بعد فرحى بشهر كاملة حكايات رومانى مكرم
بعد فرحى بشهر بفتح الدولاب اشوف الدهب مش لقيته اتخضيت جدا وفضلت أدور عليه كلمت جوزي وأنا مر.عوبه
قالى عند أمي قولنله ودهب يايا واخواتى عند امك ليه و نزلت لحماتي وسألتها فين دهبى قالت معايا.
لما طلبت أشوفه لقيتها بتلف وتدور وبعد شوية اكتشفت إن الدهب أصلا مش عندها. طبعا اتضايقت واتعصبت لاني مكنش عندي شك في حاجه من الاول ولقيتها بتقولي يا بنتي عادي الست تساعد جوزها والأهم من الدهب إن بيتك وجوزك يفضلوا بخير ولا انتي عايزاه يبقى شايل الهم وهو معاكي ودهب اهلى ده ورث امى ودهب امى
انا عاوزه
الدنيا اسودت في عيني والورقة اللي كنت واقفه عليها حسيت إنها بتلف بيا. شهر واحد! شهر واحد بس على فرحي، لسه بـُودرة الفرح على حيطة شقتي، ولقيت نفسي في نص كابوس مش قادرة أصحى منه.
لما حماتي لفت ودارت وقالت لي الكلمتين دول ببرود يحرق الدم: *”يا بنتي عادي، الست تساعد جوزها والأهم من الدهب إن بيتك وجوزك يفضلوا بخير”*.. أنا حسيت إن في سكاكين بتقطع في قلبي. دهبي أنا؟ دهب شقا أبويا وأخواتي اللي ياما غابوا في الغربة عشان يجهزووني؟ ودهب أمي الله يرحمها اللي كان ريحتها في الدنيا؟ كل ده يطير في شهر؟ ومن ورايا؟!
نزلت من عندها والدموع مغمية عيني، رجلي مش شيلاني. دخلت شقتي وقفت في نص الصالة وأنا بترعش. مسكت التليفون وطلبت كريم.. جوزي. كنت مستنياه يرد عشان أصرخ، بس أول ما فتح الخط صوتي طلع مخنوق ومكسور:
* “كريم.. أنت فين؟”
* “في الشغل يا حبيبتي، مال صوتك؟ في ايه؟”
* “تعالي حالا يا كريم.. تعالي عشان لو مجيتش دلوقتي، أنا هلم هدومي وأمشي، والموضوع مش هيخلص على خير.”
قفل السكة ومكملش ساعة ولقيته بيفتح الباب. دخل وشه أصفر وعينيه بتلف في الشقة يدوّر عليا. كنت قاعدة على الكنبة، ضامة رجلي لصدري، وعلبة القطيفة الفاضية في إيدي.
* “في إيه يا ندى؟ أمي كلمتني وقالت لي إنك نزلتلها وزعقتي.. جرى إيه يا بنت الأصول؟ حد يعمل اللي عملتيه ده؟”
قمت وقفت في وشه وطولي يجيب طوله، وعيني في عينه:
* “بنت الأصول؟ أنت لسه فاكر الأصول يا كريم؟ الدهب فين؟ دهبي فين يا كريم اللي نزلتم خدتوه من دولابي من غير علمي؟”
فرك إيده في بعضها وبص في الأرض، وبدأ صوته يترعش:
* “يا ندى افهمي.. أنا كنت مزنوق، الكمبيالات بتاعة فرش الشقة وأقساط الفرح كانت هتوديني في داهية.. وصاحب المحل كان هيحبسني.. أمي قالت لي مفيش حل غير إننا نبيع الدهب ونفك الزنقة، ولما ربنا يسهل هجيبلك غيره.. والله هجيبلك غيره!”
ضحكت بوجع وسط دموعي:
* “تبيع دهبي؟ دهب أمي؟ ورثي اللي مليش غيره؟ وبدون علمي؟ يعني دخلت أوضتي وسرقتني يا كريم؟ أنت وأمك؟”
* “متدخليش أمي في الموضوع! أمي عملت كده عشان تحميني! وبعدين ما أنتِ مراتي، يعني مالنا واحد، ولا أنتِ مش عوزاني أبقى بخير؟”
الكلام كان زي السّم. في ثانية، لقيت الباب بيخبط خبط قاسي ومينفعش يستنى. كريم جِري يفتح، وأنا وراه. كانت حماتي، داخلة وحاطة إيدها في وسطها، ووراها “شيماء” أخته الكبيرة، اللي نازلة وِشها مبيتمرأش فيه خير.
حماتي دخلت وزعقت:
* “جرى إيه يا ندى؟ صوتك جايب لآخر الشارع ليه؟ هو إحنا كلناكِ؟ الدهب ورايح لـ جوزك، مش لغريب! وإحنا صايـنينك وشايلينك في عينينا، تقومي تعملي ليلة عشان حتتين غويش سدينا بيهم دَين الراجل الصبح؟”
شيماء أخته اتدخلت بِلَئم:
* “جرى إيه يا كريم؟ أنت هتقف تتوجع معاها؟ دي لو بتشيل اسمك بجد ومحافظة على بيتك، كانت هي اللي قلعت الدهب من إيدها وادت هولك.. مش تعملنا مناحة في البيت!”
أنا حست إن طاقة الصبر اللي عندي خلصت. بصيت لكريم مستنية يدافع عني، مستنية يقول كلمة حق، لكنه وقف ساكت، باصص للأرض ومستسلم لكلام أمه وأخته. في اللحظة دي، عرفت إن مفيش فايدة من الكلام معاهم.
جريت على الأوضة، سحبت أكبر شنطة سفر عندي، وبدأت أفتح الدولاب وأرمي هدومي فيها بهستيريا. دموعي كانت بتنزل على الهدوم وأنا مش شايفة قدامي. كريم دخل ورايا ومسك إيدي:
* “أنتِ بتعملي إيه يا ندى؟ هتفضحينا؟ عاوزة تقولي لإخواتك إيه؟”
نفضت إيده بقوة وعيني بتطق شرار:
* “هقولهم جوزي سرقني! هقولهم اؤتمنته على مالي وعِرضي، طلع مش قد الأمانة! سيب إيدي يا كريم!”
