القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

اتجوزت الميكانيكي اللي أهلي كانوا بيستهزقوا بيه كامله

 اتجوزت الميكانيكي اللي أهلي كانوا بيستهزقوا بيه



حكايات اسما السيد 1


“اتجوزت الميكانيكي اللي أهلي كانوا بيستهزقوا بيه عشان معهوش شهادة جامعة… وفي الليلة اللي بعد الفرح، فتح صندوق حديد قديم وقال: “قبل ما نبدأ حياتنا سوا… لازم تعرفي أنا مين بجد.”


 


أول مرة عرفت فيها حبيبي كريم على أهلي، حكموا عليه من أول دقيقة… قبل حتى ما يقعدوا يتكلموا معاه.


 


أول ما عرفوا إنه شغال ميكانيكي عربيات في ورشة في مدينة نصر، وإنه ماكملش تعليمه الجامعي، خلاص… في نظرهم بقى شخص ماينفعنيش.


 


بابا وماما كانوا كل شوية يفكروني إني خريجة جامعة عين شمس، وعندي شغل كويس في شركة كبيرة في القاهرة الجديدة، وإن قدامي فرص أحسن بكتير.


 


كانوا يقولولي:


 


“إنتِ تعبتِ في تعليمك عشان في الآخر تتجوزي ميكانيكي؟”


 


الغريب إن كريم عمره ما دخل معاهم في خناقة.


 


كان دايمًا يبتسم بهدوء، يبص في موبايله، ويقول:


 


“معلش… في مكالمة لازم أرد عليها.”


 


ويطلع يقف في البلكونة أو ينزل تحت العمارة، ويسيبهم ياخدوا راحتهم في محاولة يقنعوني أسيبه.


 


هو كان عارف كويس جدًا هما بيقولوا إيه.


 


بس كان بيحبني لدرجة إنه عمره ما حب يزود التوتر بيني وبين أهلي.


 


وده كان من أكتر الحاجات اللي خلتني أحبه.


 


ولما طلب إيدي للجواز…


 


أهلي حاولوا بكل الطرق يخلوني أغير رأيي.


 


بابا بصلي وقال بغضب:


 


“إنتِ بجد هتضيعي مستقبلك مع واحد عمره كله تحت العربيات والزيت والشحم؟”


 


بصيت له بثقة، وقلت:


 


“أيوه… وهتجوزه.”


 


وفعلًا اتجوزنا.


 


عملنا فرح بسيط في قاعة صغيرة على كورنيش النيل في المعادي، حضره أقرب أهلنا وأصحابنا.


 


كان بالظبط الفرح اللي كنا بنحلم بيه.


 


لكن حتى في يوم فرحنا…


 


كنت شايفة نظرات عدم الرضا في عيون أهلي.


 


كانوا بيبتسموا قدام الناس، ويباركولنا، لكن أول ما حد يبص الناحية التانية، كنت بحس إنهم مقتنعين إني ارتكبت أكبر غلطة في حياتي.


 


بعد ما رجعنا شقتنا أول ليلة بعد الفرح…


 


كريم استأذن بهدوء، وقال:


 


“ثانية واحدة… هرجع حالًا.”


 


دخل أوضة التخزين.


 


وبعد كام دقيقة…


 


خرج شايل صندوق حديد قديم، عليه آثار صدأ، وكأنه متخزن من سنين طويلة.


 


حطه فوق سفرة المطبخ، وحط إيده على الغطا.


 


وفجأة…


 


ملامحه كلها اتغيرت.


 


الابتسامة الهادية اللي كانت على وشه طول اليوم اختفت.


 


بصلي مباشرة في عيني، وقال بصوت هادي لكنه مليان جدية:




“قبل ما نبدأ حياتنا سوا… لازم تعرفي أنا مين بجد.”


 


مسكت دراع السفرة وأنا بصلّه بذهول، نبضات قلبي كانت سريعة جدًا لدرجة إنها مغطية على صوت الهدوء اللي في الشقة. الصندوق الحديد القديم كان محطوط بينّا، شكله يوحي إنه مخبي أسرار سنين طويلة، والصدأ اللي عليه كان بيقع منه قشور صغيرة فوق الخشب. كريم مش هو كريم اللي عرفته طول سنتين، نظرة عينيه اتغيرت تمامًا، الثقة والهدوء الهادي المعتاد اتحولوا لصرامة وجدية تخوف، وكأنه شخص تاني خالص غير الميكانيكي اللي بيقضي يومه بين الشحم والزيت.


أخد نفس عميق، ومد إيده في جيبه، أخرج مفتاح صغير شكله غريب، شبه مفاتيح الخزن القديمة جداً. حطه في قفل الصندوق وداره، فسمعت صوت تكة معدنية حادة قطعت سكون الأوضة. رفع الغطا بالراحة، والريحة اللي طلعت من الصندوق كانت خليط بين ريحة الورق القديم، العرقسوس، والمعدن المصدي.


كريم بصلي وقالي: “قربي يا مريم.. وبصي بنفسك.”


قربت خطوات بطيئة، رجلي كانت تقيلة وكأني بمشي في طين. أول ما بصيت جوه الصندوق، متوقعتش أبدًا اللي شفته. مكنش فيه فلوس ولا مجوهرات زي ما جه في بالي لأول وهلة.. كان فيه أوراق رسمية كتير مختومة بختم النسر، جوازات سفر بألوان مختلفة، ورخص قيادة بدول متعددة، وعلى كل رخصة صورة كريم.. بس بأسماء مختلفة!


جمدت في مكاني، عينيا رايحة جاية بين الأوراق وبين وشه. مسكت أول ورقة كانت على الوش، كانت شهادة تخرج من جامعة إمبريال كوليدج في لندن.. شهادة هندسة ميكانيكا وطيران، باسم “كريم عبد الرحمن”!


