حماتى وسلفتى خدو شقتى كاملة بقلم روماني مكرم 1
سرت في جسمي قشعريرة هزت أركاني.. صندوق أمانات في البنك باسمي أنا بس؟! طارق كان حاسس؟ كان عارف إن أيامه معدودة أو إن في خطر بيحوم حواليه؟
ما استنيتش ثانية واحدة. ثاني يوم الصبح، أخدت حسام ورحت البنك وأنا إيدي بتتنفض. قدمت شهادة الوفاة وإعلام الوراثة والأوراق الرسمية، وأخدونا لمكان خزائن الأمانات تحت الأرض.. مكان هادي وبارد، صوت خطواتنا فيه كان ليه رنين يخوف.
الموظف فتح القفل الأول بمفتاحه، وأنا حطيت مفتاح طارق اللي كان شايله في ميداليته الفضة، وفتحت الخزنة.
جوة الخزنة، ما كانش في فلوس ولا مجوهرات.. كان في صندوق خشب صغير، ومظروف أبيض متقفل بشمع أحمر، مكتوب عليه بخط طارق الجميل اللي بعرفه من وسط مليون خط:
*(إلى أمي الحبيبة.. سند العمر وروح الفؤاد)*
دموعي نزلت بغزارة قبل ما أفتح المظروف. مسكت الورقة وأنا بشم ريحة خطه، وقعدت على كرسي قبال الخزنة وحسام واقف جنبي بيمسح دموعه.
بدأت أقرأ الرسالة المكتوبة بتاريخ قبل الحادثة بخمس أيام بس:
> “أمي الغالية..
> لو تقرأي الرسالة دي، يبقى أنا بقيت عند ربنا الرحيم.. وأنا عارف إن موتي مش هيكون طبيعي.
> أمي.. أنا اكتشفت خيانة نهى وسامح من فترة، اكتشفت إنهم بيسحبوا مبالغ من حساباتي وبيخططوا لاستغلالي، ولما واجهت نهى، شفت في عينيها الغدر والشر. حاولوا يخلوني أوقع على عقود بيع للشقة والتصرف في أملاكي، بس أنا رفضت وواجهتهم.
> أنا سيبت لك في الصندوق ده فلاشة عليها تسجيلات واضحة وصريحة لتهديداتهم لي، ووثائق تثبت كل الحسابات والمبالغ اللي سرقوها، عشان لو حصلي حاجة، الحقيقة ما تضيعش وحقك وحق أبوي يرجع لك.
> بس يا أمي.. في سر تاني أكبر لازم تعرفيه.. سر نهى كانت مخبياه عن الدنيا كلها، وهو السبب الحقيقي اللي خلاها تبيع نفسها للشيطان وسامح..”
>
إيدي اتجمدت على الورقة! وقفت عند الجملة دي ونفسي اتعلم.
حسام قرب بذهول وقال: “سر إيه يا عمتي؟! الفلاشة فين؟”
طلعت الفلاشة الصغيرة من الصندوق الخشب، وأخدناها وجرينا على بيتي. حسام حط الفلاشة في اللابتوب، وفتح الفولدرات اللي طارق كان مجهّزها بمنتهى الدقة والنظام.
كان في فولدر باسم *(السر الحقيقي)*.. فتحناه، واشتغل فيديو سجّله طارق بنفسه قبل وفاته بأيام، كان قاعد فيه وشكله تعبان ووشه شاحب، وبص للكاميرا وقال كلام خلانا أنا وحسام نتسمر في مكاننا من الهول!
طارق قال في الفيديو:
* “أمي.. نهى مش مجرد واحدة طمعت في شقتي وفلوسي.. نهى ليها اسم تاني وهوية تانية في دولة عربية! نهى كانت متجوزة قبل كده وهربانة من قضايا اختلاس وتزوير كبيرة، وسامح ده مش عشيقها الجديد.. سامح هو جوزها الأولاني والأصلي اللي كانت هربانة معاه وبيستغلوا الشباب والأطباء بالطريقة دي في كل بلد ينزلوا فيه!”
صرخت بصدمة: “يعني جوازها من ابني كان باطل؟! كانت متجوزاه وهي على ذمة راجل تاني?!”
كمل طارق في الفيديو بصوت مكسور:
* “أيوه يا أمي.. جوازي منها كان باطل قانوناً وشبراً لأنها كانت على ذمة سامح بعقد رسمي ممتد ومزوّرة أوراق شخصية باسم جديد هنا في مصر عشان تدخل عليا وعليكم بدور البنت الهادية المسكينة.. ولما قريت أوراقها بالصدفة وعرفت الحقيقة، قرروا يتخلصوا مني قبل ما أبلغ السلطات!”
القصة اتقلبت 180 درجة! الجري\مة ما بقتش مجرد قتل وطمع في شقة وعفش.. دي شبكة ونصب وخداع وتزوير أعراض!
وفي اللحظة اللي كنا بنستوعب فيها الكارثة دي.. تليفون حسام رن بصوت عالي مرعب.
رد حسام، وسمعت صوت المحامي اللي متابع في السجن بيتكلم بلهفة ورعب:
* “يا أستاذ حسام! الحق! نهى حست إن المشنقة اتلفت حوالين رقبتها.. وحاولت تنتحر جوة الزنزانة، وقبل ما ينقلوها مستشفى السجن، طلبت تقابل أم الدكتور طارق فوراً وقالت إن عندها اعتراف أخيرة هيغير مجرى الق\ضية كلها!”
نزلت الكلمات عليا زي الصاعقة.. نهى حاولت تنتحر في السجن وعايزة تشوفني؟ عايزة تقول اعتراف أخير؟
قلبي كان بيغلي، ورجليا مش شايلاني، بس النار اللي جوايا اديتني قوة مش طبيعية. بصيت لحسام وقولتله بنبرة حديد:
* “يلا بينا يا حسام.. لو الموت واقف على باب السجن، هروح وأسمعها، مش هسيبها تموت قبل ما تقولي كل حاجة بلسانها!”
وصلنا مستشفى السجن، الجو كان كئيب، ريحة المطهرات مغطية على كل حاجة، وصوت الكلبشات والخطوات الثقيلة بيرج الممرات الباردة. حراس السجن كانوا واقفين على باب أوضة العناية المشددة. الظابط بصلي باحترام وأسف، وشاورلي أدخل لوحدي.
دخلت الأوضة.. نهى كانت مرمية على السرير، رقبتها ملفوفة بشاش أبيض، وشها شاحب زي الموتى، وشفايفها بيضا ومشققة. أجهزة القياس جنبها بتعمل أصوات منتظمة ومرعبة. لما الباب اتقفل وسمعت صوت خطواتي، فتحت عينيها بالعافية.. أول ما شافتني، دموعها نزلت ببطء على خدودها الصفرا، وشفايفها بدأت تترعش.
قربت منها، وقفت جنات السرير، وبصيت في عينيها بمنتهى القسوة والشماتة. ما حسيتش بجمال ولا شفقة، دي الست اللي حرمتني من ضنايا وشباب ابني!