حماتي وقفت على باب الأوضة وسندت بضهرها وقالت ببرود مستفز:
* “سيبيها تمشي يا كريم.. سيبها تروح لأهلها، وريني هتقولهم إيه؟ هتقولهم جوزي سد دينه بدهبي؟ خلوها تمشي وتعرف إن الله حق، والبيوت ليها أسرار واللي بتفضح سر بيتها متلزمناش!”
لميت شنطتي، ومسكت تليفوني، وطلبت أخويا الكِبير “أحمد”. أول ما رد، قولت الكلمة اللي هزت البيت كله:
* “أحمد.. تعالي خدني من هنا حالا.. كريم وأمه سرقوا دهبي وباعوه!”
#الكاتب_رومانى_مكرم
الدنيا فجأة هديت في الشقة.. كريم وشه اتقلب أزرق، وحماتي برودها اتمحى وبصت لبنتها برعب. أحمد أخويا ملوش في التفاهم، وإيده سابقة كلامه.
وقبل ما حد ينطق بكلمة،
وقبل ما حد ينطق بكلمة، كان الخط قفل. الغرفة اللي كانت من شوية مليانة بزعيق حماتي ولؤم أختها، فجأة ساد فيها صمت زي صمت المقابر. نظرات البرود اللي كانت في عين حماتي اتبدلت لملامح خوف حقيقي، وشيماء أخته اللي كانت حاطة إيدها في وسطها نزلت إيدها ببطء ورجعت خطوة لورا.
كريم وقف مكانه مشلول، الصدمة لجمت لسانه، وبصلي بعينين مرعوبة وقال بصوت بيترعش:
* “أنتِ مجنونة يا ندى؟ أنتِ عارفة أنتِ قولتي لإخوكي إيه؟ أحمد لو جه هنا بالمنظر ده الشارع كله هيتفرج علينا! اخص عليكِ.. بتبهدلي جوزك وتفضحي سري لعيلتك عشان شوية دهب؟”
رديت عليه وأنا بقفل سستة الشنطة بكل قوتي، والدموع جفت في عيني واتحولت لجمود:
* “سرك؟ السر ده لما تكون شاري بيه لبس، أو خسرته في تجارة، مش لما تمد إيدك في غيبتي وتسرق شقا أبويا وريحة أمي! اللي خاف على شكله قدام الناس، بيخاف على مال بنت الأصول اللي دخلت بيته.”
حماتي حاولت تسترجع شجاعتها المزيفة، وقربت مني وهي بتزعق بس بنبرة فيها هزة واضحة:
* “جرى إيه يا بت أنتِ؟ هتخوفينا بأخوكي؟ البيت ده فيه رجالة، وإحنا مخدناش حاجة غريبة، ده مال ابننا ومال مراته، وأحمد بتاعك ده لو جه وعمل شوشرة، إحنا اللي هنقعده ونعرفه الأصول اللي ميعرفهاش!”
شيماء أخته هزت رأسها وقالت بلؤم عشان تسند أمها:
* “أيوا يا أختي، فكراها سايبة؟ هيحصل إيه يعني؟ سدينا دين أخويا، والرجالة الكبار هتقعد وتفهم، بلاش شغل العيال ده يا ندى واقعدي في بيتك وبطلي فضايح.”
مردتش على حد فيهم. سحبت الشنطة وطلعت وقفت في الصالة جنب باب الشقة، مستنية. الدقائق كانت بتمر كأنها سنين. كريم كان رايح جاي في الصالة يفرك في إيديه، ويبص من البلكونة وعرقه نازل يغرق هدومه، وكل شوية يحاول يقرب مني:
* “عشان خاطري يا ندى.. طب بلاش أحمد.. هاتي التليفون نكلمه نقوله سوء تفاهم، وأنا بكرة هكتبلك وصل أمانة بتمن الدهب كله، والله العظيم هعمل كده!”
بصيت له بقرف ومردتش. وفي وسط كلامه، صوت فرملة عربية قوية تحت البيت هز السكون. تلاها خبط رزع على باب العمارة تحت، وصوت خطوات سريعة وتقيلة طالعة على السلم.. خطوات أحمد أخويا، ومعاه صوت أخويا التاني “محمود”.
وش كريم اتقلب تماماً، وحماتي جريت وقفت ورا ابنها وهي بتنهج من الخوف.
الباب اتخبط تلات خبطات ورا بعض كانوا كفيلين يخلوا خشب الباب يتهز. كريم قدم رجل وأخر رجل، وبإيد بترتعش فتح الباب.
دخل أحمد زي الإعصار، وعينيه حمرا من الغضب، ووراه محمود وشه مقلوب. أحمد مبصش لكريم أصلاً، عينه جت عليا وأنا واقفة بالشنطة ودموعي المعلمة على وشي. قرب مني ومسك كتفي:
* “أنتِ كويسة؟ حد مد إيده عليكِ؟”
هزيت رأسي بالنفي وأنا مش قادرة أتكلم. أحمد لف لكريم وخطوة واحدة كانت بينه وبينه، وسأله بصوت زلزل الحيطان:
* “فين الدهب يا كريم؟ أختي بتقول إنك سرقتها أنت وأمك.. الكلام ده صح؟”
كريم بلع ريقه وصوته طلع مكتوم:
* “يا حاج أحمد.. صلي على النبي بس واقعد، الموضوع مش كده خالص، ده سوء تفاهم، إحنا أهل وـ…”
قبل ما يكمل كلمته، أحمد مسكه من لياقة قميصه بغضب عارم:
* “بلا أهل بلا زفت! الدهب اللي أنا وأخويا طفحنا الدم في الغربة عشان نجيبه لأختنا، والدهب اللي سيبناه من ريحة أمنا الغالية فين؟! انطق بدل ما أطربق البيت ده على دماغكم!”
