ابلكيشن كامله وحصريه بقلم أماني سيد
ابلكيشن كامله وحصريه بقلم أماني سيد
كنت مروحه البيت وناويه وانا مهدوده ومقرره اطلب اكل جاهز دخلت البيت لقيت موبايلى فصل شحن وكان جوزى نايم ماحبتش اصحيه
اخدت التليفون من وراه وفتحته ببصمه صباعه وقولت اطلب من عنده هو ولما الأكل يجيى انا احاسب
وفعلاً فتحت الابلكيشن وطلبت الغدا وجايه اتمم الطلب اتفاجئت بعنوان تانى هو اللى متسجل على الابلكيشن
فضلت ماسكه الموبايل واحاول افتكر هل حد من عيله جوزى لكن لأ ده عنوان مختلف مسكت الابلكيشن فضلت اقلب فى الطلبات السابقه لقيته شارى طلبات بيت بس الطلبات دى عمره ما جابها هنا لانه مش بيشترى حاجه أصلا هنا أنا اللى مسئوله عن كل حاجه
العنوان ده كان مكتوب بوضوح، الحروف كانت بتتحرك قدام عيني زي العقارب.. (البيت الجديد – الشقة 5).
فضلت واقفة في الصالة، والنور المطفي حواليا حسيت إنه بيقفل على نفسي. الأكل الجاهز اللي كنت مستنياه عشان يرم عضامي المهدودة، مبقاش ليه أي لازمة، الوجع اتنقل من جسمي لقلبي في ثانية واحدة.
قلبت في تاريخ الطلبات.. خضار، وفاكهة، ولحوم، وجبن من أغلى الأنواع، حتى المنظفات ومعطرات الجو! الطلبات دي متكررة كل أسبوع، وبقالها شهور. شهور وأنا اللي شايلة البيت ده على كتافي، أنا اللي بنزل السوبر ماركت وبحسبها بالقرش، وأقول “معلش الدنيا غالية عليه ولازم أساعده”، وأنا اللي بشتري اللقمة بفلوسي وشقايا عشان هو مش بيدفع مليم.. أتاريه مش ممعوش، أتاريه مخلي فلوسه وكرمه وخير كله للعنوان التاني!
بقلم الكاتبه امانى سيد
بصيت عليه وهو نايم في السرير ببرود، النفس اللي طالع ونازل منه حسيت إنه بيخنقني. كنت عايزة أصرخ، أصحي البيت كله وأقوله “إيه ده؟”، بس فيه غريزة جوا الست بتخليها تجمد في لحظة الصدمة عشان تدور على الحقيقة كاملة.
تاني يوم الصبح، نزلت من البيت.. مكنتش رايحة الشغل، كنت رايحة ورا رجلي اللي بتترعش للعنوان اللي حفظته صم. طول الطريق في المواصلات كنت بكلم نفسي، الركاب بيبصوا لي وأنا مش شاهدهم، كنت بدعي وبقول “يا رب اطلع غلطانة، يا رب تطلع شقة صاحبه، يا رب يطلع أي كابوس وأصحى منه”.
وصلت العنوان.. وقفت على الرصيف التاني وبقيت بجر نفسي جر، النيران اللي جوايا كانت بتخليني أمشي بس رجلي مكانتش شايلاني. العمارة مكنتش مجرد بيت عادي، دي كانت برج شيك جداً، الواجهة كلها زجاج ومداخل رخام بتلمع، تليق بمستوى ناس عايشة في ليفل تاني خالص.. ليفل أنا مكنتش أحلم أدخله بمرتبي اللي بيخلص من أول أسبوع.
على البوابة كان فيه أفراد أمن ببدل رسمية، واقفين بحزم ومبيعدوش الهوا إلا لما يتأكدوا من هويته. في اللحظة دي، رجلي ثبتت في الأرض ومقدرتش أتحرك خطوة زيادة.. حسيت بنقص وقهرة كلت قلبي. أنا الست اللي بتنزل تبهدل نفسها في المواصلات وتفاصل مع بياع الخضار عشان توفر خمسة جنيه، واقفة قدام قصر معمول بفلوس وشقا الراجل اللي نايم في بيتي ومستخسر فيا علبة دواء! حصرى لصفحه قصص وروايات أمانى سيد
حاولت أجمع شتات نفسي وقربت من أفراد الأمن.. طبعاً مكنش ينفع أدخل ولا أطلع الأدوار، الأمن هنا مش زي بوابين زمان الطيبين، دول ناس مدربة ومفيش طلوع غير بـ “إنتركوم” وإذن من صاحب الشقة.
وقفت قدام واحد منهم، وبنبرة حاولت أداري فيها رعشة صوتي وكسرتي، قولت له: “لو سمحت.. كنت بسأل عن شقة الأستاذ أشرف هو في الشقة رقم 5؟”
الراجل بص لي من فوق لتحت، نظرة استرجاع وتأكيد، وقالي بكل هدوء: “أيوة يا فندم، الأستاذ اشرف ساكن في الدور التاني شقة 5.. بس هو لسه خارج من شوية بعربيته، والمدام كمان خرجت وراه.. حضرتك قريبتهم؟ أحب أبلغهم أول ما يرجعوا؟”
مشيت خطوتين، بس نيران القهرة اللي كانت بتاكل في صدري مخلتنيش أقدر أبعد. رجلي خانتني ورجعتني تاني.. قولت لازم أشوف، لازم عيني تواجه الحقيقة كاملة عشان قلبي يصدق ويدفن الحتة اللي باقية له من الأمل. وقفت على الرصيف التاني، استخبيت ورا شجرة كبيرة وبقيت مراقبة بوابة العمارة وعيني مش بتترمِش.
ساعة.. اتنين.. والوقت كان بيمر على قلبي زي السكاكين. وفجأة، لمحت عربيتة.. العربية اللي حافظة نمرتها صم، العربية اللي طالع عيني معاها في أقساطها ومصاريفها. ركنت قدام البوابة، ولمحت عربية تانية شيك جداً ركنت وراها بالظبط.
