبد الحميد وقف، وبان طوله وهيبته في وسط المجلس، وقال بصوت حاسم مفيش فيه مراجعة: “تقعد أسبوع عشان تعرف قيمتها يا أحمد.. وعشان عيلتك كلها تعرف إنها لما بتغضب، بتقعد في بيت رجالة.. تروح أنت بيتك، تريح وتغسل غبار السفر، وتشوف أمك وتطيب خاطرها، والأسبوع ده شقتها تتوضب وتتروق، وتيجي يوم الجمعة الجاية بعد الصلاة، تاخد مرتك بالزفة والأصول من باب البيت هنه، وتدبح دبيحة تحت رجلها قدام أهل البلد كلهم.. ده شرطي الأخير عشان تخرج من هنه ومرتك في إيدك وراسك مرفوعة وسط الناس”.
أحمد بص لإخواته، وبص للحاج عبد الحميد، ولقى إن كلام الراجل الكبير رغم قسوته، هو الحل الوحيد اللي هيغسل عار المقاطعة وهيخلي منى ترجع شقتها وهي ملكة ومحدش يقدر يبص لها بنظرة وحشة تاني. وافق أحمد وقال: “جاهز يا حاج.. ويوم الجمعة هتشوف ولد عبد الدايم وهو جاي يخد مرته بالأصول اللي ترضيك وترضي ربنا”.
خرج أحمد مع إخواته وأخدوا العيال في إيدهم، ومنى كانت بتبص عليهم من ورا الشيش وهي بتبكي.. شافت أحمد وهو شايل الولد والبنت وفرحان بيهم، وحست إن الجبل اللي وقف وراها جاب لها حقها لغاية عندها.. بس الأسبوع ده، في عمارة العيلة، الحاجة فاطمة وإخوات أحمد كانوا بيطبخوا لمنى طبخة تانية، ونوايا العيلة بعد ما رجع أحمد وبقت الشروط مكتوبة، بدأت تتحول لخطط تانية خالص هتبان ملامحها في الأيام اللي جاية! حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
الجزء الثامن (قبل الأخير):
مرت الأيام الأولى من الأسبوع على منى في بيت الحاج عبد الحميد كأنها حلم. البيت حواليها مليان ود وترحاب، وحريم العيلة مش سايبينها لحظة واحدة، بيجيبوا لها الأكل لغاية عندها ويطبطبوا عليها، يعوضوها عن سنتين الغربة والكسرة وسط ناس مستخسرين فيها الكلمة الطيبة. كل يوم الصبح، كانت منى تصحى على صوت زقزقة العصافير في جنينة بيت أبوها، تفتكر رسايل التوسل والاعتذار اللي أحمد لسه بيبعتها على الموبايل، والفلوس اللي بقت تحت إيدها وفي حسابها، فتحس بنصر عظيم، بس قلبها كأم كان واكلها على عيالها اللي أخذهم أحمد معاه. كانت بتتصل بيهم كل كام ساعة، تسمع صوتهم وهم فرحانين بأبوهم اللي مالي إيدهم باللعب والحلويات، وجايب لهم كل اللي نفسهم فيه وكأنه بيعوضهم عن حرمان السنتين اللي فاتوا.
أما في عمارة عيلة أحمد، فالوضع كان أشبه بهدوء ما قبل العاصفة. الشقة بتاعة منى كانت بتتفتح كل يوم، وأحمد كان واقف بنفسه مع العمال والدهانين، بيغير دهان الصالة اللي بهت، وبيصلح المروحة السقف اللي كانت بتزن وتعمل صوت هس هس في الليالي الضلمة، وجاب غسالة أوتوماتيك جديدة وتلاجة كبيرة وشاش عرض، وكل حاجة كانت منى بتتمناها وتطلبها وهو يقول لها “معيش”، ظهرت فجأة في الشقة وكأن الفلوس كانت مدفونة تحت الأرض وطلعت.
لكن تحت الشقة دي، وفي الدور الأرضي، كانت الحاجة فاطمة قاعدة مع ولادها محمود وحسين، والنار بتاكل في قلبها. مكنتش قادرة تبلع إن منى اليتيمة لوت دراع العيلة كلها، وخلت أحمد ينزل من الكويت ملهوف وقاطع تذاكر وطيران، ويمضي على شروط جزائية لو اتكسرت تخرب بيت إخواته.
الحاجة فاطمة هزت راسها بغل وقالت بصوت واطي: “بقى الحتة البت دي، تعمل فينا السوايا دي كلها؟ وتخلي أحمد يجي من آخر بلاد المسلمين راكع وكاتب على إخواته شروط وكمبيالات؟ وعزة جلال الله ما هفوتها لها، والجمعة الجاية لمّا تيجي، هتعرف إن الله حق، وإن العمارة دي ليها كبيرة برضك!”.
محمود بص لأمه بخوف وقال: “يا أمي بلاش كلام واصل.. أحمد قفل ودانه عننا خلاص، والراجل اِتكسر قدام كبار الهوارية، والحاج عبد الحميد لو شم خبر إن حد داس لمنى على طرف، الشرط الجزائي هيمضي عليه المحامي الصبح وإحنا معندناش اللي نسد بيه”.
