زعيم المافيا كان فاكر إن ولاده المحتضرين محتاجين دكاترة…
زعيم المافيا
زعيم المافيا كان فاكر إن ولاده المحتضرين محتاجين دكاترة… لحد ما ست مكسورة دخلت وفتحت الشباك، وكل حاجة بدأت تتغير.
لما الدكتور قال لـ آدم الحديدي إن ولاده فاضلهم أقل من أسبوعين في الدنيا…
كانت دي أول مرة أخطر راجل في البلد ينسى إزاي يتنفس.
ما صرخش.
ما كسرش حاجة.
وما هددش الدكتور…
مع إن ناس كتير اتأذت قبل كده بسبب أخبار أقل بكتير.
هو بس فضل واقف في الجناح الطبي اللي بناه جوه قصره…
بيبص على السريرين الصغيرين اللي نايمين عليهم توأمه…
وحس إن حاجة جواه اتكسرت.
ابنه ياسين كان نايم على جنبه…
ومادد إيده الرفيعة ناحية السرير اللي جنبه.
حتى وهو نايم…
كان بيدور على أخته.
أما ليلى…
فكانت باصة للسقف بعينين نص مفتوحين.
تعبانة لدرجة إنها مش قادرة ترمش.
ولا تشتكي.
ولا حتى تبقى طفلة.
السرطان أخد شعرها…
وشهيتها…
وضحكتها…
ودلوقتي…
حسب كلام الدكتور…
جاي ياخد الباقي.
الدكتور قال بهدوء:
“أنا آسف يا أستاذ آدم.”
“جربنا كل حاجة.”
“جسمهم مبقاش مستحمل.”
“دلوقتي لازم نفكر في راحتهم.”
راحة؟
آدم لف وشه ببطء.
وقال بصوت هادي أخوف من أي صريخ:
“الكلمة دي…”
“ما تتقالش تاني في الأوضة دي.”
المكان كله سكت.
الدكتور بلع ريقه.
“أنا فاهم…”
قاطعه آدم.
“لأ.”
“إنت مش فاهم.”
رجع بص لولاده.
سريرين صغيرين.
وجهازين مراقبة.
ونفسين ضعاف.
جاب لهم أكبر دكاترة.
من مصر…
ومن بره.
وجاب أجهزة أغلى من اللي في مستشفيات كاملة.
حط حراسة على كل باب.
عشان ولاده ماينفعش يتعالجوا في مستشفى عادي.
كان يقدر يشتري أي حاجة.
يقدر يخوف أي حد.
لكن…
ماقدرش يمنع المرض.
وماقدرش يأمر الموت يبعد عن بنته.
فجأة…
ليلى فتحت عينيها.
وقالت بصوت ضعيف:
“بابا…”
آدم جري عليها.
وقعد جنبها.
“أنا معاكي يا حبيبتي.”
بصتله.
وسألته:
“أنا هموت…”
“…وأشوف ماما؟”
الدنيا كلها وقفت.
الحراس.
الدكاترة.
الأجهزة.
كل حاجة اختفت.
فضل السؤال بس.
من طفلة عندها خمس سنين.
أمها ماتت من سنتين.
برصاصة كانت متوجهة لآدم…
لكن جات فيها هي.
من يوم دفنها…
آدم ما بكىش.
ولا مرة.
لكن دلوقتي…
حط راسه على سرير بنته…
وانهار.
وقال وهو بيحاول يمسك دموعه:
“لأ يا حبيبتي.”
“مش دلوقتي.”
“أوعدك.”
بس هو نفسه…
كان عارف إن الوعد ده…
مش بإيده.
تاني يوم.
القصر كله بقى شبه بيت عزا.
الستاير مقفولة.
الناس بتتكلم بالهمس.
الحراسة واقفة…
لكن مفيش حد قادر يحارب المرض.
محدش بيطبخ للأطفال.
لأنهم مبقوش بياكلوا.
محدش بيفتح الشبابيك.
