بعد وفاه اخويا كامله رومانى مكرم
بعد وفاه اخويا كامله رومانى مكرم
بعد وفاة اخويا بشهرين اكتشفت انى مرات اخويا بتكلم جوزى والمصيبه مستنى العده تخلص وهيتجوزها ازاى مرات اخويا هتبقا ضرتى بتعمل كده علشان من زمان بتكرهنى ولم طلبت منى فلوس زمان وانا قولتلها مقدرش اتصرف بدون علم جوزى يزعلنى
فقررت تلعب على جوزى وتكسرنى بيه
صورت الشات وطلعت على بيت ابويا واتصلت باهلها وعملت قعد السات الى لسه فى العده بتخون جوزها فى قبره
البدايه
فات شهرين بس على وفاة أخويا “سيد”… شهرين والتربة لسه مندية، وريحة الفراق لسه واقفة في زورنا زي اللقمة الناشفة. سيد كان هو السند والظهر، وموته حتّتنا كلنا، بس الظاهر إن موته فتح طاقة جهنم اللي كانت مستخبية تحت الرماد.
أنا “سمر”، طول عمري ماشية جنب الحيط وبقول “يا رب السلَم”. اتجوزت “عصام” من خمس سنين، راجل على قد حاله بس كنت شايفاه دنيا. بس كانت فيه عقربة ساكنة في نفس البيت… “عبير”، مرات أخويا سيد الله يرحمه.
عبير دي من يوم ما دخلت عيلتنا وهي عينيها مني. كان عندها غل مش مفهوم، تبص لطقمي، لضحكتي، ولأي كلمة حلوة عصام يقولهالي. ومن سنة تقريباً، جاتلي وقالتلي بصوت وطي وسوسة:
– “سمر.. عايزاكي في خدمة سر، محتاجة خمسين ألف جنيه أفك بيهم زنقة ومن غير ما سيد أو عصام يعرفوا.”
رديت عليها بنية صافية ورفضت:
– “يا عبير أنتِ أختي، بس أنا أيدي مش فرطة، وما أقدرش أتصرف في مليم واحد من غير علم جوزي عصام.. الراجل يزعل مني، وأنا ما أقدرش أكسر كلامه.”
يومها عينيها برقت، ووشها أصفر، وقالتلي جملة فضلت ترن في ودني لحد النهاردة:
– “بقى كدة؟ ماشي يا سمر.. خايفة على زعل عصام؟ بكرة أخليه يتصرف هو بكلمتي أنا، وأخليكي تبكي بدل الدموع دم!”
افتكرتها ساعة غضب وراحت لحالها.. لحد ما سيد مات.
في فترة العدة، عبير كانت تمثل الدور صح. طرحة سودة نازلة لحد عينيها، ودموع على الخدين، وصوت واطي ومكسور. بس أنا قلبي ما كانش مرتاح.. عصام جوزي بدأ يتغير. يمسك التليفون ويسرح، يبتسم للشاشة، ويمشي في الصالة يهمس، ولما أقرب منه يقلب التليفون على وشه بسرعة ومشيته تبقى متوترة.
وفي ليلة.. كانت الساعة داخلة على تلاتة بعد نص الليل. عصام كان نايم نوم تقيل وتليفونه كان جنبه على الكومودينو. التليفون نور بنغمة إشعار واطية جداً. سحبت التليفون بشويش، وحطيت بؤبؤ عينه أو الباسورد اللي كنت حافظاه.
فتحت ألكس… وكانت الصدمة اللي شلت طرافي!
شات طويل عريض بينه وبين “عبير” مرات أخويا اللي لسه في عدتها!
رسائل توجع القلب.. كلام حب وغزل رخيص، وعبير كاتباله:
– “أنا مستنية الثلاث شهور وعشر أيام يخلصوا بفارغ الصبر يا عصام.. المأذون جاهز؟ عايزة أشوف كسرة عين سمر وهي شايفاني هبقى ضرتها وفي بيتها.. عشان تعرف لما أطلب منها حاجة وما تدينيش يبقى شكلها إيه.”
وعصام جرد الوفاء ورد عليها:
– “هانت يا ملكة قلبي.. العدة تخلص بس، وأول ما تطلع هكتب عليكي وهجيبك تحت رجليها، وأنا اللي هكسر عينها عشانك.”
الدنيا دارت بيّا. حست بإن حيطة البيت كلها وقعت فوق دماغي. الراجل اللي صنت اسمه، واللي رفضت أزrel عشان أصالحه، بيبيعني مع مين؟ مع مرات أخويا! وأخويا لسه في قبره ما كملش شهرين!
مسكت تليفوني بسرعـة ورعب، وصورت الشات كله صورة صورة، فيديو وفوتو، وبعت كل حاجة على تليفوني. أيدي كانت بترتعش ودموعي نازلة بس من غير صوت.. صوتي كان محبوس جوة صدري من كتر القهرة.
لميت هدومي في شنطة سريعة، وأخدت صيغتي، ومسكت التليفون بالدليل الحاي الملموس.. ونزلت في ضلمة الليل حافية تقريباً، وطلعت على بيت أبويا.
أبويا لما فتح الباب وشافني بالمنظر ده، اتخض. رميت نفسي في حضنه وعيطت بكا يهد الجبال. ولما حكيتله وفرجته على صور الشات، الراجل كبر عشر سنين في ثانية. شهق شهقة وشه شهق بالدم.
أبويا مسك تليفونه، وبصوت هز أركان الشقة قال:
– “اتصلي بكبارات عيلتها، وجمعيلي إخواتها وأبوها دلوقتي.. الليلة دي مش هتعدي، والست اللي بتخون جوزها في قبره لازم تتفضح في وسط الناس كلها!”
ساعة واحدة وكانت الصالة في بيت أبويا مليانة بـ أهل عبير، وأبوها وإخواتها قاعدين ومصطومين، وعصام جوزي جه يظيط ويصرخ يدور عليّ.. لحد ما دخل الشقة وشاف القعدة والموقف!
عبير جات مع أبوها وهي لابسة الأسود وتمثل المسكنة.. وبصتلي بابتسامة خبيثة كأنها بتقولي “أنا كسبت”.
أبويا وقف في نص الصالة، وصوته كان زي الرعد، وبص لـ عصام وعبير وقال:
#الكاتب_رومانى_مكرم
– “منورين يا عرسان!.. ارفعوا وشكم وشوفوا قلة أصلكم وفجركم مكتوب ومصوَّر إزاي!”
رمى أبويا التليفون في وش أبو عبير وإخواتها… وهنا كانت البداية، بداية الحرب اللي مش هتبرح حد!
تفتكروا.. إيه اللي هيحصل لما التليفون يقع في إيد أهل عبير، وعصام يقف وشاً لـ وش قدام أبويا والدليل في إيده؟ وهل عبير وهيا في موقف زي ده هترضم بالهزيمة بسهولة ولا هتطلع بأفعى جديدة كعادتها؟
**الجزء الثاني**
وقع التليفون على الطاولة الخشبية في نص الصالة بصوت مكتوم، بس صداه كان زي انفجار قنبلة في المكان. الشاشة كانت نورة بالدليل الحي؛ الرسائل، التواريخ، الفويسات، والكلام اللي يقطع اللحم ويغضب ربنا والعبد.
أبو عبير، الراجل العجوز اللي كان داخل بيتباهى بشرفه وبنته الأرملة “الحزينة”، مد إيده ببطء وهو بيرتعش ورفع التليفون. عينيه كانت بتتحرك على السطور، ومع كل سطر يقرأه، كان وشها بيتحول من اللون الأسمر للون الرماد، وشفايفه بتهتز بغير تصديق. إخواتها الاثنين اتلموا حواليه، وبدأت ملامحهم تتبدل من الصدمة للذهول، وبعدها للغضب العارم اللي ولى نار في الصالة.
عصام كان واقف عند باب الشقة، رجله مش شايلاه، الضحكة أو النبرة العالية اللي دخل بيها اتبخرت في ثانية. بصلنا وبص للتليفون، وعينيه جت في عين أبويا.. فشاف فيهم الموت. جرب يرجع لورا خطوات، بس أخو عبير الكبير “حسين” لمح الحركة دي، وفي لحظة كان قافر عليه زي الأسد الجريح، مسكه من زقمه ورفعه لفوق وهو بيصرخ فيه بصوت شق السقف:
– “يا واطي! يا خاين الأمانة! صاحبك وأخوك لسه عضه ما طريش في تربته، جاي تتفق مع مراته من ورا أختك اللي صايناك؟!”
عصام بدأ يتلعثم، ريقه جف، وشفايفه بقت بيضا زي اللبن:
– “يا جماعة افهموا.. والله الكلام دا… دا شات مفبرك! سمر عايزه تعملي مشكلة وتبوظ بيتي! أنا ما عملتش حاجة!”
هنا، عبير اللي كانت واقفة ورا أبوها ولابسة الطرحة السودة ومثلة العفة والمسكنة، لقيت إن الحبل بيتلف حوالين رقبتها. بدل ما تتكسر أو تعتذر، الغل والشر اللي في قلبها طفح على وشها. اتغيرت ملامحها في ثانية من الضحية للثعبان اللي بيبخ سمه. زقت إيد أخوها بعيد عن عصام ووقفت في نص الصالة، وصوتها طلع حاد وناشف يقطع العصب:
– “أيوه! الكلام صح ومفيش حاجة مفبركة! ومحدش ليه عندي حاجة! أنا ست أرملة وحرة، والعدة فاضل لها شهر وتنتهي، والشرع ما حرمش الجواز بعد العدة!”
الصالة كلها سكتت سكتة موت. أبويا بص لها بذهول، وأبوها هو كمان بصلها وهو مش مصدق إن دي بنته. كملت عبير بكل بجاحة وعينيها متثبتة عليّ أنا:
– “أنا عملت كده عشان أعرفك يا سمر إن الله حق! فاكرة لما جيتلك أطلب منك قرشين أفك بيهم زنقتي وقعدتي تترسمي عليّ وتقوليلي ‘جوزي يزعل’؟ أديني أهو باخد منك ‘جوزك’ نفسه! عشان تعرفي إن اللي تقف في وش عبير، تاخد حسرتها في قلبها وعينها تتكسر العمر كله!”
