القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 حكاية مروان وفاطمة الجزء الأول



حكاية مروان وفاطمة الجزء الأول



الجزء الأول


الساعة كانت داخلة على تسعة بالليل في القاهرة.


الشارع تحت شباك شقة مروان في الدقي دوشته ما بتهداش، تكاتك، وعربيات، وبتاع الدرة اللي لسه واقف على الناصية بينادي.


 


مروان كان قاعد على الكنبة بالتيشرت والبنطلون البيتي، قدامه لاب توب مفتوح على محاضرة الباور بوينت بتاعة بكرة، وكوباية شاي خامسة ساقعة جنبه. الشقة هادية، ريحتها كتب وورق وديتول، مترتبة بزيادة كأن محدش عايش فيها بجد. هو متعود على كده من ساعة ما ساب سوهاج وجِه القاهرة يدرس وبعدها اتعين معيد، وبقى دكتور مروان عبد الرحيم.


 


خبطتين على باب الشقة. مش خبطة الجيران، خبطة تقيلة، بتاعة ناس جاية من سفر.


 


مروان قفل اللاب بسرعة وبص في العين السحرية، واتجمد مكانه.


 


فتح الباب وهو مش مصدق.


 


جده الحاج عبد الرحيم واقف قدامه بالجلابية الصعيدي والعباية، والعكاز في إيده، ووراه عمه جابر أبو فاطمة، وجنبهم راجل بدقن خفيفة ولابس جلابية بيضا وشايل شنطة جلد قديمة، مأذون البلد الشيخ طه اللي مروان عارفه من وهو عيل صغير. ووراهم كلهم، شايلة شنطة سفر قماش زرقا وماسكة طرف طرحتها، فاطمة.


 


فاطمة بنت عمه. آخر مرة شافها كانت في العيد الكبير من سنتين، كانت لسه بضفيرة وبتجري ورا العيال في الحوش. دلوقتي واقفة قدامه واحدة طويلة، عينيها سودة وواسعة، لابسة عباية سودة بسيطة، وبتبص في الأرض.


 


مروان: جدي؟! عمي جابر؟ بسم الله ما شاء الله.. إيه المفاجأة دي كلها؟ اتفضلوا اتفضلوا، ده نوركم والله.


 


قالها وهو بيوسع بسرعة وبيلم كتب من على الكنبة. صوته كان طالع مبحوح من الخضة.


 


الحاج عبد الرحيم دخل بعكازه، خبط بيه على الأرض خبطتين، وبص للشقة بعين بتقيم كل حاجة.


 


الحاج عبد الرحيم: شقتك نضيفة يا ولدي، زي ما أمك قالت. ربنا يحميك.


 


عمه جابر دخل وراه وسلم عليه سلام ناشف، وقال: ازيك يا دكتور، واحشنا.


 


مروان لسه بيحاول يستوعب، عينه راحت لفاطمة اللي واقفة عند الباب مش راضية تدخل.


 


مروان: ادخلي يا فاطمة، ده بيتك. واقفة ليه على الباب؟


 


فاطمة هزت راسها بخفة وقالت بصوت واطي يكاد يتسمع: تسلم يا ابن عمي.


 


دخلوا قعدوا. مروان جري على المطبخ يعمل شاي وقهوة وإيده بتترعش. رجع بالصينية وهو بيقول: والله لو كنتوا قولتولي كنت فرشتلكم الأرض ورد، ده انتوا نورتوا مصر كلها. خير يا جدي، في حاجة في البلد؟ أبوي كويس؟


 


الحاج عبد الرحيم حط فنجان القهوة من غير ما يشرب منه، وبص لمروان بصة طويلة، البصة اللي كان بيبصهاله وهو صغير لما يعرف إنه عمل مصيبة.

الحاج عبد الرحيم: أبوك زي الفل وبيسلم عليك. إحنا مش جايين في شر يا مروان يا ولدي، إحنا جايين نلم الشمل.


 


مروان: نلم الشمل؟


 


عمه جابر: أيوه. بنتي فاطمة ما شاء الله جابت مجموع كبير في الثانوية، وهتدخل كلية الآداب هنا في القاهرة، زي ما انت عارف. واحنا ملناش حد هنا غيرك يا دكتور.


 


مروان ابتسم بتلقائية وبص لفاطمة: ما شاء الله يا فاطمة، ألف مبروك، دي حاجة تشرف والله. طبعا خليها تيجي، ده بيت عمها، أظبط لها أوضة الضيوف، وأنا..


 


الحاج عبد الرحيم قاطعه، بصوت هادي بس قاطع زي السيف: مش هتقعد في أوضة الضيوف. هتقعد في أوضتك. على سنة الله ورسوله.


 


الصالة سكتت مرة واحدة، لدرجة إن صوت مروحة السقف بقى عالي.


 


مروان: نعم؟


 


الحاج عبد الرحيم شاور للشيخ طه اللي فتح شنطته الجلد وطلع دفتر كبير.


 


الحاج عبد الرحيم: يا ولدي انت كبرت وبقيت دكتور قد الدنيا، وبنت عمك كبرت وبقت عروسة تصون اسمك. وأبوك موافق، وأبوها موافق، وأنا جدك موافق. إحنا جايبين معانا المأذون عشان نكتب الكتاب الليلة، وتدخل ببنت عمك قدام ربنا والناس، وتعيش معاك هنا، تروح كليتها وترجع لبيت جوزها، مصونة.


 


مروان وقف مرة واحدة، كأنه اتكهرب.


 


مروان: يا جدي استنى بس.. كتب كتاب إيه؟ الليلة؟ أنا.. أنا معرفش حاجة عن الموضوع ده خالص! وفاطمة.. يعني..


