القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 


خطوبتى اتفركشت كاملة رومانى مكرم





انا خطوبتي اتفركشت وبكرا هياخد الشبكه


اخته بتكلمني النهارده قالتلي علي الاسدال كانت جيبهولى هديه وانا بصلى بيه وقالت احسبى الفلوس الى ختيها على العيد والهدايه الى اخويا جبهالك ياريت تحسبو كل حاجة وترجعوها لصحابها واحسبو تمن الفااكها الى كان اخويا بيجبهالكم وتكلوها معرفتش ارد اقول ايه لقيت ماما خدت منى التلفون وقالت والطفاح الى كنتو بتطفخوه لم بتيجو وله احنا خدمين عندكم والهدايه ال بنتى جبتها لاخوكى وله بتدور على حقكم بس هو فى حد بيطلب يهديه وله بيطلب باكل غير الناس الجعانه يابنت الجعانه


 


كان المساءُ ثقيلاً، والبيتُ يغرقُ في صمتٍ خانقٍ يشبهُ هدوءَ ما قبلَ العاصفة. في الزاويةِ المظلمةِ من الغرفة، كانت “سارة” تجلسُ على طرفِ الفراش، تنظرُ إلى علبةِ “الشبكة” المخمليةِ الخضراء المفتوحةِ أمامها. الخواتمُ الذهبيةُ تتلألأُ تحتَ ضوءِ المصباحِ الضئيل، لكنها لم تعد ترمزُ إلى حبٍّ أو مستقبل، بل أصبحت شواهدَ على بدايةِ حكايةٍ مسمومةٍ أوشكت على الانفجار.


غداً… غداً سيمحون كل شيء. سيتسلل “عمر” وأهله لينهوا خطوبةً لم تدم سوى أشهرٍ قليلة.


فجأةً، شقّ شاشةَ هاتفِ سارة ضوءٌ متوهج، واهتزَّ الجهازُ بين يديها بإنذارٍ مرعب. كانت المتصلة “داليا”، أخت العريس. استجمعت سارة أنفاسها وردّت بصوتٍ خافت، لتقابِلَها نبرةٌ ممتلئةٌ بالتشفي والغرور الجاف:


— “أهلاً يا سارة… بكرة طبعاً عمر وجايين ناخد الشبكة، بس قبل ما نيجي في شوية حسابات محتاجين نخلصها.”


صمتت سارة، بينما واصلت داليا كلامها ببرودٍ يقطرُ قسوة:


— “الإسدال اللي كنت جايباهولك هدية وتصلي بيه؟ طبعاً دا حقي ومحتاجاه بكرة. وغير كده، تحسبي الفلوس اللي خدتيها في العيديات، وكل الهديا اللي أخويا جابها لك… ياريت تحسبوا كل حاجة وتعملوا حسابكم ترجعوها لأصحابها. وآه، صحيح… ما تنسوش تحسبوا تمن الفاكهة اللي كان أخويا بيجيبها لكم وتأكلوها! رجعوا تمنها!”


تجمّد الدمُ في عروق سارة. شلّتها الصدمةُ وجعلت لسانها ينعقد، فلم تجد كلمةً واحدةً ترد بها على هذا الهوان. لكن قبل أن تُسقِطَ الهاتفَ من يدها، امتدت يدٌ قويةٌ وسحبت الجهازَ بعنف.


كانت الأم تقفُ كاللئبِ الجريح، متأججةً بالغضب، وقد سمعت الصوتَ المرتفع عبر السماعة. وضعت الأم الهاتفَ على أذنها، وانتفض صوتها كالصاعقة ليشقّ صمت الغرفة:


— “والطُفاح اللي كنتوا بتطفحوه لما بتيجوا؟! ولا إحنا خدامين عندكم؟! والهديا اللي بنتي جابتها لأخوكي ولا بتدوروا على حقكم وبس؟! هو في حد بيطلب هدية ولا بيطلب بأكل غير الناس الجعانة يا بنت الجعانة؟!”



ساد الصمتُ على الطرف الآخر لثوانٍ معدودة قبل أن تصرخ داليا بغلٍّ أعمى، وتغلق الخط بوجهها.


في صباح اليوم التالي، كان الهواءُ محمّلاً برائحةِ الغبار والتوتر. وصل عمر برفقة أخته داليا ووالدته إلى منزل سارة. جلسوا في صالة الضيافة، والوجوهُ جهمةٌ كأنها مضمارُ معركة. وُضعت علبةُ الشبكة على الطاولة الوسطى، وجلس الجميع في حالةِ استنفارٍ خفي.


#الكاتب_رومانى_مكرم_


كانت داليا تجلسُ متكئةً على الذراع الخشبي للمقعد، وعيناها تطوفان أرجاء الشقة ببحثٍ محموم، حتى وقعت عيناها على “الإسدال” الملتف بعناية والموضوع فوق حقيبة الهدائع على طرف الطاولة.


ابتسمت داليا ابتسامةً خبيثةً باهتة، ومدّت يدها لتلتقط الإسدال بلهفةٍ غريبة، ثم ضغطت عليه بقوة بين أصابعها، ونظرت إلى سارة بعينين تتوهجان بشرٍّ دفين. اقتربت من أخيها عمر، وهمست في أذنه بنبرةٍ مسموعةٍ ومحمولةٍ بالوعيد:


— “أنا أخدت الإسدال خلاص… وهعمل عليه عمل علشان أذِلها بيه وأخليها تتمنى التراب اللي تمشي عليه!”


 


أشعلت همسةُ “داليا” في أذن أخيها شرارةً مكتومةً في أرجاء الصالة. لم تكن الملاحظةُ خافيةً على عينِ أمّ سارة، التي كانت ترقبُ كل حركةٍ بريبةٍ وحذر، كلقبوةٍ تصونُ عرينها. رأتها وهي تطوي الإسدال بلهفةٍ غريبة، وتغرسُ أظافرها في قماشه كأنها تطبقُ على صيدٍ ثمين.


استقرت علبةُ “الشبكة” الخضراء في منتصف الطاولة الخشبية، تتلألأُ جواهرهُا تحت الضوء اللامع، لكن أحداً لم يمدّ يدهُ إليها بعد. ساد صمتٌ ثقيل، صمتٌ يخنقُ الأنفاس، قطعتهُ والدةُ عمر وهي تنحنحُ بنبرةٍ باردةٍ كالجليجل:


— “أظن يا أم سارة إن الأحسن ننهي الموضوع بالمعروف.. الشبكة قدامنا، والأصول بتقول إن كل شيء يرجع لأصحابه من غير شوشرة.”


وقفت أمُّ سارة في منتصف الغرفة، ثابتةً كالجبل، ولم تكد تُنهي أمّ عمر كلمتها حتى انطلقت من عينيها شرارات الغضب. نظرت إلى “داليا” التي كانت تسحبُ الإسدال نحو حقيبتها بخفةٍ مريبة، ثم وجّهت حديثها للأم والعريس بحدة:


— “الأصول؟! الأصول تعرفوها لما تنضفوا من جوة! الشبكة موجودة وما يلزمناش منها قشة.. بس البت دي (وأشارت بسبابتها نحو داليا) حاطة إيدها على الإسدال ليه؟! والهمسة اللي همستها في أذن أخوها دي معناها إيه؟!”