حماتي هنا صرخت وحاولت تتدخل:
* ” جرى إيه يا راجل أنت؟ سيب ابني! إحنا مش حرامية، دهب مراته وسدينا بيه دينه عشان ميتحبسش، إنتو عاوزين تخربوا بيت أختكم؟”
أحمد ساب كريم وزقّه لورا، وبص لحماتي بنظرة خليتها تخرس تماماً:
* “تتحبس يا ستي! يتسجن في داهية! يبيع هدومه ويبيع شقته، إنما يمد إيده على مال أختي من وراها ويسرقها في غيابها يبقى مش راجل! ويبقى البيت ده ملوش أمان.”
محمود أخويا الصغير اتقدم وسحب الشنطة من إيدي وبص لكريم وأهله وقال بنبرة حاسمة:
* “أختي هتمشي معانا دلوقتي. ومعاكم بالظبط 24 ساعة، تمن الدهب ده كله يرجع، والدهب بتاع أمي الله يرحمها يرجع زي ما هو بالملي، وإلا وقسماً بالله محضر السرقة هيكون في القسم الصبح، والكمبيالات اللي بعتوا الدهب عشان تسدوها، هعملكم قصادها قواضي تخليكم متشوفوش الشارع تاني!”
شيماء أخته حاولت تتكلم وتزعق:
* “إنتو بتهددونا في بيتنا ولا إيه؟ أعلى ما في خيلكم اركبوه!”
أحمد لف ليها وبصوت يرعب:
* “صوتك ده لو سمعته تاني، هعرفك إزاي الرجالة بتتكلم. يلا يا ندى قدامي.”
كريم جِري ورايا وأنا خارجة من الباب، وحاول يمسك عبايتي وهو بيعيط بنكسار:
* “ندى.. متمشيش.. متخربيش بيتنا يا ندى، أنا بحبك!”
بصيت له النظرة الأخيرة، نظرة الوجع اللي اتقلب لقساوة، وشيلت إيده من عليا وقولتله:
* “البيت ده اتهد من السبت للحد يا كريم.. يوم ما فكرت إن مالي مال سايب، وإن ماليش ضهر.”
نزلت على السلم وأخواتي محاوطيني، وأنا سامعة صوت حماتي جوه الشقة وهي بتصرخ وتلطم على وشها وبتقول لكريم: “الحقنا يا كريم.. أخواتها هيودونا في داهية.. اتصرف يا كريم!”
ركبت العربية مع إخواتي، وبمجرد ما العربية تحركت وتبعد عن بيت حماتي، حسيت إن جبل كان على نفسي وانزاح، بس في نفس الوقت، كان في غصة في قلبي.. شهر واحد، وراجعة لبيت أبويا بشنطة هدومي.
بعد فرحى بشهر حكايات رومانى مكرم 2
وصلت بيت أبويا، البيت اللي خرجت منه قبل شهر واحدة عروسة وفرحانة، ورجعتله بشنطة هدومي ومكسورة الجناح. دخلت أوضتي القديمة، رميت نفسي على السرير وانفجرت في عياط هيرستياني، عياط على نفسي، على قلة أصلي اللي اؤتمنت عليها، وعلى الغدر اللي شوفته من أول شهر.
أحمد ومحمود سابوني أرتاح، ونزلوا قعدوا في الصالة. سمعت صوت أحمد وهو بيتكلم في التليفون بحسم وعصبية، بيقفل كل الأبواب، وبيكلم محامي العيلة عشان يجهز الإجراءات لو كريم وأهله منفذوش الكلام.
تاني يوم الصبح، صحيت على صوت حركة غريبة في الصالة. قمت غسلت وشي وخرجت، لقيت أحمد ومحمود قاعدين، ووشوشهم مفيهاش أي رحمة.
أحمد بصلي وقال:
* “جهزي نفسك يا ندى، الـ 24 ساعة خلصوا، وكريم كلمني من شوية صوته زي الحريم وبيعيط، وعايز يجي هو وكبار عيلته عشان يحلوا.”
رديت بصوت مخنوق:
* “يحلوا إيه يا أحمد؟ الدهب هيرجع؟”
* “هيرجع ورجله فوق رقبته، بس القعدة دي مش عشان الدهب بس، القعدة دي عشان نعرفهم مقامك، وعشان نكسر عين اللي فكر يمد إيده على حاجة تخصك.”
على العصر، الباب خبط. فتح محمود، ودخل كريم ومعاه عمه الكبير “الحاج صالح” -راجل وقور ومحترم ومعروف في منطقتهم بالأصول- ومعاهم كمان خال كريم. حماتي وشيماء مكنش ليهم عين يظهروا.
كريم دخل وشه في الأرض، عينه متعلقتش في عيني ولا لحظة من الكسوف والخوف. قعدوا في الصالة، وأحمد ومحمود قعدوا قصادهم ونظراتهم زي الصقر.
الحاج صالح عم كريم بدأ الكلام بنبرة هادية وفيها أسف:
* “يا حاج أحمد، إحنا جينا اليوم وجايبين عيبنا معانا. اللي حصل من كريم وغباء أمه ده ميرضيش ربنا ولا يرضي أولاد الأصول. الواد اتزنق والشيطان شاطر، وأمه بدل ما تعقله، عمته.”
أحمد رد عليه بجفاء وبدون مقدمات:
* “الشيطان شاطر في البيع والشراء يا حاج صالح، مش في السرقة! ابنكم دخل أوضة أختي في غيبتها وسرقها، دي تسمى سرقة في شرع ربنا وفي القانون. وإحنا لولا بنحترم شيبتك وبنحترم الأصول، كان زمان ابنكم بايت في القسم من امبارح.”