كلامها كان زي طعنات الخنجر في قلبي، بس أنا المرة دي ما بكيتش.. الدموع كانت اتجففت من القهرة. وقفت ورا أبويا، وبصيت لها بثبات وقسوة ما كنتش أعرف إنهم جواه:
– “تاخدي مين يا عبير؟ تاخدي راجل بايع نasso وخاين صاحبه وأخوه؟ تاخدي واحد كان بيخون معايا وأنا صايناه، وكان بيخون أخويا وهو في قبره؟ أنتِ ما أخدتيش راجل.. أنتِ أخدتي الزبالة اللي أنا رميتها تحت رجلي!”
عصام اتصدم من كلامي، بصلِي وهو مش مصدق إن سمر الهادية الوديعة بتتكلم بالطريقة دي. حاول يتدخل ويقرب مني:
– “سمر.. اسمعيني بس.. أناضحك عليّ، هي اللي كانت بتبعتلي وتوزني!”
بس قبل ما يكمل كلمته، كان كف أبو عبير نزل على وش عبير بنشعة هزت الشقة كلها. الراجل العجوز بص لبنته ودموعه نازلة من القهرة والطيحة اللي حطتهم فيها:
– “يا خسارة مرباي فيكي يا واطية! بتخوني جوزك وهو في قبره؟ بتفضحينا وتوطي راسنا قدام الناس عشان غل وحقد في قلبك؟!”
حسين أخوها هجم على عصام وضربه ضربة قوية في صدره رجعته لورا لحد ما خبط في الباب:
– “وأنت يا خاين.. وحياة رحمة المرحوم سيد، لو رجلك خطت حارتنا تاني أو قربت من أختنا أو بيتنا، هنكون قاطعينها لك! وأنتِ يا عبير.. حسابك معايا في البيت كبير، دا لو خرجتي من هنا على رجليكي أساساً!”
الوضع جوة الصالة كان بيغلي. عصام لقيت نفسه محاصر؛ أهل عبير عايزين ينهوه، وأبويا واقف زي الجبل مش راضي يتدخل ولا يمنع عنهم الضرب، وأنا واقفة متفرجة على النهاية اللي صنعوها بإيديهم. عصام بدأ يحس بالخطر الحقيقي، ونسى كل كلام الحب والغزل اللي كان كاتبه لعبير في الشات، وبدأ يدور على مخرج لينقذ نفسه.
بص عصام لعبير بقرف وصرخ فيها:
– “أنتِ السبب! أنتِ اللي غررتِ بيّا وبدأتِ تبعتيلي صور وكلام فاضي وترغبي فيّ! أنتِ ست عقربة وحية، وأنا مش عايزك ولا عايز أعرفك تاني! أنا عايز مراتي وبيتي!”
عبير اتصدت، وشها جاب ألوان، الغرور اللي كانت واقفة بيه اتبخر لما شافت الراجل اللي باعت أختها علشانه بيبعها هي كمان في أول مطب وبكل سهولة. ردت عليه بصوت زي الفحيح:
– “أنا غررت بيك يا نطع؟ أنت اللي كنت بتجري ورايا وبتترجاني أوافق عليك ومستني اليوم اللي تسيب فيه سمر عشان تجيلي! دا أنت رخيص، وأنا كنت بستخدمك جزمة أكسر بيها قلبها مش أكتر!”
أبويا رفع إيده وقعد على الكرسي، وقال بصوت جهوري هدي الصالة كلها:
– “بس! انطموا أنتم الاثنين!.. الكلام خلص، والدليل أهو معايا ومع أهل عبير. يا أبو حسين.. بنتك مالهاش مكان في بيت ابني الله يرحمه من اللحظة دي، تصفي حاجتها وتاخدوها في إيدكم وتخرجوا من هنا، وما شوفش وشها في منطقة عيلتنا تاني لحد ما العدة تخلص ونشوف الشرع والقانون هيقولوا إيه في الحقوق.”
أبو عبير وطى راسه في الأرض وهو حاسس بالعار:
– “حقك عليّ يا حاج.. بنتي غلطت وغلطها كبير، وأنا بريء منها ومن أفعالها قدام ربنا وقدامكم كلكم.”
مسك حسين أخوها عبير من ذراعها بقوة وعنف وضربها على ظهرها عشان تمشي قدامه، وهي بتبصلي بعيون مليانة كره وغل، بس المرة دي كان فيها كسرة وخوف من اللي مستنيها في بيت أهلها.
فضلت الصالة مفيش فيها غير أنا وأبويا وعصام. عصام قرب من أبويا ونزل على ركبه في الأرض، ومسك إيد أبويا بيحاول يقبلها وهو بيبكي بكاء الهستيريا:
– “يا حاج.. استر عليّ الله يستر عليك! أنا أخطيت، الشيطان غواني، والست دي لعبت بدماغي واستغلت ضعفي بعد موت سيد! سمر دي جزمتها على رأسي، أنا مستعد أكتب لها البيت وأعمل لها كل اللي هي عايزاه، بس بلاش تخربوا بيتي وتفضحوني!”
أبويا سحب إيده بقوة ووقف، وبص له بقرف وازدراء:
– “البيت اللي أتبنى على الخيانة ملهوش أساس يا عصام. أنت خنت ابني وهو ميّت، وخنت بنتي وهي صايناك ومعتزة بيك. اخرج برة بيتي، وورقة طلاق سمر توصلها مع كل حقوقها بالقانون، وإلا قسماً بالله الشات دا بالفيديوهات بتاعته هينزل على صفحات المنطقة كلها وتشوف فضيحتك على كل لسان!”
عصام بصلي بعيون مكسورة، وبيترجاني بالنظرات:
– “سمر.. قولي حاجة يا سمر! أنتِ عارفة أنا بحبك قد إيه.. دي كانت غلطة وساعة شيطان!”
قربت منه خطوتين، وبصيت له بكل برود الدنيا، وقُلت له كلمة واحدة هزت كيانه:
– “أنت بقيت بالنسبة لي زي سيد أخويا الله يرحمه… ميت! بس الفرق إن سيد في الجنة، وأنت هتفضل عايش في جهنم الخيانة والندم طول عمرك. برة يا عصام.. برة بيتنا!”
خرج عصام يجر أذيال الخيبة والعار، والباب اترزع وراه. الصالة هديت، وأبويا جابني في حضنه وطبطب عليّ وهو بيعيط:
– “حقك عليا يا بنتي.. أنتم أطهر من القذارة دي كلها، وربنا كشفهم علشان ينقذك.”
كنت فاكرة إن القصة خلصت لحد هنا، وأن كابوس عبير وعصام انتهى بفضحتهم.. بس أنا ما كنتش اعرف إن الست اللي زي عبير، لما تتخنق وتتزنق في الزاوية، بتبدأ تطلع أنيابها الحقيقية وتفكر في انتقام أكبر وأشد قسوة، انتقام مش هيطولني أنا وعصام بس.. دا هيطول البيت كله وممتلكات المرحوم أخويا “سيد”!
**الجزء الثالث**
مرت أيام بعد ليلة الفضيحة، وكانت الشقة في بيت أبويا هادية هدوء يسبق العاصفة. عصام طوال الأيام دي كان يحاول يوصل لي بأي طريقة؛ يبعت رسائل رجاء واعتذار، يتصل من أرقام غريبة، حتى إنه جاب ناس كبار من الحارة يحايلوا أبويا عشان يسامحه ويرجعني. بس رد أبويا كان حاسم وناشف: “بنتي مالهاش رجعة لواحد خاين، وورقة طلاقها بحقوقها توصل، يا إما النيابة والقضاء بيننا والدليل موجود.”
كنت فاكرة إن عبير انكسرت بعد الضرب والتهزئ اللي أخدته من أهلها، وإنها هتقعد في بيت أبوها حاطة راسها في الطين لحد ما عدتها تخلص. بس الست اللي مليانة بشر وحقد، الشيطان بيفضل يوسوس لها لحد ما تخرّب كل حاجة حولين منها.
في صباح يوم حد، وأنا قاعدة في الصالة مع أبويا بنشرب الشاي وبنحاول نلملم جراحنا ونفتكر سيد أخويا بالرحمة، تليفون أبويا رن. كان المتصل “عمي عبد المجيد”، راجل كبير في السن وهو محامي العيلة وكبيرنا بعد أبويا.
أبويا فتح السبيكر، وصوت عمي عبد المجيد كان متوتر ومجروح:
– “أهلاً يا حاج.. أنت فين دلوقتي؟ عايزك تلم نفسك وتجيلي على الشقة بتاعة المرحوم سيد بسرعة!”
أبويا اتعدل في قعدته وقاله بقلق:
– “خير يا عبد المجيد؟ في إيه؟ شقة سيد مقفولة من يوم الليلة إياها، وأنا معاي المفاتيح!”
رد عمي بصوت وطى وهو بيهز رأسه بأسى:
– “المفاتيح معاك أنت.. بس عبير واقفة تحت العمارة ومعاها نقلية عفش، وجايبة نجارين ونازلين تكسير في باب الشقة! والأنكح من كده، معاها محامي وجايبة عصام جوز سمر واقف معاها وبيشهد لها!”
أنا وأبويا اتنطزنا من مكاننا. الدم غلى في عروقنا! عصام؟ عصام واقف مع عبير بيساعدها تسرق شقة أخويا المتوفي؟!
نزلت أنا وأبويا جري في الشارع، وأخدنا تكسي وطلعنا على عمارة أخويا سيد الله يرحمه. طول الطريق وأبويا يضرب كف بكف ويهتف: “يا ساتر يا رب.. النفوس بقت مريضة للدرجة دي؟ الراجل لسه في قبره ومراته بتنهب حقه مع خاينه؟”
أول ما وصلنا العمارة، لقينا الموقف يطبخ على نار جهنم!
عفش الشقة، أو جزء منه، كان محطوط على عربية نص نقل في الشارع. وعبير واقفة في وسط الشارع، قلعت ثوب المسكنة والحزن، ولابسة عباية ضيقة ورافع نضارة سودة على شعرها، وواقفة بتتأمر على العمال. وجنبها واقف عصام، وشه أصفر وزي المضروب بالجزمة، بس واقف زي الكلب المطيع ينفذ أوامرها!
أبويا نزل من التاكسي وصوته زلزل الشارع:
– “أنتِ بتعملي إيه يا فاجرة هنا؟! وبأي حق بتكسري باب شقة ابني المرحوم؟!”
عبير أول ما شافتنا، ابتسمت ابتسامة شر ووقفت بكل بجاحة، وحطت إيدها في وسطها وقالت بصوت عالي عشان تسمّع الشارع كله:
– “أهلاً يا حمايا السابق!.. بكسر باب شقتي وحلالي وحلال ابني اللي في بطني!”