ارتبك “عمر” وتطلع بين أخته وأمه، بينما تجهم وجهُ داليا وتغيرت ملامحها للشرس، وقالت بصوتٍ مرتفع وهي تطوقُ الإسدال بذراعيها:


— “دا حقي! أنا اللي شرياه بفلوسي، وآخده في الوقت اللي يعجبني وبطريقتي! ولا فاكرين إنكم هتاخدوا حاجة مش من حقكم؟!”



في تلك اللحظة، تقدمت “سارة” بخطواتٍ متثاقلة من داخل الغرفة. كانت ملامحها هادئة بشكلٍ مرعب، وقد انشفت من عينيها كل دموع الانكسار لتبدّلها بصلابةٍ لم يعهدها أحدٌ فيها من قبل. نظرت في عيني داليا مباشرةً وقالت بصوتٍ رزين وثابت يقطعُ الشك:


— “خديه يا داليا.. خدي الإسدال، وخدي العيديات، وحسبي تمن الفاكهة والأكل اللي دخل بيتنا.. بس افتكري إن في رب شايف وعارف.. والنية السودة اللي جواكي مش هتعود غير عليكِ أنتِ وأخوكي.”


اشتدت حدةُ الموقف، وقامت أم سارة بسحب حقيبةٍ كبيرة كانت قد أعدتها مسبقاً، وألقتها تحت أقدام عمر. تفرقعت الحقيبةُ على الأرض ليتناثر منها كل ما قدمه عمر خلال فترة الخطوبة من هدايا وأغراض بسيطة.


— “دي حاجتكم كاملة مكملة، مش ناقصة قرش ولا هدية! وأما الفاكهة والأكل اللي طفحتوه عندنا.. فحسابنا فيه عند ربنا، هو اللي بياخد حق الضيف لما يقل أصله!”


كانت داليا تحتضنُ الإسدال بقوة، وعلى وجهها ابتسامة نصر زئبقية، كأنها لم تأتِ لسترداد حقٍّ مالي، بل لتظفر بالقطعة التي ستنفذُ منها سمومها. تنبهت أم سارة لتلك الابتسامة، وشعرت بأن خلف هذا الإصرار سرّاً خبيثاً. لم تتردد الأم، بل خطت خطوةً سريعة نحو داليا وسحبت طرف الإسدال بعنف!


— “هاتيه هنا! طالما القلوب مريضة بالشكل دا، ما فيش قماشة تخرج من بيتي دخلها اسم ابنتي إلا لما أقطعها حتت قدام عينيكي!”


صرخت داليا وشدت الإسدال باتجاهها:


— “إيدك! دا ملكي وأنا حرّة فيه!”


تدخل عمر ممسكاً بذراع أخته في محاولةٍ لفض الاشتباك، بينما علت الأصوات وتوترت أجواء الشقة بالكامل. وفي وسط هذا الهرج، استطاعت أم سارة أن تجذب الإسدال بقوةٍ أدت إلى تمزيق جزءٍ من طرفه السفي، ليتساقط من بين طياته شيءٌ صغير لم يكن ملحوظاً من قبل.. ورقة سودة مطوية ومربوطة بخيطٍ رفيع، كانت غارزةً في بطانة الثوب الداخليه!


عمّ الصمتُ فجأةً في الصالة. تجمدت العيونُ كلها على تلك الورقة الغريبة التي سقطت على السجادة بين الجميع. تغير لونُ وجه داليا ليصبح أصفر كالموت، وارتجفت يدها وهي تحاول الاندفاع للتقاطها، لكن يد أم سارة كانت أسرع.


رفعت الأم الورقة المطوية، ونظرت إلى داليا بعينين تتأرجحان بين الصدمة والذهول، ثم التفتت إلى عمر وقالت بصوتٍ يرجفُ من الهول:


— “شوف يا عمر.. شوف أختك كانت جايبة لإختك إيه في الإسدال اللي بتصلي بيه! شوف النية اللي كانت متبيتة لبنتي من قبل ما تفكروا تفكوا الخطوبة حتى!”



جلس عمر مبهوتاً لا يستطيع النطق، بينما تراجعت داليا إلى الخلف بخطواتٍ مرتكبة، وعيناها تدوران في المكان بحثاً عن مخرج، بعد أن انكشفت الحقيقة الجائعة التي كانت تخفيها تحت عباءة المطالبة بالحسَاب والهدَايا.


#الكاتب_رومانى_مكرم_


ارتفعت الأنفاسُ في الغرفة، وأصبح الهواءُ ثقيلاً ينذرُ بوقوعِ كارثة. كانت الورقةُ المطويةُ بالخيط الأسود تتوسطُ يدَ أم سارة، كأنها جمرةٌ حارقة تشتعلُ بالشر. اقترب “عمر” بخطواتٍ مثرورة، والذهولُ يعصرُ ملامحه، ومدّ يدهُ المرتجفة ليتناول الورقة من أم سارة.


حاولت “داليا” الاندفاعَ نحوه بصرخةٍ هيستيرية لتخطفها من يده:


— “لا يا عمر! ما تفتحتش حاجة! دي.. دي حاجة تخصني أنا! هات الورقة دي!”


لكن عمر دفعها بعيداً بقوةٍ لم تعهدها منه من قبل، ونظر إليها بعينين تشتعلان بالشك والغضب. فكّ الخيطَ الرفيع بأصابع ترتعش، وبسط الورقة السوداء. كانت مكتوبةً بحبرٍ أحمر غريب، ومليئةً بأشكالٍ ونقاطٍ غير مفهومة، وتحتها كُتب اسمُ “سارة بنت فلانة” بصريح العبارة!


انعقد لسانُ عمر، وتراجع خطوةً إلى الخلف وهو ينظر إلى أخته كأنه يرها لأول مرة في حياته. هبط الصمتُ على المكان كالصاعقة، حتى والدتهما جمدت في مكانها وسقطت حقيبتها من يدها، تنظرُ إلى الورقة ثم إلى ابنتها بصدمةٍ شلت أركانها.


صاحت أمُّ سارة بصوتٍ زلزل أرجاء الصالة:


— “شفت يا سي عمر؟! شفت الأصول والتربية اللي جاي تطالبنا بيها؟! أختك جايبة السحر والعمل في الثوب اللي بنتي بتقف بيه بين إيدين ربنا! كانت بتدبر لها الخراب والذل وهي لسه على ذمتك وف بيتك!”