 


وبص لفاطمة اللي كانت قاعدة متخشبة، ماسكة شنطتها في حجرها جامد لحد ما عقل صوابعها ابيضت، وعينيها لسه في الأرض، بس كان باين إنها سامعة كل كلمة.


 


عمه جابر اتكلم بنبرة أتقل: يا مروان يا ولدي، ده اتفاق من وانتوا عيال صغيرين، انت ناسي ولا إيه؟ فاطمة مكتوبالك من يوم ما اتولدت، ودي الأصول اللي اتربينا عليها. هتسيب بنت عمك تتبهدل في سكن طالبات مع الغريب؟ ولا تقعد لوحدها في بلد ما تعرفهاش؟


 


مروان: يا عمي على راسي والله، بس الأصول برضه إني أعرف! أنا دكتور في الجامعة، وعندي محاضرات، وحياتي هنا.. وفاطمة لسه صغيرة، ولسه داخلة الكلية، المفروض..


 


الحاج عبد الرحيم خبط بعكازه تاني، المرة دي أقوى.


 


الحاج عبد الرحيم: المفروض تسمع كلام جدك. إحنا مش جايين ناخد رأيك يا مروان، إحنا جايين نتمم اللي اتفقنا عليه. البت أمانة في رقبتك من النهاردة. هتكتب عليها عشان تعيش معاك بالحلال، لا الناس تاكل وشنا ولا وشك. وبعد الكلية نبقى نعمل فرح يليق بيكم في البلد.


 


الشيخ طه فتح الدفتر وبص لمروان بابتسامة طيبة: مبروك يا دكتور مقدما، هات بطاقتك يا ابني عشان نبدأ على بركة الله.


 


مروان واقف في نص الصالة بتاعته في القاهرة، لاب توب المحاضرة لسه منور على الكنبة، وكوباية الشاي بتاعته ساقعة. وقدامه جده وعمه والمأذون مستنيينه يمضي، وبنت عمه قاعدة ساكتة ومستنية مصيرها يتكتب.


 


فاطمة رفعت عينيها أخيرا وبصتله. بصه واحدة سريعة، لا هي فرحانة ولا هي زعلانة، كأنها بتقوله: أنا زيي زيك، اتحطيت هنا غصب عني.


 


مروان بلع ريقه، وبص لجده، وقال بصوت واطي:


 


مروان: طب.. لو قولت لأ؟


 


الحاج عبد الرحيم بصله، وعينه ما اتهزتش لحظة.


 


الحاج عبد الرحيم: يبقى لا انت ولدي ولا أعرفك.


 


السكون رجع تاني للشقة، إلا من صوت بتاع الدرة اللي لسه بينادي تحت في الشارع.


الفصل الثاني: الأوضة المقفولة


 


مروان مضى.


 


إيده كانت تقيلة على القلم لدرجة إن الشيخ طه قاله: على مهلك يا دكتور، بسم الله.


 


مضى مرتين. مرة في الدفتر، ومرة على ورقة تانية. فاطمة مضت بعده، خطها صغير ومرتعش، بس واضح. فاطمة جابر عبد الرحيم.


 


الشيخ طه قال: بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.


 


جده الحاج عبد الرحيم قام حضنه حضن جامد، وريحته كانت لسه ريحة البلد، تراب ودخان فرن.


 


الحاج عبد الرحيم: راجل يا ولدي، طول عمرك راجل وسادد. شيل بنت عمك في عينيك.


 


عمه جابر سلم عليه، وسلم على فاطمة وباس راسها، وقال لها بصوت واطي: اسمعي كلام جوزك يا فاطمة، وارفعي راسنا.


 


وبعد أقل من ساعة، كانوا نازلين تاني. الشنطة القماش الزرقا بتاعة فاطمة فضلت واقفة جنب باب الشقة. جده وهو نازل على السلم قاله: هنبات عند قريبنا في شبرا ونرجع البلد الفجر، البت أمانة في رقبتك يا مروان.


 


والباب اتقفل.


 


الصمت اللي رجع للشقة المرة دي كان مختلف. أتقل.


 


فاطمة واقفة جنب شنطتها عند الباب، لسه لابسة عبايتها وطرحتها، ماسكة أطرافها في إيديها. مروان واقف في نص الصالة، لسه لابس نفس التيشرت البيتي، والدفتر الأحمر الصغير بتاع كتب الكتاب محطوط على ترابيزة الأنتريه.


 


مروان بص للدفتر وبعدين بص لها، وحاول يتكلم بصوت طبيعي، معرفش.


 


مروان: طيب.. اقعدي. اقلعي الطرحة دي، انتي في بيتك خلاص.


 


فاطمة هزت راسها بخفة، قلعت طرحتها وطبقتها وحطتها فوق الشنطة. شعرها كان ملموم كحكة بسيطة. قعدت على طرف الكنبة، ضهرها مفرود، كأنها قاعدة في امتحان.



 


مروان: تشربي حاجة؟ أعملك شاي؟


 


فاطمة: لا شكرا يا دكتور.


 


مروان: دكتور إيه؟ قوليلي مروان عادي، احنا.. يعني..


 


وسكت، عشان الكلمة اللي بعدها كانت تقيلة. احنا اتجوزنا.


 


هو قام وقف، وبدأ يتكلم بسرعة، كأنه كان محضر الكلام طول ما المأذون بيكتب.


 


مروان: بصي يا فاطمة. اللي حصل تحت ده.. انتي عارفة إنه مكنش باختياري، ولا باختيارك شكلك. وأنا بحترم جدي وأبوي، بس أنا مقدرش أضحك عليكي.


 


فاطمة رفعت عينيها وبصتله، أول مرة تبصله مباشرة من ساعة ما دخلت الشقة.


 


فاطمة: عارفة.


 


مروان: كويس. يبقى عشان نعرف نعيش في الشقة دي من غير مشاكل، هنتفق على كام حاجة، موافقة؟


 


فاطمة: اتفضل.