كريم اتكلم بصوت مرعوب ومبجح في نفس الوقت:
* “يا حاج أحمد أنا مكنتش هأكل حقها، أنا بس سديت الدين وـ…”
أحمد قاطعه بضربة قوية على الترابيزة هزت الكوبايات:
* “اخرس خالص ومتنطقش! صوكت ده مسمعهوش طول ما إحنا قاعدين! أنت حسابك معايا بعدين.”
الحاج صالح هدأ الوضع وحط إيده على ركبة أحمد:
* “حقك عليا أنا يا بني، وبنتكم مكانتها فوق راسنا. ده حق ندى كامل مكمل.”
طلع الحاج صالح كيس قطيفة تقيل وحطه على الترابيزة، وفتح ورقة:
* “ده الدهب اللي كان يخص والدة ندى الله يرحمها، كريم راح لتاجر الصاغة اللي اشتراه منه ورجعه بالملي ودفع الفرق وخسارة المصنعية من جيبه، والدهب التاني اللي اتباع، دي الفلوس بتاعته كاش على داير المليم وحسب سعر الجرام النهاردة في السوق.”
محمود مسك الكيس والفلوس، وبدأ يراجع الدهب حتة حتة، ويبص في الفواتير القديمة اللي كانت معانا، وعد الفلوس بدقة. وبص لأحمد وهز رأسه بمعنى: “كله تمام وبزيادة”.
كريم اتنفس الصعداء، وافتكر إن الموضوع كده خلص، وبصلي وبدأ يتكلم بلهفة:
* “شايفة يا ندى؟ حقك رجعلك وزيادة أهو.. يلا بقى يا حبيبتي لمي هدومك عشان نرجع بيتنا ونقفل الصفحة دي.”
أنا وقفت، وبصيت له بكل برود وقسوة الدنيا، وقولتله:
* “ترجع فين؟ أنت صدقت نفسك؟”
أحمد قام وقف وبص لكريم وعمه وقال:
* “الدهب والفلوس دول حقها اللي اتسرق، وده مش معناه إنها هترجع معاك. أختنا دخلت بيتك بكرامتها، وخرجت منه مكسورة ومسروقة.”
خال كريم اتدخل وقال:
* “جرى إيه يا جماعة؟ ما الحق رجع لأصحابه والمسامح كريم، والست ملهاش إلا بيت جوزها.”
أحمد بص لخال كريم وقال بحسم:
* “بيتها لما يكون فيه راجل بيصونها ويحميها، مش راجل بيستغل غيابها ويفتش في دولابها! ندى مش هعتب باب البيت ده تاني إلا بشروطنا، والشرط الأول والأساسي ملوش علاقة بالفلوس.”
كريم وقف وبص لأحمد برعب:
* “شرط إيه يا حاج أحمد؟”
أحمد بص له بنظرة خبيثة وقال:
* “الشرط اللي يضمن إنك لو فكرت تكررها، متشوفش الشمس تاني.. والشرط ده هو…”
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
أحمد بص له بنظرة حاسمة وقوية وقال:
* “الشرط الأول.. هتكتب لأختي شيك بمبلغ يساوي ضعف تمن الدهب ده، ويكون شيك مقبول الدفع أو يفضل واصل أمانة على بياض يفضل في إيدي أنا ومحمود. والشرط التاني والأهم.. شقتكم اللي فوق أمك دي، تتقفل! وتأجر لأختي شقة بعيد عن منطقة أهلك تماماً، ومقاطعة كاملة لأمك وأختك، ميعتبوش باب شقة أختي ولا ليهم دعوة بحياتها.”
كريم وشه اتقلب ألوان، وقام وقف وهو مش مصدق:
* “شقة إيه اللي أقفلها وأبعد عن أمي؟ أنت عايزني أطرد أمي وأقاطعها يا حاج أحمد؟ وبعدين واصل أمانة إيه اللي أمضيه على بياض؟ أنت كده بتكتفني!”
الحاج صالح، عم كريم، ضرب كف على كف وبص لكريم بعتاب:
* “اتكتم أنت خالص يا كريم! اللي يعمل عملتك يتحمل شروطها. إحنا جايين نشتري البنت ونصلح غلطتك.”
وبص لأحمد وقال:
* “يا بني، شروطك على الراس، بس موضوع مقاطعة الأم ده صعب في شرع ربنا، والشقة دي شقته اللي حيلته، منين هيجيب إيجار شقة تانية في الغلا ده وهو لسه بيسد أقساط الفرح؟”
أحمد رد بجفاء وصوته متهزش:
* “يتصرف يا حاج صالح! زي ما عرف يتصرف في الدهب من ورا أختي، يعرف يتصرف في قرشين الإيجار. أمك وأختك يا كريم هما أساس الخراب، ونزلوا شجّعوك على السرقة، وبنت الأصول متقعدش في بيت ناس يبصولها في لقمامها ومالها. والواصل ده عشان لو فكرت بس تبص لدولابها تاني، يكون حبل المشنقة حوالين رقبتك.”
كريم بصلي بعينين مليانة رجاء ودموع:
* “يرضيكِ كده يا ندى؟ يرضيكِ تخرّبي بيتي وتبعديني عن أهلي؟ أنا غلطت وجبتلك حقك وزيادة، اتقي الله فيا وفي بيتنا!”
خرجت عن صمتي ووقفت قصاده، وبكل القسوة اللي زرعها في قلبي في الكام يوم اللي فاتوا قولتله:
* “أنت اللي خربت البيت يا كريم يوم ما حطيت إيدك في دولابي. تمن الأمان غالي أوي، وأنت دفعتهوني من كرامتي ودموعي، ودلوقتي جه وقتك تدفع التمن. شروط إخواتي هي شروطي، لو مش عاجبك.. ورقتي تطلبي وتوصلي لحد هنا، وال قواضي تاخد مجراها.”