التفتت “سارة” نحو داليا، ولم تكن في عينيها قطرةُ خوفٍ واحدة، بل كانت نظراتُها ممتلئةً بالقرف والشفقة. اقتربت منها ببطء، وقالت بصوتٍ هادئ ينبضُ بصلابةٍ عجيبة:


— “كنتِ فاكرة إنك بتكيدي للناس وتأذيهم في الخفاء؟ نسيتي إن ربنا أكبر من السحر وأكبر من الشر اللي مالك قلبك؟ الإسدال اللي كنت بصلي بيه دا.. كانت كل سجدة فيه بتدعيلكم بالخير والستر، وأنتِ كنتِ بتخططي تسودِي حياتي.”


انفجرت داليا بالبكاء الهيستيري، وحاولت الدفاع عن نفسها بصوتٍ مبشوح:


— “والله ما عملت حاجة! دي.. دي واحدة هي اللي ادتهالي وقالتلي أحطها في الإسدال علشان.. علشان ما تتجوزش غيرك يا عمر! كنت خايفة عليك!”


صرخ عمر في وجهها بصوتٍ رجّ جدران البيت:


— “اخرسي! اخرسي خالص! أنتِ إيه؟! إيه الغل والشر اللي جوّاكي دا؟! عايزة تؤذي الناس بالسحر والأعمال وتدخلي البيوت بالخراب?!”



لتلتفت والدة عمر، وقد غشيت وجهها حمرة الخجل والعار، وتطلعت إلى أم سارة وسارة بنظراتٍ مكسورة، ثم قالت بنبرةٍ متلعثمة:


— “يا أم سارة.. إحنا.. إحنا ما نرضاش بالمهزلة دي والله.. أنا ما أعرفش حاجة عن اللي عملته داليا..”


قاطعتها أم سارة بصرامةٍ حاسمة، ومسكت علبة “الشبكة” الخضراء من على الطاولة، وألقتها في يد عمر بقوة:


— “خدوا شبكتكم، وخدوا هداياكم، وخدوا القرف اللي جيبتوه معاكم واخرجوا برة بيتي! الفلوس والفاكهة والأكل اللي بتحسبوه.. حسبي الله ونعم الوكيل فيه، ربنا هو اللي هيخلص حقنا منكم يوم القيامة! برة!”


أخذ عمر العلبة وهو يطأطئ رأسه خجلاً، وأمسك بيد أخته داليا بسخطٍ شديد وجرّها خلفه كالج*ثة، بينما خرجت الأم بخطواتٍ مسرعة تحاول التخفي من أنظار الجيران في الممر.


أُغلق البابُ خلفهم بدويةٍ قوية، ليعود الصمتُ مجدداً إلى البيت. نظرت أم سارة إلى ابنتها، وسحبتها إلى أحضانها في عناقٍ طويل، بينما وقفت سارة تتنفسُ الحرية لأول مرة منذ أشهر، تتطلعُ إلى الورقة الممزقة على الأرض، مدركةً أن السحر لم يكن سوى القشرة التي كشفت المعادن الحقيقية.


لكن، وقبل أن تهدأ الأجواء، اهتز هاتف سارة مرةً أخرى برنينٍ جديد.. كان المتصل هذه المرة رقماً غريباً لم تره من قبل!



خطوبتى اتفركشت ٢

رومانى مكرم

نظرت “سارة” إلى شاشةِ الهاتفِ المضيئةِ بحيرة، والترددُ يأكلُ أصابعها. كان الرقمُ الغريبُ يواصلُ الرنينَ بصرامةٍ عجيبة، كأنه يرفضُ التراجع. رفعت أمُّ سارة رأسها من العناق، وتطلعت إلى الهاتف ثم إلى وجه ابنتها الشاحب، وهزت رأسها بضعفٍ تشجعها على الرد.


ضغظت سارة على زر الإجابة، ووضعت الهاتفَ على أذنها بصمتٍ مشدود. أتاها من الطرف الآخر صوتٌ رجاليّ عميق، ثقيلُ النبرة، يحملُ في طياته جديةً لا تحتملُ المزاح:


— ” السلام عليكم.. الأنسة سارة معايا؟”


ردت سارة بصوتٍ متقطع يحاول استعادة توازنه:


— “أيوه.. مين معايا؟”


تنهد الصاحبُ المتصل عبر الهاتف، ثم قال بنبرةٍ حاسمة:


— “أنا الأستاذ محمود، صاحب المحل اللي داليا أخت عمر كانت بتشتري منه الإسدال والهدوم.. أنا آسف إني بكلمك في وقت زي دا، بس ضميري ما سمحليش أسكت بعد اللي شفته النهاردة.”


اعترت الصدمةُ ملامحَ سارة، وعقدت حاجبيها في ذهول:


— “محل الإسدال؟! مش فاهمة.. وحضرتك جبت رقمي منين؟ ومعاك إيه تخصني؟”


أجابها محمود بصوتٍ خفيض يحملُ تحذيراً خطيراً:


— “داليا جَتلي المحل من أسبوع ومعاها الإسدال، وطلبت مني أفك البطانة السفلية وأخيط جواها الورقة اللي لقيتوها.. طبعاً أنا رفضت وطردتها، بس هي استغلت زحمة المحل وراحت للولد الشغال عندي وادتلو فلوس عشان يعملها الموضوع دا من غير ما أعرف. أنا عرفت بالصدفة لما راجعت كاميرات المراقبة النهاردة الصبح وشفتها وهي بتديلو الورقة وبتحطهالو بنفسها!”


اتسعت عينا سارة، وشعرت بقشعريرةٍ تسري في جسدها، بينما اقتربت أمها منها أكثر لتميل بأذنها نحو السماعة. وواصل محمود كلامه بلهجةٍ أشد جدية:


— “أنا طردت الولد من المحل خلاص.. بس أخدت رقمك من أختها لما كانت بتسجل بيانات التوصيل زمان، وكلمتك عشان أحذرك.. داليا مش بس عملت الورقة دي في الإسدال، داليا كانت بتسأل الولد عن مكان شيخ معين في أطراف البلد، وسمعتها بتبعتله بصمت صوتية بتقوله (الخطوبة هتتفركش بكرة، ولازم الحساب يبدأ من ليلة الفركشة)!”


تسمرت سارة في مكانها، وسقطت منها كلمةٌ واحدة بصوتٍ خافت:


— “حساب إيه؟!”


رد محمود بثقل:


— “ما أعرفش يا أنسة سارة.. بس هي كانت ناوبة على شر أكبر بكثير من مجرد فركشة الخطوبة.. خلي بالك من نفسك ومن أهل بيتك، والأحسن تبلغوا الشرطة بالكاميرات اللي عندي قبل ما تنفذ بقية اللي في دماغها.”


أُغلق الخطُ، وساد الغرفةَ صمتٌ أشدُّ هولاً من الأول. سقط الهاتفُ من يد سارة على الأريكة، ونظرت إلى أمها التي كانت تتنفسُ بصعوبةٍ من هول ما سمعت.