 


مروان شاور بإيده ناحية الطرقة.


 


مروان: الشقة أوضتين وصالة. الأوضة الكبيرة اللي على اليمين دي أوضتي، أنا بنام وبشتغل فيها. الأوضة دي بتاعتي لوحدي، محدش يدخلها من غير إذني، تمام؟ أوضتك انتي الأوضة الصغيرة اللي جنب الحمام، أنا مفضيها، فيها مكتب وسرير، هتبقى بتاعتك، اعملي فيها اللي انتي عايزاه.


 


فاطمة هزت راسها: حاضر.


 


مروان: تاني حاجة. اللي حصل النهاردة ده على الورق بس. يعني قدام الناس انتي مراتي، عشان كلام جدي والأصول والكلام ده كله. إنما بيني وبينك، احنا ولاد عم، مش أكتر. فاهمة قصدي؟


 


فاطمة بصت في الأرض تاني، وقالت بصوت ثابت أوي: فاهمة.


 


مروان: حلو. تالت حاجة وآخر حاجة. انتي جاية هنا عشان تدرسي، يبقى تدرسي. خدي كليتك، الأربع سنين بتوعك، ولما تخلصي.. هرجعك البلد بإيدي، وهنطلق بالمعروف، من غير شوشرة. وكل واحد يروح لحاله، تشوفي نصيبك وأنا أشوف نصيبي. اتفقنا؟


 


الكلمة نزلت تقيلة في الصالة. فاطمة فضلت ساكتة ثانيتين أطول من اللازم، وبعدين قالت نفس الكلمة بنفس الثبات.


 


فاطمة: اتفقنا يا ابن عمي.


 


مروان حس إنه المفروض يرتاح بعد ما قال الكلام ده، بس مرتحش.


 


هو شاور لها على الأوضة الصغيرة وفتح لها النور.


 


مروان: الحمام هناك، والفوطة النضيفة في الدولاب. لو عوزتي أي حاجة خبطي عليا.. لا، قصدي نادي عليا من بره الأوضة.


 


فاطمة شالت شنطتها الزرقا، كانت خفيفة شكلا، ودخلت الأوضة الصغيرة وقفلت الباب وراها بالراحة.


 


مروان فضل واقف في الصالة لوحده. بص على دفتر كتب الكتاب الأحمر اللي سايبينهوله. فتحه، شاف صورته وصورتها جنب بعض، والختم فوقهم.


 



قفل الدفتر وحطه في درج الكومودينو في أوضته، وقفل باب أوضته عليه بالمفتاح.


 


في الأوضة الصغيرة، فاطمة فتحت شنطتها. كان فيها عبايتين، وطرحتين، وشبشب بلاستيك، وكيس فيه كتب الثانوية العامة بتاعتها مربوطة بأستك. وبرطمان سمنة بلدي ملفوف في جلابية، أمها أكيد حطاهوله.


 


فردت الملاية على السرير، وقعدت على طرفه. الشقة كانت هادية خالص، بس صوت تكييف أوضة مروان كان طالع ونة خفيفة من ورا الباب المقفول.


 


هي بصت للباب الخشب بتاع أوضتها، وقالت بصوت واطي أوي، محدش سمعه غيرها:


 


فاطمة: أربع سنين.. ماشي يا ابن عمي.


الفصل الثالث: دكتور مروان


 


الصبح بدري، قبل معاد أول يوم في الكلية بساعتين.


 


فاطمة كانت واقفة في المطبخ، لابسة أول طقم جديد جابته من القاهرة، بلوزة بيضا بسيطة وبنطلون أسود واسع، وطرحتها مربوطة على ورا. كانت بتحاول تعمل فول في الحلة الصغيرة وهي مش لاقية حاجة في مطبخ مروان، كله علب تونة وقهوة سريعة.


 


مروان خرج من أوضته لابس قميصه وبنطلونه، ومتشيك على غير عادته في البيت، شايل شنطة اللاب توب على كتفه. وقف عند باب المطبخ لما شافها.


 


مروان: صباح الخير.


 


فاطمة اتخضت خضة خفيفة، ومسحت إيديها بسرعة.


 


فاطمة: صباح النور يا.. يا ابن عمي.


 


مروان: عملتي فطار؟


 


فاطمة: أيوه، فول، لو تحب.. أصل التلاجة فاضية شوية.


 


مروان هز راسه، خد طبق وحط فيه معلقتين ووقف ياكل وهو واقف.


 


مروان: اسمعي، انتي النهاردة أول يوم ليكي في الجامعة، صح؟


 


فاطمة: أيوه، أول محاضرة الساعة عشرة.


 


مروان حط الطبق، وبص لها بجدية، نفس الجدية بتاعة ليلة كتب الكتاب.


 


مروان: طيب، عايز أقولك كلمتين قبل ما تنزلي، عشان منرجعش نزعل من بعض.


 


فاطمة: خير.


 


مروان: بصي يا فاطمة، أنا في الجامعة دي بقالي سبع سنين، من معيد لدكتور، وسمعتي هناك أهم من أي حاجة. فاللي بيني وبينك هنا في الشقة دي، بيفضل هنا في الشقة دي. مفهوم؟


 


فاطمة: مش فاهمة قصدك.


 


مروان: قصدي واضح. هناك في الجامعة، أنا مش ابن عمك، ومش جوزك. أنا الدكتور مروان عبد الرحيم. وانتي طالبة عندي، اسمك فاطمة جابر. وبس.


 


فاطمة سكتت، المعلقة وقفت في إيديها.