رفعت رأسي وقولت بصوت بيترعش: “إيه ده يا كريم؟ إيه الأوراق دي؟ وأسماء مين دي كلها؟ أنت مين بالضبط؟”


كريم قعد على الكرسي اللي قصادي، شبك صوابع إيده في بعضها وبص للترابيزة لحظة قبل ما يرفع عينيه لييا ويقول: “أنا فعلاً كريم.. وده اسمي الحقيقي. بس أنا مش مجرد ميكانيكي في ورشة في مدينة نصر يا مريم. أنا مهندس استشاري ومصمم أنظمة محركات دقيقة، وكنت بشتغل مع شركات تصنيع سيارات وطائرات عالمية في ألمانيا وإنجلترا.”


حسيت بالدوار، الكلام كان كبير وصعب يستوعبه عقلي في الليلة دي. قولتله بزهول: “طب وليه؟ ليه شغال في ورشة صغيرة؟ وليه أهلي كانوا بيهينوك كل يوم وأنت ساكت وتستأذن ترد على الموبيل وتطلع البلكونة؟ وليه سبتهم يفكروا إنك معندكش شهادة أصلاً؟!”


ابتسم ابتسامة مكسورة وقال: “عشان المكالمات اللي كنت بطلع أرد عليها في البلكونة دي.. كانت مكالمات مع محامين، ومؤسسات طيران، والجهات الأمنية اللي بتابع قضيتي.”



سكت كريم لحظة، وقرب الصندوق منه أكتر، وأخرج ملف أحادي اللون مليان تقارير ورسومات هندسية معقدة. كمل كلامه وقال: “من أربع سنين، وأنا بشتغل في ألمانيا، اكتشفت عيب تصنيعي خطير جداً في شريحة تحكم إلكترونية بتنزل في موديل معين من العربيات الفارهة. العيب ده كان ممكن يسبب حوادث مميتة على السرعات العالية. لما بلّغت إدارة الشركة، حاولوا يلموا الموضوع ويدفعولي مبالغ خرافية عشان أسكت. لما رفضت وتعهدت إني هبلغ هيئات السلامة الدولية.. حياتي اتقلبت جحيم.”


اتسعت عينيا وأنا أسمعه، وهو كمل بحدة: “اتلفقت لي قضايا تسريب أسرار صناعية، واتعرضت لمحاولات اغتيال واختطاف. اضطريت أختفي تماماً، وأغير هويتي أكتر من مرة بمساعدة محامين شرفاء وجهات أمنية، ورجعت مصر واستخبيت في أكتر مكان محدش يدور عليا فيه.. ورشة ميكانيكا بسيطة في حارة في مدينة نصر. الشحم والزيت والهدوم المقطعة كانوا درعي الواقي، المكان الوحيد اللي محدش يتوقع إن مهندس طيران وهندسة عكسية مستهدف دولياً يستخبى فيه.”


دمعة نزلت من عيني من غير ما أحس. افتكرت كل كلمة بابا قالها له، افتكرت نظرات السخرية من قرايبي، افتكرت لما أختي قالتلي “هتمشي جنبه وإيده مليانة زيت؟”. وهو كان شايل الحمل ده كله لوحده، وساكت عشان يحميني ويحمي نفسه.


مسكت إيده بقوة وقلت: “طب وليه حكيت لي دلوقتي؟ وليه اتجوزتني وأنت ظروفك خطر كده؟”


كريم مسك إيدي بالتاني، وعينيه لمعت بالدموع: “اتجوزتك لأني حبيتك بجد يا مريم. أنتي الوحيدة اللي شفتيني إنسان، حبيتي كريم البسيط اللي بيعامل ربنا في شغله، مش المهندس صاحب الملايين ولا الشهرة. أنتي وافقتي تتجوزيني وتدوسي على كلام أهلك والمظاهر الفارغة عشان خاطري.. وده خلكِ أغلى حاجة في حياتي. وأنا حكيت لك النهاردة لسببين.. الأول إنك ليكي الحق تعرفي راجلك مين، والثاني..”


سكت كريم فجأة، وبص ناحية باب الشقة. الصوت كان هادي جداً، بس هو كان مركز كأنه بيسمع حاجة أنا مش سامعاها.


قلت بقلق: “السبب الثاني إيه يا كريم؟”


قفل الصندوق الحديد بسرعة، وأخد المفتاح وحطه في جيبه، وقام وقف بهدوء شديد. قرب من الشباك المطل على الشارع، وبص من ورا الستارة بالحساب.


وقال بصوت واطي جداً: “السبب الثاني.. إن القضايا اتفتحت تاني في أوروبا الأسبوع اللي فات، والتقرير اللي أثبت برائتي اتقدم للمحكمة. قضيتي بقت رأي عام هناك.. وده معناه إن اختفائي ينتهي، بس في نفس الوقت.. الناس اللي كانوا عاوزين يسكتوني زمان، عرفوا إني عايش في القاهرة، وبدأوا يدوروا عليا.”



جسمي كله اتجمد. التفت لي كريم، وبصلي بحب وخوف في نفس الوقت، وقال: “الأسبوع اللي فات، لما كنت بقولك طالع البلكونة أرد على مكالمة، كانت التهديدات بدأت ترجعلي تاني. أهلك كانوا بيستقلوا بيا، وأنا كنت بحارب في التليفون عشان أحميكي وأحمي نفسي.. والنهاردة، الصندوق ده اتفتح عشان أقولك إن حياتنا الهادية اللي خططنا لها.. ممكن تتغير تماماً من بكرة.”


وفجأة.. ودون أي مقدمات، رن جرس الباب.


الصوت كان حاد وقوي في هدوء الليل، الساعة كانت أربعة الفجر!


اتنفضت من مكاني وبصيت لكريم برعب. كريم ملامحه تحولت للصخر، أشار لي بإيده إني أقف وراه، وقرب بالراحة من باب الشقة، وبص من العين السحرية.


وفجأة، شفته اتسمر في مكانه، ووشه اصفرّ تماماً..


 

حكايات اسما السيد 2


وقفت ورا كريم وأنا جسمي كله بيترعش، نفسي كان طالع نازل بصعوبة، وصوت رنة جرس الباب في الوقت ده من الليل كان زي ضربات الشاكوش في دماغي. كريم فضلت عينه معلقة على العين السحرية، إيده الاتنين اتشدوا وعروق إيده ظهرت بوضوح، ووشه اللي كان أصفر من الشحوب بدأ يتحول لجمود وتأهب كأنه فهد مستعد يطمر على فريسته.