ولا بيشغل موسيقى.
ولا حتى بيضحك.
كل الناس…
كانت مستنية النهاية.
لحد ما وصلت داليا حسن.
شايلة شنطة قديمة.
ولابسة بالطو رمادي رخيص.
وعينيها…
شايلة وجع أكبر من عمرها.
عندها سبعة وعشرين سنة.
لا معاها شهادة كبيرة.
ولا واسطة.
ولا فلوس.
ولا حتى حد تستند عليه.
كانت جاية تقدم على وظيفة رعاية للأطفال.
بعد ما أكتر من ممرضة سابت الشغل وهربت أول ما عرفت اسم صاحب البيت.
لكن داليا…
ما هربتش.
عند أول بوابة…
وقفها اتنين حراسة.
وفتشوا شنطتها.
لقوا:
هدوم.
رواية.
وملف أوراق.
ولا حاجة تانية.
واحد منهم سألها:
“خايفة؟”
بصتله وقالت:
“لأ.”
ماكانتش شجاعة.
كانت الحقيقة.
بعد ما شافت ابن أختها بيموت قدامها…
مبقاش فيه حاجة تخوفها.
دخلت القصر.
كان ضخم.
بارد.
وشكله أقرب لحصن.
ريحة المطهرات مالية المكان.
استقبلتها مديرة البيت.
مدام ناهد.
وقالت:
“إنتِ فاهمة إن الشغل هنا مش طبيعي؟”
ردت داليا:
“أنا أصلًا ما بدورش على الطبيعي.”
قالت الست:
“ولا ممرضة قدرت تكمل هنا.”
ابتسمت داليا.
“وأنا مش جاية كممرضة بس.”
وهي ماشية…
لمحت عند باب الجناح الطبي.
جزمتين صغيرين.
واحدة زرقا.
وواحدة بينك.
وجنبهم…
دبدوب واقع على الأرض.
انحنت.
شالته.
ونفضت التراب عنه.
وضمته لصدرها.
مديرة البيت بصتلها باستغراب.
وقالت:
“البيت ده…”
“بقى مستني الموت.”
“محدش هنا بقى بيحاول ينقذ حد.”
بصت داليا ناحية باب أوضة الأطفال.
وقالت بهدوء:
“يمكن المشكلة…”
“إنكم استسلمتوا.”
بعد شوية…
طلع راجل ضخم.
اسمه محمود.
الذراع اليمين لآدم.
فتح ملفها.
وبص فيه.
وقال:
“معندكيش شهادة كاملة.”
“ولا شغل ثابت.”
“ولا أهل.”
“ولا أي حاجة.”
رفع عينه ليها.
وقال:
“إنتِ معندكيش حاجة.”
ردت من غير ما ترمش:
“عندي اللي يكفي.”
فضل يبصلها شوية.
ودخل عند آدم.
رجع بعدها بدقايق.
وقال ببرود:
“الباشا رفض.”
“اتفضلي امشي.”
لكن داليا…
ما اتحركتش.
رفع حاجبه.
وقال:
“إنتِ ما سمعتيش؟”
داليا ما اتحركتش، بالعكس، سحبت نفس عميق وبصت لمحمود في عينيه بثبات خلى الراجل القوي اللي بيخاف منه رؤساء عصابات يتردد للحظة.
قالت بهدوء مرعب: “أنا سمعت، بس أنا مش جاية عشان الباشا يوافق. أنا جاية عشان ياسين وليلى ما عادوش قادرين يستنوا موافقات. الموت مش بيستأذن حد، وأنا مش هستأذن حد عشان أنقذ طفلين بيموتوا بسبب القهر مش بس المرض.”
محمود ضحك بسخرية: “تستأذني؟ إنتِ فاكرة نفسك فين؟ ده آدم الحديدي، اللي بيعوز حد يخلص عليه، بيخلص عليه قبل ما يرمش. اتفضلي من غير مطرود قبل ما أخرجك بطريقتي.”
