اخويا المعاق ج1 ل زهرة الربيع
اخويا المعاق ج1 ل زهرة الربيع
مراتي خافت على ابننا من اخويا المعاق وطلبت مني ابعته يقعد عند اعمامي وقالت هما اولى بيه، ولما رفضت اخدته من ورايا وسابته في سوق بعيد علشان يتوه ، بس اللي حصل تاني يوم خلاها تنزل جري تدور عليه وهيه مش قادره تمشي من الصدمه !!!!!
أنا عمري ما كنت أتخيل إن البني آدم ممكن يربي تعبان في حضنه وهو فاكره حبيب. من قبل ما نتجوز، قعدت معاها وكنت صريح لأبعد حد، قلتلها: “يا بنت الناس، أنا ماليش في الدنيا دي غير أخويا الصغير.. عنده ضمور في الأعصاب، لا بيتكلم ولا بيمشي ولا حاسس بالدنيا، وأمي قبل ما تموت وصتني عليه، وأبويا الله يرحمه سابه أمانة في رقبتي. هيبقى معانا في بيتنا، ومش هطلب منك تعملي له لقمة ولا تغسلي له هدوم، أنا اللي هعمل كل حاجة من الألف للياء”. وافقت وقتها وقالت لي: “ده في ثوابنا
ويا بخت اللي يعول نفس بريئة”.
وفعلا اتجوزنا وحياتنا كانت مستقره في الاول وانا اللي كنت متكفل بادم
ادم أخويا عنده 10 سنين، ، لا بيهش ولا بينش، وأعمامي مش طايقينه ولا عايزين يشيلوا همه، رموه م الأول وقالوا “إنت أولى بأخوك”. كنت بـصحى الصبح أغسله وألبسه وأأكله، ولما أنزل ورشتي، أشيله أحطه على الكرسي المتحرك بتاعه وآخده معايا، يفضل قاعد قدام عيني طول ما أنا شغال، ولما نرجع البيت أنا اللي بنيمه وأخد بالي منه.
لكن بالرغم إني مش محملها قشاية تخصه، الزن بدأ.
بقت كل يوم والتاني تفتح السيرة: “وديه لأعمامك، هما أولى بيه، هما رجالة ويقدروا يشيلوه، البيت ضيق علينا”، وأنا أرفض وأقولها: “أعمامه لو خدوه هيموتوه من الإهمال، ده أمانة”. زاد الزن والخناق أكتر لما ربنا كرمها وبقت حامل، قلبت الدنيا ومبقتش تبطل عياط وخناق: “أنا خايفة على ابني اللي جاي، بكره يتولد ويطلع يقلد حركات أخوك ويتعلم منه ويبقى زيه!”. كنت بستغرب من قساوة قلبها، ده طفل مريض، هتعاقبيه على مرض ربنا؟ بس برضه كنت بقفل النقاش وأقولها: “أخويا مش هيطلع من بيتي إلا على قبري”.
فجأة، من حوالي أسبوع، لقيتها هديت خالص. طريقتها اتغيرت وبقت تبتسم وتقولي: “خلاص يا ابن الحلال، إنت معاك حق، ده غلبان وهنسيبه لمين؟ مسيره ابني لما يتولد يحن على عمه وربنا يبارك لنا فيه”. أنا قلبي ارتاح وقلت الحمد لله ربنا هداها، مكنتش أعرف إن ده الهدوء اللي قبل العاصفة، ومكنتش فاهم الإجرام اللي كان بيتدبر في عقلها.
النهاردة الصبح، صحيت من النوم على غير العادة متأخر شوية، نزلت رجلي من السرير وملقيتش أخويا في سريره الصغير اللي في الصالة. دورت عليه في المطبخ، في الحمام، مفيش.. دخلت الأوضة ملقتهاش، بس لقيت ورقة على الترابيزة خطها فيها: “أنا نزلت السوق أجيب طلبات وجاية علطول”. قلقت، بس قلت يمكن خدته معاها تفك عنه شوية بما إنها لانت من ناحيته.
ساعة والتانية ولقيتها داخلة من الباب، بتنهج وشايلة الأكياس. أول ما شفتها سألتها باستغراب: “غريبة يعني.. إنتي خدتي أخويا معاكي السوق النهارده؟ دي مش عادتك يعني،”.
بصت لي بذهول مصطنع، وعينها وسعت وقالت لي: “أخوك مين اللي خادته معايا؟! أنا مخدتش حد، أنا سايباه نايم في سريره!”.