الباب اتفتح.. نزل هو، وبنفس اللحظة نزلت من العربية التانية واحدة.. ست تانية خالص. أول ما شافته، جريت عليه بضحكة مالية وشها، وحضنته وباسته قدام الأمن وقدام الدنيا كلها ولا فارق معاها حد! وهو.. هو اللي بقاله سنين مبيبتسمش في وشي، هو اللي ناسي شكل الحنية معايا، مسك إيدها وباسها بشغف وحب، وعينه كانت بتلمع بطريقة عمري ما شوفتها فيها.. كان باين عليه من كتر الفرحة هاين عليه يشيلها من على الأرض شيل!
في اللحظة دي، وبدون إرادة مني، بصيت لنفسي.. وبصيت لها.
بصيت للبسها الشيك اللي متناسق، لشعرها المعمول، لضوافرها الطويلة الملونة اللي واضح إنها مابتلمسش المية ولا تعرف يعني ايه شقى وطبيخ ومواعين ومسح.. وبصيت لشكلي أنا؛ للبس الشغل المبهدل اللي بكرره كل يوم، لإيديا الشقيانة الخشنة اللي دبلت من غسيل المواعين وتنضيف البيت، لوشي المجهد اللي نسى يعني إيه ميكب أو اهتمام من كتر الجري ورا المصاريف.
حسيت بقرف رهيب من نفسي.. قرف إني وصلت نفسي للمرحلة دي عشان واحد زيه. انكسرت كسرة عمري ما هنساها، وسألت نفسي بسؤال بيقطّع في شراييني: “طب مادام هو عايش الحب ده كله، ومادام لقى الست اللي تملى عينه ويبسطها بفلوسه.. هو مخبي عليا ليه؟ ومكمل معايا ليه؟”
وعرفت الإجابة من غير ما ينطق، الإجابة كانت مكتوبة في تفاصيل الضحكة اللي ضحكها لها، وفي نظرة البرستيج اللي كان باصص بيها للبرج الشيك. هو مخبي عليا ومكمل معايا، مش عشان بيحبني ولا باقي على عشرتي، هو مكمل معايا عشان أنا “الساقية” اللي بتلف وتطحن وتوفر له مليم فوق مليم عشان يروح يصرفه هناك.
مكمل معايا عشان أنا الست “المضمونة”؛ الدادة اللي شايلة البيت، والموظفة اللي بتسد العجز، والزوجة اللي بتدير الأزمات من غير ما تطلب منه حاجة، فيقوم الباشا يفضى بروقان لجمالها وشياكتها ودلالها! هو متجوزني عشان يمص د.مي وصحتي، ويروح يفرش بيهم أرض “البيت الجديد” ورد تحت رجلين ست تانية!
لفيت وضهري مكسور، الكسرة المرة دي مكانتش في عيني، الكسرة كانت في روحي اللي اتطفت. مشيت في الشوارع وأنا مش شايفة طريقي، رجل تودي ورجل تجيب، والدموع نازلة مغرقة وشي المجهد. كنت حاسة إن الناس كلها بتبص عليا وبتقول: “شوفوا المغفلة اللي شقيت وتعبت عشان تعمل من الراجل المك.سور… باشا لغيرها”.
وصلت بيتي.. البيت اللي بقالي سنين بحسبها فيه بالورقة والقلم، وبشيل علبة الجبنة الغالية وأجيب الرخيصة عشان الميزانية تكفي. دخلت الصالة، بصيت على الكنب القديم، على الستائر الدبلانة اللي مستخسرة أغيرها عشان “أوفر له”، وصرخت من جوايا صرخة مكتومة: “يا رب! ده بيبني جنته بناري! ده بيفرش بيته بخراب بيتي وصحتي!”
قعدت على السرير المستهلك اللي نايم فيه ببرود، وبقيت بفتكر كل مرة قالي فيها: “الدنيا مزنقة معايا يا حبيبتي، معلش شيليني الشهر ده.. الشغل واقف والشركة بتموت”. كنت بصدقه بقلب طيب وبقول: “عادي، الست الأصيلة تقف جنب جوزها في ضيقته”. مكنتش أعرف إن “ضيقتة” دي كانت مجرد مسرحية هزلية، عشان يوفر تمن الشوبنج والفسح وعقد الشقة اللي باسم الست الجديدة!
أصعب حاجة لما تكتشفي إنك كنتِ “رخيصة” أوي عند واحد شفتيه غالي لدرجة إنك ترهني عمرك عشانه. بقيت أبص لإيديا الخشنة وببكي بحرقة.. إيديا دي اللي شقيت في الشغل وفي البيت عشان تريحه، وفي الآخر، راح يبوس إيدين مابتلمسش المية!
قمت من على السرير وسحلت رجلي سحل لحد ما وقفت قدام مراية التسريحة.. المراية اللي بقالي سنين ماببصش فيها غير خطف وأنا بلف الطرحة ونازلة جري على الشغل. فتحت النور، وبقيت بفتكر تفاصيل الست التانية وبقارنها بنفسي.. كل حتة فيا كانت بتصرخ بالخسارة قدامها.
بصيت لوشي في الضلمة اللي تحت عيني، لبشرتي الباهتة والمجهدة اللي حفرت فيها الأيام علامات التعب من قلة النوم والتفكير في المصاريف؛ وافتكرت بشرتها النضرة اللي بتلمع، البشرة اللي مابتشوفش شمس الطوابير والمواصلات، المعمولة بأغلى الكريمات وجلسات الاهتمام اللي مدفوع تمنها من قهرتي وشقايا!
رفعت إيديا الاتنين قدام عيني.. إيديا اللي اسودت من وقفة المطبخ، وضوافري المكسرة والمتاكلة من كتر غسيل المواعين والمنظفات الرخيصة اللي بجيبها عشان أوفر الفرق، وبصيت لكفوفي الخشنة اللي دبلت؛ وافتكرت إيدين التانية.. الإيدين الناعمة، البيضاء، بضوافرها الطويلة الملونة المتناسقة، الإيدين اللي عمرها ما شالت هم، ولا لم.ست المية، وجوزي رايح يبوسها بشغف كأنها قطيفة!