داليا ما سكتتش، رفعت صوتها بس من غير زعيق، صوت واثق وصل لجوه أوضة آدم: “قوله إن اللي شافت ابن أختها بيغرق في عينه ومقدرتش تعمله حاجة، مش هتسمح لنفسها تشوف أطفال تانيين بيضيعوا وهي قادرة تعمل حاجة.. قوله إن اللي ملوش حاجة، مفيش حاجة تكسره!”
في اللحظة دي، الباب اتفتح.
آدم الحديدي ظهر. ملامحه كانت محفورة بحزن السنين، عيونه حمراء، وقميصه كان مفتوح ومكرمش. بص لداليا نظرة واحدة، نظرة كفيلة إنها تمحي أي حد من الوجود، بس داليا ما نزلتش عينيها.
قال آدم بصوت أجش: “إنتِ مين عشان تقولي اللي ملوش حاجة مفيش حاجة تكسره؟ إنتِ عارفة أنا خسرت إيه؟”
ردت داليا من غير خوف: “خسرت كل حاجة، بس ولادك لسه هنا. هما لسه بيتنفسوا، وده معناه إن المعركة لسه مخلصتش.”
آدم بصلها بتركيز، كأنه بيدور على كدبة في عينيها وما لقاش. أشار لمحمود بإيده إنه يرجع لورا.
“دقيقة.” قالها آدم وهو بيدخل أوضة ولاده.
دخلت داليا وراه. الأوضة كانت مكتومة، ريحة الأدوية والمعقمات خانقة. ياسين وليلى كانوا غايبين عن الوعي.
داليا ما اتجهتش للأجهزة، ولا للتقارير الطبية. اتجهت للشبابيك اللي كانت مقفولة ومغطاة بستائر تقيلة. فتحت الشباك، شالت الستائر، دخل ضوء الشمس الحقيقي والهواء اللي ريحته مطر.
آدم زعق: “إنتِ بتعملي إيه؟ الدكتور قال إنهم محتاجين جو معقم!”
داليا وهي بتفتح درج التلاجة الصغير اللي فيه أدوية، بتبص للحاجات المرمية، وبترتبها وبترمي الورق القديم: “الدكتور قال إيه؟ الدكتور استسلم! الأطفال دول مش محتاجين أوضة عمليات، محتاجين ‘حياة’. محتاجين يسمعوا صوت العصافير، محتاجين يشموا ريحة الشجر، محتاجين حد يحسسهم إنهم لسه أطفال، مش مجرد حالات طبية مستعصية.”
بصت لآدم اللي كان واقف مذهول من طريقتها: “ممكن تخرج؟ ولادك دلوقتي محتاجين داليا.. مش محتاجين آدم الحديدي.”
آدم وقف مصدوم، محدش في حياته كلها تجرأ يكلمه كدة، ولا حتى يطرده من مكانه. بس في اللحظة اللي ليلى حركت إيديها فيها بسبب حركة الهوا اللي دخل، آدم سكت.
خرج آدم من الأوضة، ووقف ورا الباب.
داليا قعدت جنب السرير. مسكت إيد ياسين، وبدأت تحكي. ما كانتش بتحكي حكايات ممرضات، كانت بتحكي حكايات عن “أبطال خياليين” في غابة بعيدة، حكايات عن مغامرات، كانت صوتها فيه حيوية وطاقة خلت ياسين يفتح عينه ببطء.
ليلى، اللي كانت بقالها يومين مابتتكلمش، بصت لداليا وهمست: “بابا؟”
داليا ابتسمت: “لأ، أنا داليا.. صاحبتكم الجديدة. وعايزاكم تحكولي.. إيه أكتر مغامرة نفسكم تعملوها لما تخفوا؟”
آدم كان واقف ورا الباب، سامع كل كلمة. لأول مرة من سنتين، سمع ضحكة مكتومة، ضعيفة جداً.. بس كانت ضحكة ليلى.