مسكت في طرف قميصه بصوابع مبروكة وقولت بصوت واطي جدًا بيترعش: “مين يا كريم؟ مين اللي يجي الساعة أربعة الفجر؟”


كريم ميل عليا بالراحة من غير ما يشيل عينه من على الباب، وبصوت هادي جدًا مفيش فيه أي نبرة خوف، بل تركيز حاد، قال: “اثبتي يا مريم.. وماتخرجيش من ورايا مهما حصل.”


رجعت رنة الجرس تتكرر تاني، بس المرة دي مكنتش خبطة عادية.. كانت دقات منتظمة وقوية، ثلاث خبطات متتالية وبعدها وقفة ثواني، وتكرار نفس النمط. كريم غمض عينه لحظة، وأخد نفس عميق كأنه اتأكد من هوية اللي بره.


مد إيده بحرص، وفتح القفل الأول للباب، وبعدين القفل الثاني. فتح الباب بالراحة..


كان واقف بره الشقة راجل طويل العرض، لابس بدلة كحلي أنيقة جدًا رغم حَر الليل، شعره أبيض مظبوط، وملامحه أوربية حادة، لكن نظرة عينه كانت دافية أول ما شاف كريم. جنب الراجل ده، كان فيه شابين هيئتهم الرياضية وبنيتهم الجسدية توحي بوضوح إنهم حراس شخصيين محترفين، عيونهم بتتحرك في الممر باستمرار وبيرصدوا كل شبر حواليهم.


الراجل العجوز بص لكريم، وابتسامة خفيفة ظهرت على وشه، وقال بلغة عربية مكسورة بلهجة ألمانية واضحة: “أهلاً يا بشمهندس كريم.. طال البحث عنك، لكن يسعدني إني أقولك: الوقت حان.”


كريم ما تحركش من مكانه، فضلت إيده ماسكة أكرة الباب وbody language بتاعه مشدود. رد عليه باللغة الألمانية بصوت حاد وواثق، والراجل العجوز هز رأسه بالتفهم، وبعدها كريم اتكلم بالعربي عشان أسمعه: “سيد هانز.. إيه اللي جابك هنا وفي التوقيت ده؟ وإزاي وصلت لشقتي؟”


الراجل اللي اسمه هانز أخد خطوة خفيفة للأمام، وقال بجدية: “الشرطة الاتحادية الألمانية وهيئة السلامة الأوروبية آمنت ملفك بالكامل يا كريم. المحكمة صدر عنها النهاردة الصبح قرار بإعادة فتح ملف القضية رسمياً، وصدور أوامر ضبط وإحضار لرئيس مجلس إدارة الشركة وكبار التنفيذيين اللي حاولوا يلفقوا لك التهم ويصفوك. أنت مش بس بريء.. أنت بقيت الشاهد الرئيسي اللي القضاء المنتظر بيستند عليه.”


كريم بص له بجمود وقال: “وده يبرر إنك تظهر عند باب بيتي في ليلة فرحي وتعرّض حياتي وحياة مراتي للخطر؟”



هانز هَز رأسه بنفي سريع وقال بتوتر واصل لنبرته: “بالعكس يا كريم! وجودنا هنا هو السبب الوحيد اللي هيحميك الليلة. رجال أعمال الشركة عرفوا إن المحكمة استلمت التقرير الأصلي بختمك الهندسي، وعرفوا إن مكانك اتكشف في القاهرة. فيه فريق اتحرك من أوروبا ليلة أمس، وهدفهم الوحيد إنه يمنعك من الوصول لجلسة الاستماع الأسبوع الجاي. الشارع بتاعك متراقب من ساعتين يا كريم!”


حسيت الدنيا بتدور بيا.. الكلمات كانت بتنزل عليا زي الصدمات الكهربائية. الشارع متراقب؟ فريق جاي من أوروبا؟ كريم الميكانيكي البسيط اللي أهلي كانوا بيعاملوه بقلة قيمة، طلع قضية رأي عام دولية وفيه ناس بتطاردو في قلب القاهرة!


كريم التفت لي بسرعة، مسك كتافي بصلابة وعينيه جت في عينيا وقال: “مريم.. اسمعيني كويس. مفيش وقت للخوف دلوقتي. كل كلمة حكيتهالك في الصندوق كانت الحقيقة، واللي بره دول مش أعدائي، هانز ده المحامي الخبير اللي ماسك قرايا الملف القانوني بتاعي من أربع سنين. بس الخطر الحقيقي بره الشقة دلوقتي.”


دموعي نزلت وقُلت له: “هنعمل إيه يا كريم؟ هنروح فين؟ أهلي لو عرفوا..”


كريم قاطعني بابتسامة دافية وسط كل الضغط ده، مسح دموعي بإبهامه وقال: “أهلك هيعرفوا الحقيقة في الوقت المناسب.. بس دلوقتي لازم تحافظي على نفسك وتثقي فيا. أنتي اخترتيني وأنا تحت العربيات وفي وسَط الشحم، ودلوقتي جه الوقت اللي أثبت لك فيه إن اختيارك كان صح، وإن راجلك يقدر يحميكي من الدنيا كلها.”


كريم لف للهانز وقال بصوت صارم: “قدامنا قد إيه؟”


هانز بص في ساعته وقال: “أقل من ثلث ساعة قبل ما المجموعة الثانية توصل للشارع. السيارات جاهزة تحت، وفي حراسة مشددة هتأمن طريقنا لحد المطار أو لمكان آمن تختاروه.”


كريم هز رأسه، ودخل الأوضة بسرعة. مسك الصندوق الحديد، حطه جوه شنطة ظهر سوداء تقيلة، وأخد جوازات السفر والأوراق الرسمية، ولبس جاكيت خفيف فوق هدومه. أخد إيدي بقوة وقال: “يلا يا مريم.”


خرجنا من الشقة، وهانز والحارسين كانوا محاوطيننا. نزلنا على السلم بسرعة وبدون ما نعمل أي صوت. هدوء العمارة كان مرعب، وكل خطوة كنا بنخطوها كانت بتعمل صدا صوت خفيف في السلم الرخام.