جسمي كله ساب، وركبي خبطت في بعضها، وقلت لها بصوت رخي من الخضة: “أمال هو فين؟! أنا صحيت ملقتهوش في البيت كله، ولقيت ورقتك افتكرته معاكي.. والباب.. الباب بره أنا لقيته موارب ومفتوح، إنتي سبتيه مفتوح وأنتي نازلة؟!”.
حطت إيدها على صدرها وبدأت تبكي وتولول بصوت عالي: “يقطعني! يا مصيبتي! أنا وأنا نازلة ومستعجلة نسيت أقفل الباب ورايا.. يكونش الولد زحف وخرج؟ ولا حد دخل خطفه يا مصيبتي يا مصيبتي!”.
مستنتش أسمع كلمة زيادة، جريت في السلم زي المجنون، نزلت الشارع وبقيت ألف وأصرخ باسمه في كل حتة، أسأل المحلات، بتوع الخضار، الجيران: “محدش شاف طفل مش بيقادر يمشي؟ محدش شاف واد صغير بيزحف؟”. الكل كان بيهز دماغه بالنفي. رجعت البيت وأنا هموت من الخوف عليه والتعب، دماغي هتنفجر من التفكير، طفل زي ده لو خرج الشارع هيجرى له إيه؟ ده مبيعرفش يحمي نفسه من قطة!
لقيتها قاعدة في الصالة بتبكي وتندب حظها وتعمل نفسها زعلانة ومقهورة عليه، وأنا زي المغفل كنت بصدق دموعها وأصبر فيها وأقولها: “، ده غلبان وربنا مش هيضيعه”.
يادوب اخدت نفسي وطلعت تاني كنت فاكره زحف زي عادته وخرج لان الكرسي بتاعه موجود في البيت …فضلت ألف طول الليل لحد تاني يوم الصبح، الشمس طلعت وأنا رجلي مش شايلاني، عينيا منمتش دقيقة، والكسرة والهم هادين حيلي.
قعدت على الكنبة هلكان ومش قادر أرفع راسي، ودموعي نازلة من قلة الحيلة. وفجأة، الباب خبط. قامت مراتي فتحت وكان ساعي البريد، في إيده جواب، استلمته مراتي باستغراب و فتحت الجواب بفضول، وأول ما عينها جت على الكلام اللي جوه، لقيتها لطمت على وشها بخضة مسمعتش زيها في حياتي، وصرخت صرخة هزت البيت كله.
و لفت وطلعت تجري على السلم زي المجنونة، جري واحد ملهوف وعايز يلحق ابنه من الموت، جري مكنتش تقدر تعمله وهي في شهور حملها دي، وهيه بتقول بصراخ يا مصيبتي يا ابراهيم تعالى نلحق اخوك بسرعه انا وديته السوق!!
انا اتصدمت بكلامها وفضلت واقف في نص الصالة ومش فاهم حاجة.. ولسه هجري وراها احصلها بس وقعت عيني على الجواب اللي رمته من إيدها على الأرض وهي بتجري، وطيت وخدته وإيدي بتتنفض، أول ما قريت أول سطرين.. عينيا اتسعت بصدمة وذهول ميتوصفش، وحسيت إن الدنيا بتلف بيا والدم جمد في عروقي
”لو فاكرة يا مرت إبراهيم إنك رميتي حتة لحمة حمرا في وسط زحمة السوق ومحدش شافك، تبقى غبية. أنا شفتك وأنتي بتنزليه من التاكسي وبتسيبيه ورا فرشة السمك الكبيرة وبتجري. الولد ده هيموت من الخوف والجوع، وكمان تلت ساعات بالظبط لو مجيتيش تاخديه من المكان اللي هقولك عليه، هيكون عند البوليس، وهكون أنا هناك وبشهادتي وصورة ليكي وأنتي سايباه، وهسجنك بتهمة الشروع في قتل طفل عاجز.. يا تيجي تاخديه لوحدك من خرابة المصنع القديم اللي ورا السوق، يا تقري على نفسك الفاتحة أنتي والي في بطنك.”
الجواب مكنش
بيموت.. الجواب كان بيحيي فيا وحش أنا نفسي مكنتش أعرف إنه جوايا. الصدمة لجمتني لثواني، عقلي مكنش قادر يستوعب حجم الخسة والنذالة. دي مش بني آدمة، دي شيطانة لابسة وش غلبانة! قعدت تخليني ألف الشوارع زي المجنون، وتعيط وتولول معايا، وهي رمياه في السوق زي كلب جربان! وكل ده عشان إيه؟ عشان خايفة على ابنها يطلع زيه؟
فقت من صدمتي ونزلت جري وراها. مكنتش شايف قدامي، نزلت السلم تلاتات، الشارع كان لسه بيبدأ يصحي، ولقيتها بتجري في آخر الشارع، بتعرج وتصرخ وتشد في شعرها وهي بطنها قدامها، مكنتش قادرة تمشي من الخوف والصدمة، الرعب من الفضيحة والسجن خلاها تجري بطاقة مش طاقتها.