الكلمة نزل على دماغنا زي الصاعقة!
أنا وأبويا اتصدمنا وصوتنا اتقطع: “ابنك اللي في بطنك؟!”
عبير ضحكت بقهقهة مستفزة، وطلعت من شنطتها ورقة، ولوحت بيها قدام وش أبويا:
– “أيوه! أنا حامل في الشهر التاني من المرحوم سيد الله يرحمه! والتقرير الطبي أهو ومختوم من المستشفى! والشقة دي شقة زوجية، ومن حقي أخد عفشي ومؤخري وحق ابني اللي جاية أربيه بعيد عن قسوتكم وغلكم!”
أنا اتجننت وقربت منها وصايحة في وشها:
– “حامل؟! حامل إزاي وأنتِ من يوم وفاة سيد وأنتِ بتقولي إنك مش حاسة بحاجة وإن الدورة مقطوعة عنك من القهرة؟ أنتِ كدابة وسارقة وملعونة!”
عبير بصتلي بقرف وقالت بكل برود:
– “التقرير ما بيكدبش يا حلوة.. وتسألي جوزك.. قصدي ‘عصام’ اللي واقف جنبك دا، هو اللي أخدني بنفسه للمستشفى وصور التقرير وشهد على التحاليل!”
بصيت لـ عصام.. الراجل اللي كنت فاكراه زوج وسند، لقيته موطي راسه في الأرض مش قادر يحط عينه في عيني. زعقت فيه بصوت شق الشارع:
– “أنت يا واطي؟ أنت رايح مع مرات أخويا المستشفى تثبت حملها؟ بتبارك خيانتك وخيانتها بروح طفل جديد؟ ولا دي لعبة جديدة من ألاعيبكم القذرة عشان تاخدوا الشقة والعفش؟!”
عصام اتلعثم وقال بصوت واطي ومكسور:
– “يا سمر.. أنا.. أنا عبير كلمتني وقالتلي إنها حاسة بتعب وخايفة، وأنا أخدتها المستشفى بصفتي ولي أمرها بعد سيد.. والتقرير طلع صح، هي حامل، وأنا بقف مع الحق!”
أبويا مسك عصام من طوق قميصه وعصره:
– “حق إيه يا خاين يا ابن الخاين؟ الحق إنك تكسر باب شقة صاحبك وأخوك؟ الحق إنك تساعد ست خاينة تنهب شقة ابن عمك؟ أنت مش راجل، أنت جزمة في إيدين العقربة دي!”
في اللحظة دي، دخل المحامي بتاعنا، عمي عبد المجيد، ومعه اثنين من رجال الشرطة (أمين شرطة وظابط الدورية) اللي كان طلبهم عمي لما شاف المهزلة.
عمي عبد المجيد قرب بثبات ورفع إيده وقال للظابط:
– “يا فندم.. الست دي بتقتحم شقة متوفي بدون إذن نيابة ولا إعلام وراثة، ومعاها غريب بيساعدها في سرقة محتويات الشقة. والورقة اللي معاها دي تقرير طبي أولية ما تديهاش الحق في كسر الباب وتفريغ الشقة قبل ما النيابة تحقق وتعمل إعلام وراثة رسمي!”
الظابط بص لعبير وللنجارين وقال بحزم:
– “وقّفوا شغل فوراً! نزلوا العفش دا تاني الشقة ورجعوا كل حاجة مكانها!”
عبير اتجننت وبدأت تصرخ وتصوّت في الشارع عشان تعمل هيستيريا وتلم الناس:
– “الحقوني يا ناس! عايزين يأكلوا حق يتيم في بطني! عايزين يرموني في الشارع بعد موت جوزي! عيلة مفهاش رحمة ولا دين!”
بس المرة دي، الناس في الحارة ما اتخدعوش بدموعها. جارتنا أم أحمد طلعت من البلكونة وزعقت:
– “اخرسي يا عبير! الشارع كله عارف قلة أصلك وفضيحتك بتاعة الأسبوع اللي فات! تعملي مسكنة على مين يا خاينة؟!”
وش عبير أصفر، والشباب اللي كانوا بينزلوا العفش خافوا وسابوا الحجة وجريوا. الظابط أخد البطاقات بتاعة عصام وعبير، وقال بصوت حاد:
– “أنتم الاثنين هتفضلوا معايا على القسم! اتفضلي يا ست أنتِ وهو بدون شوشرة، والباب يتقفل ويتشمع لحد ما النيابة تفصل في موضوع الشقة والوراثة!”
عصام بدأ يترجى الظابط:
– “يا باشا أنا ماليش دعوة! أنا جاي أشهد بس وأساعدها بصفتي قريبها!”
رد عليه أبويا بصرخة هزت الشارع:
– “قريبها؟ أنت خاينها وخاين بنتي وخاين ابني المتوفي! وهتترفع عليك قض*ية زنا وق*ضية اشتراك في اقتحام وتزوير يا عصام، ومش هسيبك إلا وأنت ورا الشمس!”
عبير بصتلي وهي راكبة بوكس الشرطة، وعينيها كانت مليانة كره مش طبيعي. قربت من شباك البوكس وقالتلي بصوت واطي ومسموم:
– “افتكر يا سمر.. الحرب دي مش هتخلص في القسم! التقرير صح.. والطفل دا لو طلع للنور، هيرث نص الشقة والبيت، وهيفضل كابوس في حياتك وحياة أبوكي طول ما أنتِ عايشة! أنا مش هسيبكم تتهنوا بحاجة!”
البوكس تحرك بيهما، والشارع هدي.. بس قلبي كان بيغلي.
وقفنا أنا وأبويا وعمي عبد المجيد قدام شقة سيد المتكسر بابها. أبويا قعد على السلم وهو حاطط إيده على قلبه وبيتنفس بصعوبة. مسكت إيد أبويا وأنا برتعش:
– “يا بابا.. تفتكر التقرير دا صح؟ عبير بجد حامل من سيد؟ ولا دي لعبة اتفقت فيها مع عصام عشان ينهبوا حيلنا وياخدوا الورث؟”
عمي عبد المجيد بصلي بثبات وقال:
– “لو كانت حامل بجد من سيد، فالطفل دا حقه على رأسنا والشرع فوق الكل.. بس عبير وعصام نيتهم مش صافية، والسرعة دي ورائها ملعوب كبير. إحنا هنطلب عرضها على الطب الشرعي وتحديد عمر الجنين بالظبط ومطابقته بتاريخ وفاة سيد! وهنا.. هتظهر الحقيقة اللي ممكن تهد العمارة دي كلها على راسهم!”
وقفت قدام الشقة المقفولة، وبصيت لفوق وهتفت في سري: “يا رب.. سيد أخويا مظلوم في قبره، وأنا مظلومة في بيتي.. اظهر الحق واكسر الشرور دي كلها.”
ما كنتش اعرف إن التحليل بتاع الطب الشرعي اللي هنعمله، هيفتح باب لسر أبشع بكثير من مجرد حمل أو سرقة شقة.. سر هيخلي عصام يندم على اليوم اللي اتولد فيه، ويخلي عبير تدفع ثمن شرها من لحمها ودمها!
**الجزء الرابع**
مرت الأيام ثقيلة زي الجبال. الشك كان يأكل في صدورنا، وأبويا صحته بدأت تتدهور من كثرة الزعل والقهرة. بين النيابة وأقسام الشرطة، كان عمي عبد المجيد المحامي ماشياً في الإجراءات بقوة، وطلب رسمياً أمام وكيل النيابة تحويل عبير للطب الشرعي لتحديد عمر الجنين باليوم والساعة ومطابقته بتاريخ وفاة أخويا “سيد” الله يرحمه.
عصام في الوقت دا كان بيتحاكم في قض*ية المشاركة في اقتحام وتكسير شقة سيد، وأهله كانوا بيمشوا في الحارة زي الفراخ المبلولة، يحاولوا يدفعوا كفالة عشان يخرجوه، بس أبويا كان رافض أي صلح أو تنازل. عصام كان محبوس احتياطياً، وخسرت شغلانته، وسمعته بقت على كل لسان في المنطقة.
في صباح يوم الثلاثاء، جاء الميعاد المنتظر.. ميعاد صدور تقرير الطب الشرعي الرسمي من وزارة العدل.
تجمعنا في مكتب عمي عبد المجيد؛ أنا وأبويا وعمي. الصمت كان حايق في الغرفة، وكلنا منتظرين عمي يفتح المظروف المجهور اللي جاء له من النيابة. عمي مسك الس*كين الخشبي وفض المظروف ببطء، وطلع التقرير الطبي المفصل.
نظارات عمي استقرت على السطور الأخير، وفجأة لقينا أيده بدأت ترتعش، وعينيه اتوسعت بذهول مش طبيعي! بص لنا وشه أبيض زي القطن، وقال بصوت حابس:
– “يا ساتر يا رب.. يا فجر هذه الست! يا نجاستك يا عبير!”
أبويا اتعدل في قعدته ونطق بصوت مرعوب:
– “في إيه يا عبد المجيد؟ التقرير فيه إيه؟ البت حامل من سيد بجد ولا كدابة؟”
عمي عبد المجيد بلع ريقه وصوته طالع بال بالعافية:
– “التقرير بيأكد إن عبير حامل فعلاً في الأسبوع الثامن.. يعني شهرين بالضبط.. بس المصيبة والمفاجأة اللي كشفها السونار الدقيق والتحاليل الجينية المبدئية لحجم الجنين ونموه.. الجنين دا عُمره أحدث بكتير من تاريخ وفاة سيد!”
أنا اتنطزت من مكاني وصايحة:
– “يعني إيه يا عمي؟! يعني الحمل دا مش من سيد أخويا؟!”
عمي بص لي بكل أسى وقال:
– “سيد الله يرحمه متوفي من شهرين وأسبوعين.. والحمل دا حصل من ست أسابيع فقط! يعني الحمل دا حصل بعد وفاة سيد بأسبوعين كاملين وهو في تربته!”
الصدمة كانت زي الزلزال اللي هد المكتب فوق رؤوسنا!
أبويا أغمى عليه في ساعتها، وسقط من على الكرسي! صرخت ومسكت أبويا، وعمي ندى على السكرتيرة وجابوا مية وبصل لحد ما أبويا بدأ يفوق ويرد فيه الروح، وهو بيبكي بدموع حارقة بيهتز ليها الجبل:
– “خانت ابني وهو حي.. وخانته وهو ميت في قبره؟! الجنين دا ابن مين يا عبد المجيد؟! ابن مين الفاجرة دي حامل منه؟!”