نزلت الطرحة من على راسي وبصيت لشعري.. شعري اللي كان زمان ثقيل وبيلمع، ودلوقتي بقى خفيف وفراغاته باينة، وبيقع بالخصل في إيديا من قلة الفيتامينات والإهمال، ومن كتر الأنيميا والضغط العالي اللي د.مي مح.روق بيهم كل يوم؛ وافتكرت شعر التانية.. شعرها الحرير الغزير اللي معدي نص ضهرها، اللي متسرح ومتغرق بأغلى الزيوت والبراندات، وسايباه يطير في الهواء ورا ضهرها وهي بتضحك وتتغندج له.
كل حتة في المراية كانت بتقولي: “أنتِ اللي عملتِ في نفسك كدة”.. أنا الست اللي طفت نورها بإيدها، وهدت صحتها وجمالها عشان تبني راجل، ولما اتمكن وبقى معاه القرش، راح يشتري بيه النور والشياكة لبيت تاني خالص! كنت واقفة حاسة بقرف ونفور من طيبيتي العبيطة، ودموعي بتنزل تغسل الكسرة اللي في ملامحي، وعرفت في اللحظة دي إن الوجع مش بس إنه خانني.. الوجع إنك تشوفي شكلك في المراية وتكتشفي إنك خسرتِ نفسك وصحتك وعمرك، عشان تمنحي لغيرك الرفاهية الكاملة إنها
تخطف جوزك وهي في قمة حلاوتها!
ابلكيشن ج2
اماني سيد
وقفت قدام المراية، مسحت دموعي بقوة لدرجة إنها وجعتني، وكأن المسحة دي كانت بتغسل آخر نقطة طيبة وضعف جوايا. بصيت لملامحي المجهدة وقولت لنفسي: “لحد هنا وخلاص يا دلال.. فوقي.. الست اللي بكت واتقهرت دي ماتت خلاص في المراية دي، ومن النهاردة فيه ست ثانية خالص هي اللي هتعيش”.
عرفت إن المواجهة والصريخ مش هيجيبوا لي حقي، بالعكس، دي هتخليه يهرب للعنوان الثاني ويقفل الباب وراه ويسيبني في طين الحسرة. الخطة مكانتش إنها تخرب، الخطة كانت إني أرجع أعيش لنفسي، وآخد تمن كل ثانية شقى شفتها معاه، بس بذكاء ومن غير ما يحس بأي حاجة.
فكرت وقررت.. الساقية اللي كنت بلف فيها عشان توفر له، من النهاردة هتلف لحسابي أنا وبس. أول خطوة، المصاريف والبيت؛ تليفونه اللي اتفتح ببصمته مش هيتقفل غير وأنا مغيره طريقة اللعب. من أول الشهر ده، مفيش جنيه واحد من مرتبي هيتدفع في البيت، مفيش فواتير هتسدد من جيبي، ومفيش كلمة “شيلني عشان مزنوق” هتتصدق.
كل ما هيقول “معيش”، هطلع له لستة طلبات السوبر ماركت واللحوم والجبن اللي شفتها على الأبلكيشن وهقوله ببرود: “اتصرف.. زي ما بتجيب لنفسك ولشغلك هات لبيتك، أنا مرتبي اتجمد في البنك ومبقاش بيطلع منه مليم”. هسحب منه الفلوس بالود، بالتحايل، بطلب طلبات ليا وللبيت مكنتش بجرؤ أطلبها زمان، هخليه يدفع تمن “البرستيج” اللي عايش بيه، بس المرة دي في بيتي أنا!
تاني حاجة، أنا.. صحتي ونوري اللي انطفوا لازم يرجعوا. الفلوس اللي كنت بوفرها عشان أشيله في زنقته، هترجع تتدفع في علاج شعري اللي وقع، في الفيتامينات اللي جسمي اتحرم منها، في الكريمات الغالية اللي هترجع لوشي نضارته. هلبس أشيك ما عندي، وهنزل أشتري اللبس اللي كنت بمر من قدام المحلات وأبص له بنظرة حسرة ونفسي فيه. ههتم بضوافري وبإيديا الخشنة لحد ما ترجع ناعمة ومبتعرفش يعني ايه بهدلة وشقى.
أما هو؟ من النهاردة هو عبارة عن “لوكال” ملوش أي وجود في مشاعري. هتعامل معاه ببرود قاتل، برود يخليه يلف حوالين نفسه. ههتم بكلامه وهز راسي من غير ما أدخل معاه في نقاش، هطبخ وأكل لنفسي، وهلبس وأتزوق لنفسي، ولما يدخل البيت هيلاقيني عايشة حياتي ومنعشة، بضحك وبكلم صحباتي، ومهتمة بجمالي، كأنه حتة عفش زيادة في الصالة ملوش أي قيمة.
هخليه يشوفني كل يوم وأنا بنور من جديد، من غير ما يعرف السبب، هخليه يحس إنه مبقاش يفرق معايا بمليم واحد، وإن وجوده وزيه زي عدمه. أنا مش هسيب له البيت يتهنى بيه مع غيري، أنا هقعد في بيتي برنسيسة، بفلوسه وشقاه هو، وهخليه يدفع تمن كرامتي اللي داس عليها بالبطيء.. ومن غير ما ينطق بحرف واحد!
وبالفعل، مفيش وقت للدموع؛ الخطة كان لازم تبدأ فوراً ومن اللحظة دي. دخلت نمت ونيراني هديت وتحولت لذكاء وتخطيط.
تاني يوم الصبح، أول ما صحي وقبل ما يلحق يفتح عينه ويهرب على بره كالعادة، وقفت قدامه وبكل برود وثبات، حطيت لستة الأدوية والتحاليل في وشّه وقولت له بنبرة ناشفة ومفيهاش أي عاطفة: “أنا عايزة تمن الدوا والتحاليل دي حالا.. الدكتور قالي الضغط عندي واصل لمرحلة خطيرة ولازم العلاج ده فوراً”.