وفجأةً، وقبل أن تستوعبا ما قيل، انقطعت الكهرباءُ عن الشقة بالكامل! أظلمت الصالةُ فجأة، وهبت نسيمُ هواءٍ باردٍ ومفاجئ من نافذة الشارع، محتملاً برائحةٍ غريبة كأنها رائحةُ حريقٍ خفيف.. وفي نفس اللحظة، تعالت طرقاتٌ متسارعة وقوية جداً على باب الشقة الخارجي!


#الكاتب_رومانى_مكرم_


تجمدت “سارة” وأمها في ظلام الصالة الدامس. كانت الطرقاتُ على الباب تزدادُ شدةً وعنفاً، كأن أحداً يحاول دكهُ بيده، فيما كانت رائحةُ الحريقِ الخفيفة تتسللُ من تحت العقب السفلي للباب وتنتشرُ في أرجاء الشقة.


تمسكت سارة بساعد أمها برعب، وقالت بصوتٍ يرتجف:


— “مين اللي يخبط بالطريقة دي يا ماما؟ الكهربا قطعت ليه فجأة؟”


حبست الأمُّ أنفاسها، وسحبت ابنتها خلف ظهرها ببطء وهي تتجهُ بخطواتٍ حذرة نحو الباب. اقتربت من الثقب البصري، وقبل أن تضع عينها عليه، سكنت الطرقاتُ فجأة.. وعاد الصمتُ المريب ليخيم على الممر الخارجي.


نادت الأمُّ بصوتٍ محشور بالخوف يحاول أن يبدو قادراً على المواجهة:


— “مين برة؟! مين اللي بيخبط؟!”


لم يأتِها ردٌّ إنساني، بل سمعت صوتَ خطواتٍ متسارعة تهبط الدرج بسرعةٍ جنونية، يعقبها صوتُ اصطدامِ شيءٍ معدني ثقيل على الأرض أمام الباب مباشرة!


بحركةٍ سريعة، أضاءت سارة كشاف هاتفها المحمول، وجاءت تقف بجوار أمها. أدارت الأمُّ المقبضَ بحذر، وفتحت الباب ببطء.. ليتصاعد في وجوههن جدارٌ من الدخان الأسود الخفيف.


على عتبة المنزل، كانت هناك زجاجةٌ زجاجية مكسورة يتصاعد منها دخانٌ كيهمي كريحة البارود، وبجوارها حقيبة قماشية سوداء صغيرة. تقدمت الأمُّ وشكلت ضوء الكشاف نحو الحقيبة، ثم مدّت يدها وفتحتها بطرف قطعة خشبية كانت مجاورة للباب.


داخل الحقيبة.. كانت تقبع صورةٌ شخصية لسارة، تم إحراق أطرافها بعناية، ومكتوب في ظهرها بأسلوبٍ ملطخ بالمداد الأسود: (الحساب بدأ.. ولن ينتهي بالشبكة).


صرخت سارة وغطت وجهها بيديها، بينما اشتعل رأسُ الأمِّ بالغضب والوعي الحاد. أدركت الأمُّ فوراً أن داليا لم تكتَفِ بالافتضاح، بل اندفعت في طريق الانتقام الأعمى بعد أن انكسرت أمام أخيها وأمها.


سحبت الأم الصورة والحقيبة، وأغلقت الباب بقوة وقفلته بالمفتاح المزدوج، ثم التفتت إلى سارة وقالت بصوتٍ صارم لا يقبل التردد:


— “ما فيش خوف بعد النهاردة يا سارة! البت دي اتجننت والشر عمى عينيها.. تلفونك فين؟”


التقطت سارة هاتفها بيدين ترتعشان:


— “أهو يا ماما.. هنعمل إيه؟ نكلم الأستاذ محمود صاحب المحل؟”



ردت الأم وهي تضيء الشمعة الموجودة على الطاولة:


— “هنكلم الأستاذ محمود ناخد منه تسجيلات الكاميرات فوراً.. وهنطلب ‘عمر’ أختها يجيب أمه وييجي هنا فوراً يشوف المهزلة دي بنفسه، قبل ما نروح نعمل بلاغ رسمي في النيابة بتهمة السحر والتهديد والاعتداء!”


اتصلت سارة برقم “عمر”. رن الهاتف لعدة ثوانٍ قبل أن يأتيهم صوته المكسور والمحمل بالهموم:


— “أيوة يا سارة.. خير؟”


صرخت الأم في الهاتف قبل أن تتكلم سارة:


— “اسمع يا عمر! أختك مجنونة وبرقبتك أنت وأمك! انزل شوف المصيبة اللي رمتها قدام باب بيتنا وحرق الشقة اللي كان هيحصل! لو ما جيتش حالا ومعاك أختك وأمك، تسجيلات المحل وبلاغ السحر هيكونوا في القسم خلال نص ساعة!”


على الطرف الآخر، ساد صمتٌ ذهوليّ من عمر، قبل أن يُسمع صوتُ حركةٍ جارفة وصراخُ أخته داليا من خلفه وهي تحاول منعه، ليرد عمر بنبرةٍ مرعوبة:


— “أنا جاي حالا يا أم سارة.. أرجوكي استني ما تعمليش حاجة لما أصل!”


#الكاتب_رومانى_مكرم_


مرّت الدقائقُ العشرين التاليةُ كأنها دهورٌ من الجمر. كانت الصالةُ تغرقُ في ضوء الشمعة الضعيف الذي يراقصُ الظلالَ على الجدران، بينما جلست “سارة” بجوار أمها، تحتضنان بعضهما وسط رائحة الدخان الكريهة التي بقيت عالقةً في الممر. لم تكن سارة تبكي، بل كانت تتابع الصورةَ المحروقة الأطراف القابعة على الطاولة المجاورة لعلبة القماش السوداء، وتشعرُ بأن غشاوةً ثقيلةً قد أُزيحت عن عينيك؛ خطوبةٌ كادت أن تسحبها إلى جحيمٍ أبدي لو لم يتداركها قدرُ الله في الوقت المناسب.


وفجأةً، ارتجت العمارةُ بوقعِ خطواتٍ صاعدةٍ مسرعة، تلاها صراخٌ مكتوم وشجارٌ حاد في الممر الخارجي. تقدمت الأمُّ بخطواتٍ ثابتة، وأدارت المفتاحَ في القفل لتفتح الباب على وسعه.


كان المشهدُ في الممر محتدماً.. وقف “عمر” يمسكُ بذراع أخته “داليا” بقوةٍ وصرامة، وجهه متفحمٌ بالخجل والغضب، ووراءهما تقف الأمُّ واضعةً يدها على قلبها وتستغيثُ بصوتٍ خافت. كانت داليا تتخبطُ بين يديه كالمجنونة، عيناها متسعتان بشرٍّ طائر، وثوبها متسخٌ بغبار السلم، تنظرُ إلى سارة وأمها بنظراتٍ ممتلئة بالكره والأحطاط.


دفعها عمر إلى داخل الصالة بقوة، وأغلق الباب خلفهم ثم جثا على ركبتيه تقريباً أمام أم سارة، وقال بصوتٍ مبشوح ينبضُ بالندم والعجز:


— “يا أم سارة.. أنا حافي القُدمين قدامكم النهاردة! حقكم على رأسي، ومستعد أعمل أي حاجة تطلبوها.. أنا ما كنتش أعرف إن الشر وصل بأختي للمرحلة دي!”