عمي عبد المجيد وقف وهو ماسك الأوراق بغضب عارم وقال:
– “التقرير بيحوم حولين حقيقة واحدة.. عبير كانت بتتقابل مع حد في فترة العدة! ومفيش غير شخص واحد كان داخل طالع عليها وبيساعدها وبيراسلها بالساعات في نص الليل… ‘عصام’!”
الكلمة نزلت عليّ كأنها خنجر مسموم اترشق في قلبي. عصام؟ جوزي اللي صنت اسمه خمس سنين؟! عصام هو اللي حبل منها وهي في عدة أخويا؟! القذارة وصلت للدرجة دي؟!
في نفس اليوم، عمي عبد المجيد قدم التقرير فوراً للنيابة العامة، وطلب إجراء تحليل DNA (البصمة الوراثية) للطفل ومطابقته بـ “عصام” وبج*ثة المرحوم “سيد” إذا لزم الأمر، وأرفق الشات القديم اللي فيه كلام عصام لعبير: *”أنا هجيبك تحت رجلها وهكتب عليكِ أول ما تطلعي”*.
وكيل النيابة أصدر أمر استدعاء عاجل لعبير من بيت أهلها، واستدعاء عصام من محبسه لمواجهتهما بالتقرير الطبي الجديد.
في غرفة النيابة.. كانت المأساة الحقيقية.
جلسنا أنا وأبويا وعمي في الصالة الخارجية، وشوفنا عبير داخلة ومعاها أبوها وأخوها حسين. عبير كانت ماشية بتمثل الثقة، فاكرة إن التقرير هيثبت حملها ويؤكد حقها في الورث. وبعدها بدقائق، دخل عصام وهو متكلبش في إيد أمين شرطة، وشه ذابل وشعره منكوش وملابسه مبهدلة من الحبس.
أول ما عصام شاف عبير، بص لها بغل وكره.. وعبير بصت له بتشفي.
دخلنا كلنا غرفة وكيل النيابة. وكيل النيابة كان راجل صارم، حط الأوراق قدامه وبص لعبير وقال بلهجة حادة:
– “المتهمة عبير.. التقرير الطبي الشرعي الصادر النهاردة بيؤكد إنك حامل في الأسبوع السادس أو السابع.. وتاريخ الحمل دا بيثبت علمياً وباطنياً إنه حصل بعد وفاة زوجك المرحوم سيد بأسبوعين على الأقل. تتفسري بإيه الكلام دا؟”
عبير وشها أصفر، ورجليها ما شالتهاش! بصلت للمحامي بتاعها بذهول وقالت بتلعثم:
– “إزاي يا باشا؟! لا.. لا التقرير دا مزور! دا ابن سيد! سيد كان معايا قبل ما يموت بأيام!”
وكيل النيابة ضرب على المكتب بقوة وقال:
– “الطب الشرعي ما بيكدبش والأسابيع محسوبة باليوم! أنتِ كنتِ بتخوني زوجك المتوفي في فترة عدتك الرسمية! والنيابة أحيطت علماً بالشات بينك وبين المتهم عصام.. والآن سنأمر برفع عينة DNA من المتهم عصام لمطابقتها بالجنين فور ولادته، أو اتخاذ الإجراءات القانونية فوراً لمواجهتكم بتهمة الزنا وتدنيس حرمة المتوفي!”
هنا.. عصام اتجنن! الصدمة طيرت العقل اللي فاضل عنده. بص لعبير وصرخ فيها بصوت زي الهستيريا:
– “يا فاجرة! يا ابن الكلب! أنتِ حامل مني أنا؟! أنتِ لبستيني في عيل؟! أنتِ قيلالي إن مفيش حاجة حصلت وإنك ماسكة نفسك لحد ما العدة تخلص! أنتِ ضحكتِ عليّ وسحبتيني للنجاسة دي علشان تلبسيني وتدبسي فيكِ?!”
عبير لما لقت إن الخناق اتضيق عليها، وإن النيابة والطب الشرعي كشفوا مستورها، اتخلت عن كل الأقنعة. صرخت في وش عصام بكل القذارة اللي في قلبها:
– “أيوه منّك يا نطع! فاكر نفسك راجل؟ أنت كنت بتيجي تحت رجلي زي الكلب لما أطلبك! أنت اللي خنت أختك وخنت صاحبك اللي كان بياكلك في بيته! أنا استغليتك زي الجزمة عشان أكسر قلب سمر وأعلمها الأدب، وأنت أهبل وجريت ورا شهوتك!”
أبو عبير، الراجل العجوز، ما قدرش يستحمل الكلام.. وقع على الأرض في غرفة النيابة وهو بيقذف دم من بؤه من كثرة الجلطة والشلل اللي صابه في ساعتها! إخواتها حسين والأولاد اتلموا عليه وبيصرخوا، والغرفة تحولت لساحة حرب وصرخات!
أنا كنت واقفة متثبتة في مكاني.. مش حاسة برجلي ولا بقلبي. بصيت لعصام اللي كان بيعيط على الأرض متكلبش وبيعض في إيديه من الندم، وبصيت لعبير اللي كانت بتتجر على الممر والشرطة ماسكاها وهي بتصرخ وتسب في الكل.
وكيل النيابة أمر بحبس عبير عصام على ذمة التحقيق في قض*ية زنا وتزوير وإثبات نسب غير شرعي، وتحويل أبوها للمستشفى في حالة خطرة.
خرجنا من القسم في ضلمة الليل. أبويا مسك إيدي وقال بصوت مكسور:
– “الحق ظهر يا بنتي.. ربنا ما بيسيبش ظالم، بس الثمن كان غالي أوي.. غالي من صحتنا وعصبنا وسمعة العيلة.”
قلت له وأنا ببص للسما والدموع في عيني:
– “لسه يا بابا.. لسه الق*ضية ما انتهتش. عبير وعصام محبوسين، بس عبير في بطنها طفل حرام.. طفل لو جه الدنيا هيعيش وصمة عار، وعصام أهله مش هيسكتوا وهيدوروا على طريقة ينتقموا بيها مننا عشان يخرجوا ابنهم من اللعبة دي!”
ما كنتش اعرف إن أهل عصام، لما عرفوا إن ابنهم ملبّس في ق*ضية زنا وحمل غير شرعي من مرات أخويا، قرروا يعملوا أبشع شيء ممكن تتخيله عيلة عشان ينقذوا ابنهم من السجن، ويوجهوا الضرب الأخيرة لبيت أبويا!
بعد وفاه اخويا 2
رومانى مكرم
**الجزء الخامس**
خرجنا من باب النيابة وريح الليل بتلف حولين أجسادنا المهدودة. كان المشهد في الشارع زي جنازة جديدة؛ أبو عبير اتنقل في عربية إسعاف بين الحياة والموت بعد ما جاله نزيف في المخ من شدة الفضيحة، وعبير وعصام دخلوا التخشيبة وهما بيتلاقوا بالشتائم والاتهامات، كل واحد فيهم بيحاول يرمي القذارة على الثاني عشان ينجو بجلده.
بس اللي ما عملناش حسابه، هو أهل عصام..
عصام ما كانش مقطوع من شجرة؛ كان عنده أم عتيدة في الشر اسمها “الحاجة قدرية”، وأخين كبار شغالين في المعمار والتجارة، ولما عرفوا إن ابنهم محبوس في قض*ية زنا وتزوير، وإن التقرير الطبي بيثبت إن الجنين اللي في بطن عبير منه هو، الدنيا قامت وما قعدتش عندهم. بدل ما ينكسروا أو يعتذروا عن فجر ابنهم وخيانته، الغل أكل قلوبهم وقرروا إن أفضل طريقة للدفاع هي الهجوم، وإنهم يكسروا بيت أبويا بالكامل عشان نجبره على التنازل وسحب البلاغات!
بعد يومين بس من ليلة النيابة، كنت قاعدة في صالة بيت أبويا وبحاول أأكل أبويا لقمة يسد بيها طوله. فجأة، سمعنا دبة ورزع شديد على باب الشقة، وصوت زعيق وهتفات جاية من الشارع تحت العمارة!
جريت على البلكونة وبصيت.. وكانت الصدمة!
أم عصام “قدرية” واقفة في نص الشارع، ولمة معايها حريم الحارة وقرايبها، ونازلين تصويت ورزع على العفش، وصوتها جاي كأنه مكبر صوت بيشق المنطقة:
– “اطلع يا حاج عبد الصمد يا مفترِ! اطلع يا اللي بتبتز ابننا وبترموا بلاويكم ووساختكم عليه! بتبتزوا عصام عشان تاخدوا منه تحويشة عمره وتكتبوا الشقة باسم بنتك؟!”
الشارع اتملى ناس، والجيران بدأوا يطلوا من البلكونات. أم عصام كملت بكل بجاحة وفجر وهي بتبص للبلكونة بتاعتنا وتدعي بالباطل:
– “ابننا عصام راجل شريف، وبنتكم ‘سمر’ هي اللي كانت ماشية بطريق شمال وكانت بتخونه مع معارفها، ولما عصام كشفها وأخد منها التليفون، اتفقت هي وأبوها وأخوها المتوفي عشان يلبسوه قضايا ويجوزوا عبير بالسافلة دي عشان يغطوا على فضيحة بنتها!”
الدم هرب من جسمي. ركبي خبطت في بعضها من حجم الكذب والفجر اللي بيطلع من بؤ الست دي! بتطعن في شرفي أنا؟! أنا اللي صنت ابنها وحافظت على بيته خمس سنين، بتتهمني في شرفي قدام المنطقة كلها عشان تنقذ ابنها الخاين؟!
أبويا مسك صدره وبدأ يتنفس بالعافية، وصوته طالع بالزور:
– “حسبي الله ونعم الوكيل.. حسبي الله ونعم الوكيل! الفاجرة بتتهجم على عرضنا في الشارع؟!”
أبويا فتح باب الشقة وكان نازل للشارع بعصايته وهو بيترعش من الغضب، بس أنا مسكت فيه وبكيت وأنا بترجاه:
– “لا يا بابا! بلاش تنزلهم! دول ناس مأجورين وعايزين يجرجرونا لقلة الأدب عشان نغلط ويعملولنا محضر عدم تعرض أو مشاجرة وتضيع قضيتنا!”