بص للورقة وللمبلغ، وملامحه اتقبضت، وبدأت نبرة التهرب والكدب المعتادة تطلع منه وهو بيلف ويدور: “يا دلال، أنتِ عارفة البير وغطاه، الدنيا مزنقة معايا جداً الأيام دي والشركة مابتطلعش مليم.. ما تجيبي أنتِ من مرتبك الشهر ده ومشي الدنيا ولما تفرج هبقى أديكِ”.
زمان، كنت هطأطأ راسي وأقوله “خلاص يا حبيبي معلش” وأروح أدفع من قوتي وشقايا.. بس دلال القديمة ماتت. بصيت له بعيون قوية ومبتترمِش وقولت له بمنتهى الهدوء القاتل: “لأ، مش هجيب. أنا مرتبة الشهر ده اتجمد في البنك وورايا التزامات تانية تخصني. والورق ده لو مدفعتش تمنه والتحاليل دي ما اتعملتش، الدكتور قالي بوضوح إني هحتاج عملية كبيرة فوراً، ووقتها هقعد في البيت من غير حركة، ومش هقدر أنزل الشغل ولا هيدخل لي مليم أصلاً أصرف بيه على البيت ولا أسد عجز معاك في أي حاجة.. فشوف أنت بقى، تدفع تمن العلاج دلوقتي، ولا تشيل شيلة البيت كله ومصاريف العمليات والمستشفيات لوحدك لما أقعد؟”
كلامي نزل عليه زي الصاعقة.. لمحت في عينه نظرة رعب وفزع، مش خوفاً عليا ولا على صحتي طبعاً، لأ.. ده خوف على “السبوبة” والمصلحة اللي هتقف، خوف على الست المضمونة اللي شايلة عنه هموم ومصاريف بيتنا عشان الباشا يروح يفرش بفلوسه “البيت الجديد” هناك! حس إن الساقية اللي بتطحن عشانه مهددة بالوقوف، وإن الحنفية اللي بتنقط في جيبه هتتقفل.
فضل واقف يبرطم بكلمات مش مفهومة، ووشه جاب ألوان وهو بيطلع المحفظة بإيد بتترعش.. طلع الفلوس وعدّها مليم فوق مليم وحطها على الترابيزة وهو قرفان ومتضايق، وقالي بلؤم: “خدي يا ستي تمن الدوا والتحاليل أهو.. بس مفيش مصاريف تانية تطلبيها الشهر ده”.
مسكت الفلوس في إيدي، وبقيت باصة لها بانتصار وشماتة ملوش أول من آخر. الفلوس دي مكنتش تمن دوا.. دي كانت أول دفعة من تمن كرامتي وصحتي اللي سرقها مني. أخدت الفلوس وحطيتها في شنطتي وأنا بقول في سري بابتسامة ثقة: “دي البداية بس يا أشرف.. دي أول قطرة غيث من شقايا اللي هسحبه منك قرش ورا قرش، ومن النهاردة مفيش حنية ولا تضحية.. فيه دلال جديدة هتاخد تمن عمرها الغالي غصب عن عينك وبمنتهى البرود!”
وبالفعل، نزلت وجبت العلاج وبدأت أولى خطوات استرداد صحتي، وبنفس البرود القاتل كملت تنفيذ الخطة في البيت.
جاء وقت الغدا، دخلت المطبخ ووقفت أطبخ.. بس المرة دي مكنتش بطبخ وليمة تكفي وتفيض للباشا عشان يرجع يلاقي السفرة عامرة؛ أنا عملت وجبة واحدة بس، على قدي بالظبط، مفيهاش مليم زيادة. قعدت على السفرة بروقان وهدوء، وأكلت لقمة ترم عضمي وأنا مستمتعة بكل قطمة، وخلصت أكل وغسلت طبقي وحلتي الصغيرة وشيلتهم مكاهم قبل ما ميعاد رجوعه ييجي بـ 10 دقايق.
الباب اتفتح ودخل أشرف مهدود من الشغل، رمى مفاتيحه وبص على السفرة الفاضية، ودخل المطبخ ملقاش ريحة طبيخ. طلع وهو مستغرب ووشه مقلوب وقالي بنبرة آمرة: “إيه يا دلال؟ فين الغدا؟ أنا راجع جعان وتعبان من الشغل”.
بصيت له بمنتهى البرود، وأنا سانده ضهري على الكنبة وبقلب في موبايلي، وقولت له بنبرة هادية جداً: “والله يا أشرف مفيش غدا.. أنا عملت لقمة صغيرة على قدي وأكلتها”.
برق عينه وقالي بعصبية: “يعني إيه عملتي على قدك؟ وأنا ماليش لقمة في البيت ده ولا إيه؟ فين الفلوس اللي كنتِ بتجيبي بيها الأكل؟”
هنا حطيت الموبايل من إيدي، وجمعت ملامح الوش “المهموم” المغلوب على أمره بتمثيل متقن، وقولت له بآهة كدابة: “آه.. ما أنا نسيت أقولك، البنك بعت لي استدعاء رسمي وقفلوا حسابي مؤقتاً عشان فيه أوراق ناقصة في القرض والتحويلات، ومفيش أي مليم قادر يتسحب من المرتب لحد ما أخلص الإجراءات والمحامي يفك الحظر.. وبصراحة كدة، أنا ماشية بالقرش، والقرشين اللي أنت اديتهملي للدوا يدوب كفوا التحاليل، ومبقاش معايا مليم واحد في جيبى أشتري بيه عيش حتى!”ماتنسوش تعملوا متابعه على صفحه قصص وروايات أمانى
وقف مكانه مذهول، الكدبة نزلت عليه زي الدش الساقع، وبدأ يفرك إيد في إيد ويزعق: “يعني إيه حسابك متجمد؟ يعني إيه مفيش فلوس؟ والبيت ده هيصرف منين؟”
قمت وقفت وقربت منه، وبصيت في عينه بمسكنة مصطنعة وقولت له: “أهو ده اللي حصل، الجيش قالك اتصرف بقى.. البيت محتاج خضار ولحمة وفراخ، وأنا كمان ورايا مشوار للمستشفى بكرة عشان أتابع بقية التحاليل والمواصلات لوحدها هتكلفني.. طلع لي بقى 500 جنيه حالا أمشي بيهم نفسي بكرة لحد ما أشوف قصة البنك دي هترسي على إيه، وطبعاً وأنت راجع بكرة تجيب معاك طلبات البيت واللحمة والجبن عشان نعرف ناكل”.