قالت بصوت مخنوق ومشرشر طالع بالعافية من حنجرتها المصابة:
* “سامحيني.. يا حجة.. سامحيني.. أنا رايحة لربنا خلاص.. والمشنقة كده كده كانت مستنياني.. بس مش عايزة أقابل ربنا وفي ذمتي السر ده..”
رديت عليها بصوت واطي وزي السم:
* “المغفرة دي عند ربنا يا نهى، أنا مش هسامحك ليوم الدين.. قولي السر اللي عندك واخلصي، ابني طارق سابلنا كل حاجة، وعرفنا إنك متجوزة سامح أصلًا وإن جوازك من طارق كان باطل وتزوير!”
شهقت نهى وغمضت عينيها بوجع، وجسمها كله اترعش:
* “طـ.. طارق عرف؟! عشان كده كان لازم يموت.. طارق كان نقاء وطيبة، وأنا وسامح كنا الوساخة اللي دخلت حياته.. بس أنتِ فاكرة إن السر هو جوازي المزور من سامح بس؟ لا يا حجة.. المصيبة أكبر من كده بكتير!”
حطت إيدها المترعشة على جرح رقبتها وقالت بنفس مقطوع:
* “سامح.. سامح مش مجرد جوزي وأنا هربانة معاه.. سامح يبقى أخو طارق من الأب!”
الكلمات نزلت على دماغي زي جبل اتهد عليا! الدنيا دارت بيا، والأوضة بدأت تلف.. السرير، الأجهزة، الحوائط.. كل حاجة بقت بتهتز!
مسكت في سور السرير بكل قوتي عشان ما أقعش، وصرخت فيها بصوت مكتوم مرعب:
* “أنتِ بتقولي إيه يا مجنونة؟! أنتِ بتخرفي؟! جوز المرحوم كان راجل شريف، ومستحيل يعمل كده!”
نهى هزت رأسها بضعف ودموعها بتنزل بغزارة:
* “والله العظيم ما بيكذب ولا بتخيل يا حجة! أبو طارق الله يرحمه.. زمان قبل ما يتجوزك أنتِ، كان متجوز سرًا في الصعيد وخلّف سامح، وبعدين ساب أمه وطلقها وسافر وكتب كل حيله وشقاه باسم طارق وباسمك أنتِ.. سامح عاش طول عمره شايل الغل والحقد في قلبه، كبر وهو شايف إن طارق أخد كل حاجة: العز، الأدب، شهادة الدكتوراه، وحب الناس.. سامح كان يعيش في القاع، وطارق عايش في القمة!”
أنا كنت واقفة متسمرة، لساني اتعقد، والذكريات بدأت تهاجمني زي السكاطين.. افتكرت جوزي الله يرحمه لما كان بيسافر الصعيد زمان ويقول شغل، افتكرت توتره في أيام معينة.. السر القديم المدفون من ثلاثين سنة رجع يصرخ في وشي!
كملت نهى بصوت بيضعف أكتر وأكتر، وشاشات الأجهزة بدأت تدي إنذارات متقطعة:
* “سامح زرعني في طريق طارق.. درس كل حاجة عن طارق، خلاني أغير أوراقي وأمثل دور البنت الغلبانة الهادية عشان أخليه يحبني ويتجوزني.. الخطة ما كانتش بس شقة وعفش وفلوس.. الخطة كانت تدمير شامل لطارق! سامح كان عايز يسترد اللي شايفه حقه من ورث أبوه، كان عايز ياخد شقة طارق، ينام على سريره، وياخد مراته، ويمحي اسم طارق من الدنيا كأنه ما جاش!”
صرخت بأعلى صوتي والدموع بتتفجر من عيني:
* “يعني الأخ قتل أخوه؟! عشان غيرة وغل وورث؟! الشيطان يعمل كده؟! سامح يقتل أخوه من أبوه برحمة ودماء باردة؟!”
ابتسمت نهى ابتسامة مكسورة ومخيفة وقالت:
* “سامح ما كانش بيشوف طارق أخوه.. كان بيشوفه العدو اللي سرق منه حياته.. ولما طارق اكتشف التزوير، سامح قاللي: ‘لو طارق ما ماتش، إحنا اللي هنروح في داهية وهيرجعني السجن ثاني’.. أنا اشتركت في الجري\مة عشان كنت خايفة منه وبحبه حب أعمى وزبالة.. بس هو استغلني ورماني أول ما الخناق ضاق علينا.. أنا في الأوراق والسجلات البنكية لقيت طارق كاتبلكم أوراق ثانية.. سامح حاطط مادة سامة في حسابات طارق قبل وفاته.. وفي طفل.. طفل..”
جهاز ضربات القلب بدأ يدي صوت صفارة متصلة زاعقة!
(بييييييييييييييب)
الأطباء والممرضين دخلوا يجروا على الأوضة، زقوني لبرة وأنا بصرخ زي المجنونة:
* “طفل إيه؟! انطقي يا نهى! طفل مين؟! كملي كلامك!”
لكن الدكاترة قفلوا الباب في وشي وهما بيحاولوا يعملوا لها إنعاش قلب.. خرجت للممر وأنا بمسح وشي وإيدي بتتنفض، حسام جري عليا ومسكني:
* “في إيه يا عمتي؟! قالتلك إيه؟!”
بصيت لحسام وعيني مليانة ذهول ورعب، وقولتله بصوت طالع بالعافية:
* “سامح.. طلع أخو طارق من الأب يا حسام! الجري\مة طلعت قابيل وهابيل من جديد! وطارق اتقتل بدم بارد من أخوه عشان الغل والورث!”
حسام وقف مصدوم ومش قادر ينطق كلمة واحدة.. وفي اللحظة دي، الدكتور خرج من الأوضة، قلع الجوانتي وبص للأرض وقال بأسف:
* “البقاء لله.. المريضة توفت، سر أخير أخدته معاها للقبر.”
وقفت في نص الممر.. نهى ماتت، أخدت سر المشنقة وسابتي عايشة في وسط نار وسر جديد اتفتح.. سر طفل كان بتتكلم عنه قبل ما تلفظ أنفاسها الأخيرة!
وسامح لسه قاعد في سجنه، ما يعرفش إننا عرفنا صلة الدم السرية بينه وبين طارق.. وإن الجلسة الأخيرة والنهائية في المحكمة بكره، هتشهد مواجهة الموت بيني وبين القاتل اللي بيجري في عروقه نفس دم جوزي!
خرجت من مستشفى السجن وأنا ج\ثة هامدة بتمشي على الأرض. نهى راحت للي خلقها، أخدت معها أنفاسها الأخيرة وسابتي وسط عالم اتزلزل تحتي. “قابيل وهابيل”.. الأخ يقتل أخوه، الدم يغدر بالدم، عشان كم متر في شقة، وشوية قروش، وغل دفين عاش وسكن في قلب مريض من أكثر من ثلاثين سنة!