في اللحظة دي، دخل عمي عبد المجيد المحامي وهو طالع على السلم بيلهاث، وزق أبويا لجوة وقفل الباب بالمفتاح وقال بصوت حازم:
– “اثبت يا عبد الصمد! دا الملعوب اللي اتفقت عليه قدرية مع محامي عصام الجديد! عايزين يعملوا شوشرة ويقلبوا الشارع ضدكم، ويثبتوا إن فيه خصومة ثأرية وعائلية عشان يطعنوا في شهادة سمر وتقرير النيابة!”
عمي عبد المجيد طلع تليفونه وطلب نجدة الشرطة فوراً، وبلغ عن تجمهر وسب وقذف وطعن في الأعراض تحت العمارة.
في خلال ربع ساعة، كانت سيارة الشرطة وصلت الشارع. أم عصام أول ما شافت البوكس، عملت نفسها أغمى عليها وسقطت في الأرض، وحريمها بدأوا يصوتوا ويقولوا: “الست العجوزة ماتت من قسوة العيلة دي!”.. بس الضابط كان فاهم الألاعيب دي كويس، وأمر بفض التجمهر واقتاد أم عصام واثنين من ولادها للقسم للتفتيش والتحقيق في بلاغ السب والقذف والتجمهر.
بس الضرب الحقيقية ما كانتش في الشارع.. الضرب الكبرى كانت بتتطبخ في المظاليم جوة التخشيبة!
عبير، وهي محبوسة في حجز الحريم، عرفت إن أم عصام نازلة حرب على عيلتنا. عبير حسّت إن عصام وأهله هيتخلوا عنها وهيبيعوها ويشيلوها الشيلة لوحدها، وإن طفل الحرام اللي في بطنها هيبقى ورقة محروقة مش هتكسب منها مليم.
ففي ليلة جحيمية جوة السجن، عبير لعبت أخبث كارت ممكن تخيله ست مفيش في قلبها رحمة أو دين!
اتفقت عبير مع إحدى السجينات المقربين منها، وطلبت منها خدمة بمقابل فلوس هيتبعتولها من برة. وفي نص الليل، وأثناء ما السجن هادي، عملت عبير مشاجرة مفتعلة مع السجينة دي.. وتمت التمثيلية بذكاء شيطاني؛ ضربت عبير نفسها في بطنها بقوة، ووقعت على الأرض وهي بتصرخ وتستغيث ورجليها سايحة في دمها!
الصرخات هزت حجز السجن، وحراس السجن جم جري ونقلوها على مستشفى السجن في حالة حادة وجسيمة..
في صباح اليوم التالي، وصل الخبر لعمي عبد المجيد المحامي، ولما قرينا الإخطار الرسمي من المستشفى، وقف شعر رأسنا من الصدمة!
عبير أجهضت الجنين!
الجنين اللي كان الدليل المادي الوحيد والحي على ج*ريمة الزنا وتحديد الـ DNA بالدقة.. مات ونزل من بطنها!
عمي عبد المجيد مسك الورقة وهو بيضرب كف بكف وصوته رايح:
– “الست دي مش بني آدمة.. دي شيطانة مجسدة! سقطت نفسها بإيدها عشان تدمر دليل الـ DNA وتطير القض*ية، وعشان تخرج من قض/ية الزنا بسبب عدم وجود طفل حي يمكن فحص جيناته مستقبلاً ومطابقتها بعصام!”
أنا وقفت مشدوهة، ودموعي نزلت من الخوف والذهول:
– “يعني إيه يا عمي؟! يعني كده عصام وعبير هيخرجوا براءة؟! كده حق أخويا سيد وحقي أنا وأبويا هيروح في الأرض بعد كل القذارة دي؟!”
عمي عبد المجيد بص لي بعيون مليانة تحدي وقسوة وقال:
– “عبير فاكرة إنها أذكى من القانون باللعبة الخبيثة دي.. هي فاكرة إن لما الجنين ينزل، النيابة مش هتلاقي دليل. بس هي نسيت إن الطب الشرعي أخد عينات وأنسجة من الجنين المجرض فور نزوله وحفظها في المعامل الجنائية! ونسيت إن الشات والفيديوهات اللي أنتِ صورتيها من تليفون عصام متسجلة بالصوت والصورة والتاريخ!”
في نفس اليوم، أمر وكيل النيابة ببدء المواجهة الكبرى والأخيرة بين عصام وعبير أمام الطب الشرعي المعملي، بعد ورود نتائج تحليل العينات المأخوذة من أنسجة الجنين المجهض!
داخل غرفة التحقيق بالنيابة، كانت عبير قاعدة على كرسي متحرك، وجهها أصفر زي الموتى، وبتمثل الضعف وبتعيط وتقول: “أنا مظلومة.. الجنين نزل من كثرة الضرب والظلم اللي شفته، وما بقاش فيه دليل عليّ!”
وعصام كان قاعد جنب محاميه، مبتسم ابتسامة خفيفة فاكر إن محاميه وهيئته نجحوا في إنقاذه من حبل المشنقة.
وقف وكيل النيابة، ورفع ملف أسود ثقيل، وبص لعبير ولعصام بنظرة احتقار هزت أركان الغرفة، وقال بصوت حاد يقطع الأنفاس:
– “المتهمة عبير.. والمتهم عصام.. فاكرين إن الإجهاض المفتعل يمحو الج*ريمة؟ المعمل الجنائي والطب الشرعي أنجز تحاليل البصمة الوراثية DNA على العينات المأخوذة من الجنين المجهض قبل دفنه.. والنتيجة المعتمدة رسمياً بين إيدينا دلوقتي!”
ساد صمت رهيب في الغرفة.. عصام اتعدل في قعدته والابتسامة اتبخرت من وشه، وعبير رفعت رأسها بعيون مرعوبة.
كمل وكيل النيابة بلهجة كأنها صاعقة نزلت من السماء:
– “نتيجة الـ DNA أثبتت إن الجنين المجهض.. لا ينتمي للمتهم عصام.. ولا ينتمي أيضاً للمرحوم سيد!”
الصدمة شلت المكان كله!
عصام اتنطز من مكانه وصارخ بصوت شق الجدران:
– “إيه؟!! مش مني ولا من سيد؟! أمّال ابن مين يا فاجرة?!”
عبير اتسمرت في مكانها، عينيها اتوسعت بجنون، وشفايفها بدأت تترعش بغير تصديق، كأن سر أبشع وأعظم من كل اللي فات كُشف في لحظة واحدة!
بصيت لعمي عبد المجيد ولأبويا.. وعرفنا إن القناع سقط تماماً، وإن تحت الرماد كان فيه جحيم تاني ومستنقع نجاسة محدش فينا كان يتخيله أبداً!
**الجزء السادس**
ساد الغرفة صمت رهيب، صمت أثقل من الحجارة. الكلمة التي نطق بها وكيل النيابة كانت كأنها زلزال هدّ كل ما كان متبقياً من عقولنا. الجنين المجهض لا ينتمي للمرحوم “سيد”، ولا ينتمي لـ “عصام”!
عصام جُن جنونه، طارت من رأسه بقايا العقل والتحكم، وهجم على عبير في لحظة خاطفة وهو يتكلبش في سلاسله، ومسكها من طوق عباءتها يرجها بكل قوته ويصرخ بصوت بح وهو يتفحم من الغل:
– “ابن مين يا فاجرة؟! ابن مين؟! أنا اللي بعت أختي وبيتي ونفسي عشانك؟ أنا اللي خنت صاحبي في قبره وقعدت أتذلل لك وأنا فاكر إني مسكّتك من إيدك اللي بتوجعك؟! طلعتِ بتلعبِي بيا وبالكل ومقضياها مع مين تاني يا خاينة يا وسخة?!”
الحراس أسرعوا وزقوا عصام بالعافية، وحجزوه عنه وهي بتصرخ وتستغيث، ووجهها تحول للون الأسود من شدة الرعب. عبير كانت تتنفس بصعوبة، عيناها تتنقل بين وكيل النيابة وعصام وأبويا وأنا.. القناع الشيطاني الذي كانت تلبسه سقط تماماً، وظهرت حقيقتها الخاوية الخائفة.
وكيل النيابة ضرب على الطاولة بحدّة وصوت هز الأركان:
– “اهدأ يا متهم أنت وهو! النيابة مش ساحة لتصفية الحسابات! المتهمة عبير.. النتيجة قدامك ومعتمدة من أعلى جهة طب شرعي في الدولة. الجنين المجهض يحمل بصمة وراثية لرجُل ثالث! اعترفي فوراً وبدون لف ودوران، مين الشريك الثالث في الج*ريمة دي؟ وإيه السر اللي بتغطيه من البداية؟”
عبير قعدت تتلعثم، دموعها تنزل بغير تصديق، وشفايفها بتهتز:
– “لا.. لا يا باشا! والله العظيم التقرير دا غلط! أكيد العينات اتلخبطت! أنا.. أنا ما عرفتش حد غير سيد وعصام!”
هنا وقف عمي عبد المجيد المحامي، ورفع إيده بثبات وقال بثقة المحنك:
– “يا سيادة المستشار.. المتهمة بتكذب وبتهرب من الواقع. التقرير الطب الشرعي ما بيكدبش والـ DNA مفيش فيه خطأ نسبة واحد في المليون. المتهمة عبير كانت بتستغل عصام كستار وجسر عشان تغطي بيه على حملها غير الشرعي من شخص آخر، وكانت عايزه تلبّس الحمل لـ عصام وتستغل الشات اللي بينهم عشان تخليه يتجوزها رسمياً ويشيل هو الفضيحة والطفل، وفي نفس الوقت تستولي على شقة المرحوم سيد وحقه في البيت!”
عصام لما سمع الكلام دا، انهار على الأرض وبدأ يضرب رأسه في البلاط بكل ما فيه من قوة وندم وحسرة، ويصرخ بصوت يقطع القلب:
– “يا خيبتي! يا فضيحتي قدام ربنا والناس! شربت المقلوب ودمرت بيتي وخنت أختي وصاحبي علشان وحدة كانت بتركبني وبتبص لغيري؟! ياني يا فقرِي ويا سواد بختي!”
وكيل النيابة حوّل نظره لـ عبير وقال بنبرة حازمة تجمد الدم في العروق:
– “المتهمة عبير.. عدم اعترافك الآن بشريكك هيدخلك في قضايا أعقد؛ زنا، وتزوير، وإعطاء معلومات خاطئة للعدالة، وتدنيس حرمة المتوفي، بالإضافة لإجهاض جنين بشكل غير قانوني للإضرار بسير التحقيقات! اعترفي مين الراجل الثالث، يا إما التحريات الجنائية وتفريغ كاميرات المنطقة وتتبع اتصالاتك الهاتفيّة خلال الأيام اللي فاتت هيجيبوه من تحت الأرض في خلال 24 ساعة!”