نزل آدم على ركبته قدام الباب، وغمض عينه، ولأول مرة حس إن فيه “خيط أمل” مربوط في إيد الست الغريبة دي.
داليا مكنتش مجرد مربية، كانت بتعمل حاجة تانية خالص.. كانت بتنقل “روحها” للأطفال دول.
وقبل ما اليوم يخلص، حصل اللي خلى آدم الحديدي يجيله جنون من الفرحة..
ياسين طلب “يشرب عصير”.
آدم دخل الأوضة، شاف داليا قاعدة على الأرض، منهكة، بس بتبتسم.
آدم بصلها، وقال بصوت خافت: “إنتِ مين بالظبط؟”
داليا بصتله بابتسامة غامضة: “أنا الشخص اللي كان محتاجهم، زيهم بالظبط.”
في اللحظة دي، آدم عرف إن المعركة بدأت، وإن “داليا” دي هي السلا//ح السري اللي ماكانش يعرف إنه موجود.
آدم فضل واقف عند باب الأوضة، عينه مش قادرة تتشال من على ولاده اللي بدأوا يستجيبوا لأول مرة من شهور. كان حاسس إن في “غريب” جوه بيته، بس الغريب ده كان بيعمل المستحيل اللي فشل فيه أغلى الأطباء.
قرب آدم من داليا اللي كانت لسه قاعدة على الأرض جنب سرير ليلى، وقال بصوت خافت: “داليا.. أنا ماعرفش إنتِ عملتي إيه، بس أنا في حياتي كلها ما شفتش حد شجاع كفاية إنه يواجهني ويواجه الموت في نفس الوقت.”
داليا رفعت عينيها ليه، كانت عينيها بتلمع ببريق غريب، وقالت: “أنا مش شجاعة يا أستاذ آدم. أنا بس فقدت كل اللي أخاف عليه، فمبقاش فيه حاجة في الدنيا تتهددني. ولادك دول.. هما الفرصة الوحيدة ليا وليهم عشان نرجع نعيش.”
في اللحظة دي، دخل “محمود” بوشه المذعور، وشاور لآدم إنه يخرج بره. آدم خرج معاه وهو بيبص لداليا نظرة أخيرة وكأنه بيأمنها على حياته.
في الممر، محمود اتكلم بصوت واطي: “باشا.. رجالتي رجعوا بتقرير عن داليا. دي ممرضة سابقة في مستشفى حكومي، طُردت من سنتين بعد قض//ية فساد كان متورط فيها مدير المستشفى، ومن وقتها وهي بتتنقل من مكان لمكان.. بس في حاجة غريبة.. حسابها البنكي فيه مبالغ كبيرة بتتحول كل شهر، بس هي ما بتصرفش منها مليم، كأنها بتستنى لحظة معينة.”
آدم اتجمد: “مبالغ كبيرة؟ من مين؟”
“مش معروف.. بس المصدر متتبعينه، بيوصل لشركات واجهة تابعة لـ ‘عزت الجوهري’.”
عزت الجوهري.. المنافس الوحيد لآدم، والراجل اللي كان بيتمنى وقوعه. آدم حس إن فيه خيوط بتتربط قدامه. هل داليا جاسوسة؟ هل هي بعتها الجوهري عشان يقتل ولاده؟ بس لو كانت جاسوسة، ليه بتنقذهم؟
دخل آدم للأوضة تاني، كانت داليا بتغير للياسين اللبس اللي كان مبلول عرق. آدم وقف بعيد وقال بحدة: “مين اللي بيبعتلك فلوس يا داليا؟ وعلاقتك إيه بعزت الجوهري؟”
داليا اتجمدت في مكانها، إيديها وقفت عن الحركة، بس ما التفتش. سكتت ثواني طويلة، وبعدين ضحكت ضحكة وجع: “كنت مستنية السؤال ده. عزت الجوهري؟ دا الشخص اللي دمر حياتي، هو اللي لفق القض//ية لمديري وقتل جوزي اللي كان بيشتغل محاسب عنده لأنه اكتشف تلاعبه في الميزانيات.”