طول الليل ما زققتش عيني النوم. كنت قاعدة في أوضة طارق، حاطة صورته قدامي وبصاله.. أقوله: “يا دكتور طارق.. يا قلب أمك.. أنت كنت بتبتسم في وش قاتلك وأنت ما تعرفش إنه بيحمل نفس دمك؟ كنت بتعطف عليه وتعتبره شريك ومحتاج، وهو بيتكتك عشان يقطع سلك عربيتك ويحرمك من شبابك؟”
الموقف كان بيموتني ألف مرة في الساعة، بس كنت مستنية الصبح بفارغ الصبر.. مستنية اللحظة اللي هقف فيها قدام سامح في القاعة، وأرمي الحقيقة المرة في وشه قدام الدنيا كلها.
طلع الصبح، وارتديت ثوبي الأسود للانتشار الأخير.. رحنا المحكمة أنا وحسام، القاعة كانت مشحونة بكهرباء عجيبة، خبر انتحار نهى وموتها في السجن كان مالك كل العناوين والأخبار، والناس كلها مستنية النطق بالحكم النهائي على المتهم الباقي: سامح.
وقف سامح في القفص.. كان باين عليه التشتت والارتباك بعد ما عرف إن نهى ماتت وسابته يتلقى المصير لوحده، بس كان لسه بيلبس ماسك القسوة ورافع راسه باستكبار، فاكر إن موت نهى هيخليه يهرب من حبل المشنقة وبدليل إنه يرمي التهمة كلها عليها!
بدأت الجلسة.. القاضي وقف بنظارة جادة ووقار يهز الأبدان، وبدأ يقرأ التقرير النهائي للنيابة والطب الشرعي.
وفجأة.. استأذن حسام المحامي ووقف قدام المنصة، وقال بصوت جهوري هز أركان القاعة:
* “سيدي الرئيس.. قبل أن تنطق العدالة بحكمها الصارم على هذا المجرم، تقدمنا بطلب رسمي لإرفاق المستند الأخير الصادر من مصلحة الأحوال المدنية، ونتائج تحليل الطب الشرعي المترتبة على أدلة الشهيد طارق.. إننا لا نقف اليوم أمام جري\مة قت\ل طمعاً في مال فقط.. بل نقف أمام جري\مة قتل الأخ لأخيه!”
القاعة كلها اتخرست، والهمس اتقطع في ثانية واحدة!
سامح جوة القفص اتسمر، عينيه أوسعت بشكل مرعب، ورجليه اتلخبطت وهو بيمسك في قضبان القفص الحديدية.
كمل حسام بصرامة ودموع في عينيه:
* “المتهم ‘سامح’ هو الابن غير المعلن للمرحوم والد الطبيب طارق من زواج قديم بالصعيد.. عاش المتهم بحقد أسود، يتتبع خطى أخيه الناجح، وبدلاً من أن يتقرب منه بالحب والمودة، أرسل زوجته المزوّرة لتنسج شباكها حول الدكتور طارق، ولما اكتشف طارق المأساة، قام المتهم بالاتفاق معها على قطع وصلة فرامل السيارة وإعطائه مادة مهدئة ليضمن قتله والموت بدم بارد!”
صرخ سامح من جوة القفص بصوت جنوني يملأه الغل والخوف:
* “كذب! كذب! ده مش أخويا! ده اللي سرق مني اسم أبوي وفلوسه وعزه! هو وأمه عاشوا في النعيم وأنا عشت في الفقر والشارع! هو كان الدكتور المحترم وأنا الصايع السرسجي! كان لازم ياخد جزاة كل سنة عشتها في الظلم!”
اعترَف! بلسانه وقسوة قلبه اعترف قدام الكل وهو بيبكي بدموع الغل والندم المتأخر!
القاعة اتفجرت بالصراخ والصدمة من بشاعة المنظر، والناس كانت بتبص له بقرف واشمئزاز. أنا قمت وقفت من مكاني، مشيت بخطوات ثابتة لحد ما وقفت قدام القفص مباشرة، بصيت في عينيه الحمرا اللي طالع منها الشر، وقولتله بصوت حاد وواثق هز كيانه:
* “أبوك ما ظلمكش يا سامح.. أبوك مات وهو ما يعرفش إن أمتك أصلًا خبت حملها منك ورفضت ترجعله لما طلقها! أبوك ساب رزقه للولد اللي رباه على الخُلق والتقوى.. طارق ما أخدش حقك، طارق كان هيشيلك في عينيه لو جيت له بالحب وقلتله أنت أخويا.. بس أنت اخترت تكون ‘قابيل’.. والنهاردة هتحصد اللي زرعته إيديك الوسخة!”
ضرب القاضي بالمطرقة بقوة متكررة، وسكت الجميع تماماً..
وقف رئيس المحكمة، ونظر إلى سامح بنظرة كراهية وازدراء، ثم قرأ قرار العدالة الأخير:
> **”حكمت المحكمة إجماعاً، وبعد ورود رأي فضيلة مفتي الديار المصرية، بإعدام المتهم ‘سامح’ شنقاً حتى الموت، قصاصاً عادلاً لجريمته النكراء في حق النفس التي حرم الله إلا بالحق، وتجريده من كافة حقوقه المدنية.. رفعت الجلسة!”**
>
اتفجرت القاعة بالتهليل والدعاء.. “يحيا العدل! يحيا العدل!”
أمناء الشرطة كلبشوا سامح اللي انهار تماماً على أرضية القفص، بيصرخ ويبكي زي الأطفال وهما بيسحبوه لغرفة الإعدام عشان ينفذوا فيه حكم السماء والحي القيوم.
خرجت من المحكمة وأنا حاسة إن الجبل اللي كان جاسم على صدري انزاح، بس حزني على طارق هيفضل عايش جوايا لحد ما أروحله.
أما السر اللي نهى كانت عايزة تقوله عن “الطفل”.. حسام كشفه بعدها بأسبوعين لما نزلنا الصعيد وفتشنا في أوراق العائلة.. اتضح إن طارق الله يرحمه، كان كافل طفل يتيم في إحدى الجمعيات الخيرية وبيصرف عليه من حسابه في السر بدون ما حد يعرف، وكان كاتب جزء من أرباح عيادته باسم الطفل ده عشان يؤمن مستقبله.. دي كانت أخلاق طارق اللي سامح ونهى ما قدروش يفهموها ولا يوصلولها.
### 💡 **الحكمة من القصة:**
* **الغل والحقد يأكلان صاحبهما:** لم يستفد سامح شيئاً من قتله لأخيه؛ لم يحصل على الشقة، ولا المال، ولا الراحة.. بل خسر دنياه وآخرته، وعاش مطارداً ومات مشنوقاً يخزيه التاريخ.
* **الحق لا يضيع وإن طال الزمن:** الظلم قد يرفع رأسه لبعض الوقت ويخيل للظالم أنه نجح وفاز، لكن عدالة الله نافذة لا محالة، ومهما سُدّت المنافذ وتزوّرت العقود، يشاء الله أن ينطق الباطل بنفسه ليفتضح.