عبير انقطعت أنفاسها، وعيناها زاغت في الغرفة. لما حسّت إن الحبل يتلف على رقبتها من كل اتجاه، وإن عصام باح بكل شيء، وإن أسرارها كلها أصبحت مكشوفة.. اننهارت بالبكاء الهستيري ورفعت رأسها وصوّتت:
– “أنا هقول!.. هقول على كل حاجة بس احموني منه! والله العظيم هو اللي هددني وهو اللي دخل حياتي بالعافية بعد موت سيد!”
الصالة كلها سكتت، حتى عصام توقف عن الصراخ وبص لها بذهول.
كملت عبير بصوت جاف يملأه الخوف:
– “بعد وفاة سيد بأسبوع واحد.. كنت قاعدة في الشقة لوحدي وببكي. جاني ‘مدحت’.. مدحت صاحب سيد المقرب، والتلميذ اللي كان سيد بيساعده وبيصرف عليه في ورشته! جالي البيت بحجة إنه يواسينِي ويجيبلي فلوس كان سيد مديونها له.. ولما لقاني لوحدي ومكسورة، بدأ يستغل ضعفي ويسحبني للكلام، ولما رفعت صوتي هددني إنه هيقول للمنطقة كلها إني كنت بطلب منه فلوس وبجري وراه من زمان! انقدت له تحت الخوف، وحصل اللي حصل.. ولما حسيت إني حامل، اتجننت! ما كنتش أقدر أقول إن دا من مدحت، لأن الشارع كان هيق*تلني.. اتفكرت في عصام! عصام كان عينيه مني ومن زمان وكتبلي رسائل، فقلت أستغله وأخليه يلبس الحمل ويجوزني ويحميني!”
أنا وأبويا واقفين مش قادرين نصدق مسرحية القذارة والنجاسة دي!
“مدحت”؟! صاحب أخويا سيد الصغير اللي كان سيد بيعتبره زي أخوه وبيوكله معاه في طبق واحد؟! مدحت اللي كان واقف في سرادق العزاء بتاع سيد بيصرخ ويطلب من الناس تدعيله؟!
أبويا مسك قلبه، وجلس على الكرسي بسرعة وهو بيلتقط أنفاسه بصعوبة، وعيناه تنزف دموعاً حارقة:
– “مدحت يا سيد؟ مدحت اللي كنت بتشيله من الشارع وتصرف عليه يطعنك في عرضك ومرتك بعد موتك؟! يا نااااس إيه الغل والغدر دا اللي بقى في قلوب البشر?!”
وكيل النيابة لم يضيع ثانية واحدة. ضرب بجرس المكتب وأمر فوراً:
– “طلب ضبط وإحضار عاجل للمدعو ‘مدحت’ من محل إقامته وورشته، وتفتيش هاتفه وتتبع موقعه الجغرافي فوراً! وتحويل المتهمة عبير والمتهم عصام للحجز لحين حضور المتهم الثالث لمواجهتهم جميعاً!”
خرجنا من مقر النيابة، والدنيا كانت بتلف بينا. الشارع كان مظلماً ورطب، بس النار اللي جوة صدورنا كانت بتحرق الأخضر واليابس.
عصام كان بيتجرّ ورا الحراس، عيناه مثبتة عليّ، وبيترجاني بدموع ذليلة مشوهة:
– “سمر.. سامحيني يا سمر! والله العظيم أنا كنت أعمى ومخدوع! العقربة دي لعبت بيا ولابستني في جحيم! سامحيني وخلي عمي يسامحني!”
بصيت له بقسوة أشد من الصخر وقلت له بكلمات ناطقة بالحكم النهائي:
– “الندم ما بيرجعش اللي راح يا عصام. أنت بايعتني وخنت صاحبك وأخوك وهو في قبره، وربنا حرمك من شرفك وعقلك ولبّسك في نجاسة خيانة غيرك! ورقة طلاقي توصلني، ومش هشوف وشك تاني إلا وأنت بتتجازى بالقانون!”
مرت ليلة قاسية جدًا.. وفي صباح اليوم التالي، وردنا اتصال من عمي عبد المجيد:
– “تعالوا على القسم فوراً.. ‘مدحت’ اتمسك في كمين وهو بيحاول يهرب برة المحافظة، والمواجهة الثلاثية بينه وبين عبير وعصام شغالين فيها دلوقتي!”
وصلنا القسم، وكانت الصالة مليانة بشر ورجال شرطة. دخلنا غرفة التحقيق، وشوفنا “مدحت” مقيداً بالكلابشات، وشه أصفر زي الوفاة، وعبير واقفة قدامه بتصرخ وتتهمه، وعصام في الناحية الثانية بيحاول يوصل له عشان يضربه!
بس المفاجأة الكبرى والضربة القاضية ما كانتش في اعتراف مدحت بالحمل غير الشرعي فقط..
مدحت لما حس إن الحبل يتلف على رقبته وإن قض*ية الزنا والاعتداء هتدخله السجن سنوات طويلة، وقف في نص الغرفة، وبص لوكيل النيابة وقال بصوت مرعوب ويهتز:
– “أنا هعترف بكل حاجة يا باشا!.. بس أوعدني بحمايتي! أنا ما اعتديتش عليها برغبتها فقط.. عبير هي اللي اتفقت معايا على كل حاجة من زمان! وهي اللي كانت بتسقيني كلام وتبعتلي.. وهي اللي اتفقت معايا نخلص من ‘سيد’ نفسه!”
الغرفة كلها اتجمدت!
الكلمة نزل على مسامعنا كأنها صاعقة فجرت المكان!
أنا وأبويا اتنطزنا وصصرخنا في نفس اللحظة:
– “نخلص من سيد يعني إيه يا مجرم؟! يعني سيد ما ماتش موتة طبيعية?!”
بعد وفاه اخويا ٤
رومانى مكرم
**الجزء السابع**
ساد الغرفة صمت مرعب، صمت تشم فيه ريحة الموت والخيانة. الكلمة التي خرجت من فم مدحت كانت كأنها خنجر مسموم اتغرس في قلوبنا كلنا. “نخلص من سيد”؟! أخويا سيد الله يرحمه ما ماتش بسكتة قلبية زي ما كنا فاكرين والأطباء قالوا لنا؟!
أبويا اتنطز من مكانه كأنه أخد ضربة بسيف في صدره، وهجم على مدحت بالرغم من كبر سنه وتعدي جسمه، ومسكه من طوق قميصه وهو بيصرخ بصوت يشق الجدران والدموع نازلة من عينيه زي المطر:
– “ق*تلتوا ابني؟! ق*تلتوا سيد يا مجرمين؟! دا كان بياكلك في بيته وبيعتبرك أخوه الصغير! ق*تلتوه إزاي ويا فجركم إزاي مشيتوا في جنازته وأكلتم عيشنا?!”
رجال الشرطة أسرعوا وحجزوا أبويا بالعافية وقعدوه على الكرسي وهو بيلتقط أنفاسه بصعوبة وبيترعش، وأنا وقفت أرضي بتلف بيا، ورجلايا مش شايلاكي.. حسيت إن الدنيا أظلمت في عيني. عبير وخيانتها كانت كابوس، بس إنها تكون قاتلة أخويا بالاتفاق مع صاحبه.. دا كان جحيم ما يتحملوش عقل بشر!
وكيل النيابة اتعدل في قعدته، وعينيه برقت بغضب شديد وحزم، وضرب بكل قوة على المكتب:
– “المتهم مدحت! أنت عارف الكلام اللي بتقوله دا معناه إيه؟! دا اعتراف صريح بج/ريمة ق*تل عمد مع سبق الإصرار والترصد! اتكلم بالتفصيل فوراً.. عملتم إيه في المرحوم سيد؟!”
مدحت كان بيبكي بكاء هستيري، وجسمه كله بيرتعش، ووجهه تحول للون الأسود من شدة الرعب. بص لعبير اللي كانت واقفة زي الصنم، عينيها مبلمة وشفايفها بيضا زي اللبن، وقال بصوت جاف ويهتز:
– “يا باشا أنا ما كنتش عايز أق*تله!.. هي اللي وزتني وسحرتلي بدماغها! عبير كانت بتكره سيد وعيلته كلها، وكانت عايزه تخلص منه عشان تاخد الشقة والبيت وتورث فلوسه في البنك، وفي نفس الوقت كانت خايفة إنه يكشف شقاوة عينها وغدرها. جاتلي الورشة قبل موته بشهر، وقالتلي إن سيد معاه مبلغ كبير شايله في البيت، وإنها مستعدة تديني النص وتجوزني سر لو ساعدتها نخلص منه من غير ما حد يحس!”
عصام جوزي اللي كان واقف متكلبش في الناحية الثانية، بص لمدحت وعبير بذهول ورعب، ورجليه اتسحبت منه وسقط على الأرض وهو بيلطم على وشه وبيصرخ:
– “يا نهار أسود! يا نهار أسود! أنا كنت رايح أتجوز قاتلة؟! أنا كنت ببيع أختي وبيتي علشان ست قاتلة جوزها وحامل من صاحبه الحرام?!”
كمل مدحت كلامه وهو بينتحب وبيعترف بكل القذارة:
– “عبير جابتلي مادة سمية بيضا ملهاش طعم ولا ريحة من واحد بتاع عطارة وشعوذة.. وقالتلي دا سم بطيء بيبان في الجسم كأنه هبوط حاد في الدورة الدموية وسكتة قلبية. اتفقت معايا نحط منه قطرات صغيرة كل يوم في الشاي والقهوة اللي بياكلهم سيد في الورشة وفي البيت.. وفضلنا نسقيه منه لمدة أسبوعين، لحد ما جسمه اتصفى وعضمه هزل.. وفي الليلة إياها، جاله التعب الأخير ومات وهو بيتألم على سريره، والدكتور كتب شهادة الوفاة إنها وفاة طبيعية بسكتة قلبية لأن مفيش أي آثار ضرب أو جروح!”
عبير أول ما سمعت كلام مدحت، اتجننت! الصدمة طيرت برج من عقلها، وهجمت على مدحت بأظافرها زي الضبع الجريح، وصرخت بصوت مرعب هز القسم كله:
– “كداب! كداب يا ابن الكلب! أنت اللي كنت بتجر ورايا وأنت اللي اقترحت عليّ السّم عشان تاخد فلوس سيد وتفتح ورشتك! أنت اللي ق*تلتوه يا مجرم وأنا ما حطيتش حاجة!”