بقى باصص لي وهو هيطق، عروق وشّه برزت وهو شايف الست اللي كانت “حصالة” البيت بتتحول فجأة لـ “مصيدة” بتسحب منه الفلوس قرش ورا قرش. طلع المحفظة تاني للمرة التانية في يومين، وبكل غل وقهر طلع الـ 500 جنيه ورماهم على الترابيزة وقالي: “ادي الزفت الفلوس أهو، بس اتصرفي وخلصي حوار البنك ده بسرعة عشان أنا مش ملاحق على المصاريف دي كلها!”
أخدت الفلوس بابتسامة نصر خفيفة داريتها وأنا بلف وضهري وبقول في سري: “لسة يا أشرف.. لسة مشفتش حاجة، طالما قادر تملا تلاجة ‘البيت الجديد’ بالخير والرفاهية، يبقى هتملا بيتي أنا كمان غصب عن عينك، وشقايا وعمري هيرجعوا
لي تمنهم كاش ومن جيبك!”
تاني يوم الصبح، أول ما أشرف نزل من البيت، دخلت الحمام ووقفت قدام المراية والـ 500 جنيه في جيبي، بس المرة دي مكنش فيه دموع ولا حسرة. حطيت صورة الست التانية في خيالي، ملامحها، شعرها الحرير، بشرتها النضرة، وضوافرها المعمولة بروقان. قولت لنفسي: “أنتِ مش أقل منها يا دلال.. الجمال اللي خطف عينه ده معمول بفلوس وشقى، والنهاردة الفلوس دي هترجع لصاحبتها الأصلية”.
نزلت فوراً، مكنتش رايحة أشتري خضار ولا بفكر في لقمة للبيت؛ أنا روحت لأكبر صيدلية وجبت الفيتامينات الغالية اللي جسمي وشعري محتاجينها عشان يعوضوا سنين الحرمان والانيميا. وبعدها دخلت محل مستحضرات تجميل، نقيت سكين كير وكريمات ترطيب من البراندات الشيك اللي كنت بمر من قدامها وأبص لها بحسرة، وجبت ميكب هادي يرجع الروح لملامحي المجهدة.
مكنتش شايفة الفلوس وهي بتتدفع، كنت شايفة نوري وهو بيرجع، وكرامتي وهي بتتبني خطوة بخطوة.
المحطة التانية كانت الـ “بيوتي سنتر”. قعدت على الكرسي ملكة، وقولت للمتخصصة: “عايزاكِ ترجعيلي دلال بتاعة زمان وأحسن”.
قصيت الأطراف الميتة من شعري اللي وقع، وعملت له جلسات علاج وترطيب مكثفة عشان يرجع يطول ويثقل وينافس شعرها اللي معدي نص ضهرها.
مديت إيديا الخشنة المتبهدلة من المنظفات والمواعين، وبقيت مراقباهم وهم بيعملوا لي “باديكير ومانيكير”، وبيهتموا بنعومة إيديا وضوافري اللي اتبردت واتلونت بـ “رقة وشياكة”. بصيت لكفوفي بعد ما خلصت.. وبستها! إيديا رجعت ناعمة، رقيقة، مابتلمسش هم ولا شقى، إيدين برنسيسة متعودة على الدلال مش على الطحن.
قبل ما ميعاد رجوعه يقرب، لميت كل أكياس البراندات، علب الكريمات، والميكب الجديد، وشيلتهم في أبعد مكان في الدولاب، ورا الهدوم القديمة اللي مبيفتحهاش أصلاً. نزلت شعري اللي اتقص وبقى يلمع، وداريته تحت الطرحة، ومسحت الروج الرقيق.. مكنش ينفع يشوف دلال الجديدة دلوقتي، الحظر لازم يفضل مفروض لحد ما الضربة الصح تيجي في وقتها.
لما الباب اتفتح ودخل، رجعت فوراً لـ “ماسك” الست التعبانة المغلوبة على أمرها. قعدت مكاني، وبصوت خافت قولت له: “جبت معاك الأكل يا أشرف؟ أنا مهدودة ومقدرتش أنزل من الدار طول اليوم من التعب”.
بص لي بقرف ورمى الكيس على الترابيزة وهو بيبرطم: “أهو الزفت الأكل أهو، غوري اعمليه.. مش عارف آخرة حوار البنك بتاعك ده إيه!”
قمت أخدت الكيس وأنا بداري إيديا وضوافري الجديدة جوه كم العباية الواسع، وببتسم من تحت لـ تحت.. كان فاكر إنه بيكسرني بأسلوبه، مكنش يعرف إن البرود اللي أنا فيه ده هو الهدوء اللي بيسبق العاصفة اللي هتهد حياته!
تاني يوم الصبح، أول ما نزل وراح لشغله، مكنتش وجهتي الصيدلية ولا البيوتي سنتر.. وجهتي كانت مكتب محاماة كبير بيخلص القضايا الصعبة. دخلت وقعدت قدام المحامي، وطلعت من الشنطة الحقيقة كاملة؛ “اسكرينات” من تليفونه لطلبات أكل “البيت الجديد” وعنوانه، وتفاصيل جوازه التاني اللي مخبيه عليا وبيصرف عليه من شقايا.
المحامي بص في الورق وابتسم وقالي: “كدة قضيتنا مضمونة يا مدام دلال.. ده غدر وخيانة وأذى مادي ونفسي، وإحنا هنرفع قضية طلاق للضرر، وهنطالب بكل حقوقك؛ نفقة، ومتعة، ومؤخر، وقايمة.. ومش هنسيب له مليم”.