 


مروان كمل، وصوته بقى أنشف شوية، كأنه بيحفظها: محدش يعرف إننا نعرف بعض أصلا. لا صحابك، ولا الشئون، ولا أي حد. متجيش مكتبي، متسلميش عليا في الطرقة، ولو شفتيني صدفة اعملي نفسك متعرفينيش. إحنا أغراب، تمام؟



فاطمة بلعت ريقها، وقالت بصوت واطي: تمام.


 


مروان: ولو احتجتي أي حاجة في المنهج، تسألي زيك زي أي طالبة، في المحاضرة قدام الكل. مش في البيت. أنا هناك دكتور، وانتي مجرد طالبة عندي. اتفقنا؟


 


فاطمة رفعت عينيها وبصتله، وقالت بنفس الثبات اللي بقى يحيره: اتفقنا يا دكتور.


 


مروان هز راسه كأنه ارتح، خد مفاتيحه ومشي ناحية الباب.


 


مروان: أنا هنزل قبلك، عشان محدش يشوفنا نازلين سوا من العمارة. الباب اقفليه كويس بالمفتاح، والمفتاح الزيادة على الترابيزة.


 


والباب اتقفل وراه.


 



 


الساعة عشرة وعشرة، مدرج 3، كلية الآداب، قسم اللغة العربية.


 


المدرج كان زحمة وحر، بنات بطرح ملونة وولاد في آخر المدرج بيضحكوا. فاطمة كانت قاعدة في تاني صف، فاتحة كشكول جديد لسه بورقته، وكاتبة عليه بخطها المرتب: فاطمة جابر عبد الرحيم، الفرقة الأولى.


 


المعيدة دخلت وقالت: يا جماعة الدكتور مروان هيتأخر خمس دقايق، حضروا الكشاكيل.


 


فاطمة سمعت الاسم وقلبها وقع. قالت لنفسها أكيد تشابه أسماء، مروان ده اسم منتشر.


 


بعد خمس دقايق الباب اتفتح، ودخل هو.


 


نفس القميص اللي كان لابسه الصبح على الفطار، وشنطة اللاب توب على كتفه. طلع على المنصة، حط الشنطة، وبص للمدرج كله بصة سريعة.


 


مروان: صباح الخير، أنا الدكتور مروان عبد الرحيم، وهكون معاكم السنة دي في مادة النحو والصرف.


 


القاعة كلها سكتت وبدأت تكتب الاسم.


 


فاطمة كانت متجمدة في مكانها، القلم في إيديها بينقط على الكشكول الجديد. هو بص على كل وشوش المدرج وهو بيتكلم، عينه عدت عليها مرة، وقفت نص ثانية، وكملت كأنها مشافتهاش خالص.


 


كأنه فعلا ميعرفهاش.


 


مروان: الحضور عندي مهم، والكتاب بتاعي اللي هتشتروا منه موجود في مكتبة الأندلس قدام باب الكلية. أي سؤال؟


 


بنت جنب فاطمة رفعت إيديها وسألت سؤال. هو جاوب بابتسامة عملية، وشرح، وكتب على البورد.


 


فاطمة كانت سامعة صوته، نفس الصوت اللي كان بيقولها الصبح: إحنا أغراب.. أنا دكتور.. وانتي مجرد طالبة.


 


هي وطت راسها على الكشكول، وبدأت تكتب وراه كلمة بكلمة، خطها المرة دي مكنش ثابت أوي.


 


وفي نص المحاضرة، وهو بيشرح بيت شعر على البورد، عينه جت عليها غصب عنه ثانية. شافها قاعدة في تاني صف، مسكة القلم جامد، وبتكتب وهي باصة في الكشكول بس.


 


هو لف وشه بسرعة وكمل شرح، وصوته علي حتة صغيرة، كأنه بيأكد الكلام لنفسه هو كمان.



آخر المحاضرة، الطلبة قاموا مرة واحدة وزحمة عند الباب. فاطمة لمت كشكولها بالراحة واستنت الزحمة تخف.


 


وهي نازلة على سلم المدرج، سمعت بنتين وراها بيقولوا: الدكتور مروان ده شكله صغير أوي، ده يادوب أكبر مننا بكام سنة، وسنجل على فكرة.


 


فاطمة كملت ماشية، ولا كأنها سمعت حاجة، وخرجت من باب المدرج على الحوش الكبير بتاع الجامعة، لوحدها.


الفصل الرابع: طرد


 


الغيرة بدأت بدري أوي، ومن غير ما فاطمة تاخد بالها إن اسمها غيرة أصلا.


 


كانت بتشوفه في المدرج كل يوم حد وتلات. الدكتور مروان عبد الرحيم، واقف على المنصة بالبليزر الكحلي بتاعه، بيشرح وبيهزر هزار خفيف يخلي البنات تضحك. وبعد المحاضرة دايما في زحمة بنات حوالين المنصة، واحدة بتسأله عن المرجع، وواحدة بتقوله يا دكتور مش فاهمة الحتة دي ممكن رقم حضرتك، وواحدة بتضحك ضحكة أعلى من اللازم.


 


فاطمة كانت بتلم كشكولها بسرعة وتمشي. كانت بتقول لنفسها: وأنا مالي، هو مش قال إحنا أغراب؟


 


بس كانت بتحفظ شكل البلوزة الصفرا بتاعة البنت اللي بتقف أول واحدة كل مرة، وكانت بتدايق لما تلاقيه بيرد عليها بصبر.


 


وفي البيت، كانت بترجع تلاقيه قاعد في أوضته وبابه مقفول، بتسمع صوت الكيبورد بس. تحطله طبق الأكل قدام الباب وتخبط خبطتين وتمشي، زي ما اتفقوا.


 


لحد يوم محاضرة الصرف.


 


فاطمة كانت قاعدة في تاني صف لوحدها كالعادة. جه ولد قعد جنبها في الكرسي الفاضي، شكله ابن ناس، لابس نضيف، وضحكته واسعة.