أول ما وصلنا لبوابة العمارة تحت، كريم مسك إيدي وقالي: “أول ما الباب يفتح، هتطلعي تجري على العربية السوداء اللي واقفة صف ثاني.. متلفيش وراكي مهما سمعتي.”


قلبي كان بيخفق بشدة، ريحة الفجر والندى كانت مالية الهواء، لكن الجو كان مشحون بتوتر يقطع النفس.



الحارس الأول فتح باب العمارة بالراحة وخرج يستطلع الشارع. الشارع كان فاضي وهادي تماماً، المحلات مقفولة، ولنبات العمدان بترمى ضوء أصفر خافت على العربيات المركونة. العربية الفارهة ذات الزجاج الأسود كانت واقفة ومحركها داير بصوت واطي جداً.


الحارس أدى إشارة لكريم إن الطريق أمان. كريم مسك إيدي وبدأنا نتحرك بسرعة ناحية العربية.


لكن.. قبل ما نوصل للعربية ب خطوات قليلة..


سمعنا صوت صريخ فرامل حاد صادر من عربية دفع رباعي سوداء ظهرت فجأة من أول الشارع! العربية كانت جاية بسرعة جنونية، وأضواءها العالية اتفتحت مرة واحدة بوجهنا!


“كريم!!” صرخت بأعلى صوتي وأنا بستوعب المنظر.


في أقل من ثانية، كريم شدني بكل قوته ورا جسمه، ودفعتي ناحية العربية الأمنة، في نفس الوقت اللي الحراس أخرجوا فيه أسلحتهم ووقفوا ساتر قدامنا.


العربية الدفع الرباعي وقفت بالعرض وقفلت الشارع تماماً، وأبوابها اتفتحت بسرعة.. ونزل منها أربعة أشخاص ملثمين، لابسين أسود في أسود، وبإيديهم أجهزة تحكم وأسلحة!


أحد الملثمين اتكلم بصوت جهوري بلغة عربية مكسورة: “سيد كريم.. الصندوق اللي معاك مش هيركب الطيارة، وأنت مش هتوصل للمحكمة!”


كريم وقف بثبات خرافي قدامهم، الصندوق كان في الشنطة على ظهره، عينيه كانت بتلمع بالتحدي. التفت لي بسرعة وقال بصوت منخفض وصارم: “ارركبي العربية يا مريم واقفلي الباب على نفسك فوراً!”


“مش هسيبك يا كريم!” صرخت وأنا ماسكة في دراعه.


بصلي بنظرة أخيره مليانة حنان وقوة وقال: “أنا وعدتك إن حياتنا هتبدأ صح.. والثمن ده أنا مستعد أدفعه عشان نعيش في أمان. ادخلي جوه!”


زقني بالراحة جوه العربية والحارس قفل الباب عليا بسرعة. من جوه الزجاج الفاميه المصفح، كنت شايفه المنظر كأني في فيلم كابوس. كريم واقف في نص الشارع، محاط بالحراس والمهاجمين، والأضواء العالية بتعكس ظله الطويل على أسفلت الشارع الشديد السواد.


وفجأة.. المهاجم الرئيسي رفع إيده وأدى إشارة.. وفي نفس اللحظة، كريم مد إيده جوه جاكيته وأخرج جهاز صغير شكله غريب، وضغط على زرار فيه!


صوت صفارة حادة انطلق من العمارة اللي كنا ساكنين فيها، والأضواء الخارجية للشارع كلها اتقطعت مرة واحدة، وحل الضلام الدامس على المكان!


سمعت أصوات صراخ واشتباك في الضلمة، وصوت ضربات معدنية حادة. قلبي كان بيتقطع وأنا مش شايفه حاجة، بضرب على إزاز العربية وبصرخ باسمه: “كرييييم! كريم!”


وبعد ثواني معدودة كانت بالنسبة لي كأنها دهر.. اتفتح باب العربية بسرعة، ودخل شخص وهو بينهج بشدة..



كان كريم!


هدومه كانت متتربة، ووشه فيه جرح خفيف عند خده، بس كان ماسك الشنطة في إيده وعينيه سالمة. قفل الباب بسرعة وزعق للسواق: “اتحرك فوراً على المطار! يلا!”


العربية طلعت بأقصى سرعة، الكاوتشات سحفت على الأسفلت، وسبنا الشارع وراءنا المليان بالفوضى والأضواء اللي بدأت ترجع تفتح وتطفي.


ارتميت في حضن كريم وأنا بنتحب وبترعش. كريم حضنني بقوة، حط رأسه على رأسي وكان بينهج، وإيده بتطبطب عليا بالراحة: “أنا بخير يا مريم.. بخير. خلاص.. الخطر الأكبر عدى.”


مسحت دموعي وبصيت له وهو بينهج، وقولتله: “هنروح فين دلوقتي؟ وإيه الجهاز اللي كان معاك ده؟”


كريم ابتسم ابتسامة تعب، وبص من الشباك للشارع اللي بيعدي بسرعة: “الـ أجهزة دي كانت خطتي الاحتياطية لو المكان اتكشف. الشقة الميكانيكية اللي كنت قاعد فيها مكنتش مجرد ورشة.. كانت مركز إدارة كامل معزول. والأوراق اللي في الشنطة دي.. فيها أسماء شخصيات كبيرة جدًا هنا وفي أوروبا، شخصيات كانت بتسهل للشركة دي عملياتها.”


بصلي وواجهني بجدية: “حياتنا القديمة انتهت يا مريم. أهلك اللي كانوا شايفينني ميكانيكي مش يسوى، هيصحوا الصبح يلاقوا الشارع مليان بوليس وتحقيقات، وهيلاقوا اسمي في كل وسائل الإعلام العالمية كمهندس الطيران اللي كشف أكبر قضية فساد صناعي في التارخ الحديث.”


سكت كريم لحظة، وتليفونه رن بصوت عالي. بص في الشاشة، ملامحه اتغيرت وتشنجت تاني.


رد على المكالمة، وحط التليفون على السبيكر..