طلعت من مكتب المحامي وأنا حاسة بـ طاقة غريبة بتجري في دمي. مكنتش خايفة ولا ندمانة، كنت حاسة إن كل خطوة باخدها بـ “قضية الطلاق” دي هي المسمار الأخير اللي بدقه في نعش استغلاله ليا.
رجعت البيت، وبقيت بصلّه وهو قاعد بيتفرج على التليفزيون بكل برود، وبقول في سري: “عيش لك يومين كمان في الأوهام يا أشرف.. افتكر نفسك ذكي ومغفلني، واصرف على بيتك التاني براحتك.. المحكمة جاية، والورق اللي هيوصلك من المحضرين هيعرفك إن دلال اللي استرخصتها، هتخليك تدفع تمن “الضرر” ده من قوت يومك وصحتك.. والمرة دي بالقانون!”
نفسى اشوف شكلك يوم الطلاق بعد ما تشوف دلال الجديدة اللى بقيت
اسم على مسمى
ابلكيشن ج3
اماني سيد
لما المحامي كلمني وقالي: “خلاص يا مدام دلال، عريضة الدعوى اتسجلت، والمحضرين نازلين يبلغوه بقضية الطلاق للضرر على عنوان شغله وعلى بيته التاني”، قفلت معاه وأنا مقررة إن المواجهة مش هتبتدي هنا في الصالة ببيوتنا القديمة.. المواجهة الحقيقية مكانها ساحة المحكمة، يوم الجلسة، لما يشوفني بعينه وأنا في قمة نوري وعزّي!
طول الأيام اللي سبقت الجلسة، كنت بداري كل ملامح الاهتمام قدامه. كنت بلبس الطرحة القديمة وبقفل العباية الواسعة عشان مالمحش في عينه أي خضة. لما كان يرجع البيت وعينه طالع منها الشرار ويزعق وهو ماسك ورق المحضرين ويقول: “أنتِ اتجننتي يا دلال؟! رافعة عليا قضية طلاق للضرر وعارفة مكاني؟!”، كنت ببص له بكسرة مصطنعة ودموع كدابة وأقوله بصوت مخنوق: “المحكمة هي اللي هتفصل بينا يا أشرف”.. وسيبته فاكر إنني لسه دلال الضعيفة المكسورة اللي هتروح المحكمة تعيط وتستعطفه.
وجاء يوم الجلسة..
وقفت قدام مراية بيتي، بس المرة دي كنت ملكة متوجة. لبست أشيك طقم عندي، طقم يفصّل ثقتي الجديدة، حطيت ميكب سينمائي شيك جداً أبرز نضارة بشرتي اللي رجعت لها الروح بفضل الكريمات والفيتامينات. فردت شعري الثقيل البيلمع ورا ضهري قبل ما ألف الطرحة ببرستيج وشياكة ملوش مثيل. بصيت لإيديا وضوافري الملونة الطويلة اللي عمرها ما شافت بهدلة، ورشيت من برفاني الغالي اللي ريحته كانت قالبه الممر.. ونزلت وراسي في السما.
دخلت قاعة المحكمة، وكان هو قاعد مع محاميه، وشه كان مطفي ومتبهدل من كثر التفكير ومصاريف القضية والمحامين. أول ما خطوت رجلي جوة القاعة، وسمع صوت كعبي وهو بيضرب في الأرض.. رفع عينه وبصلي.
في اللحظة دي، الزمن وقف بيه! فضل متنح، بقّه مفتوح، وعينه مكانتش مصدقة اللي شايفاه.. كان بيدور على دلال المطفية، الدادة اللي ريحتها بصل وطبيخ، الست المهدودة اللي إيديها خشنة وضوافرها مكسرة من المواعين وشقى البيت.. ملقاهاش! لقى قدامه ست تانية خالص، ست في قمة جمالها، بشرتها بتنور، وعينها بتلمع بالثقة، وشياكتها ورقتها يعدوا مية ست من اللي جابها وقعدها في “البيت الجديد”.
حسيت بنظرته وهي بتاكلني من الندم والحسرة، نظرة راجل اكتشف إنه رمى ماسة في التراب وراح جاب حتة زجاج فاكرها بتلمع. قربت وقعدت في الصف اللي قدامه من غير ما أديله أي اهتمام، وكنت سامعة نفسه العالي وهو بيتحسر من الصدمة.
بصيت له بطرف عيني بابتسامة برود قاتلة، وقولت في سري وأنا شمتانة في كل لفتة في وشه المخطوف: “اتصدم يا أشرف.. اتصدم واتقهر.. دي دلال اللي أنت استرخصتها ومصيت دمها عشان تفرح غيرها، أهو جمالي ونوري رجعوا بفلوسك وشقاك أنت، والنهاردة مش بس هخسرك وأكسر عينك بجمالي اللي اتحرمت منه.. أنا هاخد حقوقي منك بالقانون مليم ورا مليم، وهسيبك ترجع لبيتك التاني وأنت مكسور العين والظهر والجيوب!”
المحامي بتاعي وقف قدام القاضي وبدأ يتكلم بثقة ويقدم المستندات: “سيدي القاضي، بنطلب الطلاق للضرر مع كامل الحقوق الشرعية.. موكلتي مدام دلال كانت بتتحرم من اللقمة واللبس ومصاريف العلاج، في الوقت اللي المدعى عليه كان بياخد شقاها وفلوسها عشان يفرش بيهم بيت تاني لزوجة تانية في السر، وبالمستندات والفواتير بنثبت الأذى المادي والنفسي اللي تعرضت له”.
في اللحظة دي، القاضي بص في الورق، وأشرف كان واقف ورا في قفص الذهول، عينه منزلتش من عليا.. كان باصص لشياكتي، لنضارة بشرتي، للثقة اللي مرسومة على كل ملامحي، وكان بيموت في جلده. النظرة اللي في عينه كانت مزيج من الغل، والحسرة، والندم القاتل. كان حاسس إن الست اللي استضعفها واسترخصها وافتكر إنها ماتت جوه ساقية بيته، واقفة قدامه النهاردة زي الشمس، قوية ومبتنكسرش.