 


الولد: مساء الخير، هو الدكتور بياخد غياب؟ أصلي أول مرة أحضر.


 


فاطمة بصت قدام، وقالت بصوت واطي: أيوه بياخد.


 


الولد: طيب كويس إني لحقتك، أنا كريم، فرقة أولى زيك، وانتي اسمك إيه؟


 


فاطمة: فاطمة.


 


كريم: اسمك حلو على فكرة، ممكن أصور منك المحاضرة اللي فاتت؟


 


فاطمة اترددت، وبعدين فتحت الكشكول وقالت: صور بسرعة عشان الدكتور هيدخل.


 


كريم لسه بيصور بالموبايل وهو مايل ناحيتها، والباب اتفتح ودخل مروان.


 


مروان طلع المنصة، حط حاجته، ورفع عينه يعمل الحضور. عينه وقعت على فاطمة، وجنبها ولد مايل عليها وماسك موبايله فوق كشكولها.


 


وشه اتغير في لحظة…. يتبع في الجزء الأخير


 


حكاية مروان وفاطمة الجزء الأخير



الجزء الأخير


الكاتبة ملك إبراهيم


مروان طلع المنصة، حط حاجته، ورفع عينه يعمل الحضور. عينه وقعت على فاطمة، وجنبها ولد مايل عليها وماسك موبايله فوق كشكولها.


 


وشه اتغير في لحظة.


مروان: انت يا أستاذ، يا اللي قاعد جنب الآنسة.


 


كريم رفع راسه: أيوه يا دكتور؟


 


مروان صوته كان عالي بزيادة عن المدرج كله: انت بتعمل إيه؟


 


كريم: كنت بصور المحاضرة اللي فاتت منها يا دكتور.


 


مروان: والمحاضرة بتاعتي بدأت، وانت لسه بتصور؟ قوم اقف.


 


كريم وقف وهو مستغرب.


 


مروان: انت وهي، اطلعوا بره. مش عايز دوشة في محاضرتي.


 


المدرج كله سكت وبص عليهم. فاطمة وشها بقى أحمر نار، وقامت لمت كشكولها وإيديها بتترعش.


 


فاطمة بصوت مبحوح: يا دكتور والله أنا..


 


مروان قاطعها، وعينه فيها نار أول مرة تشوفها: قولت اطلعوا بره، دلوقتي.


 


كريم قال: يا دكتور دي غلطتي أنا..


 


مروان: بره انت وهي، يلا.


 


فاطمة خرجت تجري من باب المدرج، والبنات بيبصوا عليها، وسمعت البنت أم بلوزة صفرا بتقول لصاحبتها: يا لهوي شفتي؟


 


فضلت قاعدة على سلم الكلية تعيط لوحدها نص ساعة، لحد ما المحاضرة خلصت والكل خرج.


 



 


رجعت البيت الساعة أربعة، فتحت الباب بالمفتاح لقت مروان قاعد في الصالة مستنيها، لسه لابس قميص الجامعة، ووشه مقلوب.


 


أول ما شافها قام وقف.


 


مروان: كنتي فين؟


 


فاطمة: في الجامعة..


 


مروان: لا كنتي فين بعد المحاضرة؟ ليه مرجعتيش على طول؟


 


فاطمة: كنت قاعدة تحت..


 


مروان صوته علي مرة واحدة: قاعدة مع مين؟ مع الواد بتاع الصبح؟!


 


فاطمة اتخضت ورجعت خطوة لورا.


 


فاطمة: لا والله، كنت لوحدي، انت طردتني قدام الدفعة كلها..


 


مروان: وأطردك تاني لو لزم الأمر! مش أنا قايلك إحنا في الجامعة أغراب؟ يعني إيه ولد يقعد جنبك ويصور من كشكولك ويضحك؟ انتي فاكرة نفسك فين؟


 


فاطمة عينيها دمعت: هو اللي قعد جنبي، وأنا قولتله يصور بسرعة عشان محاضرتك..


 


مروان: محاضرتي؟! وانتي مالك بمحاضرتي أصلا؟ انتي نسيتي اتفاقنا؟ نسيتي إن الجواز ده مؤقت؟ أربع سنين وتتطلقي؟ ولا خلاص صدقتي إنك مراتي بجد وبقيتي تغيري عليا في المدرج؟


 


الكلمة نزلت عليها زي القلم. فاطمة شهقت، والدموع نزلت غصب عنها.


 


فاطمة: أنا مغيرتش.. انت اللي..


 


مروان: أنا اللي إيه؟ أنا دكتور محترم وبحافظ على سمعتي وسمعتك، حتى لو انتي مش هامك سمعتك!


 


فاطمة صرخت فيه لأول مرة، وصوتها بيترعش من العياط والخوف: أنا سمعتي أشرف من أي حد تعرفه، انت اللي بتعاملني كأني حاجة عار في الجامعة، وحاجة عار في البيت!


 


وسابته واقف ودخلت أوضتها وقفلت الباب بالمفتاح، وفضلت تعيط بصوت مكتوم في المخدة.


 


مروان فضل واقف في الصالة، نفسه عالي، وإيده مقفولة جامد، كأنه عايز يكسر حاجة ومش عارف إيه.


 


الليل ده لا هي حطتله أكل قدام الباب، ولا هو خبط عليها.


 



 


خاصموا بعض خمس أيام كاملة.


 


خمس أيام في شقة واحدة. هي تخرج بدري قبل ما هو يصحى، وترجع بعد ما يسمع باب أوضته بيتقفل. الأكل بقى علب تونة تاني. والشقة رجعت ساكتة زي أول يوم.


 


اليوم الخامس، فاطمة كانت خارجة من آخر محاضرة، لقت كريم مستنيها عند باب المدرج، ومعاه وردة بلاستيك وعلبة شوكولاتة صغيرة، وشكله متوتر.