صاحت داليا بصوتٍ هيستيري وهي تحاول الفكاك من قبضة أخيها:


— “ما تتأسفش لحد يا عمر! دول ناس جعانين! أخدوا منك أحسن أياّم حياتك وسابوك! أنا كنت باخد حقك وحق الفلوس اللي اترمَت عليهم! كنت بعمل اللي يقصر لسانهم للابد!”


تقدمت أمُّ سارة نحوها بخطوةٍ واحدة، ولم ترفع يدها لتضربها، بل اكتفت بنظرةٍ ممتلئة بالاحتقار الشديد، وقالت بصوتٍ رزين زلزل أركان داليا:


— “حق مين يا بنت الجعانة؟! الفلوس اللي بتتكلمي عنها بنتي كانت بتصونها وتصون أخوكي! الهدية والفاكهة والأكل اللي طالعين تتمنوا بيه، بنتي وردت أضعافه احتراماً وأصولاً! بس اللي جوّاه نقص.. ما يملأش عينيه غير تراب القبر! بتعملي أعمال وسحر لبنتي عشان رفضت تهانتك ورجعتلك إسدالك اللي حطيتي فيه سمّك؟!”


ثم سحبت الأمُّ الصورةَ المحروقة والحقيبة السوداء من على الطاولة، وألقتها في وجه داليا وعمر:


— “شوف يا عمر! شوف أختك جاية تدبّ الحرائق عند باب بيتنا بعد ما مشيتوا! شوف السحر اللي كتباه على صورة بنتي! صاحب المحل كلمنا وبعتلنا فيديو الكاميرات وهي بتدفع للولد فلوس عشان تخيط الورقة في الإسدال! والتسجيلات صوت وصورة معايا على التلفون دا!”


انهار عمر بالكامل، وتلفت نحو أخته وصدمها بصعةٍ قوية على وجهها أطارت برأسها جانباً:


— “أنتِ إيه؟! أنتِ مش بني آدمة! أنتِ جيبتيلنا العار والخراب لحد بيتنا! بقى بتعملي أعمال وسحر وتدوري في الدجل والخراب عشان ترضي غلك؟!”


سقطت داليا على الأرض تشدُّ وجهها، وبكت لأول مرة ليس ندماً، بل هواناً وانكشافاً بعد أن سقطت كل أوراقها. أسرعت أمُّ عمر وجثت بجوار ابنتها وتبكي بحرقة، متوسلةً لأم سارة:


— “استري علينا يا أم سارة.. استري علينا يسترها عليكِ ربنا في بنتك! لو البلاغ دا اتعمل في القسم، أختها ومستقبلها وهيضيعوا، وعمر مش هيعرف يرفع رأسه بين الناس تاني! ابوس إيدك سامحينا وحقكم فوق راسنا!”


نظرت سارة إلى هذا المشهد المأساوي.. عريس الأمس الذي كان يطالب بحساب الفاكهة والعيديات، وأخته التي كانت تتبختر بالغرور والإسدال، أضحيا الآن أثرين مكسورين تحت أقدام الحق. رفعت سارة رأسها وقالت بصلابة:


— “التنازل مش هيدخل بيتنا ببلاش يا أم عمر.. البلاغ هيفضل محطوط في القسم لو داليا ما امضتش بكرة الصبح على تعهد بعدم التعرض، وتكتب إقرار بخط إيدها بتعويض كل التلفيات وإبطال العمل اللي عملته، وتسيب البلد كلها لو لزم الأمر! وأما الشبكة والهديا فتاخدوها وتمشوا فوراً.. وما أشوفش وش حد فيكم قدام باب بيتنا تاني لطول العمر!”



نظرت داليا بسخط، لكن عمر قاطعها بصوتٍ قاطع كالسيف:


— “هتمضي على كل اللي يطلبوه يا داليا.. ورجلك مش هتخطّي الشارع دا تاني طول ما أنا حَي! ولو فكرتِ تئذيهم بحرف واحد، أنا اللي هسلمك للشرطة بإيدي!”


في تلك اللحظة، عادت الكهرباءُ فجأةً لتضيء الصالة بالكامل، وتكشفَ عن وجوههم المتفحمة الخائبة. أخذ عمر علبة الشبكة والحقيبة، وجرّ أخته وأمه الخائبتين إلى الخارج، وأغلقوا الباب خلفهم لآخر مرة.


تنفسَت سارة وأمها الصعداء، واحتضنتا بعضهما في لحظة انتصارٍ وحرية نادرة.. لكن، حين التقطت سارة هاتفها لتغلق التسجيلات، وجدت رسالةً نصية جديدة وصلتها للتو من رقمٍ مجهول آخر كتب فيها: (فاكرة إن داليا هي بس اللي كانت عايزة تدمّر حياتك؟ افتحي الرسالة الجاية وتفرجي على المفاجأة الكبيرة!)



خطوبتى اتفركشت ٣

رومانى مكرم


تسمرت “سارة” في مكانها وهي تحدق في شاشة الهاتف، بينما كانت أمها تجمع أطراف الشمعة المحترقة لترميها في القمامة. ارتجفت أصابع سارة وهي تفتح الرسالة النصية التالية التي وصلتها من الرقم المجهول. لم تكن الرسالة مجرد كلام، بل كانت مرفقة برابط وصورة مصغرة لمقطع فيديو.


فتحت سارة الفيديو بقلبٍ يخفق كطبول الحرب. كان مقطعاً مصوراً بوضوح، يظهر فيه “عمر” نفسه—خطيبها الذي غادر الشقة منذ لحظات يتظاهر بالندم والانكسار—وهو يجلس في سيارة مع شخص غريب قبل الخطوبة بأسابيع قليلة!


في الفيديو، كان عمر يتحدث بوضوح ولهجة حاقدة لم تسمعها سارة منه من قبل:


— “أنا مش فارق معايا الجوازة دي اصلاً يا معلم.. أنا بس مستني لما آخد منها التنازل عن الشقة اللي باسمها، وبعدها هرميها هي وأمها في الشارع وأخلي أختي داليا تستلم كل حاجة. داليا مش بتتصرف من دماغها، دي تنفيذاً للي اتفقنا عليه جميعاً!”


تراجعت سارة خطوتين إلى الخلف، وسقط هاتفها على الأريكة. كانت الصدمة هذه المرة أشدّ وأقسى من سحر داليا ورسائل التهديد، فالقناع الذي كان يرتديه عمر طوال تلك الأشهر سقط بالكامل، وتبين أن المسرحية التي أدّاها قبل قليل لم تكن سوى محاولة لإنقاذ نفسه من الفضيحة والقانون!


لاحظت الأم الشحوب المرعب على وجه ابنتها، فأسرعت إليها وأمسكت بكتفيها:


— “مالك يا سارة؟! في إيه تاني؟! الرقم المجهول دا بعتلك إيه؟!”