الخال قام وقف وقال بعصبية:
* “جرى إيه يا جماعة؟ دي مش قعدة صلح، دي قعدة لوي دراع! يلا بينا يا كريم، واللي يحصل يحصل، هما فاكرين بلدنا مفيهاش حكومة ولا إيه؟”
أحمد ضحك ضحكة قوية رنت في الصالة:
* “حكومة؟ كويس إنك فكرتني. محمود.. خد الفلوس والدهب واطلع بيهم على المحامي، خليه يرفقهم بمحضر السرقة اللي جهزناه الصبح، وخلينا نشوف مين اللي دراعه هيلوي التاني في المحاكم!”
كريم جِري على خاله ومسكه من إيده وهو مرعوب:
* “لا يا خالو بالله عليك اسكت! محاكم إيه وقواضي إيه؟ أنا مستقبلي هيضيع وشغلي هيروح!”
لف لعمه وبكى:
* “الحقني يا عمي صالح.. أنا مش حمل حبس وبهدلة.”
الحاج صالح بص لأحمد وقال بقلة حيلة:
* “خلاص يا حاج أحمد، اعتبر الشروط مقبولة. كريم هيمضي على واصل الأمانة دلوقتي حماية لحق بنتنا، وموضوع الشقة هنديله مهلة شهرين بالظبط يكون لقى شقة إيجار ونقل حاجته فيها، وطول الشهرين دول ندى تفضل هنا في بيت أبوها معززة مكرمة لحد ما ينقل، وأمه وأخته ملمحش طيفهم في الموضوع.”
أحمد بص لكريم وسأله:
* “موافق يا كريم؟ ولا تحب تجرب حظك في المحاكم؟”
كريم هز رأسه بكسرة وهو بيبص للأرض:
* “موافق.. موافق يا حاج أحمد.”
محمود طلع واصل الأمانة من جيبه وحطه قدام كريم، وكريم مسك القلم وإيده بتموت من الرعشة، ومضى وبصم وهو حاسس إنه بيمضي على وثيقة استعباده، بس ده كان التمن الطبيعي للي عمله.
بعد ما أمضى، الحاج صالح أخد الوصل سلمه لأحمد، وقاموا وقفوا عشان يمشوا. كريم بصلي بصه حزينة ومكسورة وقال بصوت واطي:
* “أنا هعمل كل اللي قولتوا عليه يا ندى.. بس أتمنى تكوني ارتحتي.”
مردتش عليه. مشوا وقفلنا الباب وراهم.
أحمد قرب مني وطبطب على كتفي وقال:
* “حقك رجعلك في جيبك يا ندى، وكرامتك وبنت الأصول كسرنا عين اللي فكر يجي عليها. دلوقتي هتقعدي هنا، والشهرين دول هما اللي هيحددوا.. يا إما كريم هينظف ويبعد عن عقربتين أمه وأخته ويبقى راجل ويصونك، يا إما هيكون واصل الأمانة ده هو نهايته.”
دخلت أوضتي، قعدت على السرير وبصيت لكيس الدهب اللي رجع. كنت فاكرة إن رجوعه هيفرحني، بس اكتشفت إن في حاجات لما بتكسر، مبترجعش تاني زي الأول حتى لو رجع معاها دهب الدنيا كله.
مر أسبوع.. والتاني.. وأنا قاعدة في بيت أبويا، وكريم كان بيكلمني كل يوم يعتذر ويتحايل ويقولي إنه بيدور على شقة، لحد ما في يوم.. لقيت تليفوني بيرن برقم غريب، فتحت ولقيت صوت صريخ وعياط عالي، وجاء لي الصوت اللي مكنتش أتوقعه تماماً.. صوت شيماء أخت كريم وهي بتصرخ بهستيريا وتقولي:
* “الحقيني يا ندى! كريم اتقبض عليه في الشغل ومتبهدل.. تعالي انقذي جوزك!”
وقبل ما أفهم في إيه، الخط قطع..
بعد فرحى بشهر حكايات رومانى مكرم 3
التليفون وقع من إيدي على السرير، وجسمي كله قشعر. اتقبض عليه؟ اتقبض عليه ليه وهو لسه مسدد الكمبيالات اللي كانت عليه بفلوس دهبي؟
طلعت جري على الصالة وأنا بصرخ: “أحمد! محمود! الحقوني!”
أخواتي جِريوا عليا وخضتهم باينة في عينيهم، حكيت لأحمد اللي شيماء قالته في التليفون وهي بتصرخ. أحمد وشه اتخشب وبص لمحمود وقاله: “كلم المحامي فوراً خليه يعرف كريم محبوس في أنهي قسم وإيه التهمة.”
ساعتين مروا علينا كأنهم دهر، وأنا رايحة جاية في الصالة باكل في ضوافري. الخوف رجع ينهش فيا تاني، رغم كل اللي عمله، لسه مكتوب على ذمتي واسمه مربوط باسمي. المحامي كلم أحمد، وأحمد رد ووشه بيتحول من الدهشة للغضب، وقفل السكة وبصلي وقال:
* “جوزك طلع غرقان ومغرق نفسه في مصايب تانية يا ندى. صاحب محل الفرش اللي كان واخد منه الكمبيالات، طلع كريم ما سددلوش كل الفلوس! كريم أخد تمن الدهب، سدد جزء، والجزء التاني أمه وأخته خلوه يشتري بيه غسالة وتلاجة لـ شيماء أخته اللي بتتجهز! وصاحب المحل لما لقى المماطلة شغالة، رفع بقية الكمبيالات اللي معاه، والنهارده القوة نزلت خدته من قفاه في وسط شغله!”
وقعت على الكنبة ومش مصدقة. يعني دهبي اتبَاع، وشقا أبويا وإخواتي طار، ومش عشان يفكوا زنقته هو.. ده عشان يجهزوا أخته من ورايا! الخيانة هنا كانت مضاعفة، والوجع بقى اتنين.