 


كريم: فاطمة، لحظة واحدة بس. أنا عارف إن اللي حصل بسببي، والدكتور بهدلنا، وأنا آسف جدا.


 


فاطمة: محصلش حاجة، عن إذنك.


 


كريم وقف قدامها بسرعة: استني، والله أنا من أول يوم شفتك فيه وأنا.. يعني.. معجب بيكي. وبصراحة أنا كلمت أمي عليكي، وهي قالت هاتي رقم أبو البنت نكلمه.


 


فاطمة وقفت مكانها، ومش مصدقة اللي بتسمعه.


 


كريم: فأنا كنت عايز أسألك.. لو مفيش مانع، تديني رقم والدك أكلمه عشان آجي أخطبك رسمي؟


الفصل الخامس: خطيبتي


 


فاطمة فضلت واقفة قدام كريم في طرقة الكلية، علبة الشوكولاتة في إيده بتهتز من التوتر، وهي حاسة إن الدنيا بتلف بيها.


 


فاطمة: تخطب.. تخطب مين؟


 


كريم: انتي طبعا، يا فاطمة. أنا بتكلم جد، والله. انتي بنت محترمة وباين عليكي بنت ناس، وأنا ناوي خير.


 


فاطمة كانت عايزة تضحك، تعيط، تصرخ، مش عارفة. افتكرت الدفتر الأحمر اللي في درج الكومودينو في أوضة مروان، وافتكرت كلمة: أربع سنين وتتطلقي.


 


فاطمة: انت.. انت متعرفنيش أصلا يا كريم.


 


كريم: أعرفك كفاية، وهعرفك أكتر بعد الخطوبة. كل اللي محتاجه رقم والدك.


 


فاطمة شدت شنطتها على كتفها، وقالت بسرعة وهي بتبعد: لا شكرا، مش هينفع. عن إذنك.


 


وسابته واقف بالوردة والشوكولاتة في نص الطرقة، وجريت على باب الكلية.


 


طول الطريق في الميكروباص وهي بتفكر تقول لمروان ولا لأ. هتقوله إيه؟ واحد عايز يخطبني؟ ما انت اللي قايل إننا هنتطلق بعد أربع سنين. طب هيغير؟ طب هيزعق تاني؟


 


رجعت الشقة، لقت جزمته قدام الباب، يعني هو في البيت. سمعت صوت المعالق في المطبخ، كان بيعمل لنفسه أكل.


 


وقفت عند باب المطبخ ثانيتين، فتحت بقها عشان تتكلم، وبعدين خافت. خافت من صوته العالي، من بصة العين اللي شافتها آخر مرة، من كلمة: انتي صدقتي إنك مراتي بجد؟


 


فبلعت الكلام، ودخلت أوضتها ساكتة وقفلت الباب.


 


مروان سمع باب الشقة بيتفتح ويتقفل، وبص ناحية أوضتها، واستنى تسلم، أو تخبط، أو أي حاجة. مفيش. كمل تقليب المكرونة في الحلة، وطفى النار وهو نفسه مسدودة.


 



 


تاني يوم، الساعة 12 الضهر، الحوش الكبير قدام كافيتريا آداب.


 


فاطمة كانت ماشية لوحدها رايحة المكتبة، وشنطتها في حضنها. طلع لها ولدين من سنة تالتة، واحد منهم اللي دايما واقف يشرب سجاير قدام الكافيتريا.


 


الشاب: إيه يا قمر، رايحة فين بسرعة كده؟ أول مرة أشوفك هنا، انتي سنة أولى صح؟ طب ما تقفي نشرب حاجة سوا.


 


فاطمة: لو سمحت وسع.


 


الشاب قرب خطوة وضحك: الله، مالك قفوشة كده ليه؟ بنتعرف عادي.


 


إيدها كانت بتترعش وهي ماسكة الشنطة، ولسه هتعلي صوتها، سمعت صوت جاي جري من وراها.


 


كريم: إيدك جنبك يا بني آدم انت، بتكلمها كده ليه؟


 


الشاب: وانت مال أهلك؟


 


كريم زقه في كتفه: دي تبعي، فاهم؟ تبعي.


 


الشاب زق كريم، كريم رد ببوكس، وفي ثانية الحوش اتقلب خناقة، بنات بتصوت، وولاد بتتلم.


 


بتوع أمن الجامعة جم جري في دقيقتين، وفرقوهم بالعافية.


 


فرد الأمن: كلكم على مكتب العميد، يلا قدامي.


 


فاطمة كانت واقفة على جنب، وشها أصفر، وبتترعش كلها.


 


فرد الأمن: وانتي كمان يا آنسة، انتي طرف في المشكلة، قدامي.


 


أخدوهم التلاتة، كريم وشفته مفتوحة، والشاب التاني قميصه مقطوع، وفاطمة ماشية وراهم بتعيط من غير صوت، على أوضة العميد في الدور التالت.


 


في نفس الوقت، مروان كان خارج من مكتبه في قسم أعضاء هيئة التدريس، وسمع اتنين معيدين بيتكلموا في الطرقة.


 


معيد: بيقولك خناقة كبيرة عند آداب، وواخدين بنت من سنة أولى على مكتب العميد.


 


مروان وقف: بنت من سنة أولى؟ اسمها إيه؟


 


المعيد: معرفش، بس بيقولوا الواد اللي اتخانق بيقول دي خطيبتي.


 


مروان قلبه وقع في رجليه من غير ما يعرف ليه. جري على مبنى الإدارة.


 


وصل قدام مكتب العميد، السكرتيرة حاولت توقفه: يا دكتور مروان، العميد جوه معاه تحقيق..


 


هو فتح الباب ودخل من غير ما يخبط.