التفتت ليه، وعنيها كانت مليانة غضب: “الفلوس اللي بتدخل حسابي، دي ‘تعويضات’ قدرت أوصلها بمجهودي وبمساعدة ناس جوا شركته، ودي الفلوس اللي بجمعها عشان أقدر أواجهه في يوم من الأيام. أنا مش جاسوسة يا آدم.. أنا زيك بالظبط.. أنا ضحية لنفس الشخص اللي يمكن إنتَ كمان بتطارد ظله.”
آدم حس بصدمة.. مش عشان قصتها، بس عشان لقى فيها “نسخة تانية” من ألمه.
قالت بحدة: “لو خايف مني، اطردني. بس لو عايز ولادك يعيشوا، سيبني أكمل. عزت الجوهري ما يعرفش إني هنا، ولو عرف.. مش بس أنا اللي هموت.. ولادك هيكونوا هدفه التاني.”
آدم قرب منها، وبص لولاده اللي دخلوا في نوم هادي، وبعدين بص لداليا وقال: “لو اللي بتقوليه صح.. يبقى إحنا الاتنين عندنا عدو واحد. ومن اللحظة دي، داليا.. إنتِ مش مجرد مربية، إنتِ تحت حمايتي، بس بشرط.. أي معلومة تعرفيها عن الجوهري، تكون عندي أول بأول.”
داليا ابتسمت بمرارة: “اتفقنا. بس الشرط الأهم.. إني مش هسيب ولادك لحد ما يقفوا على رجليهم، حتى لو الموت واقف على الباب.”
في الأوضة اللي كانت “مستنية الموت”، بدأ يتكون “تحالف” غريب. زعيم مافيا قاسي، وممرضة مكسورة، بيحاربوا نفس الوحش عشان هدف واحد: الحياة.
وآدم الحديدي، لأول مرة، حس إن فيه قوة تانية في بيته.. قوة داليا، اللي كان واضح إنها لسه مابتلعبش بكل أوراقها.
داليا بصت لآدم، وبنظرة فيها ثقة غريبة، قالت: “الورقة الأخيرة مش معايا يا آدم.. الورقة الأخيرة عند ‘ياسين وليلى’. هم اللي عاشوا فترة المرض دي، وهم اللي شافوا وشوش الناس اللي دخلت وخرجت من هنا، وشافوا حاجات إنتَ نفسك ما شفتهاش لأنك كنت مشغول بحربك مع الجوهري.”
آدم اتفاجئ: “قصدك إيه؟ إن ولادي شافوا حاجة في القصر؟”
داليا قربت من سرير ياسين، ووشوشته بكلمات مش مفهومة، ياسين فتح عينه وبص لأبوه، وبصوت متقطع ومجهد قال: “يا بابا.. الراجل اللي بيجيب الدوا.. هو اللي بيشيل الستارة.”
آدم اتصلب في مكانه. “الراجل اللي بيجيب الدوا؟”
محمود، الذراع اليمين لآدم، اتغير وشه 180 درجة. ده كان “صالح”، المسؤول عن جلب الأدوية والتمريض الخاص من بره القصر.
داليا كملت: “ياسين وليلى لاحظوا إن كل ما صالح بييجي، حالتهم بتسوء. الدوا اللي بيديهولهم مش عشان يعالجهم، ده عشان يفضلوا في حالة خمول، عشان ما يتكلموش، وعشان المرض ما يخلصش.. الجوهري مش بس عايز يقتلك، هو عايزك تعيش مكسور، بتشوف ولادك بيموتوا قدام عينك كل يوم.”
آدم في اللحظة دي، الغضب اللي جواه كان ممكن يحرق مدينة كاملة. التفت لمحمود: “هات لي صالح. حي.. ومحدش يلمسه لحد ما أجيله.”