مكملناش كلام ولقينا الباب بيترزع بهستيريا. محمود فتح الباب، ودخلت حماتي وشيماء وهما عياطهم جايب لآخر الشارع. حماتي رمت نفسها تحت رجل أحمد وهي بتصرخ وبتلطم:
* “ببوس إيدك يا حاج أحمد.. ببوس إيدكم انقذوا ابني! كريم هيضيع، كريم بايت في الحجز وسط المجرمين وشغله هيروح! ماليش غيره يا بني هو اللي شايلنا!”
أحمد زقها بعيد عنه بقرف وقال بصوت جهوري:
* “ابعدي عني يا ست أنتِ! جاية تعيطي هنا ليه؟ مش إنتِ اللي قولتِ الست تساعد جوزها؟ مش إنتِ وشيماء اللي لفتوا على دماغه لحد ما أخد فلوس الدهب وجهزتوا بيه بنتك وسيبتوا الراجل يتسجن؟”
شيماء قربت مني وهي بتبكي وبتمسك إيدي بنكسار ملوش مثيل:
* “سامحينا يا ندى.. أنا آسفة، أنا غِلطت في حقك، بس وحياة أغلى ما عندك انقذي كريم. صاحب المحل طالب 150 ألف جنيه كاش عشان يتنازل عن القواضي ويفك الحبس، وإحنا معندناش الأبيض والأسود.. الفلوس اللي معاكم، فلوس الدهب اللي عمي صالح ادهالكم، ادفعوها للراجل وخرّجوا كريم، وبكرة يكتبلك بيهم اللي أنتِ عايزاه!”
ضحكت بذهول وسط دموعي وقومت وقفت ونفضت إيدها:
* “أنتِ بجحة للدرجادي؟ عايزاني أخد فلوس دهبي اللي رجعتلي بطلوع الروح، وأروح أدفعها عشان أسدد ديون أخوكي اللي اتمجامل بيها عليكِ؟ أنتوا إيه؟ مبتحسوش؟ معندكمش دم؟”
حماتي زعقت وهي بتعيط:
* “يا بنتي ده جوزك! لو اتسجن شكلكم هيبقى إيه قدام الناس؟ هتبقي مرآة مسجون؟ اعتبريها سلفة وهيردهالك!”
أحمد اتدخل وقبض على إيده بغضب:
* “ولا مليم من فلوس أختي هيتدفع في داهية زي ده! ابنكم يغور في ستين داهية يتسجن ولا يتعدم، أختي مالهاش دعوة بيه.”
في اللحظة دي، حماتي بصت لأحمد ووشها اتقلب للشر الكامن جواها، وقالت بنبرة تهديد وغل:
* “ماشي يا حاج أحمد.. مش عاوزين تدفعوا؟ إحنا كمان مش هنسكت. ابننا جوه المحبس، وأختك ندى دي مش هتشوف ورقتها، وهنرفع عليها قضايا طاعة وناشز وهنمرمطها في المحاكم، ومش هتنال مليم واحد من قايمتها ولا حاجتها! يا تدفعوا وتخرجوا الراجل، يا الخراب هيطول الكل!”
محمود أخويا جِري عليها وكان هيطردها بره، بس أحمد مسكه وابتسم ابتسامة رعبت حماتي، وطلع من جيبه واصل الأمانة اللي كريم ماضي عليه على بياض، وهزه قدام عين حماتي وقالها بالحرف:
* “شايفة الورقة دي يا أم كريم؟ دي إمضاء ابنك وبصمته على بياض. لو رجلك عتبت البيت ده تاني، أو فكرتي بس ترفعي قضية واحدة على أختي، الواصل ده هيملا المحامي الصبح بمبلغ 2 مليون جنيه، وهنعمله قضية خيانة أمانة تانية فوق قضية الكمبيالات، ونخلي ابنك ياخد حكم مؤبد يخليه يعجز جوه السجن. وريني بقى شطارتك يا أم الرجالة!”
حماتي لما شافت الواصل وبصمة ابنها، ركبها سيبت، والدم هرب من وشها تماماً. عرفت إنها حطت رقبة ابنها تحت سكينتنا بإيدها. سحبت بنتها شيماء من إيدها وخرجوا من الباب وهما بيجروا رجلي ججر، والخوف عاميهم.
بعد ما مشيوا، الصالة هديت. بصيت لأحمد وقولتله وأنا بترعش:
* “أحمد.. أنا مش عايزة الراجل ده، أنا كرهته وكرهت أهله، أنا عايزة أطلق.”
أحمد بصلي بحنان وطبطب على رأسي وقال:
* “وأنا مش هسيبك على ذمته يا ندى. بس الطلاق ده لازم يكون بكرامتك، ومن غير ما تخسري قشة واحدة من حقك. سيبيه يبات في الحجز كام يوم، والقرص اللي هو فيه ده هيخليه يجي لحد عندك يطلقك ويبوس إيدك عشان تسلميه الواصل.”
مر تلات أيام، وكريم محبوس، وفي اليوم الرابع، الباب خبط، ولقينا الحاج صالح عم كريم داخل علينا، ووشه هلكان وتعبان، وقعد وقال لأحمد:
* “أنا جيتلك يا حاج أحمد لوحدي، ومن غير العقارب اللي حركوا الواد. كريم بايع شرفه في الحجز، وبيموت في اليوم مية مرة. إحنا جمعنا الفلوس بالعافية من بره وهنسدد لصاحب المحل وهيخرج بكرة.. بس كريم طالب حاجة واحدة.”
أحمد سأله ببرود: “طالب إيه؟”
الحاج صالح بصلي وقال:
* “طالب يطلق ندى بالمعروف.. لقى إن ملوش عين يبص في وشها تاني بعد ما أمه فضحت الدنيا، وعايز يطلقها على الإبراء، وياخد واصل الأمانة بتاعه.”
أحمد بصلي مستني قراري، وأنا قومت وقفت وأخدت نفس عميق، وقولت للحاج صالح الشرط اللي هينهي الكابوس ده..