* **الدم لا يصير ماءً.. إلا إذا سكنه الشيطان:** صلة الرحم أمانة، والرضا بالقضاء والقدر ينجي الإنسان، أما الطمع والغيرة القاتلة فهما اللذان يحولان الأخ إلى سكين تطعن في الظهر.
* **الأثر الطيب هو ما يبقى:** رحل “دكتور طارق” وبقيت سيرته العطرة، وأعماله الخيرة، ودعوات الناس له.. ومات قاتلوه بشر أعمالهم مكللين بالخزي والعار في الدنيا والآخرة.
حماتى وسلفتى خدو شقتى٢
بقلم رومانى مكرم
حماتى وسلفتى خدو شقتى
انا كنت ورثه شقه من بابا كانت موضبه سوبر لوكس
وبعد فتره سافرت انا وجوزى الاردن وقبل مااسافر
وفرشاها ومكنش ناقصها حاجه غيرت كالون الشقه واديت نسخه لحماتى عشان لو حصل حاجه للطوارئ وسافرت وانا مطمنه إن محدش هيجي جمب شقتى وله عفشى
عشت ثلاث سنين فى الغربه وكل فتره ابعت لحماتى طقم حلل وطقم صينى ستاير سجاد حاجات من مرتبى انا شغاله مع جوزى فى الاردن ببعت حاجات غاليه عشان لما ارجع افرشها وافرح بيها وكنت ببعت لحماتى هدايه عشان ماتبصش لحاجتى
مرت الأيام وقررنا نعمل مفاجأة ونرجع من غير ما نقول لحد
وفعلاً رجعنا وطلعت شقه حماتى ملاقتش حد فيها قولنا يمكن فى مشوار طلعت شقتى وبفتح بالمفتاح واللى شوفته صدمنى اخت جوزى اتجوزت فيها علشان جوزها مش عنده شقه وخدت كل جهازى
كانت الشقة دي هي كل اللي فاضلي من ريحة بابا الله يرحمه… شقة متوضبة سوبر لوكس، كل ركن فيها معمول بدقة وحب. قبل ما أسافر أنا وجوزي الأردن، كنت مفرشاها حتة حتة، مش ناقصها ولا الهوا.
وعشان أكون مطمنة، غيرت كالون الباب الشقة، وأخدت مفتاح معايا والمفتاح التاني إديته لحماتي.. قلت في بالي: “دي زي أمي، والمفتاح معاها عشان لو حصلت أي حاجة طارئة ولا نقطت مية ولا نقطة كهربا وأنا بعيدة”. وسافرت وأنا بالي مرتاح، حاطة في بطني بطيخة صيفية إن عفشي وبيتي في أمان.
عشت في الغربة ثلاث سنين.. ثلاث سنين شقا وتعب. أنا شغالامع جوزي هناك، ومن مرتباي الشخصي وشقايا، كنت كل فترة أشتري حاجات للشقة الجديدة اللي بحلم بيها لما أرجع: طقم حلل استانلس نضيف، طقم صيني فاخر، ستاير مودرن، سجاد عجمي ثقيل… حاجات غالية وثمينة، أشتريها وأشحنها لمصر، أقول لنفسي: “لما أرجع هفرش الشقة وأفرح بشقايا”.
ومش بس كدة، كنت أعمل حساب حماتي في كل شحنة.. هدايا، عبايات، برفانات، دهب، كل دا عشان أملى عينها وما تبصش لحاجتي ولا تستكتر عليا النعمة اللي أنا فيها.
ومرت الأيام، والاشتياق لمصر وأهلنا زاد. قررنا أنا وجوزي نعمل مفاجأة للكل.. نرجع من غير ما نعرف أي حد، لا حماتي ولا غيرها. نطب عليهم كدة ونشوف الفرحة في عينيهم!
نزلنا من المطار، وصلنا البيت والشنط معانا، قلبي كان بيلعب من الفرحة.. طلعت على شقة حماتي الأول، خبطت مرة وتنين وثلاثة، مفيش حد بيرد. جوزي قال لي: “يمكن نازلين يشتروا حاجة من السوق ولا عند حد من قرايبنا، تعالى نطلع شقتنا نرتاح عقبال ما يرجعوا”.
طلعنا السلم.. حطيت المفتاح في الباب وبفتحه وأنا مستعدية أشم ريحة بيتي، أشم ريحة النظافة والأمان اللي سبته فيه…
بس المفتاح لف… والباب اتفتح… واللي شفته جوة طير العقل من رأسي وشل حركتي!
الشقة مش هي الشقة… الفرش مش هو الفرش… والأدهى إن الشقة مش فاضية!
صوت أغاني طالع من الصالة، وريحة أكل مقلي مالية المكان.. وبنت حماتي -أخت جوزي- طالعة من المطبخ وهي لابسة روب من قمصان نومي أنا! وقفت مصدومة أول ما شافتنا، والكوباية وقعت من إيدها اتكسرت ميت حتة!
أنا بقيت واقفة مش فاهمة حاجة، عنيا بتلف في الشقة… طقم الصيني بتاعي اللي بعتاه من الأردن مفروش على السفرة! السجاد الغالي اللي شقيت عشان أجيبه مفروش في الصالة! الستاير اللي جيباها بدم قلبي متعلقة على الشبابيك!
صريخي خرج من غير ما أحس: “إيه ده؟! إنتي بتعملي إيه هنا؟! وفين عفشي؟! فين حاجتي?!”
قبل ما أخت جوزي تنطق كلمة، طلع جوزها من الأوضة وهو لابس ترينج من بتاع جوزي! وقفت متنحة مش مستوعبة المهزلة… أخت جوزي اتجوزت في شقتي! أهله استغلوا غيابي، ولما بنتها جه عريسها ومعندوش شقة، حماتي فتحت الباب بالمفتاح الطوارئ، ونقلت عفشي القديم كله في مخزن ولا باعوه، وأخدت كل جهاز شقايا اللي بعتاه من الأردن وجوزت بيه بنتها في بيتي!
جوزي واقف جنبي مشدوه، وجهه أصفر زي الليمونة، مش قادر ينطق ولا كلمة من صدمته في أخته وأمه…
وفجأة، سمعنا صوت خطوات سريعة طالعة على السلم.. كانت حماتي طالعة تجري بعد ما الجيران قالولها إننا وصلنا.. دخلت الشقة، وبدل ما تتكسف أو تعتذر، وقفت وحطت إيدها في وسطها وبصتلي بعين قوية وقالت: “إيه اللي جابكم من غير ما تقولوا؟! وبعدين إيه الصريخ ده؟ دي شقة ابننا، وأخته أولى بيها من الغريب لما كان جوزها مزنوق!”
الدم غلى في عروقي، الصدمة اتحولت لناار حارقة جوايا.. شقتي اللي ورثاها عن أبايا، وعفشي اللي جبته بعرقي، بقى بحكم حماتي “أخت جوزي أولى بيه”!
#الكاتب_رومانى_مكرم_
بصيت لجوزي وقلت له بصوت يزلزل المكان: “لو حقي ما رجعليش في الدقيقة دي.. والناس دي ما طلعتش برة شقتي حالا بكل حاجة أخدوها… اعتبر إن اللي بيني وبينك انتهى للابد!”