محمود جري، وآدم بص لداليا: “إنتِ عرفتي منين؟”
داليا طلعت من جيبها “إزازة دوا” صغيرة كانت مخبياها: “ياسين كان بيرفض يبلع الحباية ويخبيها تحت المخدة. أخدتها وحللتها في معمل خاص أعرفه، النتيجة كانت سم بطيء.. سم بيموت الجهاز المناعي.”
الجو في الأوضة بقى مشحون. آدم حس بالذنب، حس إنه كان بيسلم ولاده لقاتلهم بإيده وهو فاكر إنه بيعالجهم.
فجأة، صوت صريخ في الممر. محمود دخل وهو بيجر صالح، اللي كان بيحاول يهرب. صالح وقع على الأرض، وآدم قرب منه ببطء، ببطء شديد، لدرجة إن صالح بدأ يترعش.
“مين اللي بعتك؟” سأل آدم بصوت واطي ومخيف.
صالح اتلعثم: “عزت.. عزت الجوهري.. قالي لو ما عملتش كده هيقتل مراتي.”
آدم مسك صالح من رقبته، بس داليا حطت إيدها على كتف آدم: “آدم، استنى. لو قتلته، هنفقد خيط مهم. هو عارف أماكن المخازن اللي الجوهري بيخبي فيها أسلحته غير المشروعة، ودي الطريقة الوحيدة اللي هنقدر بيها نوقع الجوهري في قبضة القانون، مش بس ننتقم منه.”
آدم بص لداليا، حس إنها بتفكر أبعد منه بكتير. ساب صالح، وقال لمحمود: “خده للغرفة اللي تحت الأرض. مش عايزة يموت.. عايزة يتكلم.”
بعد ما خرجوا، آدم بص لداليا وقال: “إنتِ مش بس ممرضة.. إنتِ كنتِ بتخططي لكل ده من قبل ما تيجي القصر، صح؟”
داليا اتنهدت وبصت للشباك اللي فتحته: “أنا جيت القصر ده عشان أنقذ ولادك، وعشان أخد حقي من الجوهري. آدم، إنتَ محتاج حد بيفكر زي الجوهري، بس بقلب أنضف. ولادك هيبقوا كويسين، بس الحرب اللي جاية دي، هتكون أقذر حرب عرفتها حياتك.”
آدم ابتسم ابتسامة باهتة: “أنا بقالي سنين في الحرب دي، بس لأول مرة.. بحس إن معايا حد في ضهري مش بيخاف.”
من الليلة دي، القصر مابقاش مجرد مكان للمرض، بقى غرفة عمليات. آدم بدأ يجمع أوراقه، وداليا بدأت تجهز “الملفات” اللي كانت بتجمعها طول السنتين اللي فاتوا.
في ركن الأوضة، ليلى ولياسين كانوا بيسمعوا الحكاية، بس الحكاية الحقيقية.. حكاية بابا وداليا، وهما بيستعدوا لإسقاط الوحش.
الحرب بدأت، والوحش ماكانش يعرف إن داليا الحديدي (اللي لسه آدم ما يعرفش إنها أخت زميل جوزه اللي مات) هي اللي هتحط النهاية لكل ده.
عزت الجوهري كان بيحتفل في فيلته الحصينة، فاتح إزازة نبيذ غالية، ومستني المكالمة اللي هتأكد له إن “ورثة الحديدي” ماتوا، وإن آدم الحديدي خلاص انكسر ومستعد يبيع إمبراطوريته بأي تمن عشان يلحق اللي باقي من عيلته.
فجأة، تليفونه رن. مش مكالمة من صالح، لكن مكالمة فيديو من آدم الحديدي.