صوت جهوري وعصبي جايلنا من السماعة، صوت بابا!!


“مريم؟! كريم؟! أنتم فين؟! البوليس واقف تحت العمارة، وفيه رجال أعمال وناسين بتسأل عنك يا كريم! أنت مين يا ابني؟! وعملت إيه في بنتي؟!”


كريم بصلي، وبعدين رد على التليفون بثبات وهدوء تام: “عمي.. بنتك في أمان معايا زي ما وعدتك. والميكانيكي اللي كنت بتقول عليه بيمسح الزيت والشحم.. رايح دلوقتي يغير مجرى قضية دولية. وصدقني.. لما نرجع، هيكون لينا كلام تاني خالص.”


وقفل كريم الخط في وش بابا، وبصلي والتحدي في عينيه بيكبر.. والطائرة كانت بمنتظرانا على مدرج المطار عشان تبدأ رحلة المواجهة الأخيرة.


طارت الطيارة الخاصة من مطار القاهرة في اتجاه فرانكفورت، والسحاب تحتنا كان شبه جبال من الثلج. كنت قاعدة جنب كريم، سانده رأسي على كتفه، وإيده ماسكة إيدي بقوة. الهدوء جوه كابينة الطيارة كان عكس العاصفة اللي سيبناها ورايا في مصر.


بابا حاول يتصل أكتر من عشر مرات قبل ما ندخل المطار، والرسائل من أمي وأختي كانت مالية الموبايل:



“مريم ردي علينا! فيه رجال أمن ورجال أعمال بيسألوا عن جوزك تحت العمارة!”


“هو كريم ده مين بجد؟ التلفزيون بيذيع أخبار عن مهندس مصري هربان من تحقيقات دولية!”


كريم بص لموبايله وقفل الشبكة تماماً. التفت لي وقال بصوت هادي: “عارف إنك خايفة.. وعارف إن أهلك مستوعبوش اللي بيحصل. بس كل حاجة هتوضح لمّا نوصل.”


بعد أربع ساعات هبوط اضطراري في مطار عسكري بالقرب من فرانكفورت، استقبلتنا ثلاث عربيات سوداء مصفحة تابعة للشرطة الاتحادية الألمانية. النزول من الطيارة كان شبه مشاهد الأفلام؛ حراسة مشددة، رجال مسلحين مأمنين الممر، وهانز المحامي بيمشي قدامنا بسرعة وهو بيراجع ملفات مع ضابط ألماني برتبة كبيرة.


وصلنا لمقر إقامة آمن، “بيت ضيافة مؤمن” في منطقة ريفية معزولة عن ضوضاء المدينة. المكان كان مليان شاشات مراقبة وأجهزة اتصالات حديقة.


أول ما دخلنا الأوضة، كريم رمى جاكيته على الكرسي، وقعد قدام شاشة لابتوب كبيرة اتفتحت فوراً. هانز دخل وراه وقال بجدية: “كريم.. الجلسة الإجرائية الأولى للمحكمة بكرة الصبح. الشاهد الرئيسي لم يتغير، بس فيه تطور جديد وخطير جداً.”


كريم رفع راسه: “تطور إيه يا هانز؟”


هانز حط ملف أسود قدامه وقال: “الشركة المشتبه فيها منزلتش أيديها. هما عرفوا إن التقرير الأصلي اللي معاك بيثبت إن العيب التصنيعي مكنش غلطة هندسية حرة، لكنه كان تعمد صريح لتوفير مليارات الدولارات في خطوط الإنتاج. لو التقرير ده وصل للمحكمة بكرة، الشركة هتاخد حكم بالإفلاس وتصفية أصولها، ورئيس مجلس الإدارة هيتحاكم بتهم تصل للسجن المدى الحياة.”


كمل هانز ونبرة صوته اتغيرت لخوف واصل: “علشان كده.. هما مش مركزين معاك أنت بس دلوقتي يا كريم. هما بدأوا يضغطوا عليك من المكان اللي يوجعك بجد.”


كريم اتسمر في مكانه، وبص لي بسرعة، وبعدين بص لهانز وقال بصوت حاد كالسكين: “أقصدك إيه؟”


هانز شغل الشاشة الكبيرة اللي على الحيطة.. وظهرت عليها صورة لايف مأخوذة من كاميرا مراقبة شارع!


الكاميرا كانت جايبة عمارتنا في مدينة نصر في القاهرة!


أبويا وأمي وأختي كانوا نازلين من العمارة ومعاهم شنط سفر، ومحاطين بأربعة أشخاص غريبين لابسين بدل سوداء، وبيجبروهم يركبوا عربية فان مقفولة!


صريخت بصوت هز المكان: “بابا! بابا وماما!!”


مسكت في كريم وأنا بنتحب ودموعي غطت وشي: “كريم.. أهلي! أهلي في خطر بسببي وبسببك! عملوا فيهم إيه؟!”


كريم قام وقف، عيونه كانت بتطلع شرار. مسك هانز من ياقة بدلته وبصوت يرج الأوضة قال: “إزاي ده يحصل؟! مش قلت لي إن الشرطة المصرية والأجهزة هناك متأمنة ومراقبة العمارة؟!”



هانز اتكلم بتوتر: “المجموعة دي دخلت بتصاريح وهمية وكارت أمني مزور.. هما خطفوهم عشان يساوموك يا كريم! الشق الأمني هددك صراحة.. التقرير مقابل حياتهم!”


كريم ساب هانز، وبدأ يمشي في الأوضة زي الأسد الحبيس. ضرب أيده على الترابيزة بكل قوته، الصندوق الحديد القديم كان مفتوح جنبه، والأوراق مجهرة.


التفت لي، شافني قعدة على الأرض بمنهار من البكاء. قرب مني، نزل على ركبه، ومسك وشي بين إيديه التنين: “مريم.. بصي لي. أوعدك.. وحياة كل لحظة حب بينّا، مش هسمح لحد يمس شعرة واحدة من أهلك.”