أشارت سارة بيد متيبسة نحو الهاتف:


— “عمر يا ماما.. عمر كان متفق مع داليا من الأول.. اللعبة أكبر من مجرد إسدال وفاكهة وعيديات، دول كانوا طمعانين في الشقة والبيت ورتبوا كل حاجة من زمان!”


التقطت الأم الهاتف وشاهدت الفيديو، وفي تلك اللحظة لم تبكِ ولم تصرخ، بل تحولت ملامحها إلى جدار من الصخر. أدركت الأم أن العائلة بأكملها كانت شبكة من المحتالين، وأن ندم عمر وإلقاءه اللوم على أخته أمامهم لم يكن سوى تمثيلية خبيثة لامتصاص غضبهم ومنعهم من إبلاغ الشرطة.


وقبل أن تستوعبا الصدمة، اهتز الهاتف مرة أخرى برنين من نفس الرقم المجهول. هذه المرة، لم تتردد سارة، بل فتحت المكبر وصاحت بصوت جريح لكنه صلب:


— “أنت مين؟! وليه بتبعتلي الفيديوهات دي دلوقتي؟!”


جاءها صوت هادئ وواثق من الطرف الآخر، صوت امرأة يبدو عليها الوقار:


— “أنا صاحبة الشقة اللي كان عمر مأجرها زمان يا أنسة سارة.. عمر وعيلته نصبوا عليّ بنفس الطريقة وطردوني من ملكي بالقوة والبلطجة بعد ما استغلوا طيبتي.. أنا بتابعهم من فترة وعرفت إنهم دخلوا بيتك بنفس السيناريو، وما حبّيتش أسيبك تقعي في الفخ اللي وقعت فيه.”



اتسعت عينا الأم وقالت بلهفة:


— “يعني إيه يا أختي؟! يعني هما نصابين بمحاضر ورسمي?!”


ردت المرأة عبر الهاتف:


— “أيوة يا أم سارة.. عمر وداليا وأمهم شبكة منظمة، بيخطبوا البنات اللي عندهم أملاك أو شقق باسمهم، ويعملوا المشاكل والمكائد عشان يطفشوا البنت ويجبروا أهليها يتنازلوا تحت الضغط والفضايح! الفيديو اللي بعتهولك دا متسجل من شهرين، وأنا معايا ملف كامل بقضايا النصب اللي هما هربانين منها!”


في هذه اللحظة، تعالت أصوات صراخ وشجار جديد في أسفل العمارة! أسرعت سارة وأمها إلى النافذة المطلة على الشارع، لتشاهدا مفاجأة لم تكن في الحسبان..


كانت سيارة شرطة تقف أمام باب العمارة، يحيط بها عدد من الجيران، بينما كان عمر وداليا وأمهما يحاولون الهرب نحو سيارتهم، لكن رجال الشرطة كانوا أسرع وأطبقوا عليهم الكلبشات في منتصف الشارع أمام أعين الجميع!


التفتت الأم إلى سارة وعيناها تلمعان بدموع الانتصار:


— “ربنا ما بيضيعش حق حد يا سارة.. اللي افتكروه سحر وغل، كان السبب اللي كشفهم للناس كلها!”


نزلتا إلى الشارع لمتابعة الموقف، وعندما رأت داليا سارة، صرخت بغل وهي تُساق إلى سيارة الشرطة:


— “مش هنسيبك يا سارة! والله ما هنسيبك!”


لكن عمر كان يطأطئ رأسه في الأرض، عاجزاً عن الحديث بعد أن أخرجت المرأة المجهولة الملفات للضابط في الشارع.


رجعت سارة وأمها إلى الشقة، وشعرتا لأول مرة بالهدوء الحقيقي يستقر في أركان البيت. لكن، أثناء تنظيف الصالة ومسح آثار الدخان من الممر، عثرت سارة على مفتاح غريب وميدالية نحاسية سقطت من حقيبة عمر أثناء الشجار الأخير.. مفتاح يحمل رقماً لرقام الخزائن الخاصة في أحد البنوك!


#الكاتب_رومانى_مكرم_


التقطت “سارة” الميدالية النحاسية الثقيلة من على الأرض، وتأملت المفتاح البارد بين أصابعها. كان منقوشاً عليه بخطٍ دقيق اسم أحد البنوك الكبرى ورقم حظيرة أو خزنة خاصة: (خزنة رقم 408).


نادت سارة أمها بنبرةٍ تشوبها الحيرة والدهشة:


— “تعالي شوفِي يا ماما.. عمر نسِي المفتاح دا وهو بيتضرب وبيتسحب في الشارع. دا مفتاح خزنة بنك!”


جاءت الأمُّ مسرعة، ونظرت إلى المفتاح بوجوم، ثم رفعت رأسها نحو ابنتها وقالت بذكاءٍ وثبات:


— “المفتاح دا مش مجرد حديدة يا سارة.. دا السر اللي كان عمر وأخته بيموتوا عشان يخفوه. الشبكة المنظمة دي ما كانتش بتجمع الفاكهة والعيديات، دول كانوا بيجمعوا حصيلة النصب والسرقة من البنات اللي ضحكوا عليهم قبلك!”


في صباح اليوم التالي، وتحديداً في الساعة العاشرة صباحاً، كانت سارة وأمها تقفان أمام مبنى النيابة العامة. كان الممرُّ مزدحماً بالمحامين وضباط الشرطة، بينما كانت المرأة المجهولة—صاحبة الشقة التي حذرتهما—تقف بانتظارهما وبيدها حقيبة سوداء ملئى بالمستندات والأحكام القضائية الصادرة ضد عمر وعائلته.



قالت المرأة بابتسامةٍ مشجعة:


— “صباح الخير يا أنسة سارة.. وكيل النيابة منتظرنا جوة، والأستاذ محمود صاحب محل الإسدال وصل وادّى أقواله وقدم فيديو الكاميرات اللي بيثبت دخول داليا المحل وشرائها أدوات السحر والدجل.”


دخلت سارة وأمها إلى مكتب وكيل النيابة. كان عمر وداليا يقفان في زاوية الغرفة بالكلبشات، ووجوههما شاحبة كالأموات، تكسوها الخيبة والهوان. لم تعد داليا ترفع عينها في عين سارة، بينما كان عمر يطأطئ رأسه في الأرض كالمذنب المنتظر لحكم الإعدام.


وضع وكيل النيابة الملفات أمامه، ونظر إلى داليا بصرامة:


— “المتهمة داليا.. التقرير المبدئي للشرطة والفيديوهات المقدمة من المحل بتثبت تورطك في أعمال التهديد بالق*تل، وإحداث تلفيات، والشروع في إيذاء الأنسة سارة عن طريق أعمال السحر والدجل وترك مواد حارقة قدام بيتها.. إيه ردك؟”


انفجرت داليا بالبكاء الهيستيري وصاحت:


— “والله عمر هو اللي كان بيخليني أعمل كده! هو اللي كان بيقولي طفشيها وخلي أهليها يتنازلوا عن الشقة عشان نبيعها ونحط الفلوس في الخزنة!”