فتح عزت المكالمة بابتسامة متسعة: “آدم؟ إيه الأخبار؟ سمعت إن البيت عندكم مليان حزن.. محتاج مساعدة؟”
آدم كان واقف في مكتبه، وراه داليا، وبيد الكاميرا كان موجهها ناحية شاشة كبيرة في المكتب، شاشة كانت بتعرض “بث مباشر” من داخل مخازن عزت الجوهري السرية، وعربيات الشرطة وهي بتحاصر المكان، وبتقبض على رجاله، وبتصادر الأسلحة والمستندات اللي بتدين كل عملية عملها في حياته.
صوت آدم كان هادي ومستمتع بكل ثانية: “الحزن يا عزت؟ الحزن ده كان ضيف تقيل عندي، بس أنا طردته.. ولادي دلوقتي بياكلوا وبيضحكوا، والراجل بتاعك ‘صالح’ اعترف بكل حاجة.. وبالمناسبة، داليا بتسلم عليك.”
داليا ظهرت في الكادر، وشها كان فيه نظرة انتصار طال انتظارها: “فاكرني يا عزت؟ فاكر أحمد؟ النهاردة حساباتنا كلها اتصفت.. مش بالرصاص، بس بالعدل اللي إنتَ طول عمرك كنت بتهرب منه.”
عزت فقد أعصابه، رمى الكأس اللي في إيده وبدأ يزعق: “أنتوا فاكرين إنكم كسبتوا؟ أنا هحرقكم! أنا هـ…”
قبل ما يكمل، كان صوت خبط الباب بتاع فيلته بيعلى. الشرطة اقتحمت الفيلا، وظهر الظابط اللي كان بيكلم آدم بانتظام: “عزت الجوهري، أنت مقبوض عليك بتهمة الاتجار بالأسلحة، التحريض على القتل، وتكوين عصابة إجرامية.”
الشاشة اتقفلت.
بعد أسبوع..
الجناح الطبي في قصر الحديدي بقى مكان للحياة. الستاير مفتوحة، الشمس مالية المكان، وياسين وليلى بيلعبوا بالدبدوب اللي داليا جابته.
آدم كان قاعد في المكتب، بيبص من الشباك على جنينة القصر، ولأول مرة ملامحه مكنتش ملامح “زعيم مافيا”، كانت ملامح أب مطمن.
دخلت داليا المكتب، حطت ملفاتها على المكتب وقالت: “المحامي خلص كل الإجراءات، الشركة بقت في أمان، والقضايا ضدك اتسحبت لأنك كنت الشخص اللي قدم أدلة إدانة الجوهري.”
آدم لف بكرسيه وبصلها: “إنتِ عملتي اللي مكنتش أقدر أعمله. إنتِ رجعتيلي عيلتي.. ورجعتيلي نفسي.”
داليا ابتسمت ابتسامة هادية: “أنا كنت محتاجة ده زيك بالظبط. دلوقتي، هما بخير، وأنا لازم أمشي.”
آدم قام بسرعة: “تمشي؟ تروحي فين؟ لسه فيه كتير..”
قاطعته وهي بتمسك شنطتها: “أنا جيت هنا عشان مهمة، والمهمة انتهت. الأولاد محتاجين يعيشوا حياتهم كأطفال طبيعيين، بعيد عن عالمنا.. وأنا كمان محتاجة أبدأ حياتي من غير ما أكون ‘داليا الحديدي’ أو ‘ضحية الجوهري’. أنا محتاجة أكون ‘داليا’ وبس.”
آدم سكت، كان عارف إنها عندها حق. بص لولاده اللي كانوا بيجروا ناحية الأوضة، وبعدين بص لداليا: “مش هقولك شكراً، لأن كلمة شكراً قليلة.. بس لو في يوم احتجتي أي حاجة.. أي حاجة في الدنيا.. الحديدي موجود.”
داليا مشيت، وسابت وراها قصر كان هيتحول لمقبرة، وبقى بيت دافئ.
خرجت من بوابة القصر، بصت وراها للمرة الأخيرة، مسحت دمعة فرح، وبدأت تمشي في طريقها.. طريق كان مليان نور، لأول مرة من سنين طويلة.
النهاية.


تعليقات
إرسال تعليق