حاول محاميه يتكلم ويقول: “يا سيادة القاضي، الموكل مكنش يقصد الأذى، ومستعد للصلح..”، لكن القاضي قاطعه وبص لأشرف وقاله: “الحكم بعد المداولة”.
أول ما الجلسة خلصت والقاضي رفع الجلسة، لقيت أشرف بيجري عليا زي المجنون، وشه مخطوف وعينه دبلانة، قرب مني وبصوت واطي ومليان كسرة قالي: “دلال.. إيه اللي أنتِ عاملاه في نفسك ده؟ أنتِ اتمردتي عليا للدرجة دي؟ بقى بترفعي عليا قضية وعايزة تخربي بيتنا؟ طب والست الشيك الجميلة دي مكانتش بتظهر ليه في بيتي؟ مكانش فيه لزوم للمحاكم.. إحنا ممكن نتفاهم ونرجع والقرش اللي أنتِ عايزاه هيدفعلك!”
وقفت قدامه، عدلت الشنطة الشيك على كتفي، وبصيت لإيديا وضوافري الملونة المعمولة بروقان، ورفعت عيني في عينه بابتسابة برود قتلت اللي باقي من كرامته، وقولت له بصوت هادي ومسموع:
“أتفاهم معاك؟ على إيه يا أشرف؟ على سنين عمري وصحتي اللي ضيعتهم معاك في الفقر والبهدلة وأنا بوفرلك القرش على حساب نفسي عشان تروح تنعنش بيه مع غيري؟ الست الشيك اللي أنت شايفها قدامك دي مكانتش بتظهر في بيتك لأنك كنت طافي نورها بشقاك وبخلك واستغلالك.. الست دي اتولدت وعاشت بفلوسك أنت، من أول علبة كريم لحد تمن المواصلات اللي جابتني المحكمة النهاردة! أنت افتكرت إنك أذكى مني ولما تمص دمي هتدفنني صاحية.. لأ يا ابن الأصول، دلال القديمة ماتت في بيوت الخديعة بتاعتك، ودلال الجديدة جاية تاخد حقها وحق صحتها وعمرها بالقانون.. مليم ورا مليم، وهسيبك ترجع لبيتك الجديد وأنت على الحديدة.. عشان تدوق تمن الغدر اللي شربتهوني!”
لفيت وضهري ومشيت، وصوت كعبي كان بيرن في الممر زي طبول الانتصار، وسيبته واقف ورايا مكسور، عينه مليانة دموع حسرة، ومحني الظهر قدام محاميه، بعد ما عرف إن الست الأصيلة لما بتقرر تقفل ساقية الاستغلال.. بتهد القصر على دماغ اللي بناه!
خرجت من مبنى المحكمة والخطوة اللي كنت بجرّها زمان بالوجع، بقت النهاردة طايرة في الهوا من الفرحة. ركبت عربيتي وأنا حاسة إن الهوا اللي بنفسه مبقاش بيخنقني زي زمان، بالعكس، ده كان بيرد فيا الروح.
مرت أسابيع قليلة، وفيها أشرف مبطلش تليفونات ورسايل رجاء، ومحاميه يكلم محاميّ ويعرض مبالغ للتسوية والصلح. الباشا اكتشف إن القضية مش مجرد طلاق، دي قايمة ونفقة ومتعة ومؤخر، يعني “البيت الجديد” والشياكة اللي بناها هناك بفلوسي وشقايا، هيدفع تمنهم أضعاف مضاعفة هنا عشان يخلص من القضية والفضائح في شغله. كان بيبعت رسايل ويقول: “يا دلال عشان خاطر العشرة.. أنا مستعد أكتبلك الشقة باسمك بس اتنازلي”، كنت بشوف الرسالة من هنا، وأضحك ببرود وأقفل الموبايل.. العشرة دي هو اللي داس عليها لما سابني بفاصل في الخمسة جنيه مع بياع الخضار وهو بيشتري المنظفات الغالية لمعالمه هناك!
وجاء يوم النطق بالحكم..
المحكمة حكمت بطلاقي من أشرف للضرر، مع إلزامه بدفع كافة مستحقاتي المادية والشرعية كاملة ملميم ورا مليم، وبالمبالغ اللي المحامي طلبها وتليق بمستواه “الجديد” اللي كان مخبيه عليا.
أول ما القاضي نطق بالكلمة، حسيت إن جبل كان كاتم على نفسي وانزاح. بصيت ورايا، لمحت أشرف قاعد على الكرسي، وشه كان شاحب، وضهره محني كأنه كبر عشرين سنة في دقيقة واحدة. مكنش باصص للمحامي بتاعه ولا للورق، كان باصص للأرض.. عينيه مكانتش قادرة تيجي في عيني.
مشيت لحد ما وقفت قريب منه، وبمنتهى الشياكة والهدوء اللي اتعلمتهم بفلوسه، قولت له بصوت واطي وراس مرفوعة:
“مبروك عليك بيتك الجديد يا أشرف.. ومبروك عليا عمري اللي رجع لي. أنت كنت فاكر إنك لما تسرق نوري وتديه لغيري هفضل مظلمة طول العمر، مكنتش تعرف إن دلال لما بتقع، بتقوم أقوى وأجمل. الفلوس اللي هتدفعها في المحكمة دي مش هترجعلي صحتي اللي راحت، بس هترجعلي كرامتي اللي داست عليها.. روح بقى للست الشيك بتاعتك، وقولها إن الباشا اللي كان بيفسحها ويشتريلها أغلى الأكل، بقى على الحديدة.. وخليها تنفعك بشياكتها لما تلاقيك مش قادر تدفع إيجار البرج!”
سيبته ومشيت، وخرجت لـ نور الشمس وأنا حاسة إني اتولدت من جديد. بصيت لإيديا الناعمة وضوافري الملونة الشيك، وابتسمت من كل قلبي.. الساقية اتقفلت خلاص، والزرع اللي هيروى من النهاردة، هو حياتي ونفسي وبس
مرت كام شهر على الحكم، وبقت الحياة بتدور وتورّي أشرف الوش التاني للدنيا، الوش اللي كان مخبيه عني وطابخه في الضلمة.