الحاجة فاطمة ضحكت بسخرية وقالت: “ومين قالك إني هدوس لها على طرف بالخناق؟ الخناق ده بتاع الناس الغشيمة.. إحنا هنستقبلها بالزغاريد والترحاب، بس الغل اللي في قلب أحمد من اللي حصل لازم يفضل صاحي.. أنا هعرف إزاي أخليه يعيش معاها في الشقة وهو شايل منها، وأخليه يرجع الكويت وهو حاسس إن مرته دي حية قرصته في كرامته.. هقيد النار بينهم بالهداوة، لغاية ما يطلقها ويفضها سيرة، ويرجع لها شرطها الجزائي في حجرها!”.
وفي يوم الخميس، قبل ليلة العودة بيوم واحد، دخل أحمد على أمه وكان باين عليه الفرحة بعد ما خلص توضيب الشقة، وجايب دبيحة كبيرة رابطها تحت العمارة عشان تتدبح الصبح تحت رجل منى زي ما شرط الحاج عبد الحميد. قعد جمب أمه وأخد إيدها يبوسها وقال: “رضاكي عليا يا أمي.. منى بكرا راجعة بيتها، وأنا عايزك تفتحي لها حِضنك، وتنسي اللي فات.. الست اِتظلمت معايا وإحنا قصرنا في حقها”.
الحاجة فاطمة رسمت الابتسامة على وشها، وحطت إيدها على كتفه بنعومة الأفاعي وقالت: “يا حبيبي أنا ممسكاش عليها حاجة، والمسامح كريم.. بس يا أحمد يا ابني، صعبان عليا كرامتك وسط الرجال.. معقولة واد بطني اللي مشهود له بالرجولة في البلاد، يتكتب عليه شروط زي دي؟ والناس في السوق تقول أحمد مرته مشيته على العجين مبلخطوش؟ أنا خايفة عليك يا ابني لما تسافر وترجع الكويت تاني، تسيب وراك ست عارفة إن ليها رجالة يهدوا الدنيا عشانها، فتستقوى عليك في الرايحة والجاية، ومتعملش لكبيرك قيمة”.
كلام الحاجة فاطمة دخل ودن أحمد زي السم البطيء.. لمس الحتة الحامية في طبعه الصعيدي. ملامحه اتغيرت، والفرحة اللي في عينيه انطفت، وحس بضيق في صدره.. فكرة إن مراته استقوت عليه وحجمته بالشروط بدأت تاكل في دماغه من تاني، والنوايا الطيبة اللي كانت في قلبه بدأت تتملي بشكوك وغيوم سودا.
أشرقت شمس يوم الجمعة.. البلد كلها كانت واقفه ومستنية. عربيات عيلة أحمد اتحركت ومزينة بالورد، والدي جيه شغال، وأحمد راكب في العربية الأولى لابس جلبابه الصعيدي الأبيض والشال، ووشه جامد ومفيش فيه ابتسامة واحدة.
وصلوا لبيت الحاج عبد الحميد، والمجلس اتملي بالناس.. خرجت منى ولابسة فستان شيك وجديد، ووشها منور زي البدر، والعيال في إيدها بيضحكوا. الحاج عبد الحميد وقف وسلّم منى لأحمد إيد في إيد، وقال لأحمد بصوت فيه تحذير أخير: “أهو الأمانة رجعت لبيتك يا أحمد.. صونها تصونك، وافتكر إن الضهر سداد”.
أحمد هز راسه من غير كلام، وأخد منى والعيال وركبوا العربية ورجعوا لعمارة العيلة وسط زغاريد الحريم وضجة الفرح.. الدبيحة اتدبحت تحت رجل منى، والحاجة فاطمة استقبلتها بالأحضان والقبلات وكأنها بنتها الغالية.
طلعت منى شقتها، انبهرت بالنظافة والدهان الجديد والأجهزة اللي كانت بتحلم بيها.. دخلت أوضتها، وقفلت الباب وراها هي وأحمد عشان يبقوا لوحدهم لأول مرة من سنتين.
منى لفت وشها لأحمد والابتسامة على وشها وقالت بصوت كلو حنين: “نورت بيتك يا أحمد.. وحشتني”.
أحمد مبصلهاش؛ قعد على السرير، وبص للأرض بملامح جافة وقاسية زي الحجر، وقال بصوت واطي ومرعب: “الشقة اتوضبت، والفلوس في جيبك، والشرط اتكتب يا بنت مكرم.. إنتي أخذتي حقك تالت ومتلت بالرجالة والمحاكم.. بس افتكري إن من اللحظة دي، إنتي ليكي شروطك وفلوسك، وأنا ليا كرامتي.. والسن اللي فاضل لي في الكويت، هسافره بعد يومين، والخرس اللي كنتِ بتشتكي منه.. هتشوفي الحقيقي منه من هنا ورايح!”.
منى اِتسمرت في مكانها، والابتسامة اِتمحت من وشها.. وعرفت إن الحرب مخلصتش بمجلس الحق، وإن اللعبة الحقيقية لسه هتبدأ في الجزء الأخير!