محستش بنفسي غير وأنا بمسكها من قفاها في وسط الشارع، لفتلي وهي مرعوبة، وشها كان أصفر زي الليمونة، وعينيها غرقانة دموع حقيقية المرة دي، دموع الخوف على نفسها مش على آدم.
اخويا المعاق ج2
زهرة الربيع
محستش بنفسي غير وأنا بمسكها من قفاها في وسط الشارع، لفتلي وهي مرعوبة، وشها كان أصفر زي الليمونة، وعينيها غرقانة دموع حقيقية المرة دي، دموع الخوف على نفسها مش على آدم.
”إبراهيم! إبراهيم والله العظيم الشيطان شاطر.. أنا كنت خايفة على ابننا.. سامحني يا إبراهيم!”
صرخت فيها بصوت زلزل الشارع، والناس بدأت تتلم: “أقسم بالله العظيم لو نطقتي بكلمة تانية لهدبحك هنا! فين أخويا يا زبالة؟ فين آدم؟!”
”في.. في خرابة المصنع القديم ورا السوق.. الجواب مكتوب فيه كده.. الحقني يا إبراهيم، اللي بعت الجواب هيبغ ا لشرطة!”
زقيتها بعيد عني ووقفت تاكسي وركبت، وهي ركبت ورايا وهي بتعيط وتترجاني: “متسبنيش لوحدي.. أنا بموت.. بطني بتوجعني يا إبراهيم”. مكنتش سامعها، مكنتش شايف غير صورة آدم وهو قاعد في الضلمة والخوف، طفل مبيتحركش ولا بيتكلم، يا ترى عمل إيه لما لقى نفسه في وسط الزحمة والصوت العالي؟ يا ترى كام عربية كانت هتخبطه؟ كام كلب من كلاب الشوارع قرب منه وهو مش قادر يدافع عن نفسه؟ الدموع عمت عيني وأنا بدعي في سري: “يارب سلمه.. يارب رجعهولي بالسلامة واقتص من اللي ظلموه”.
التاكسي وصل ورا السوق، المنطقة هناك مقطوعة وعبارة عن مخازن قديمة وخرابات. نزلت من التاكسي وجريت، وهي كانت بتزحف ورايا ومش قادرة تلضم نفسها من التعب والمغص اللي جاها من الجري والخوف.
دخلت الخرابة وأنا بصرخ: “آدم! آدم!”
المكان كان ضلمة وريحتو
وحشة، وفجأة سمعت صوت أنين مكتوم.. صوت زي تزييق الباب.. ده صوت آدم لما بيبكي من غير ما يطلع صوت! جريت ناحية الصوت، ولقيته..
كان مرمي على الأرض فوق كرتونة قديمة، هدومه كلها تراب، ووشه متغرق دموع ومخاط، وجسمه كله بيتفض من الرعب. أول ما شافني، عينيه وسعت، وحاول يرفع إيده الصغيرة المضروبة بالمرض ناحيتي، وهو بيطلع صوت مبحوح كأنه بيقولي “متسبنيش”.
رميت نفسي عليه وحضنته، بكيت بحرقة عمري ما بكيتها قبل كده، كنت بنضف التراب من على وشه وأنا بقوله: “سامحني يا قلب أخوك.. سامحني يا ضنايا.. أنا السبب.. أنا اللي دخلت الغدر بيتنا”.
وفجأة، سمعت صوت قفل باب الخرابة الحديدي وهو بيترزع وبيتأفل بقفل كبير من بره!
لفيت بسرعة وأنا شايل آدم في حضني، لقيت الباب اتقفل تماماً، ومن ورا السلك المكسر بتاع الشباك، شفت ضل بني آدم واقف بيضحك ضحكة خبيثة.
”مين بره؟! افتح الباب!” صرخت بأعلى صوتي.
جاني الصوت من بره، وصدمتي كانت أكبر بكتير من صدمة مراتي.. الصوت ده أنا عارفه كويس.. ده صوت عمي الكبير “حامد”!
”نورت الخرابة يا ابن أخويا.. أهو إنت وأخوك السقط ده في مكان واحد، عشان ترتاحوا وتريحونا معاكم.”
”عمي حامد؟! إنت اللي عملت كده؟ إنت اللي كتبت الجواب؟!”