قلت له وأنا بنهنه: “أهلي كانوا بيستهزئوا بيك.. كانوا بيكرهوك ويقولوا عليك ميكانيكي مش متعلم.. ولما لقوا نفسهم في خطر، الخطر ده جه من سرك أنت! إزاي هتنقذهم؟”


كريم ابتسم ابتسامة صلبة، فيها مزيج من الكبرياء والوفاء: “أهلك أهلي يا مريم.. مهما قالوا ومهما عملوا، هما أهلك اللي ربوكي. وأنا مكنتش هكون الراجل اللي حبيتيه لو سيبتهم في ورطة بسببي. هما حاولوا يصغروني عشان فاكرين القيمة في الشهادة والمظاهر.. بس أنا هثبت لهم إن قيمة الراجل في وقفته وحمايته لبيته.”


أخد نفس عميق، ووقف بثبات. التفت لهانز وقال له بلغة حازمة: “الخطة اتغيرت.”


هانز اتخض: “يعني إيه اتغيرت؟ الجلسة بكرة!”


كريم بص للشاشة اللي فيها صورة العربية الفان وقال: “مش هسلم التقرير للمحكمة بكرة الصبح.”


هانز زعق: “أنت تجننت يا كريم؟! لو متسلمش التقرير بكرة القضية هتقع، وحمايتك الدولية هتترفع، والشركة هتكسب!”


كريم قرب من اللابتوب، وضغط على زرار معين فتح ملف مشفر أصفر. بص لهانز وقال بثقة يخاف منها العقل: “التقرير اللي هما فاكرين إنه معاي في الصندوق الحديد.. مجرد نسخة. النسخة الأصلية والأدلة الرقمية اللي بتقفل الشركة دي للأبد، متشفرة على سيرفر معزول، ومفتوحة بتايمر (عد تنازلي).”


كمل كريم ونبرته بقت داهية: “التايمر ده هينتهي كمان 12 ساعة.. يعني لو ما اتدخلتش بنفسي وأجلت البث، التقرير هينزل تلقائياً على كل وكالات الأنباء وهيئات السلامة في العالم وفي نفس الوقت هيتبعت للشرطة.”


هانز بص له بذهول: “أنت عملت كدة متين؟!”


كريم رد ببرود: “عملته وأنا قاعد في الورشة في مدينة نصر، بين الزيت والشحم اللي كانوا بيضحكوا عليا بسببه.”


التفت لي كريم، أخد الشنطة السوداء، وبص في عيني: “مريم.. هانز هيفضل معاكي هنا في المكان المؤمن ده. ومفيش مخلوق يقدر يوصل لك.”


سألته برعب: “وأنت رايح فين يا كريم؟!”



كريم حط يده على القفل القديم بتاع الصندوق الحديد وقال: “رايح أقابل الناس اللي خطفوا أهلك.. هعمل معاهم صفقة، الصفقة اللي هترجع أهلك وأنا ماسك كل خيوط اللعبة في إيدي.”


“كريم لا! هيموتوك!” صرخت وأنا بمسك فيه.


كريم باس دماغي وقال بصوت واطي مليان حنان: “أنا الميكانيكي اللي صلح عربياتهم المكسورة زمان.. والنهاردة هصلح الغلطة دي بيدي. ثقي في جوزك يا مريم.”


خرج كريم من الأوضة بخطوات سريعة، والحراس مشيوا وراه، وسابني واقفة في نص الأوضة، قلبي بينبض برعب، وعيني على الشاشة اللي فيها صورة العربية اللي فيها أهلي.. والساعة اللي على الحيطة بدأت تعد تنازلي لـ 12 ساعة حاسمة ستحدد مصير عيلتي كلها.


 

حكايات امانى السيد 3

خرج كريم وسابني في بيت الضيافة مع هانز والحراسة المشددة. كانت الدقائق بتعدي عليا كأنها سنين، عينيا مش مفارقة شاشات المراقبة ولا العد التنازلي اللي شغال على لابتوب كريم. 12 ساعة فقط بتفصلنا عن انهيار الشركة وسقوط المافيا الصناعية اللي بتطاردنا، لكن في نفس الوقت، أرواح أهلي كانت هي الرهينة المربوطة بالعد ده.


هانز كان رايح جاي في الأوضة بيتكلم في التليفون بالعرقسوس والألمانية بصوت واطي، وعلامات التوتر باينة على وشه. قربت منه وقلت بصوت مبحوح من العياط: “كريم فين دلوقتي يا هانز؟ اتصل بيك؟”


هانز بصلي بأسف وهز رأسه: “كريم قفل كل وسائل الاتصال المباشرة عشان محدش يتتبع مكانه. هو استدرجهم لمبنى قديم تابع للشركة المهجورة على أطراف فرانكفورت.. المكان ده معزول تماماً، وهو رايح بقدمه لعرين الأسد.”


في الوقت ده، في المبنى المهجور على أطراف مدينة فرانكفورت…


كان المطر بينزل بغزارة، والبرق بينور الشبابيك المكسورة للمبنى الضخم. كريم كان واقف في نص الصالة الكبيرة، لابس جاكيته الأسود، وشنطة الظهر اللي فيها الصندوق الحديد القديم متعلقة على كتفه.


من الضلمة، خرج ستة أشخاص مدججين بالسلاح، ووراهم ظهر راجل في الخمسينات من عمره، أنيق بزيادة، لابس بالطو أسود وبيمسك في إيده عصا بلمعة فضية. كان هو “فولكر”.. رئيس قسم العمليات الخاصة للشركة، والراجل اللي تلفق لكريم القضايا من أربع سنين.


فولكر ابتسم ابتسامة خبيثة وقال بلغة عربية طليقة: “أهلاً بالباشمهندس كريم.. أو نقول الميكانيكي البسيط؟ طال الاستعراض بتاعك يا كريم. أربع سنين مستخبي في جحر في القاهرة، وفي الآخر جيت لرجلك هنا.”


كريم ما تحركش منه شبر، عيونه كانت جمر مولع. بص لفولكر وقال بصوت أبرد من الثلج: “فين عيلة مراتي يا فولكر؟”


فولكر شاور بإيده، وفي لمحة سريعة، الحراس فتحوا باب جانبي وخرجوا بابا وماما وأختي. أهلي كانوا مرعوبين، أيديهم مربوطة ووشوشهم شاحبة من الصدمة والخوف. أول ما بابا شاف كريم، عينيه اتسعت من الذهول والذهول.