الباشا اللي كان عايش دور “عنتر” في البرج الشيك وجاي على دلال ومستخسر فيها علبة الدوا، لقى نفسه فجأة محاصر بين نارين؛ نار أقساط المحكمة والنفقة اللي بتتسحب من مرتبه أول بأول وبقوة القانون، ونار “البيت الجديد” اللي مصاريفه وإيجاره مبيستنوش.
في يوم، كنت قاعدة في بيتي اللي رجع لي فيه نوري وراحتي، بروقان وبشرب قهوتي، وتليفوني رن.. بصيت لقيت رقم أشرف. رديت بمنتهى البرود، لقيت صوته جاي مخنوق، ذليل، ومكسور كسر عمري ما شفته فيه زمان وهو بيمثل الزنقة.
قالي بنبرة شحاتة: “أرجوكي يا دلال.. خفي عليا شوية في الدفع، المحامي بتاعك حجز على نص المرتب عشان النفقة والمؤخر، وصاحب شقة البرج مهددني بالطرد أنا والمدام الجديدة لو مدفعتش إيجار الشهرين اللي فاتوا.. أنا على الحديدة يا دلال، ومبقتش ملاحق على تمن العيش!”
ضحكت ضحكة عالية رنت في أركان الصالة الفاضية، ضحكة بلت ريقي وخدت تمن كل ليلة نمت فيها مقهورة وبحسبها بالقرش، وقولت له بنبرة ناشفة زي الحجر:
“وأنا مالي يا أشرف؟ مش أنت اللي روحت برجلك لليفل التاني؟ مش أنت اللي كنت بتشتري المنظفات الغالية والجبن بأغلى الأنواع لست الهانم، وتيجي عندي تقول ‘الشركة بتموت وشيليني’؟ الساقية اللي كانت بتلف وتطحن وتدفعلك من شقاها وتوفرلك الفرق عشان تروح تتمنظر بيه هناك… اتقفلت خلاص وهدت اللي بناه بخلك. دلال مبقتش بتساعد، دلال دلوقتي بتاخد حقها وحق عمرها اللي سرقته بالمليم، وإيجار البرج بتاعك ده تتصرف فيه أنت والست الشيك اللي ضوافرها مابتلمسش المية.. خليها تنزل تتبهدل في المواصلات وتوفرلك الإيجار!”
وقبل ما ينطق بحرف، قفلت السكة في وشّه.. قفلتها وأنا حاسة بانتصار ملوش آخر. بصيت لنفسي في المراية، لبشرتي اللي رجعت تنور، لإيديا الناعمة وضوافري الملونة الشيك، وقولت لخياله اللي انكسر للأبد:
“اللقمة اللي استخسرتها فيا، والخير اللي بنيت بيه جنة لغيري على حساب صحتي… أهو رجع يتهد على دماغك، وبقيت مش لاقي تمن الإيجار في القصر اللي عملته بدمي.. ذوق يا أشرف تمن الغدر، واشرب من نفس الكاس اللي شربتني منه سنين!”
وبعد كام أسبوع، جاءت اللطمة الأخيرة اللي هدت اللي باقي من طوله، وعرّفته إن اللي يتبني على باطل.. آخره خراب.
كنت قاعدة في الكافيه مع صحباتي، لابسة أشيك ما عندي، وبضحك من قلبي الصافي، ولما رجعت البيت لقيت رسالة مبعوتة لي من رقم غريب، فتحتها لقيتها من جارة ليا ساكنة في نفس البرج الشيك اللي فيه شقته التانية، وبتقولي: “الحقي يا دلال.. البرج كله كان مقلوب النهاردة، والبوليس وصاحب العمارة كانوا واقفين، وأشرف اتهزأ قدام الناس كلها!”
عرفت بعدها التفاصيل اللي بردت ناري للأبد.. أشرف الباشا مكنش قادر يدفع الإيجار، والديون حاصرته من كل ناحية بسبب النفقة ومصاريف المحكمة اللي كنت بسحبها منه أول بأول. الست الشيك، اللي ضوافرها مابتلمسش المية، واللي اتجوزته عشان ليفل الرفاهية والبرستيج والعربية والفسح، أول ما لقت الديون كترت، والكهرباء اتقطعت، وصاحب العمارة جاي يطردهم بالطرد المستعجل.. اتغيرت 180 درجة!
وقفت له في وسط المدخل الرخام اللي بيلمع، وقدام أفراد الأمن اللي كانوا بيحنوا راسهم له زمان، وزعقت بأعلى صوتها وقالت له بقرف: “أنا متجوزتش واحد شحات زيك عشان يتبهدل بيا في المحاكم والديون! أنت طلعت مقلب وعايش في المظاهر، وعربيتك حتى مش قادر تدفع أقساطها!”.. وطلبت الطلاق في ساعتها، ولمت هدومها وشنط الماركات اللي اشتراها بفلوسي، وسابته واقف في وسط الصالة الفاضية بطولهه، مكسور ومطروط من الجنة المزيفة اللي بناها بغدري.
مسكت الموبايل، وبصيت لصورته اللي لسه ممسحتهاش.. وشه المخطوف والدبلان، وقارنتها بصورتي في المراية؛ صورتي وأنا في قمة جمالي ونعومتي وشياكتي اللي رجعتلي، وقولت له في سري بمنتهى الشماتة والراحة:
“الست اللي خطفتك وهي في قمة حلاوتها، سابتك وهي في قمة قرفها منك أول ما الحنفية اتقفلت.. لأنها كانت بتحب فلوسك ومش عزاك، أما دلال اللي صانتك وشالتك في فقررك، أنت اللي رخصتها بإيدك. أهو ‘البيت الجديد’ اتهد، والست الشيك سابتك على الحديدة، وبقيت لوحدك.. لا طايل حب ولا طايل ستر.. ذوق يا أشرف تمن الغدر، والدايرة دارت والست اللي استهنت بيها.. قعدت برنسيسة في بيتها، وسابتك تتفحم بنار خيبتك!”


تعليقات
إرسال تعليق