 


جوه، العميد قاعد ورا مكتبه، والشاب المتعور واقف على جنب، وفاطمة قاعدة على كرسي في الركن، عينيها حمرا ومورمة، وماسكة منديل في إيديها. وكريم واقف قدام مكتب العميد وبيتكلم بصوت عالي.



كريم: يا سيادة العميد، أنا اللي بدأت، أيوه، بس دي خطيبتي، وأنا كنت بدافع عنها، الواد ده كان بيعاكسها في نص الحوش!


 


العميد: خطيبتك؟ فين إثبات الكلام ده؟


 


كريم: لسه هنقرا فاتحة الأسبوع الجاي، اسألها هي، يا فاطمة قولي له..


 


وف اللحظة دي الباب اتفتح، ومروان دخل.


 


كل اللي في الأوضة بصوا عليه. فاطمة أول ما شافته قامت وقفت مرة واحدة، كأنها لقت طوق نجاة، وعينيها مليانة دموع ورعب.


 


كريم لسه بيكمل كلامه وهو مش واخد باله مين دخل: أيوه يا فندم، دي خطيبتي فاطمة، وأنا..


 


مروان بص لفاطمة، وبعدين بص لكريم، وبعدين بص للعميد. ووشه مكنش وش الدكتور الهادي بتاع المحاضرات خالص.


 


العميد: أهلا يا دكتور مروان، خير؟


 


مروان ما شالش عينه من على فاطمة، وقال بصوت واطي بس مسموع للأوضة كلها:


 


مروان: لا مش خطيبته.


الفصل السادس: مراتي


 


الأوضة سكتت ثانية بعد كلمة مروان.


 


العميد رفع حاجبه: نعم؟


 


مروان دخل خطوتين لقدام، ووقف جنب كرسي فاطمة، كأنه بيحط نفسه بينها وبين أي حد في الأوضة.


 


مروان: بقول لحضرتك دي مش خطيبة حد. فاطمة جابر عبد الرحيم تبقى مراتي.


 


كريم لف وبصله مصدوم: مراتك؟! انت بتقول إيه يا دكتور؟


 


العميد حط القلم من إيده وبص لمروان وبعدين لفاطمة: الكلام ده بجد يا دكتور مروان؟


 


مروان طلع بطاقته من محفظته وحطها على مكتب العميد من غير ما يبص لكريم أصلا.


 


مروان: أيوه يا فندم، كتب كتابنا من أسبوعين، ودي بطاقتي، ولو تحب أجيب القسيمة بكرة الصبح تبقى عند حضرتك.


 


فاطمة كانت واقفة جنبه مش قادرة تنطق، دموعها وقفت مرة واحدة من الصدمة. هو أول مرة يقول قدام حد إنها مراته. وأول مرة يقف جنبها كده.


 


العميد أخد البطاقة، بص فيها، وبعدين ضحك ضحكة كبيرة واتفاجئ بجد.


 


العميد: يا راجل؟! ألف ألف مبروك يا دكتور، ومخبي علينا ليه بس؟ دي بنتنا برضه، طالبة عندنا في القسم!


 


مروان: الله يبارك في حضرتك، كنا مستنيين نعمل حاجة على الضيق في البلد الأول.


 


العميد قام سلم عليه وبعدين بص لفاطمة: مبروك يا بنتي، معلش اللي حصل، حقك عليا.


 


فاطمة هزت راسها وهي مش عارفة تقول إيه: الله يبارك في حضرتك.


 


العميد لف لكريم والشاب التاني، ووشه قلب جد تاني: وانتوا بقى، واحد بيعاكس مرات دكتور عندنا في الحرم الجامعي، والتاني عامل فيها خطيبها؟ انتوا فاكرينها سايبة؟



كريم وشه بقى أبيض، وبص لفاطمة كأنه مستنيها تقول إن ده كدب.


 


كريم: يا فاطمة.. انتي.. انتي متجوزة الدكتور مروان بجد؟


 


فاطمة بصت في الأرض، ومقدرتش ترد. مروان هو اللي رد مكانه.


 


مروان: أيوه متجوزة، وقدام ربنا والناس. وياريت منشوفش وشك جنبها تاني.


 


الأمن خد الشاب بتاع المعاكسة على مكتب التأديب، وكريم خرج من أوضة العميد وهو ماشي متلخبط، والخبر كان سابقهم.


 


وهما نازلين على سلم الإدارة، الطلبة كانوا متجمعين تحت، اللي سمع واللي شاف. أول ما مروان نزل وهو ماسك دراع فاطمة عشان تحميها من الزحمة، الهمس اشتغل.


 


بنت: هي دي؟ مرات الدكتور مروان؟


ولد: يا نهار أبيض، طلعت متجوزة الدكتور بتاعنا!


 


كريم كان واقف على جنب، شافهم نازلين سوا، وبص لفاطمة بصة أخيرة، وبعدين لف ومشي.


 


مروان فتح لها باب عربيته اللي راكنها قدام الكلية، أول مرة تركب معاه، وقال بصوت ناشف: اركبي.


 


طول الطريق من الجامعة للدقي، هو سايق وساكت، وإيديه ماسكة الدركسيون جامد لحد ما عروقه بانت. فاطمة قاعدة جنبه وباصة من الشباك، وقلبها بيدق بسرعة، مش عارفة ده خوف ولا ارتياح.


 


أول ما دخلوا الشقة وقفل الباب وراهم بالمفتاح، هو رمى مفاتيح العربية على الترابيزة بصوت عالي، ولف عليها مرة واحدة.


 


مروان: خلاص، خلصنا.


 


فاطمة: مروان أنا..


 


مروان صوته علي وغطى على صوتها: انتي إيه؟! انتي إيه؟! عاجبك الفضيحة اللي حصلت النهاردة؟ الجامعة كلها بتتكلم علينا دلوقتي!