بابا صرخ بصوت بيترعش: “كريم؟! أنت إيه جابك هنا؟ والناس دول مين؟! إحنا اتخطفنا من العمارة في مصر وجابونا هنا بـ طيارة غريبة! في إيه يا ابني؟!”


كريم بص لبابا بنظرة طمأنينة وقال بصوت هادي: “اطمن يا عمي.. طول ما أنا واقف على رجلي، محدش يقدر يمسكم بسوء. أنتم هنا بسببي، وهترجعوا مصر بسببي.”


ماما كانت بتبكي بحرقة وبتقول: “سامحنا يا كريم.. سامحنا يا ابني، إحنا ظلمناك وفاكرينك ميكانيكي غلبان، طلعت شايل الدنيا فوق رأسك!”




فولكر ضحك بصوت عالي وقطع الكلام: “دراما عائلية مؤلفة! كفاية كلام فارغ. هات الشنطة والصندوق اللي معاك يا كريم، واديني الباسورد بتاع السيرفر اللي عليه العد التنازلي، وساعتها أسيبك تخرج أنت والعيلة دي بسلام.”


كريم حط الشنطة على الأرض بالراحة، وركع على ركبة ونص، وفتح السوسته. أخرج الصندوق الحديد القديم اللي الصدأ مغطيه.


فولكر عينيه لمعت بالطمع، وخطا خطوة للقدام: “أيوه.. هو ده التقرير الأصلي بختمك.”


كريم رفع راسه وبص لفولكر بابتسامة ثقة مرعبة وقاله: “أنت فاكر إني جيت هنا عشان أستسلم؟ أو فاكر إن الصندوق ده فيه أوراق بس؟”


فولكر اتسمر في مكانه وشك في الموضوع: “قصك إيه؟!”


كريم دار المفتاح الصغير في قفل الصندوق الحديد.. المرة دي مخرجش منه أوراق! كريم أخرج جهاز بث لاسلكي صغير مشبوك بشاشة ديجيتال بتعد ثواني، وأجهزة تشويش عالي التردد!


كريم قال بصوت صارم هز القاعة: “الصندوق ده يا فولكر.. طول الأربع سنين اللي فاتت، مكنش مجرد حافظة أوراق. الصندوق ده كان جهاز تحكم وتشفير موصول مباشرة بـ أجهزة الأمن الاتحادية الألمانية والإنتربول! أول ما فتحت القفل ده بالمفتاح الخاص، الموقع ده بالكامل اتحدد على خريطة القوات الخاصة، وصوتنا وكل كلمة قيلت هنا بتتبث مباشر لغرفة عمليات المحكمة الدولية!”


فولكر وشه أبيض زي الورق، وزعق في حراسه: “اقتلوووه!! اقتلوه واخدوا الشنطة!”


لكن قبل ما أي حارس يرفع سلاحه..


صوت انفجار قوي هز جدران المبنى! الشبابيك الزجاجية اتكسرت بالكامل، وقنابل دخان وصوت انطلقت من كل ناحية، ودخلت قوات الصاعقة والشرطة الاتحادية الألمانية (GSG 9) من السقف والأبواب وهم بيكبروا ويزعقوا بالإنجليزي والألماني: “اثبت مكانك! الشرطة!”


الفوضى عمت المكان، كريم اتنطر في أسرع من البرق ناحية بابا وماما، غطاهم بجسمه وأخذهم ورا عمود خرساني ضخم وهو بيحميهم من إطلاق النار العشوائي.


أختي كانت بتصرخ، وبابا كان ماسك في كريم وبيترعش ويقول: “يا ابني أنت مين؟! أنت بتعمل كل ده إزاي؟!”


كريم بص لبابا وهو بينهج والجروح مالية وشه وقال بثبات: “أنا الميكانيكي اللي أختك اتجوزته يا عمي.. الراجل اللي بيعرف يحمي بيته وعيلته.”


خلال دقائق معدودة، كانت القوات الخاصة سيطرت بالكامل على المبنى، فولكر وحراسه كانوا مقيدين على الأرض، والكلاب البوليسية بتفتش المكان.


الضابط المسؤول قرب من كريم، ضرب له تعظيم سلام رسمي قدام أهلي كلهم، وقال بالإنجليزي: “عمل ممتاز يا بشمهندس كريم. التقرير ينزل دلوقتي على كل السيرفرات، والقضية انتهت رسمياً لصالحك. أنت بطل.”



بابا وماما كانوا واقفين مش مصدقين عينيهم. الراجل اللي كانوا بيستهزؤوا بيه وبيقولوا عليه معهوش شهادة ومجرد بيمسح زيت في ورشة، طلع مهندس دولي، القوات الخاصة بتأدي له التحية، وبيخاطر بحياته عشان ينقذهم!


بعد ساعتين..


وصلت عربية الشرطة لبيت الضيافة اللي كنت قاعدة فيه. أول ما الباب اتفتح وشفت بابا وماما وكريم داخلين، جريت عليهم وأنا بصرخ من الفرحة والبكاء.


حضنت بابا وماما، وبابا كان بيعيط ويقولي: “سامحينا يا مريم.. سامحينا يا بنتي، إحنا كنا عميان. جوزك راجل بجد، يسوى أرقام الدنيا كلها.”


ماما مسكت إيد كريم وبستها وهي بتبكي: “حقك علينا يا ابني.. أنت أنقذت أرواحنا.”


كريم ابتسم بهدوء وقال: “مفيش أسف بين العيلة يا أمي.. المهم إنكم بخير.”


جت عيني في عين كريم، كان تعبان، وشه فيه كدمات، بس عينيه كانت مليانة حب ونصر. قربت منه وحضنته بقوة: “بحبك يا كريم.. بحبك من أول يوم شفتك فيه ميكانيكي، وبحبك النهاردة وأنت بطل.”


لكن.. وسط اللحظة الدافية دي..