الجزء التاسع (الأخير والحكمة):
نزلت كلمات أحمد على منى زي الصاعقة في ليلة كان من المفترض إنها ليلة عودتها لبيت الزوجية منتصرة. بصت حواليها في الشقة اللي بقت بتلمع من النظافة والدهان الجديد، وحست إن الجدران بتضيق عليها من تاني.. الفلوس والمصالح اتصلحت، بس روح البيت وجوزها ماتوا من جواه.
أحمد قفل جنطته الصغيرة، وفي اليومين اللي وراهم كان بيتحرك في الشقة زي الخيال.. بيبوس العيال ويملا إيدهم باللعب، لكن أول ما عينه تيجي في عين منى، كان بيلف وشه بجفاء وينطق بكلمات ناشفة على قد السؤال والجواب. حماتها الحاجة فاطمة كانت بتطلع تبص عليهم، ولما تلاقي الوجوم والصمت مغيم على الشقة، كانت تنزل لولادها تحت وتبتسم ابتسامة النصر وهي بتقول: “الشرط والرجالة يجيبوا الفلوس يا ولاد، بس مبيجيبوش المحبة.. البت خدت ورق، بس خسرت جوزها للأبد”.
وجاء يوم السفر.. أحمد واقف عند الباب ماسك شنطته، والعيال متعلقين في رجله بيبكوا. منى وقفت بعيد، وعينيها كانت مليانة دموع بس المرة دي مكنتش دموع انكسار، كانت دموع وعي وفهم. قربت منه خطوتين وقالت بصوت هادي وراسي هز كيانه: “مع السلامة يا أحمد.. سافر وشوف شغلك، والقرش اللي أنت كاتبه على نفسك هيوصلني أول كل شهر، وده حق عيالك.. بس افتكر حاجة واحدة، أنا لما رحت للحاج عبد الحميد، مروحتش عشان ألوي دراعك ولا أكسر كرامتك.. أنا رحت عشان أنت كنت ناسيني وسايبني للي ميرحمنيش.. أنا رحت عشان كنت فاكرة إن ورايا راجل غايب بس بيحميني، ولما لقتك قفلت ودنك وتليفونك، رحت أدور على الضهر اللي يحميني ويحمي عيالك من بهدلة الأيام.. كرامتك اللي أنت زعلان عليها، أنا صنتها في غيابك سنتين كاملين في عمارة أهلك ومسمحتش لغريب يلمح طرفي.. صنتها بمرتبي وشقايا.. ولما أنت تختار الخرس والعند، فده اختيارك أنت مش اختياري أنا”.
أحمد بص لها، وكلماتها خبطت في قلبه زي الرصاص.. حس لأول مرة إن كلام أمه كان غشاوة على عينيه، وإن منى مكسرتوش قدام الناس، دي نجت بنفسها وبعياله من مرارة الفقر والحاجة في وقت هو كان ملهي فيه بكلام عيلته. مشي من غير ما يرد، بس الخطوات بتاعته كانت تقيلة وهو نازل السلم.
مرت الشهور.. والتحويل الشهري كان بيوصل لمنى أول كل شهر بالحرف وبأعلى قيمة، والشقة كانت في كامل أمانها ومحدش من العيلة بقا يجرؤ يوجع منى بكلمة خوفاً من سيف الحاج عبد الحميد.. منى كملت في شغلها، وربت عيالها أحسن تربية، وبقت عايشة معززة مكرمة في بيتها.. وأحمد في غربته، مع مرور الليالي والوحدة، بدأ يكتشف إن العند مبيأكلش عيش، وإن مرته اللي صانته وصانت عياله وطلبت حقها بالأصول هي أكتر واحدة باقية عليه.. وبدأ الشات اللي بينهم يرجع يتفتح بالتدريج، بس المرة دي برسائل ود وسؤال من أحمد، مش بدموع ورجاء من منى.
### الحكمة من القصة:
1. **المرأة ليست مقطوعة من شجرة:** البيوت لا تُبنى على استضعاف النساء، والزوج العاقل هو اللي يعلم إن مراته وراها رب يحميها قبل أهله وناسها، وإن صمت السند وغيابه بيجبر الست تدور على ضهر يحميها.. والسايبة دايماً وراها متبوع.
2. **صوت الحق أقوى من العند:** المجالس العرفية والأصول وكبار البلد هما صمام الأمان في مجتمعاتنا الصعيدية والعربية.. الحق لما بيتاخذ بالشرع والأصول بيحفظ كرامة البيوت وبيمنع خرابها، والرجوع للحق فضيلة مش كسر للرجل.
3. **كلام الأهل ليس دائماً مقدساً:** طاعة الوالدين واجبة، ولكن في حدود العدل وشرع الله.. الزوج اللي بيسمع كلام أهله في خراب بيته واستخسار اللقمة في عياله ومراته بداعي العند، بيخسر في الآخر بيته وكرامته واستقراره.. والمرأة الموظفة ذمتها المالية مستقلة، وشغلها لمساعدتها وليس لرفع مسؤولية النفقة عن كاهل الرجل.


تعليقات
إرسال تعليق