حماتي ضحكت باستخفاف وقالت: “وريني هتعملي إيه يا شاطرة.. الشقة شقة ابننا، ورجلك فوق رقبتك هتقبلي باللي حصل!”
هنا.. الدنيا اسودت في وشي، وبدأت الكارثة…
خرجت كلماتها كأنها صلية رصاص استقرت في صدري، ضحكتها المستفزة وزغرة عينها كانت الكبريت اللي ولع في بنزين الغضب اللي جوايا. بصيت لجوزي اللي كان واقف زيه زي كرسي الخشب، وشه مطفي وعينيه بتنقل بين أمه وأخته وزوجها اللي واقف ببرود يظبط ترينج جوزي عليه.
“شقة ابنك؟!” الصوت خرج مني مش صوتي، خرج حشرجة مكتومة فيها وجع ثلاث سنين غربة، وعرق شقا، وريحة بابا الله يرحمه اللي حسيت إنهم بيسحقوها بجزمهم. “دي شقة ملكي أنا! بفلوس بابا وورثي منه! وعفشي اللي هنا بدم قلبي أنا وشقايا في الغربة! ابنك ملوش طوبة واحدة هنا يا هانم!”
حماتي حطت إيدها في وسطها وقربت خطوة بثقة إبليس: “جرى إيه يا بت أنتِ؟ نُصك نُص ابننا، وحاجتك هي حاجته! وأخته كانت مزنوقة وملقتش سقف يسترها، ولا كنتِ عايزانا نرمي أخت جوزك في الشارع عشان شوية صيني وسجاد؟ وبعدين أنتِ جاية تعملي علينا معلّمة في بيتنا؟”
في اللحظة دي، الزوج العزيز -جوزي- نطق أخيراً، بس للأسف النطق كان خيبة أمل جديدة. قرب مني ومسك دراعي بضعف وقال بصوت واطي: “يهديكِ يرضيكِ يا حسناء.. اهدي بس الناس بتتفرج علينا في السلم، تعالى ننزل تحت نتكلم ونحل الموضوع بالراحة، أختي ملهاش ذنب، أامي اللي…”
قطعت كلامه ونفضت إيده عني بكل قوتي: “أختك ملهاش ذنب وهي لابسة قميص نومي ومفرشة صيني شقايا على سفرتي؟! أختك ملهاش ذنب وزوجها جالس في بيتي بلبسك؟! أنت مش راجل ولا إيه؟ أنت ساكت ليهم ليه؟!”
القلم نزل على وشي مش منه هو، لكن من صدمتي فيه! وقفت أخت جوزي تتبغدد وتبصلي بقرف وقالت: “اتكلمي عدل مع أمي يا حبيبتي! وبعدين الشقة كانت مقفولة والبوم بيعشش فيها، إحنا جينا عمرناها ونضفناها، بدل ما تشكرينا إننا حافظنا لك عليها جاية تعملي شو ونمرة؟”
جوزها أخد نفس من السجارة ورمى الدخان في وش جوزي وقال ببرود يفرس: “يا أبو الكباتن، استهدي بالله وخود جيرتك وانزلوا شقة الحجة تحت ارتاحوا من السفر، وإحنا الصبح نقعد نتفاهم، مش أصول تيجي تدب في بيتي وتخض مراتي كدة!”
“بيتك؟!” الكلمة ولعت فيا النار. طلعت يجري على المطبخ، سمعت صريخ حماتي وهي بتجري ورايا فاكراك هجيب ساطور، بس أنا مسكت أطراف السفرة اللي محطوط عليها طقم الصيني الأردني اللي بعتاه بفرنكات شقايا.. وبكل قوة الغل والظلم اللي حسيته، قلبت السفرة بكل اللي عليها!
صوت تكسير الصيني وهو بيتحول لدشيش على الأرض كان زلزال هز العمارة كلها. الصيني الفاخر، الأطقم المذهبة اللي كنت بحلم أقدم فيها لأهلي، بقت ركام تحت رجلي.
أخت جوزي صرخت: “يا لهوي! مجنونة! جهازيااااا!”
حماتي هجمت عليا تضربني في كتفي: “يا يخرب بيتك يا بعيدة! بكسري حاجتنا؟!”
زقيت حماتي بكل قوتي وقعت على الكنبة، وبصيت لأخت جوزي وزوجها وأنا بصرخ بصوت يرج حيطان العمارة: “حاجتكم؟! دي حاجتي أنا! وشقتي أنا! والله العظيم لو ما غورتوا برة الشقة دي بحاجتكم الشخصية بس خلال خمس دقايق، لأكون مولعة في الشقة باللي فيها، وأولكم الترينج اللي لابسه ده!”
سحبت القداحة من على الترابيزة وفتحت إمبوبة البوتاجاز اللي كانت شغالة في المطبخ، ريحة الغاز بدأت تسرب وتفوح في المكان بسرعة. الجيران بدأوا يتجمعوا على باب الشقة المفتوح، الأصوات زادت، والناس بتفرج وتتهامس: “يا ساتر يا رب.. دي شقة البنات ورث أبوها فعلاً.. حماتها جابت أخت جوزها تجوزها فيها!”
جوزي اترمى عليا وهو ميت من الرعب وشاهق: “حقك عليا! اقفلي الانبوبة يا حسناء! والله العظيم حقك هيرجع! اقفلي أرجوكِ هنتموت كلنا!”
زوج أخته وشهم جاب ألوان، الخوف أكل قلوبهم لما شافوا عينيا فيها جنون المظلوم اللي معندوش حاجة يخسرها. حماتي وقفت بترتعش بس لسه عينها قوية، مسكت بنتها من إيدها وقالت: “تعالي يا بت معايا، السلسة مش هتكبر مع مجنونة، بكرة الصبح ابننا يطلقك وترجعي لأبوكِ شحاتة زي ما جيتي!”
طلعت حماتي وبنتها وزوجها يجرو على السلم وهم بيتحسبنوا، وتركوا الشقة عبارة عن ساحة حرب: صيني مكسر، ريحة غاز، وعفش متدمر.
قفلت أنبوبة الغاز، وقفت في نص الصالة أتنفس بسرعة، الدموع أخيرًا عرفت طريقها لعينيا وهزت جسمي كله.. بصيت لجوزي اللي كان قاعد على الأرض بين الركام ومغطي وشه بآيديه.
قربت منه، وبصيتله بمنتهى القسوة والجفاف اللي في الدنيا وقلت له: “أمي وبنتها نزلوا.. دورك جه يا ابن الحلال. قدامك دقيقة واحدة تلم هدومك وتنزل وراهم.. لو بكرة الصبح العقود الحقيقية للشقة وعفشي القديم اللي سرقتوه ويرجع كل مليم اتصرف هنا، هرفع عليك وعلى أمك وأختك قض\\ية سرقة وترويع واغت\\صاب ملكية.. واعتبر نفسك من اللحظة دي.. مش جوزي.”