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
أخذت نَفَس عميق، وبصيت للحاج صالح بكل جمود وقوة، وقولتله:
* “الطلاق هيتم يا حاج صالح، وبالمعروف.. بس إبراء إيه اللي بيتكلم عنه؟ كريم مش هيطلقني على الإبراء، كريم هيطلقني غيابي أو عند المأذون بكامل حقوقي الشرعية؛ مؤخر الصداق يتفعل، والقايمة بتاعتي هتيجي لحد هنا من غير ما ينقص منها مسمار واحد، والدهب والفلوس اللي رجعوا دول برا الحسبة خالص، دول شقايا وورث أمي اللي كان عايز يسرقه!”
الحاج صالح سكت وبص للأرض بقلة حيلة، فكملت كلامي بحسم:
* “يوم ما كل حقوقي وحاجتي توصل هنا وتترص في بيت أبويا، ويوم ما المؤخر يندفع كاش في إيد أحمد أخويا، ساعتها بس هقف معاه قدام المأذون، وفي نفس اللحظة اللي هيمضي فيها على قسيمة الطلاق، أحمد هيسلمه واصل الأمانة اللي على بياض في إيده. غير كده.. خليه قاعد في الحجز، والواصل ده هينزل المحكمة بكرة الصبح!”
الحاج صالح هز رأسه وقال ونبرة الأسى في صوته:
* “حقك يا بنتي.. ومحدش يقدر يلومك. الواد ضيع نفسه وضيع بيته بغبائه ومطاوعة أمه. اعتبري شروطك كلها هتتنفذ، وخلال يومين بالظبط هيكون كل شيء جاهز، بس يخرج من الحجز الأول ويفك ضيقته.”
مشى الحاج صالح، وبمجرد ما الباب اتقفل، حسيت بنغزة قوية في قلبي. نهاية سريعة وكابوس مكنتش أتخيل إني أعيشه بعد شهر واحد من فرحي.
مروا اليومين، وكريم خرج من السجن بضمان كفالة وتسوية ديون، وعرفنا إنه باع حتة أرض صغيرة كانت ورثه من أبوه عشان يسدد للراجل ويفك حبسته، يعني خرج على الحديدة، لا طال دهب مراته، ولا طال الفلوس اللي جهز بيها أخته، وخسر كل حاجة في لحظة طمع.
في اليوم الثالث، برة البيت كان فيه صوت عربيات نقل تقيلة وقفت تحت الشباك. محمود أخويا بص من البلكونة ولف قالي وعينه بتلمع بالنصر:
* “حاجتك وصلت يا ندى.. قايمتك وعفشك كله رجع.”
نزلت أنا وإخواتي نقف في الشارع نتابع نقل العفش. الجيران كلها كانت واقفة في البلكونات بتتفرج، العروسة اللي جهزوها وخرجوها من الشارع من شهر، حاجتها راجعة لها النهاردة. وسط العمال اللي بينزلوا الحاجه، لمحت كريم واقف بعيد.. وشه كان دبلان، أسود من قلة النوم والهم، وهدومه مبهدلة، باصص لعفش بيتي وهو بيتفك وبيتحمل على العربيات بكسرة عين عمري ما شوفتها في راجل.
حماتي مظهرتش، ولا شيماء، مكنش عندهم الجرأة يواجهوا أهل المنطقة بعد ما سيرتهم بقت على كل لسان.
كريم قدم رجل وأخر رجل وقرب من أحمد، وطلع كيس فيه فلوس ومده لإيد أحمد:
* “ده مؤخر الصداق يا حاج أحمد.. كامل مليم على مليم. أظن كده كل شروطكم اتنفذت، والقايمة نزلت قدام عيونكم.”
أحمد أخد الكيس وعد الفلوس وتأكد منها، وبص لكريم ببرود وقال:
* “تمام.. المأذون مستنينا في المكتب بتاعه في أول الشارع، يلا بينا ننهي الحكاية دي.”
مشينا كلنا في صمت رهيب لغاية مكتب المأذون. قعدنا في الأوضة الضيقة، المأذون طلع الدفاتر وبدأ يكتب البيانات. كريم كان عمال يبصلي بنظرات رجاء أخيرة، عينيه كانت بتقول “سامحيني”، بس قلبي كان مات من ناحيته تماماً. الشخص اللي يمد إيده على مال مراته في غيبتها، ملوش أمان.
المأذون بص لكريم وقاله: “امضي هنا يا بني.”
كريم مسك القلم وإيده بتموت من الرعشة، وبصلي للمرة الأخيرة وقال بصوت مخنوق بالدموع:
* “أنا أسف يا ندى.. أسف إني سمعت كلامهم، وأسف إني مكنتش الراجل اللي يصونك.”
مردتش عليه وبصيت الناحية التانية. مضى كريم وبصم، والمأذون لف الدفتر ليا: “امضي هنا يا بنتي.”
مسكت القلم، وبكل قوة وثبات في الدنيا مضيت وبصمت.. وبصوت المأذون وهو بيقول: “بارَك الله لكما وعليكما.. بالمعروف تسريح بإحسان”، حسيت إن روحي رجعتلي.
أحمد أخويا مد إيده في جيبه، وطلع واصل الأمانة اللي على بياض، وحطه في إيد كريم وقاله:
* “أهو واصلك أهو.. واعلم إن الله حق، وإن بنات الأصول وراهم رجالة تفركش الأرض تحت رجل اللي ييجي عليهم.”
كريم أخد الواصل وقطعه مية حتة بلهفة وخرج من المكتب وهو بيجري ومش باصص وراه.
خرجت من عند المأذون وأنا حاسة بوزن جبل انزاح من على كتفي، رجعت بيت أبويا وسط إخواتي وسندي، وعفشي مترص في الصالة. كنت فاكرة إن القصة خلصت لحد هنا، وإني هبدأ ألملم جراحي وأنسى..