هانز دخل الأوضة وهو ماسك موبايله، ووشه مشرحوش الخير أبداً!


هانز بص لكريم وقال بنبرة مرعوبة: “كريم.. القضية في ألمانيا اتقفلت وفولكر اتقبض عليه.. بس رئيس مجلس إدارة الشركة الأم في أمريكا الشمالية لسة هربان.. وقبل ما يختفي، نزل بيان ومكافأة مالية ضخمة جداً لمن يصفيك أنت والمرأة اللي معاك.. والبيان ده اتوزع على منظمات خطيرة في الشرق الأوسط!”


كريم ابتسم ابتسامة تحدي، ومسك إيدي بقوة، وبص لهانز وقال: “يبقى الرحلة لسة مخلصتش يا هانز.. ونحن مستعدين.”


شحب وشه بابا وماما لما سمعوا كلام هانز، والهدوء اللي دخل الأوضة من لحظات اتقلب من تاني لتوتر ورعب. بابا قرب من كريم وإيده بتترعش، مسك كتافه وقال بنبرة مليانة ندم وخوف: “يا ابني إحنا السبب.. إحنا اللي ورطناك وجبنا لك الكلام ده، ارجع معانا مصر وهناك ناكلها بعيش وجبنة ونستخبى في أي مكان، مش عايزين شركات ولا ملايين ولا قضايا، المهم حياتك أنت ومريم!”


كريم بص لبابا بنظرة دافية، ومسك إيده بكل احترام وقال بثبات: “لا يا عمي.. اللي بيهرب مرة بيفضل يهرب طول عمره. أنا عشت أربع سنين مستخبي تحت اسم مستعار وفي ورشة صغيرة، مش هعيش بقية عمري وأنا خايف على مراتي وعيلتي. رئيس الشركة ده فاكر إن فلوسه ونفوذه هيخلوه فوق القانون.. بس هو ميعرفش أنا مين ولا بعرف أدافع عن حقي إزاي.”


التفت كريم لهانز وقال بصوت حاد وواثق: “هانز.. أطلب لي مقابلة فورية مع المدعي العام الألماني ممثل ممثلي هيئة السلامة الدولية. مش هنستنى لما هو يبعت لي ناس.. إحنا اللي هنقفل الصفحة دي للابد والنهاردة.”



### مواجهة خط النهاية


خلال أقل من 48 ساعة، وتحت حراسة أمنية مشددة تشارك فيها أجهزة أمن دولية، اتعقدت المؤتمرات الصحفية وجلسات الاستماع الطارئة في فرانكفورت. كريم مكنش مجرد شاهد بيسلم أوراق، ده وقف قدام وسائل الإعلام العالمية، وورا الشاشات ملايين المتابعين، وعرض الأدلة والبراهين الهندسية المشفرة اللي بتكشف كل نقطة فساد وتزوير في تصاميم المحركات.


التقرير اللي أعده كريم وهو قاعد في ورشته البسيطة في مدينة نصر، تحت ضوء لمبة صديدة وبين أواني الشحم والزيت، كان هو القشة التي قصمت ظهر البعير.


خلال ساعات، صدرت نشرة حمراء من الإنتربول الدولي، وتمت المداهمة والقبض على رئيس الشركة الفار في ولاية فلوريدا، وتجمدت كل أصول الشركة وحساباتها البنكية، وانتهى الكابوس اللي عاشه كريم لأكثر من أربع سنين.


### العودة إلى البيت


بعد شهر كامل من التحقيقات والإجراءات وتأمين كل الأوضاع القانونية، نزلنا من الطيارة في مطار القاهرة الدولي.


المرة دي، النزول مكنش هربًا ولا في نص الليل. أهلي كانوا معانا، ونظرات بابا وماما لكريم اتغيرت تماماً؛ مكنتش نظرة خجل أو مجاملة، كانت نظرة فخر واعتزاز حقيقي براجل أثبت إنه سند وأمان لبنتهم في أحلك الظروف.


أول ما وصلنا الشقة، بابا طلب يقعد مع كريم لوحدهم في الصالون. دخلت أعمل لهم قهوة، وسمعت بابا وهو بيحب رأس كريم وبيقوله بصوت مخنوق بالدموع:


“سامحني يا ابني.. أنا حكمت عليك من الهدوم اللي لابسها ومن الشغلانة اللي بتشتغلها، نسيت إن الرجولة مش بشهادة حيطة ولا بشركة فارهة، الرجولة بالمعدن والأصل والحماية.. أنت شرفتني ودخلت بيتي كبيراً، وعلمتني درس مش هنساه طول عمري.”


كريم رد عليه بابتسامته الهادية المعتادة وقال: “حصل خير يا عمي.. أنت كنت خايف على بنتك وده حقك، وأنا مكنتش زعلان منك في يوم من الأيام.”


### الحكمة من القصة


خرج كريم للبلكونة، نفس البلكونة اللي كان بيطلع فيها يبتسم بهدوء أهلي وهو بيكلم المحامين والجهات الأمنية. وقفت جنبه، حطيت رأسي على كتفه وأنا ببتسم وبصة للنيل والمباني من بعيد.


بصلي كريم وقال بصوت هادي:


> **”يا مريم.. الناس دايماً بتشوف القشور، بتفتكر إن القيمة في المظاهر، في الشهادة اللي متعلقة على الحيطة، أو في المسمى الوظيفي اللي مكتوب على الكارت.. بس الحقيقة إن المظهر ممكن يخدع، والشهادات ممكن تتزور، والفلوس ممكن تروح وتيجي.”**


> **”الذهب بيتغطى بالتراب بس يفضل ذهب.. والراجل الحقيقي هو اللي معدنه بيظهر وقت الشدة، هو اللي بيعرف يحمي بيته، ويصون كرامة اللي بيحبهم، ويقف قدام الدنيا كلها بثبات وتواضع.”**




>


مسكت إيده بقوة وابتسمت، وأنا عارفة إن الاختيار اللي أهلي كانوا شايفينه “أكبر غلطة في حياتي”.. كان في الحقيقة أعظم وأصدق قرار أخدته في عمري كله.


 






تعليقات

التنقل السريع
    close