حماتى وسلفتى خدو شقتى٣
بقلم روماني مكرم 3
رفعت راسي للسقف وأنا بمسح دموعي بقسوة، مش هسمح لدمعة واحدة تانية تنزل على ناس ميسواش. جوزي رفع راسة من بين إيديه، وشه كان شاحب زي الموتى، عينيه فيها ترجي وانكسار، بس أمانة ربنا، ما تحركتش فيا شعرة واحدة. اللي اتكسر جوايا في اللحظة دي أكبر بكثير من طقم الصيني اللي بقى دشيش تحت رجلينا.
“حسناء.. أرجوكِ اسمعيني بس، والله ما كنت أعرف إنهم عملوا كدة!” قالها وهو بيحاول يمسك طرف عبايتي.
نفضت العباية من إيده بعنف وصرخت فيه بصوت هز العمارة: “ما كنتش تعرف؟! ثلاث سنين غايبين، أمك كل شهر بتاخد منا هدايا وشحن، وأختك بتتجوز وتتستف في بيتي وأنت غرقان في نوم العسل؟! ولا كنت عارف ومكبر دماغك ومستني لما نرجع وتحطني قدام الأمر الواقع وتقول لي ‘معلش دي أختي’؟! برة يا أحمد! بقولك برة شقتي قبل ما أطلب لك الشرطة فوراً بتهمة اقتحام ملك غيرك!”
وقف وهو بيترعش، مش عارف يلم شتات نفسه ولا عارف يواجه جنون المظلوم اللي خرج مني. لما شافني مسكت التليفون وببدأ أطلب رقم النجدة، جاب شنطة سفره اللي كانت لسة على الباب، وخرج يجر رجليه على السلم وهو بيتلفت لي بأمل إن الكابوس ده يخلص، بس أنا قفلت الباب في وشه ورزعت كالون الشقة بالحديد.
أول ما الباب اتقفل، انهديت على الأرض بين الصيني المكسر والسجاد المغرق بالغاز والدموع. البيت اللي كنت بحلم أرجع له يلمني، بقى ساحة معركة. ريحة بابا الله يرحمه اللي كنت دور عليها، اختفت تحت ريحة شياط أكيلهم وقمصان نومي اللي اتلبست وتهانت. بس المسكنة مش هترجع لي حقي.. مسحت وشي وقمت وقفت زي الألف.
أول حاجة عملتها، اتصلت بأخويا الكبيرة “محمود”. محمود راجل صعيدي أصيل، مابيرضاش بالظلم، وما حكيتلوش التفاصيل في الأردن عشان ما أعملش مشاكل، بس دلوقتي خلاص، السيف سبق العذل.
” الحقني يا محمود.. الشقة اللي بابا سابها لي، حماتي جيبت بنتها اتجوزت فيها، وعفشي اتسرق، وأنا واقفة في الشقة لوحدي وسط الخراب.”
ما كملتش نص ساعة، وكان محمود ومعه اثنين من أعمامي طالعين على السلم زي العاصفة. لما دخلوا وشافوا منظر الصيني المكسر، والستاير المتعلقة، وريحة الغاز، وشافوا حالة أختهم، محمود عينيه احمرت والدم غلى في عروقه.
“مين اللي عمل كدة؟! فين النطع اللي جوزك؟! وفين أهله؟!” محمود صرخ بصوت هز العمارة كلها.
حكيت له كل حاجة بالتفصيل.. من أول مفتاح الطوارئ اللي اديته لحماتي بحسن نية، لحد طقم الحلل والصيني والسجاد اللي كنت بشحنه بدم قلبي، ولحد ما دخلت لقيت أخت جوزي لابسة هدومي وجوزها لابس ترينج جوزي!
أعمامي ومحمود اتجننوا. محمود نزل على السلم زي القضاء والقدر، ونزلنا وراه كلنا على شقة حماتي في الدور الثاني. محمود خبط على الباب برجله خبطة بغضب كانت هتشيل الباب من مكانه!
“افتحي يا هانم! افتح يا ابن (… ) يا اللي سايب أختك وأمك يسرقوا لحمك وحق مرتك!”
الباب اتفتح، وخرج جوزي وأمه وأختها وجوزها، والجيران في العمارة والعمارات المجاورة يتجمعوا على الصوت، الشارع كله اتلم.
حماتي طلعت تبص بتبجح: “جرى إيه يا جدعان؟ جايين تتشطروا علينا في بيتنا؟ الشقة شقة ابننا، وهي اللي مجنونة كسرت صيني بنتي وغرقت الشقة غاز وكانت هتولع فينا!”
محمود قرب منها وصباعه في عينها: “شقة مين يا روح أمك؟! الشقة دي بعقد مسجل باسم المرحوم أبونا، وورث أختنا الشرعي والمدني! أنتِ وبتك وجوز بتك دخلتوا الشقة دي بلطجة وسرقة! فين العفش القديم بتاع أختي اللي كان في الشقة؟! فين الذهب والفلوس اللي كانت شايلها هنا؟!”
حماتي اتربكت لما شافت أعمامي ومحمود واقفين زي الجبال، بس أخت جوزي خشت في الكلام بقلة أدب: “عفش إيه يا خويا؟! الشقة كانت كراكيب، وإحنا أخدنا شوية الحاجات الجديدة اللي كانت بتبعثها وعمرنا بيها البيت، يعني هي هتبخل على أخت جوزها؟”
هنا أنا اتكلمت بصوت عالي أمام الشارع والجيران كلهم: “أنا بعت هدايا بآلاف الجنيهات والأردني، شقايا وعرقي! أنتِ أخدتي جهازي وملاياتي وقمصان نومي وصيني شقايا واتجوزتي بيهم يا حظية! والجزم اللي في رجلك دي جيباها بفلوسي!”
عمي الكبير وقف وقال بصوت هادي بس يقطع الرقاب: “الموضوع ده ملوش غير طريقين.. يا تطلعوا دلوقتي جزمة في بقكم تجيبوا العفش القديم اللي شلتوه من الشقة، وتدفعوا حق الصيني اللي اتكسر والتلفيات، وتكتبوا إقرار بتنازل عن أي حاجة أخدتوها وتغوروا برة العمارة دي خالص.. يا إما قسم الشرطة دلوقتي، والنيابة هتطلع معاينة، وساعتها أختك وجوزها وهيتحبسوا بتهمة دخول مسكن دون إذن مالكه والسرقة بالإكراه واغت\\صاب العقار!”
جوز أخت جوزي وشها جاب ألوان لما سمع كلمة “حبس ونيابة”، وبص لحماتي بغضب وقال: “جرى إيه يا حجة؟! مش قولتيلنا الشقة دي ملك ابنك وهو موافق ومفيش مشكلة؟! أنا مش هضيع مستقبلي وأتدخل في قضايا سرقة عشان خاطركم!”
أحمد جوزي كان واقف زي الفزاعة مش عارف يدافع عن أمه ولا يواجه نسايبه، وبدأ يترجى محمود: “يا أبو حنيفة، استهدوا بالله، إحنا أهل وما ينفعش الفضايح دي قدام الجيران..”