الضباط مسكوا عبير بالعافية وهي بتتخبط وتصوت وتدعي بالباطل، والغرفة تحولت لساحة من الجحيم!
وكيل النيابة وقف فوراً، وأصدر قرارات حاسمة وسريعة كأنها الصواعق:
– “أولاً: استخراج ج*ثة المرحوم سيد عبد الصمد فوراً من المقابر وإحالتها للطب الشرعي لتشريحها وأخذ عينات من العظام والأنسجة للبحث عن آثار السموم والجرعات السامة!
ثانياً: ضبط وإحضار عطار الشعوذة المذكور في أقوال المتهم.
ثالثاً: توجيه تهمة الق*تل العمد مع سبق الإصرار والترصد للمتهمة عبير والمتهم مدحت، وحبسهما على ذمة التحقيق!
رابعاً: استمرار حبس المتهم عصام بتهم التزوير والتستر والمشاركة في اقتحام ونهب الشقة!”
خرجنا من مقر النيابة والقسم.. بس المرة دي السير ما كانش على الأرض، إحنا كنا بنمشي زي الأشباح. الشارع كان هادي، بس جرحنا كان بينزف بطريقة ما يداويهاش زمن.
أبويا مسك إيدي وقالي بصوت مكسور ودموعه نازلة على لحيته البيضا:
– “سيد ابني مات مقتول يا سمر.. ق*تلوه بالسم وهو فاكرهم أهله وصحابه! يا حسرتي عليك يا ابني.. يا حسرتي على الشباب اللي راح غدر!”
حضنت أبويا في نص الشارع وبكينا بكاء يهد الجبال. قلت له وأنا بثبت نفسي بالعافية:
– “حق سيد هيرجع يا بابا.. ربنا ما بيسيبش ظالم، ودم سيد هو اللي جابهم لحد النيابة وكشف خيانتهم وفجرهم بعضهم في بعض! ربنا كشف عبير وخلاها تقع في شر أعمالها هي ومدحت وعصام!”
وبعد يومين فقط.. كانت اللحظة الأكثر قسوة في حياتنا.
وقفنا أنا وأبويا وعمي عبد المجيد والمئات من أهل الحارة والمنطقة قدام المقابر، والطب الشرعي بيستخرج ج*ثة أخويا سيد لإجراء التشريح. المنطقة كلها كانت واقفة مصدومة ومذهولة من حجم البشاعة والغدر اللي حصل.
وبعد أسبوع واحد من الفحص الجنائي الدقيق، صدر التقرير الطبي الشرعي النهائي والأخير ليحسم القصة كلها:
عثر في أنسجة وجسد المرحوم سيد على بقايا ورواسب لمادة “الزرنيخ” والسم البطيء بنسبة قاتلة ومؤكدة!
التقرير دا كان بمثابة حبل المشنقة اللي اتلف رسمياً حولين رقبة عبير ومدحت!
في جلسة النيابة الأخيرة للمواجهة النهائية قبل تحويل القض*ية لمحكمة الجنايات..
كانت عبير ومدحت وعصام واقفين في القفص، وجوههم زي الموتى، الشؤم والخوف والندم أكلهم. عصام كان بيعيط بدموع ذليلة ويترجى أبويا وعمي يسامحوه أو يتنازلوا عن قض*ية التزوير والاقتحام، بس أبويا بص له بنظرة احتقار وقال له كلمة واحدة:
– “أنت خسرت دينك ودنيتك وشرفك يا عصام.. ومفيش سماح للي خان صحبه وأخته!”
أما عبير، فلما شافتنا واقفين بثبات والتقرير الطبي في إيد المحامي، عرفت إن المشنقة أصبحت في انتظارها هي ومدحت. بصتلي بعيون فاضية مفيهاش غير الخوف والكسرة، وقالتلي بصوت واطي ومبحوح:
– “أنا خسرت كل حاجة يا سمر.. خسرت سيد، وخسرت الشقة والورث، وخسرت نفسي وهسيب رقبتي في المشنقة.. سامحيني!”
رديت عليها بثبات وقسوة وما بكتش:
– “السماح عند ربنا يا عبير.. أنتِ فتحتِ طاقة جهنم بإيدك، والنهارده جيه الوقت اللي تتحرقي فيه بنارها!”
صدر قرار النيابة العامة بتحويل المتهمة عبير والمتهم مدحت إلى محكمة الجنايات بتهمة الق*تل العمد مع سبق الإصرار والترصد والزنا (وعقوبتها الإعدام شنقاً)، وتحويل المتهم عصام للمحاكمة الجنائية العاجلة بتهم التزوير والبلاغ الكاذب واقتحام ملك الغير والتستر على جر*يمة!
رجعنا أنا وأبويا للبيت.. الشقة كانت هادية، وصورة سيد أخويا الله يرحمه متقلوة في الصالة.
قعدت جنب أبويا، ومسكت إيده، وحسيت لأول مرة من أشهر إن روح سيد ارتاحت في قبرها بعد ما الحق ظهر والق*تلة انكشفوا وبياخدوا جزاهم.
القصة اتقفلت على فضيحة الخونة ونهايتهم السودة خلف القضبان وفي انتظار المشنقة.. وأنا وأبويا بدأنا نلملم جراحنا ونعيش بالباقي من عمرنا مرفوعين الرأس، عارفين إن العدل الإلهي لو تأخر لحظة.. بييجي زي الصاعقة يمسح الظلم ويمحي الظالمين!
**الجزء الثامن (قبل الأخير)**
مرت أشهر قليلة، وكانت التحقيقات قد أُغلقت تماماً، وتحددت أولى جلسات محاكمة الجنايات العاجلة في القض/ية التي هزت الرأي العام والشارع بأكمله. كانت قض/ية “ق*تلة ابن العم والخائنين” هي الشغل الشاغل للجميع، وكل القنوات والصفحات بتتكلم عن العمارة اللي شهدت أغرب وأبشع قصة خيانة وغدر وق*تل بالسم.
في صباح يوم الجلسة المرتقبة، كانت قاعة المحكمة مزدحمة على آخرها. الحضور كانوا مئات من أهل المنطقة، والجيران، والطب الشرعي، والمحامين.
وقفت أنا وأبويا وعمي عبد المجيد في الصفوف الأولى. أبويا كان ماسك عصايته بإيد، وبالإيد الثانية ماسك إيدي، وجهه كان شاحب بس عينيه كان فيهما بريق ثبات وعزة، منتظرين كلمة العدل الإلهي والقانون.
فجأة، انفتحت الحراسة ودخل المتهمون إلى قفص الاتهام…
كان المشهد في القفص يختصر معنى الهوان والندم.
عصام كان واقف في زاوية القفص، جسمه انخسف ونحف للتراب، شعره ابيض، وعينيه غائرة ومكسورة، يرتدي ملابس الحبس الزرقاء. ما قدرش يرفع رأسه في المحكمة أو يحط عينيه في عين أبويا.
وعبير، كانت قاعدة على دكة القفص الخشبية، وجهها أصفر زي الموتى، لافة رأسها بطرحة سوداء مبهدلة، وضامّة نفسها وخايفة من نظرات الناس الصارخة بالاحتقار.
أما مدحت، فكان واقف جنبها زي الشبح، يرتعش ويكرر في سره كلمات غير مفهومة، والندم أكل ملامحه بعد ما أدرك إن رقبة كل واحد فيهم أصبحت تحت سيف المشنقة.
وقف رئيس المحكمة، القاضي الجليل، وساد الصمت التام في القاعة، حتى أنفاس الناس كانت محبوسة.
بدأت المحاكمة، ووقف عمي عبد المجيد المحامي وألقى مرافعة تاريخية زلزلت جدران القاعة، سرد فيها القصة من أول نقطة: من يوم ما رفضت “سمر” إعطاء الفلوس لعبير، للغل اللي عمى قلبها، للتخطيط لق*تل زوجها الشريف “سيد” بالزرنيخ والسم البطيء بمساعدة صاحبه “مدحت”، ثم استغلال “عصام” وجره للخيانة والتزوير والتستر، وصولاً إلى الحمل الحرام والإجهاض المفتعل في السجن!
عمي عبد المجيد ختم مرافعته بصرخة هزت القاعة:
– “يا سيادة القاضي.. إحنا مش بنطلب مجرد عقاب، إحنا بنطلب القصاص لروح الشهيد ‘سيد’ اللي اتق*تل غدراً في بيته وعلى سريره، القصاص لـ ‘سمر’ اللي اتخانت واستغلت، والقصاص للأعراف والدين اللي انداسوا تحت أقدام هؤلاء الشياطين! بنطلب الإعدام شنقاً للق*تلة، وأقصى عقوبة للخائن المتستر!”
ضجت القاعة بالتكبير والتأييد من الناس والمواطنين، والقاضي أمر بالهدوء فوراً.
ثم جاء دور دفاع المتهمين.. حاول محامي عبير أن يدعي المرض النفسي والاضطراب، وحاول محامي مدحت إتّهام عبير بالتخطيط والضغط، وحاول محامي عصام التملص والدفع بعدم علمه بج*ريمة الق*تل والتزوير.
لكن المرافعة والتقارير الطبية الشرعية الموثقة وأشرطة الفيديو والتسجيلات والشات المضبوط في هاتف عصام، كانت أدلة قطعية كالجبال لا يمكن زحزحتها!
نادى القاضي على المتهمين للحديث الأخير قبل إغلاق باب المرافعة..
عصام نزل على ركبتيه جوة القفص، وبكى بكاءً هستيرياً وهو بيصرخ بصوت يقطع القلب ويترجى أبويا:
– “يا حاج عبد الصمد!.. يا سمر!.. وحياة رحمة سيد سامحوني! أنا كنت أعمى وشيطان غواني! أنا اتخدعت واتلعب بيا، والله العظيم ما كنت أعرف إنهم ق*تلوه! أرجوكم تنازلوا عن قض/ية التزوير والاقتحام، أنا مستعد أعيش خدام تحت رجليكم طول عمري بس بلاش السجن يضيع شبابي!”
أبويا بص له بنظرة قاسية وناشفة وقال له بصوت جهوري مسموع في القاعة كلها:
– “اللي يبيع أخته ويخون صاحبه وهو في قبره، مالوش مكان بين الرجال يا عصام.. وفر دموعك للقاضي ولربنا، لأن مسامحتك مستحيلة!”