لكن بعد أسبوعين بالظبط من الطلاق، وأنا قاعدة في أوضتي، لقيت محمود أخويا داخل عليا وشه غريب، وماسك في إيده جواب رسمي جاي من المحكمة باسمي!
فتحت الجواب وأنا إيدي بترتعش، وقريت السطور اللي جواه، ولقيت صدمة تانية كانت مستنياني، صدمة هتقلب الطربيزة على كريم وأمه وأخته من مكان ميعلموش بيه..
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
فتحت الجواب وإيدي بترتعش، وعيني بتتحرك بين السطور بسرعة والذهول بيتملكني. الجواب مكنش قضية مرفوعة عليا زي ما توقعت، الجواب كان استدعاء رسمي ليا من النيابة كـ “شاهدة وإثبات حق” في قضية تزوير ونصب!
طلعت جري على أحمد ومحمود والجواب في إيدي وأنا بصرخ: “أحمد.. شوف الجواب ده، في إيه؟ كريم عمل إيه تاني؟”
أحمد أخد الورقة وقراها، وملامحه اتغيرت تماماً، وفجأة ضحك ضحكة عالية هزت البيت كله وبص لمحمود وقال: “يمهل ولا يهمل! داين تدان والبيوت ليها رب يحميها.. اطلب المحامي فوراً يا محمود عشان نفهم تفاصيل القضية دي ونروح مع ندى الصبح.”
تاني يوم، روحت مع إخواتي والمحامي لمكتب وكيل النيابة، وهناك عرفنا المفاجأة اللي طربقت الدنيا فوق دماغ حماتي وبنتها شيماء.
صاحب محل الفرش والكمبيالات لما لقى إن كريم سدد جزء من الفلوس واختفى، ولما لقى إن حماتي وشيماء أخدوا بقية الفلوس واشتروا بيها غسالة وتلاجة من محل تاني عشان جهاز شيماء، بدأ يفتش ورا الفواتير والضامنين. واكتشف إن حماتي عشان تضمن بنتها شيماء في المحل التاني وتشتري الحاجة بالتقسيط، أخدت “صورة بطاقتي الشخصية” اللي كانت في شقتي، وزورت إمضائي وبصمتي كـ “ضامن أول” لشيماء في وصولات أمانة جديدة من ورايا وبدون علمي!
صاحب المحل التاني لما لقى إن القسط الأول والتاني اتأخروا، وشاف المشاكل اللي حصلت لكريم، رفع الوصلات فوراً، ولما الخطوات القانونية بدأت، خبير الخطوط أثبت إن الإمضاء والبصمة مش بتوعي، وإن اللي مضت وبصمت بالزور هي حماتي، وبشهادة صاحب المحل اللي أكد إن أم كريم وبنتها هما اللي جابوا البطاقة ومضوا قدامه!
وكيل النيابة بصلي وقال: “يا مدام ندى، المتهمة (عنايات) والدة طليقك، والمتهمة الثانية (شيماء) أخته، تواجهان تهمة التزوير في أوراق رسمية والنصب واستغلال حسن النية. هل عندك علم بالواقعة دي؟ أو مضيتي للناس دول على حاجة؟”
وقفت بكل ثبات وقولت: ” لأ يا فندم، أنا مكنتش أعرف حاجة، والناس دول سرقوا دهبي وقبل ما أطلق اكتشفت إنهم دخلوا أوضتي وأخدوا أوراقي وصورة بطاقتي وزوروا إمضائي عشان يجهزوا بنتهم على قفايا.. أنا بطلب توقيع أقصى عقوبة عليهم وبتمسك بحقي القانوني.”
في نفس اليوم بالليل، عرفنا إن القوة النزلّت وقبضت على حماتي وشيماء من قلب بيتهم وسط الشارع والمنطقة كلها بتتفرج عليهم. شيماء اللي كانت نازلة لؤم وشماتة، وحماتي اللي كانت بتزعق ببرود ويقول “الست تساعد جوزها”، الاتنين اتسحبوا في بوكس الشرطة والكل بيشاور عليهم.
بعد أسبوعين من التحقيقات والمحاكمة العاجلة، المحكمة أصدرت حكمها الرادع:
السجن المشدد 3 سنوات لحماتي بتهمة التزوير والنصب، والحبس سنة مع الشغل لشيماء أخت كريم كشريكة في الجريمة، مع مصادرة الأجهزة اللي اشتروها بالظلم وزوروا من أجلها.
أما كريم.. فبعد ما خسر أرضه وفلوسه وشغله بسبب الفضيحة، لقى نفسه لوحده في شقة فاضية، أمه وأخته في السجن، وطليقته رجعت وراسها مرفوعة بكرامتها وفلوسها ودهبها.
وقفت في بلكونة بيتنا القديم، الهوا كان نقي، والراحة كانت م Pine مالي قلبي. بصيت لكيس الدهب بتاع أمي الله يرحمها وهو في إيدي، وحسيت إن روحها مرتاحة دلوقتي.
### الحكمة من القصة:
> **”إن مال بيوت الأصول ملوش غير طريق الأصول.. واللي يمد إيده على حق غيره بالباطل، ربنا بيسلط عليه نفسه ويخرب بيته بإيده.”**
> الأمان هو عماد أي بيت، ويوم ما الزوج يسمح لأهله يمدوا إيدهم على خصوصية ومال مراته من وراها، بيفقد صفة “الراجل السند” وبيتحول لمجرد عابر سبيل في حياتها. الطمع مبيغنيش، والسرقة من أقرب الناس بتنزع البركة من العمر والمال.
> والدرس الأكبر.. إن بنت الأصول اللي وراها “إخوة رجالة” وضهر يحميها، عمرها ما تتكسر ولا تضيع، والحق يمكن يغيب لأيام، بس في النهاية بيرجع لأصحابه، والظالم بيبات في شر أعماله.
>


تعليقات
إرسال تعليق