محمود أخد أحمد من زامور رقبته ورزعه في الحيطة: “أهل؟! الأهل ما بيسرقوش بعض يا نطع! الأهل ما بياكلوش حق الويتيمة اللي شقيت في الغربة! أنت مالكش كلمة هنا، الكلمة للقانون وللرجالة!”
حماتي لما لقت الخناق زاد والشرطة قربت تتطلب، بدأت تصرخ وتعمل نفسهاغمى عليها وتصوت: “لحقوني يا ناس! الحقوني الغرباء جايين يضربوني في بيتي وياكلوا حق ولادي!”
بس الجيران كلهم كانوا شاهدين، وشيخ الحارة وقف وقال لحماتي: “اتقي الله يا أم أحمد، الشقة دي فعلاً ملك المرحوم أبو حسناء من زمان، وأنتِ استغليتي سفرهم وجوزتي بتك فيها، دي أصول دي؟!”
الموقف اتعقد تماماً، والشارع بقى يغلي، وأخت جوزي بدأت تلم هدومها وهي بتعيط وتصرخ في جوزها، وأنا واقفة متكتفة الذراعين وببص لأحمد جوزي بمنتهى القرف والاشمئزاز.
محمود طلع تليفونه وطلب النجدة قدام الكل: “ألو.. النجدة؟ بلاغ عن اقتحام شقة وسرقة محتوياتها في عنوان…”
أحمد اتجنن وجري مسك إيد محمود، وحماتي قامت من على الأرض فجأة وزغرت بعينيها وهي بتقول: “استنى يا مجنون أنت وهو! العفش القديم في المخزن بتاع عمكم في العزبة، والفلوس اللي اتصرفت هترجع.. بس بتي مش هتمشي من الشقة دي إلا لما تلاقوا لها حتة تقعد فيها!”
ضحكت بصوت عالي ورنان هز الشارع كله وقربت من حماتي وقلت لها: “تعد قعدتها في الشارع أو في التخشيبة يا حماتي.. لأن الشقة دي هتقفل بلحام صاج الليلة دي، وأنتِ وابنك وبنتك.. حسابكم معايا يلا يبتدي في المحاكم!”
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
الشرطة وصلت الشارع وصوت السارينة كان بيرن في الأرجاء. الشارع كله كان واقف على رجل، والجيران باصين من البلكونات والشبابيك يتفرجوا على المهزلة اللي عملتها حماتي وعيلتها.
نزل الضابط من البوكس ومعه العساكر، ونزلنا كلنا للشارع. محمود أخويا تقدم بثبات ورفع عقود الشقة المسجلة باسم بابا الله يرحمه وقال للضابط: “يا فندم، البلاغ عن اقتحام شقة وسرقة محتوياتها واغت\\صاب ملكية. الشقة دي ملك أختي بعقود رسمية وورث شرعي، حماتها استغلت سفرها للأردن مع جوزها، وأخدت مفتاح الطوارئ، وجوزت بنتها في الشقة واستولت على جهازها وعفشها الجديد والقديم.”
الضابط بص لحماتي وأخت جوزي وجوزها، وبص لأحمد جوزي اللي كان واقف زي الفرخة المبلولة مش قادر يرفع عينه في حد. الضابط سال: “مين فيكم الساكن في الشقة حالياً؟”
جوز أخت جوزي اتوتر جداً وقال بسرعة عشان يبرئ نفسه: “يا باشا أنا ماليش دعوة! حماتي هي اللي قالت لي إن الشقة دي ملك ابنها وإنهم مظبطين كل حاجة، أنا دخلت على الجاهز وكنت فاكر الموضوع ودي!”
الضابط بص لحماتي وسألها: “الكلام ده مظبوط يا حجة؟ معاكي أي ورق يثبت إن ليكي حق في الشقة أو إنك أخدتي إذن صاحبتها؟”
حماتي لسانها اتقعد، وبدأت تلعثم وتلف وتدور: “يا باشا دي شقة ابننا.. يعني شقة ابننا وبنته، وإحنا أهل، يعني هي هتبخل على أخت جوزها بشوية كراكيب وقعدة شهرين؟”
رد الضابط بحسم وقسوة: “القانون مبيعرفش كراكيب ولا أهل يا حجة، القانون بيعرف أوراق ومستندات. الشقة باسم المرحوم والد الأستاذة، والأستاذة مقدمة بلاغ باقتحام وسرقة.” وبص للعسكري وقال: “هاتلي الثلاثة دول على البوكس (أخت جوزي، وجوزها، وحماتي)، والأستاذة وأخوها يتفضلوا معانا على القسم لعمل المحضر.”
هنا حماتي صرخت وبدأت تطش على وشها وشعرها: “يا فضيحتك يا أم أحمد! يا لهوي هنروح القسم على كبرنا؟! الحقني يا أحمد! ساكت ليه يا نطع؟! سيبهم ياخدوا أمك وأختك؟!”
أحمد انهار، وبدأ يعيط ويترجى محمود ويترجاني قدام الشارع كله: “يا حسناء عشان خاطري! عشان خاطر السنين اللي بيننا بلاش قسم وبلاش فضايح! أمي ست كبيرة ومش هتحمل الحبس، وأختي ملهاش ذنب! اعملي فيا أنا اللي أنتِ عايزاه بس بلاش هما!”
بصيت له بمنتهى الجفاف والجمود، وقربت منه وقلت بصوت مسموع للكل: “السنين اللي بيننا أنت اللي دهستها برجلك لما سبت أمك تسرق عرق شقايا وتلبس أختك قمصان نومي وجوزها يلبس ترينجاتك! أنت مش راجل ولا تشرفني تكون جوزي لحظة واحدة تانية! أنا مش هتنازل عن حق أبوي وحق شقايا لو على رقبتي!”
في القسم، الموضوع دخل في الجد. الضابط عمل معاينة سريعة للشقة وشاف الصيني المكسر، والتلفيات، والعفش الجديد، ووجّه لحماتي وبنتها وجوزها تهمة رسمية: “اقتحام مسكن، والسرقة، والإتلاف العمدي”.
أول ما سمعوا التهم، وشهم جاب ألوان. جوز أخت جوزي اتجنن داخل التخشيبة وبدأ يصرخ في مراته وأمها: “أنتم ضيعتوني! أنتم نصابين! أنا طالق منك يا شيخة ورجلي مش هتدخل العيلة دي تاني!” وطلق أخت جوزي رسمياً في القسم قدام الضابط والناس!
أخت جوزي قعدت في الأرض تصوت وتلطم على حظها، وحماتي بقت تبصلي بعينين مكسورة لأول مرة في حياتها.. عينين زالت منها النعرة والكبرياء، وقعدت تحت رجلين محمود أخويا تترجاه: “يا ابني أبوس إيدك تنازلوا عن المحضر.. البت اتطلقت وبيتها اتخرب! العفش القديم هنرجعه بكرة الصبح من المخزن، والفلوس والصيني هتدفع حقهم داير نداير بس بلاش الحبس والفضايح!”