هنا، تقدمت سارة بخطواتٍ واثقة، وأخرجت المفتاح النحاسي والميدالية، ووضعتهما على مكتب وكيل النيابة أمام الجميع:


— “يا فندم.. المتهم سقط منه المفتاح دا وهو بيتشاجر في بيتنا.. دا مفتاح الخزنة رقم 408 في البنك، ودي الخزنة اللي بيجمعوا فيها العقود والفلوس اللي نصبوا بيها على الضحايا السابقتين!”


انقبض وجهُ عمر، وتغيرت ملامحه للذعر المطلق، وصرح بصوتٍ مخنوق:


— “لا! المفتاح دا مش بتاعي! دا.. دا حاجة شخصية تخصني!”


لكن وكيل النيابة رفع يده يطالبه بالصمت، وأمر فوراً باستصدار أذنٍ رسمي للتحفظ على الخزنة البنكية وفتحها بحضور لجنة رسمية من النيابة والشرطة.


وفي عصر نفس اليوم، وأمام مقر البنك المركزي، كانت اللجانُ الرسمية تفتح الخزنة رقم 408. وعندما انفتح الباب الصليبي الثقيل، كانت المفاجأة التي هزت الجميع..


داخل الخزنة، لم تكن هناك أموالٌ أو ذهبٌ فحسب، بل كانت هناك أوراقُ ملكية لشققٍ سكنية وعقودُ زواجٍ عرفية باسم عمر وأخته من أربع بنات مختلفات في محافظات متفرقة، وبجوار العقود كانت تقبع أظرفٌ سوداء مكتوبٌ عليها أسماء الضحايا، وفي كل ظرفٍ قطعةٌ من ممتلكاتهن الشخصية التي استخدمتها داليا في أعمال الدجل للنصب عليهن وإجبارهن على التنازل!


تجمعت الأدلةُ بالكامل، وصدر القرارُ العاجل من النيابة بحبس عمر وداليا وأمهما على ذمة التحقيق في قضايا النصب والتهديد والتزوير والسحر.



عادت سارة وأمها إلى بيتهما في المساء، والشمسُ تشرقُ في قلوبهما بعد ليلةٍ طويلة من الظلم والشر. أغلقت سارة باب الشقة، ونظرت إلى أمها وقالت بتنهيدةٍ ملئها الراحة:


— “الحمد لله يا ماما.. الحق رجع، والشر اتكشف قدام الدنيا كلها.”


ردت الأم وهي تحتضنها بابتسامةٍ حنونة:


— “ربنا لما بيحب عبد بيحميه يا بنتي.. والإسدال اللي كانوا فاكرين إنهم هيذلوكي بيه، كان هو السبب اللي نضّف حياتك ورجّع حق كل المظلومين.”


لكن، وبينما كانتا تجلسان لتشربا القهوة في صمتٍ هادئ، رنّ جرس الباب نغمةً واحدةً هادئة.. وعندما فتحت سارة الباب، لم تجد أحداً في الممر، بل وجدت صندوقاً خشبياً صغيراً ملفوفاً بشريطٍ أبيض، وداخله خطاطٌ مكتوبٌ بخطٍ يدوي أنيق: (إلى سارة.. الحقيقة كُشفت، لكن السر الكبير لم يبدأ بعد!).


#الكاتب_رومانى_مكرم_


ارتجفت يدُ “سارة” وهي ترفع الصندوق الخشبي الصغير من على العتبة، وتتطلع في زوايا الممر المظلم. لم يكن هناك أثرٌ لأحد، سوى صدى خطواتٍ جافة تبتعدُ في الخفاء. أغلقت الباب بحذر، ودخلت الصالة حيث كانت أمها تجلسُ مجهدةً من أهوال اليوم الطويل في النيابة.


وضعت سارة الصندوق على الطاولة الوسطى، واستقرت المكتوبُ الأنيق بين أصابعها. التفتت الأم ونظرت إلى الشريط الأبيض والصندوق بريبةٍ شديدة:


— “إيه دا يا سارة؟! مين اللي ساب الصندوق دا ورن الجرس؟!”


ردت سارة بصوتٍ خفيض ينبضُ بالدهشة:


— “ما شفتش حد يا ماما.. بس الجواب مكتوب فيه إن الحقيقة كُشفت، بس السر الكبير لسه ما بدأش!”


بأصابع ترتعش، فكّت سارة الشريط الأبيض وفتحت غطاء الصندوق الخشبي. لم تكن هناك أدوات دجل هذه المرة، ولا صورٌ محروقة.. بل كان يقبعُ داخل الصندوق دفتا دفتر قديم، مائلٍ إلى الصفرة، غلافه الجلدي متآكل من الأطراف، وبجواره فلاشةٌ ميموري صغيرة ومفتاحٌ ثالث مختلف تماماً عن مفتاح الخزنة البنكية.


سحبت سارة الدفتر ببطء، وفتحت صفحته الأولى، لتقرأ خطاً يدوياً مألوفاً جداً لها.. خطاً جعل الدم يتجمد في عروقها للمرة الثانية!


كانت التوقيعاتُ والأرقامُ المسجلة في الدفتر تعود لسنواتٍ مضت، وفي أعلى كل صفحة كان مكتوباً اسم شخصٍ واحد.. “والد سارة المتوفى”!


انفجرت الأمُّ بالبكاء فور أن رأت اسم زوجها الراحل، وقالت بصوتٍ متهدج:


— “أبوكي؟! إيه اللي جاب دفتر أبوكي الله يرحمه ليد الناس دي؟! الدفتر دا ضاع مننا يوم وفاته من خمس سنين ودورنا عليه في كل مكان!”


فتحت سارة الدفتر لتكتشف الفاجعة.. لم يكن عمر وداليا يستهدفان سارة من أجل شقتها البسيطة أو بعض الهدايا والفاكهة كما أدّعوا، بل كان والدهما الراحل شريكاً قديماً لوالد سارة في تجارةٍ سابقة، وكان الدفتر يحتوي على عقود ومستندات تثبت أن لعائلة سارة ديناً ضخماً وحصةً عقارية كبرى في شركةٍ تجارية يملكها والد عمر حالياً، تقدّر بالملايين!



كانت خطوبة عمر لسارة مخططاً مدبراً من العائلة بالكامل، ليس للنصب على شقةٍ صغيرة، بل للوصول إلى هذا الدفتر وتدميره، وإجبار سارة على التنازل عن كافة حقوق والدها المالية قبل أن تكتشف سر التجارة القديمة!


قالت سارة وهي تضع الفلاشة الميموري في هاتفها:


— “علشان كده داليا كانت هتموت وتاخد الإسدال وتعمل المشاكل! كانوا عايزين يدخلوا البيت بأي طريقة ويفكروا في طردنا عشان يفتشوا في حاجة أبويا ويدوروا على السر دا!”