أما عبير، فرفعت رأسها وعيناها مليئة بالدموع والكسرة، وبصتلي وقالت بصوت جاف ومبحوح:
– “أنا عارفة إني رايحة للمشنقة يا سمر.. وعارفة إن غلي وحقدي هما اللي ودوني لجهنم دي.. أنا مش بطلب منك تسامحيني، بس ادعيلي ربنا يخفف عني العذاب لأن ناري شاعلة في صدري من يوم ما سيد مات!”
وقف القاضي ورفع أوراق القض/ية، وطرق بالمطرقة ثلاث طرقات هزت القاعة، وقال بصوت حاسم وجاد:
– “قررت المحكمة إحالة أوراق المتهمة ‘عبير’ والمتهم ‘مدحت’ إلى فضيلة مفتي الديار المصرية لإبداء الرأي الشرعي في إعدامهما شنقاً لج*ريمة الق*تل العمد مع سبق الإصرار والترصد!
وتأجيل النطق بالحكم على المتهم ‘عصام’ مع استمرار حبسه الشديد على ذمة القضايا المنسوبة إليه لليوم المخصص للنطق بالحكم النهائي!”
ضجت القاعة بالتهليل والتكبير! “العدل أهو!.. يحيى العدل!”
عبير انهرت وسقطت مغشية عليها داخل القفص فور سماع قرار الإحالة للمفتي، ومدحت أجهش بالبكاء والسقوط، وعصام قعد يصرخ ويعض في إيديه وهو بينجر برة القفص بواسطة الحراس.
خرجنا من المحكمة وأنا ماسكة إيد أبويا، والناس في الشارع كانت بتبارك لنا وبتهتف بالقصاص.
بس بالرغم من الانتصار الكبير وقرب صدور حكم الإعدام والقصاص، كان فيه شيء واحد لسه شاغل بالنا ومقلقنا..
عصام وهو بينجر برة القفص، لمس إيد عمي عبد المجيد ووسوس له بجملة مريبة وغامضة جداً:
– “يا حاج عبد المجيد.. عبير ومدحت داخلين المشنقة خلاص.. بس انتبهوا لـ ‘أمامي بقدرية’ وإخواتي برة! أمي مش هتسكت، وحلفت إنها مش هتسيب سمر وأبوها يتهنوا بالحكم، ونظمت حاجة بشعة هتنفذها ليلة قرار المفتي!”
رجعت أنا وأبويا البيت والشمس بتغرب.. حاسين بإن الحق أقرب من أي وقت، بس تحذير عصام الأخير زرع في قلوبنا خوف جديد..
إيه السر اللي بتخطط له أم عصام “قدرية” وإخواته في الظلام؟ وهل هتنجح في الانتقام الأخير قبل ما تتقفل الستارة نهائياً على كل أبطال القصة؟
**الجزء التاسع والأخير (الحكمة والحقيقة)**
مرت الأسابيع الثقيلة وأنا وأبويا محبوسين جوة بيتنا، تحذير عصام الأخير كان زي السيف المعلق فوق رقابنا. أم عصام “قدرية” واختفت تماماً عن الشارع، لا حس ولا خبر، وده اللي كان بيخوف أكتر.. السكون اللي يسبق العاصفة.
وفي الليلة التي سبقت النطق بالحكم النهائي بعد ورود رأي فضيلة المفتي، كانت الساعة داخلة على اثنتين بعد منتصف الليل.
كنت قاعدة جنب أبويا في الصالة، بنقرأ قرآن وندعي ربنا يمرم الليلة دي على خير. فجأة، شمينا ريحة شياط ودخان حاد داخل من تحت باب الشقة ومن البلكونة!
جريت على البلكونة وبصيت تحت.. وكانت الفاجعة!
عمارة أبويا كانت النار ماسكة في دخلتها والسلالم تحت! عربية نص نقل كانت مارة في الشارع، ونزل منها اثنين ملثمين برموا زجاجات مولوتوف على باب العمارة وعلى الشباك السفلاني، والنار بدأت تتسلق السلالم الخشبية وتطلع على شقتنا!
أبويا صرخ وتخنق من الدخان:
– “الحقونا يا ناس! النار بتاكل البيت!”
جريت على المطبخ وجبت مية، بس النار كانت أسرع وأقوى. الدخان ملأ الشقة، وبدأنا نتخنق وأبويا وقع على الأرض مش قادر يتنفس. افتكرت إن دي النهاية.. إن قدرية وغلّها نجحوا في إنهم يحرقونا حيين قبل ما نشوف حكم العدل!
بس ربنا سبحانه وتعالى ما بيسيبش أصحاب الحق.
الشارع كله صحي على صوت الانفجار والدخان. شباب الحارة والجيران اللي كانوا عارفين مظلوميتنا وشايلين جميل أخويا سيد، اتجمعوا في ثواني! جابوا سلالم وأنابيب إطفاء وجرادل مية، وكسروا شباك البلكونة الشجعان منهم ودخلوا جوة الشقة في وسط النار، وشالوا أبويا وشالوني وطلعونا لسطح العمارة المجاورة قبل ما النار تطول أجسادنا بثواني معدودة!
وفوق ده كله.. شباب الحارة الذكية لمحوا العربية النص نقل وهي بتهرب من ظهر الشارع، طاردوها بالموتوسيكلات ووقفوا طريقها، ومسكوا الاثنين الملثمين وضبوا فيهم ضرب سنين لحد ما اعترفوا قدام الشارع كله:
– “قدرية أم عصام هي اللي دفعت لنا فلوس وإدتنا المولوتوف عشان نحرق البيت ونخلص من سمر وأبوها!”
وصلت سيارات الإطفاء والشرطة، وتم إخماد الحريق، والقبض على الفاعلين وعلى “قدرية” وهي بتحاول تهرب برة المحافظة مع فجر اليوم التالي، للتحق بها هي الأخرى بتهمة الشروع في الق*تل والإحراق العمد!
وفي صباح اليوم التالي.. جاءت اللحظة الحاسمة التي انتظرناها بدموع ونار القلوب.
جلسنا في قاعة محكمة الجنايات؛ أنا وأبويا وجسمنا يعلوه أثر الدخان والتعب، بس رؤوسنا كانت مرفوعة للماء.
دخل المتهمون إلى قفص الاتهام للمرة الأخيرة..
عبير ومدحت كانا يرتديان البدلة الحمراء (بدلة الإعدام) بعد ورود رأي المفتي بالموافقة الشرعية. عبير كانت تبكي بلا صوت، دموعها جافة وجسدها يرتعش كأنها روح تفارق الجسد. وعصام كان مقيداً بجانبهم، ينظر إلينا بعيون ملؤها الحسرة والضياع بعد ما عرف إن أمه كمان اتقبض عليها وداخلة السجن.
اعتلى القاضي المنصة، وساد صمت كصمت المقابر. حط نظارته وطرق بالمطرقة ثلاث طرقات هزت أرواح الجميع، وقرأ الحكم التاريخي:
> **”باسم الشعب..**
> **حكمت المحكمة حضورياً وبإجماع الآراء:**
> **أولاً: بمعاقبة المتهمة ‘عبير عبد السلام’ والمتهم ‘مدحت السيد’ بالإعدام شنقاً، لما نُسب إليهما من ج*ريمة الق*تل العمد مع سبق الإصرار والترصد للمرحوم سيد عبد الصمد.**
> **ثانياً: بمعاقبة المتهم ‘عصام محمود’ بالسجن المشدد لمدة عشر سنوات، وتجريده من حقوقه المدنية، لاتهامه بالتزوير والتستر والمشاركة في اقتحام ونهب ملك الغير.**
> **ثالثاً: إحالة أوراق المتهمة ‘قدرية’ والمشاركين معها لمحكمة الجنايات بتهمة الشروع في الق*تل والإحراق العمد.”**
>
انطلقت في القاعة صرخات التهليل والتكبير! “يحيى العدل!.. ظهر الحق وزهق الباطل!”
سقطت عبير مغشية عليها وتم سحبها مع مدحت إلى ممر الإعدام، وعصام انهار على الأرض يصرخ ويبكي بلا مجيب، بينما انقادت أمه للسجن لتلحق بابنها.
مسكت إيد أبويا، وبكينا معاً.. بس المرة دي كانت دموع الفرج، دموع انغسل بيها حزن أشهر طويلة.
### **الحكمة من القصة**
إن هذه التجرِبة القاسية لم تكن مجرد حكاية صراع بين بشر، بل كانت درساً إلهياً بليغاً يُكتب بماء الذهب:
1. **الرضا بالحق والوفاء للمبدأ:**
لو كانت “سمر” وافقت على إعطاء الفلوس لعبير بدون علم زوجها، لكانت كسرت أمانة بيتها. ورغم إن التزامها بالحق أثار غل العقربة، إلا إن ثباتها على المبدأ هو الذي أنقذ شرفها ونصرها في النهاية.
2. **الغل والحقد يأكلان صاحبهما:**
بدأت “عبير” طريقها بسباق غيرة وحقد، وانتهت بها الج*ريمة إلى الزنا، والق*تل بالسم، وإسقاط الجنين، وأخيراً وقف قيد حياتها على شجرة المشنقة. الحقد نار لا تحرق إلا الوعاء الذي يحويها.
3. **جزاء الخيانة من جنس العمل:**
“عصام” الذي خان زوجته المصونة وخان صديقه المتوفي في قبره من أجل شهوته وطمعه، لم يجذبه غدره إلا إلى النصب والتزوير والتورط في حبل الفضيحة، ولُبّس في حمل غير شرعي من شخص ثالث، ليخسر بيته وشرفه وحريته وأمه، ويذوق الندم أضعافاً مضاعفة خلف أسرار السجن.
4. **عدالة الله لا تغفل ولا تنام:**
قد يظن الظالم أن سمّه الخفي أو ألاعيبه الشيطانية قد سُترت برداء الليل أو بشهادات الزور، لكن حكمة الله تجعل الظالمين يدمرون أنفسهم بأنفسهم، فتتقاطع مصالحهم وتنكشف أستارهم بجهلهم، ليظهر الحق نصعاً جلياً، ويرتاح الشهيد في قبره.
رجعت مع أبويا إلى بيت صاننا ورعانا، ورفعنا أيدينا للسماء ونحن نردد:
**”وَعَزَّتِي وَجَلَالِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ”**.


تعليقات
إرسال تعليق