محمود بصلي وقال لي: “القرار قرارك يا حسناء.. هما اتكسروا خلاص، والورق كله في إيدنا، والقانون جاب لك حقك لحد عندك.”
بصيت لحماتي وأنا شايفاها مكسورة ومذلولة هي وبنتها، وقلت بصوت قاطع يوزن جبال: “المحضر مش هيتنازل عنه إلا بشرطين اتنين مفيش غيرهم، ويتنفذوا دلوقتي حالا وقبل ما الصبح يطلع!”
حماتي رفعت رأسها بلهفة: “شرط إيه يا بنتي؟! أؤمري وأنا أنفذ!”
قلت لها وقلم الصدمة يتجهز للضربة الأخيرة: “الشرط الأول: العفش القديم يرجع يتركب في الشقة زي ما كان، وكل حاجة اتكسرت أو اتسرقت يدفع ثمنها كاش كتعويض، والشقة تتقفل بتوكيل رسمي وإقرار بعدم التعرض.. والشرط الثاني…”
سكت لحظة وبصيت لأحمد جوزي اللي كان واقف برة التخشيبة بيبصلي بقلب مجروح، وكملت كلامي بثبات هز جدران القسم: “الشرط الثاني.. أحمد يطلقني حالا ويدينا كل حقوقي الشرعية والقانونية، ويكتب إقرار بدفعه لمؤخر الصداق ونفقة المتعة، وإنه ملوش أي حظر أو حاجة عندي!”
أحمد صرخ من برة: “لا يا حسناء! طلاق لا! أنا بحبك وما أقدرش أعيش من غيرك! أنا اتظلمت في النص والله!”
رديت عليه بضحكة مكسورة: “اللي بيحب مبيسمحش لأهله ينهبوا حبيبته ويستغلوا غيابها.. أنت سقطت في أول اختبار للرجولة يا أحمد، واللي يسقط من عيني.. ميرجعش ليها أبداً!”
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
ترددت أصداء كلماتي في أروقة القسم كأنها حكم الإعدام على كل ما كان بيني وبين أحمد. ساد الصمت للحظات، لم يكن يسمع فيها إلا صوت أنفاس حماتي المتصاعدة وبكاء أخت جوزي التي خسرت زوجها وبيتها في ليلة واحدة بسبب الطمع والجشع.
أحمد كان واقفاً مذهولاً، ينظر إليّ بعينين ملأهما الندم والرجاء، يتمنى لو يرجع الزمان للورا ليمسح ضعف قوامته وسكوته عن الظلم. قدم خطوة نحو محمود أخويا، يحاول يستعطفه: “يا محمود.. أنت راجل وعارف الأصول، بلاش تهد بيتي.. أنا بحب حسناء والله، والشقة شقتها والعفش عفشها، وأنا مستعد أكتب لها الشقة باسمها وأقطع علاقتي بأمي وأختي لو ده يرضيها!”
هنا تدخل محمود بكل حسم، ورد عليه بصوت هز الجدران: “الراجل اللي بيبيع أمه عشان يرضي مراته ملوش أمان، والراجل اللي بيسيب أمه تسرق مراته ملوش رجولة! أختي مش لعبة في إيدك ولا في إيد أهلك.. أنت نسيت إنك كنت ساكت ولما دخلنا الشقة لقيت أختك لابسة هدومها وجوزها لابس ترينجك؟! يالا يا ابن الحلال.. ورقت أختي في إيدنا، ودفع التعويض كاش، يا إما النيابة الصبح والكل يلبس كلبشات!”
شعر أحمد بالأمل يتلاشى تماماً، وأيقن أن حسناء اليوم ليست حسناء الأمس؛ فالظلم يعيد تشكيل النفوس ويقسي القلوب الضعيفة. تحت ضغط المحضر الصريح، وخوف حماتي من الحبس وفضيحة العيلة، أخرجت حماتي كل ما تملك من مدخرات وذهب كانت تخبئه، وجمعت المبلغ المطلوب كتعويض عن التلفيات والصيني المكسر وكل ما تم استهلاكه.
وفي نفس الليلة، وأمام المأذون الشرعي الذي استُدعي إلى مقر المحضر للتسوية، ألقى أحمد اليمين وهو يبكي بحرقة: “أنتِ طالق يا حسناء.. طالق.. طالق.”
خرجت الكلمات من فمه لتفك قيد ثلاث سنوات من الغربة والتعب والشقا مع رجل لم يحسن حمايتي ولا صون أمانتي. استلمت ورقة طلاقي، واستلمت التعويض المالي، وفي الصباح الباكر، خرجت شاحنة كبيرة محملة بعفشي القديم من مخزن العزبة، وأُعيد ترتيب الشقة، وتم تغيير كالون الباب بكالون حديث إلكتروني لا يملكه أحد غيري، وتم تحرير محضر بعدم التعرض لي أو للشقة من أي فرد من عيلتهم.
وقفت في منتصف صالة شقتي.. الصيني الجديد المكسر أُزيلت بقاياه، والسجاد المغرق بالغاز تم تنظيفه، لكن أثر الكسرة والوجع في قلبي كان يحتاج إلى وقت ليبرى. نظرت إلى صورة بابا الله يرحمه المتعلقة على الحائط، وابتسمت وسط دموعي.. حسيت إن روحه في المكان بتقول لي: “عفارم عليكِ يا بنتي.. حظك في الرجال خاب، بس حقك ماضاعش.”
حماتي خرجت من هذه المعركة مكسورة الخاطر، ابنتها اتطلقت في نفس الليلة وعادت إليها بفضاحة يتردد صداها في الشارع كله، وابنها أحمد أصبح شبحاً مكسوراً يعيش في عزلة وندم، يرى شقتي كل يوم من الشارع ولا يستطيع حتى النظر إلى بلكونتها.
**الحكمه من القصة:**
1. **الطيب لا يعني الهبل:** إعطاء الأمان الكامل وحسن النية المفرط حتى لأقرب الناس قد يدفعهم للاستغلال؛ الحرص والحدود الواضحة هما الأمان الحقيقي في التعاملات المالية والعقارية.
2. **الرجولة أفعال وموقف:** الزوج ليس مجرد معيل يسافر ويجمع المال، بل هو السند والحماية؛ والزوج الذي لا يستطيع حماية زوجته وحفظ كرامتها وأمانتها أمام أهله، لا يستحق أن يكون شريك حياة.
3. **الظلم ظلمات والطمع يقل ما جمع:** طمع حماتي واستغلالها لغياب كنة الشقا لأجل تزويج ابنتها، انتهى بدمار بيت ابنتها وفضيحة عائلتها وخسارة ابنها، فالحرام لا يدوم والظلم يعود على صاحبه أسرع مما يتوقع.
4. **الحق يحتاج قوة تحميه:** الحق وحده لا يكفي إن لم تكن صاحب شخصية قوية وقادرة على أخذ موقف حاسم وعدم التنازل أمام العاطفة المزيفة.


تعليقات
إرسال تعليق