شغّلت سارة الفلاشة، ليظهر مقطعُ صوتي متسجل لوالد عمر قبل وفاته، وهو يعترف صراحةً بحقوق والد سارة، ويحذر أبناءه داليا وعمر من أكل أموال اليتامى، مؤكداً أن العقود الأصلية والمفتاح الثالث يقودان إلى خزنة جدارية قديمة في منزل العائلة المهجور بالصعيد!


وقفت الأمُّ على قدميها، وامتزجت دموع الحزن بصلابةٍ مفاجئة:


— “يعني كانوا جايين ياكلوا شقانا وحق أبوكي الميت، ويمَنّوا علينا ببدلة وفاكهة وعيديات؟! كانوا فاكريننا غلابة وما حيلتناش حاجة، وتضحك علينا أختهم بالإسدال وهي جاية تسرق تاريخ أبوكي!”


مسحت سارة دموعها، ونظرت إلى المفتاح الثالث والدفتر التاريخي الصغير، وقالت بصوتٍ ثابت كالحديد:


— “حق أبويا مش هيروح يا ماما.. بكرة الصبح الدفتر دا والفلاشة هيكونوا قدام القاضي في أول جلسة محاكمة لعمر وداليا.. مش بس عشان السحر والنصب، لكن عشان استرداد حقنا المنهوب من خمس سنين!”


في صباح اليوم التالي، وتحديداً داخل قاعة المحكمة الكبرى، جُلب عمر وداليا من محبسهما لحضور الجلسة العاجلة. كانا يجلسان خلف القضبان الحديدية، والذل يأكل ملامحهما، حين دخلت سارة وأمها ومعهما المحامي وبيدهم الحقيقة الكاملة التي أغلقت كل أبواب الهروب أمام العائلة الخائنة.


تطلعت داليا من خلف الحديد إلى سارة، لكن سارة لم تكتَفِ بالصمت، بل رفعت الدفتر القديم في وجهها بثقة، ليدرك عمر وداليا في تلك اللحظة أن السحر انشقلب على الساحر، وأن اللعبة انتهت بالكامل.


#الكاتب_رومانى_مكرم_


وقفت “سارة” في منتصف قاعة المحكمة الكبرى، ثابتة الخطى، مرفوعة الراس، وبجوارها أمها التي طالما كانت الدصن والسند. أضاءت أنوار القاعة العالية ملامحهما، بينما ساد الصمت والرهبة أرجاء المكان مع دخول هيئة المحكمة الموقرة واعتلائها المنصة.


جلس “عمر” و”داليا” خلف القفص الحديدي، يرتديان ملابس الحبس الاحتياطي البيضاء. اختفت تماماً نبرة التعالي والغرور التي بدأت بها داليا المكالمة الهاتفية، وتلاشت ادعاءات الفضل والمنّ بالهديا والإسدال والفاكهة؛ فلم يبقَ سوى وجهين شاحبين يعصرهما الخوف والندم، وعيون تجول في الأرض خجلاً وهواناً أمام أنظار الجلسة والحضور.



نادى كاتب الجلسة باسم القض*ية، فتقدم المحامي ووضع على منصة القاضي الدفتر الجلدي القديم، والفلاشة الميموري، إلى جانب محاضر الشرطة وتسجيلات كاميرات المحل، وتقرير النيابة العامة بشأن محتويات الخزنة البنكية رقم 408.


بدأ القاضي يتصفح الأوراق بدقة حاسمة، ينظر إلى عقود الملكية المسلوبة، ويستمع إلى التسجيل الصوتي الوارد على الفلاشة، والذي يعترف فيه والد المتهمين بحقوق والد سارة المنهوبة منذ سنوات. كانت كل ورقة تُقلب على المنصة بمثابة المسمار الأخير في نعش المؤامرة الخبيثة التي حُكت في الخفاء.


وبعد مداولة قصيرة، نطق رئيس المحكمة بالحيكم الذي أثلج الصدور وزلزل أركان المتهمين:


> **”بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الشاهد، وثبوت أركان التهديد والتزوير والنصب، والشروع في الإضرار العمدي وعمل أعمال الدجل والشعوذة، وإعادة الحقوق المنهوبة إلى أصحابها الشرعيين.. حكمت المحكمة حضورياً:**


> **أولاً: بحبس المتهم الأول (عمر) بالسجن المشدد لمدة خمس سنوات، وإلزامه براد كافة الأموال والعقارات المسجلة بالدفتر لصالح الورثة الشرعيين.**


> **ثانياً: بحبس المتهمة الثانية (داليا) بالسجن المشدد لمدة ثلاث سنوات عن جرائم التهديد والشعوذة والتلفيات العمدية.**


> **ثالثاً: غرامة مالية كبيرة والتكفل بكافة المصاريف الجنائية.”**


>


دوت طرقاتُ خشبة القاضي لتعلن نهاية الكابوس. انهارت داليا بالبكاء الهيستيري داخل القفص وهي تتمسك بالحديد، بينما سقط عمر على ركبتيه ينظر إلى الأرض بعينين لا تفتاً تتوسلان العفو، لكنه عفوٌ جاء بعد فوات الأوان.


خرجت سارة وأمها من مبنى المحكمة، والشمس تشرق على وجهيهما بنورٍ دافئ يغسل آثار الحزن والخوف. رفعت الأم يديها إلى السماء حامدةً شاكرةً ربها الذي ردّ إليهن كرامتهن وحقهن المالي والنعنوي بالكامل.


نظرت سارة إلى الإسدال الجديد الذي اشترته بنفسها، وابتسمت ابتسامة صفاء وتحرر، مدركةً أن القصة التي بدأت بمحاولة إهانةٍ واسترداد هدايا وفاكهة، انتهت بظهور الحق وعدالة السماء.


### **الحكمة من القصة:**


إن المعاني الحقيقية للبشر لا تظهر في بداب العلاقات وأوقات الرخاء، بل تتكشف معادنها النبيلة أو الخبيثة عند النهايات والمواقف الصعبة.


1. **الكرامة لا تُشترى:** الهدايا والفضل لا يُمنّ بهما، ومن يطلب ثمن قطعة فاكهة أو هدية قُدمت يوماً، فهو ينزع عن نفسه مروءته ويكشف عن فقر النفس قبل فقر اليد.


2. **الشر يرتد على صاحبه:** لا يمكن للغل والحقد أو الطرق الملتوية كالسحر والدجل أن تبني مستقبلاً أو تستر عيباً؛ فالله يمهل الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ونيّة الأذى تسقط صاحبها في الحفرة التي حفرها لغيره.



3. **الستر في التدبير الإلهي:** قد يرى الإنسان في فركشة أمرٍ أو خسارة ظاهرة شرّاً يسوؤه، بينما يكون في حقيقته رحمةً ولطفاً إلهياً ينقذه من جحيمٍ أكبر ويكشف له الحقائق المستورة.

 




 


تعليقات

التنقل السريع
    close