”آه أنا.. مرتك الغبية جت رمت الواد تحت رجلينا في السوق وهي فاكرة محدش شايفها، خدته منها من غير ما تحس، وبعت لها الجواب عشان أجيبها وتجيبك لهنا.. إنت مش راضي تدير الورشة لحسابنا وتنازلنا عن نصيب أبوك، وواقف لنا لقمة في الزور بأخوك المعاق ده.. أهو دلوقتي مرتك هتنزل الواد اللي في بطنها من الرعب، وإنت وأخوك هتقعدوا هنا لحد ما تتربوا، وتوقعوا على التنازل عن الورشة والبيت، وإلا هسيبكم تموتوا من الجوع.”
بصيت لمراتي اللي كانت واقعه عند الباب بتصرخ من الوجع وبتنزف، كانت بتبصلي بنظرات رجاء وهي بتقولي: “إبراهيم.. ابني بيموت.. سامحني وخلي عمك يفتح الباب.. أنا السبب.. أنا اللي طمعتهم فينا لما رحتلهم وشكيتلهم منك ومن أخوك، هما اللي وزوني أرميه!”
فهمت كل حاجة.. مراتي من كتر غلها من آدم، راحت لأعمامي تشتكي، وهما لما لقوها غبية وبتحقد على الواد، وزوها إنها ترميه في السوق عشان يخلالهم الجو، وبمجرد ما نفذت، استغلوها عشان يلووا دراعي ويحبسونا كلنا ويسرقوا حلالنا!
آدم كان في حضني بيتفض، ومراتي على الأرض بتنزف وبتموت، وعمي بره بيساومني على شرفي وشقا عمري.
بصيت لآدم وقلت له: “متخافش يا أخويا.. أخوك راجل، ومفيش كلب هيكسرنا”.
حطيت آدم في مكان أمان في زاوية الخرابة، وقمت وقفت زي الأسد الجريح.. الوجع اتقلب لغل وطاقة تهد جبال. مسكت حتة حديدة غشيمة كانت مرمية في الأرض، وقربت من الباب الحديد القديم، وبدأت أضرب بكل عزمتي في القفل والمفصلات الصدية.
عمي بره كان بيضحك ويقول: “اضرب يا ابن أخويا.. ده حديد صلب مش هتفتحه”.
لكن القوة اللي كانت في إيدي مكنتش قوتي، دي كانت قوة حق آدم، وقوة القهر اللي شفته. مع رابع ضربة بكل غلي، المفصلة الصدية اطقمت، والباب اخلع من ناحية. زقيت الباب بكل جسمي وخرجت وزي المجنون مسكت عمي من رقبتو، نزلت فيه ضرب لحد ما كان هيموت في إيدي وهو بيصرخ وبيتوسل: “الحقوني.. الواد هيقتلني!”.
الجيران وبتوع السوق سمعوا الصوت وجريوا علينا، ولموا عمي وهو غرقان في دمه، وطلبت الإسعاف والشرطة علطول.
النهاية وعبرة الزمن
مرت الأيام.. وربنا جاب الحق لأصحابه.
عمي ومجلس أعمامي: اتعملهم قضية خطف وابتزاز وشروع في قتل، والشرطة جابت تسجيلات كاميرات السوق اللي ثبتت كل حاجة، واتحبسوا جزاء طمعهم وسواد قلوبهم.
مراتي: للأسف سقطت ابني اللي كنت مستنيه، والنزيف والتعب أثروا عليها لدرجة إن الدكاترة قالوا مش هتعرف تخلف تاني.. كأن ربنا عاقبها بنفس الذنب، حرمها من الضنا عشان حبت تحرمني من أخويا. وطبعاً، ورقتها وصلت لبيت أهلها وهي لسه في المستشفى، ومبقتش مراتي ولا هتشوف وشي تاني طول حياتها، وبقت عايشة مكسورة، لا طالت ابن ولا طالت جوز، وذنب آدم بيطاردها في كل حلم.
أما أنا وآدم.. فـ رجعنا بيتنا. الورشة ربنا كرمنا فيها وفتحت عليا من وسع، كأن رزق آدم هو اللي بيمشي دنيتي.
كل يوم الصبح، بصحي أبص في وش آدم وهو بيضحكلي ضحكته الصافية اللي من غير كلام، وبقول في بالي: “الحمد لله اللي كشفلي النفوس.. والحمد لله إن الأمانة لسه في رقبتي، ده إنت يا آدم اللي حاميني ومشيلني، مش أنا اللي شايلك”.


تعليقات
إرسال تعليق