 


فاطمة رجعت لورا خطوتين: أنا مالي؟ هو اللي..


 


مروان: انتي مالك إزاي؟ مش أنا قايلك متقفيش مع حد؟ مش قايلك متكلميش حد؟ أديكي في أسبوع واحد بقى ليكي خطيب وخناقة وعميد!


 


فاطمة عيطت: والله العظيم ما عملت حاجة، هو اللي قال خطيبتي من دماغه!


 


مروان: وأنا مالي هو قال إيه؟! انتي اللي ادتيله وش من الأول! لو كنتي سمعتي كلامي مكنش كل ده حصل!


 


قرب منها، وهي لزقت في الحيطة من الخوف.


 


مروان: اسمعي الكلمتين دول وحطيهم حلقة في ودنك. جامعة مفيش. انتي مش هتروحي الجامعة دي تاني، فاهمة؟


 


فاطمة شهقت: يعني إيه؟! ده مستقبلي..


 


مروان: مستقبلك هنا، في البيت ده. هتفضلي هنا، قدام عيني، لحد ما أربيكي من أول وجديد وأعرفك الأصول اللي أهلك نسيوا يعلموهالك!


 


فاطمة: لا.. انت قولت هتسيبني أدرس.. انت وعدتني..


 


مروان: وأنا غيرت كلامي! من بكرة مفيش نزول، مفيش جامعة، مفيش كريم ومفيش زفت! انتي مراتي على الورق، ولو بالقانون هتفضلي مراتي، وهتسمعي كلامي بالذوق أو بالعافية!


 


وسابها واقفة بتعيط في الصالة، ودخل أوضته ورزع الباب وراه جامد لدرجة إن الكوباية اللي على الترابيزة اتهزت.


 


فاطمة وقعت على الأرض مكانها، وحضنت ركبها، وبصت ناحية باب الأوضة المقفول، وهمست وهي مش مصدقة:


 


فاطمة: مراتك؟.. من امتى؟


الفصل السابع: قاعدة صراحة


 


بعد الخناقة بتاعة الجامعة، مروان نفذ كلامه.


 


تاني يوم الصبح، فاطمة صحيت لبست هدوم الكلية، لقت باب الشقة مقفول بالمفتاح من بره، ومفتاحها مش موجود على الترابيزة.


 


خبطت على باب أوضته.


 


فاطمة: مروان، الباب مقفول ليه؟ عندي محاضرة.


 


مروان من ورا الباب: قولتلك مفيش جامعة.


 


ومشي على شغله وسابها.


 


فضل الحال كده سبع أيام. هو ينزل الصبح بدري ويرجع بالليل، يسيب لها أكل على ترابيزة المطبخ ويمشي على أوضته ويقفل على نفسه. وهي قافلة على نفسها في أوضتها طول اليوم، لا بتاكل ولا بترد لما يخبط عليها.


 


اليوم السابع، مروان رجع بدري، خبط على بابها عشان يسيب لها صينية الأكل، مردتش. خبط تاني أقوى، مفيش صوت.


 


فتح الباب بالمفتاح الزيادة اللي معاه، لقاها نايمة على السرير ووشها أصفر وشفيفها ناشفة، وبتتنفس بالعافية.


 


مروان اتخض بجد، جري عليها.


 


مروان: فاطمة! فاطمة ردي عليا!


 


فتحت عينيها بالعافية وقالت بصوت مش طالع: دايخة..


 


شالها وهي خفيفة زي الريشة، ونزل بيها جري على المستشفى اللي جنب البيت.


 


الدكتور في الاستقبال بعد ما علق لها محلول قال لمروان وهو بيبصله بعتاب:


 


الدكتور: إجهاد وهبوط حاد من قلة الأكل والزعل، هي مراتك؟


 


مروان: أيوه.


 


الدكتور: طيب خد بالك منها، الستات مش حمل البهدلة دي، دي محتاجة رعاية وأكل كويس وراحة نفسية، فاهم؟


 


مروان هز راسه وسكت، وبص لفاطمة وهي نايمة على سرير المستشفى والمحلول في إيديها، وحس إن قلبه هيقف.


 


رجعوا البيت بالليل، هو ساندها لحد سريرها. قعد على الكرسي جنبها، وجاب لها شوربة بإيده.


 


مروان: كلي.


 


فاطمة خدت معلقتين بالعافية وبعدين سابت الطبق.


 


الصمت طول، وبعدين مروان اتكلم، صوته كان تعبان مش زعيق خالص.


 


مروان: ليه عملتي في نفسك كده؟


 


فاطمة بصت للسقف وقالت: عشان تعبت.


 


مروان: من إيه؟


 


فاطمة لفت وشها وبصتله، وعينيها مليانة دموع: منك.


 


سكتت ثانية وبعدين كملت مرة واحدة، كأن الكلام كان محبوس بقاله أسابيع.


 



فاطمة: عايز الصراحة؟ حاضر. أيوه كريم جه قالي عايز يخطبني، وأنا قولتله لأ، في وشه، ومشيت وسبته. وكنت خايفة أقولك عشان انت أصلا مش طايقني، وكنت هتقول إني ادتله وش زي ما قولتلي قبل كده. وأيوه الواد عاكسني، وكريم اتخانق عشاني، وأنا ماليش ذنب في أي حاجة من دي!


 


مروان كان بيسمع وساكت.


 


فاطمة صوتها اتكسر: بس عارف اللي يوجع بجد إيه؟ إنك أول مرة تقول قدام الناس إن أنا مراتك، كانت عشان تخلص من مشكلة، وبعدها حبستني في البيت وقلت هتربيني من أول وجديد.. ليه؟ عشان أنا بنت عمك الصعيدية اللي جت لزقت فيك غصب عنك؟


 


عيطت وحطت إيديها على وشها.


 


فاطمة: طب أنا ذنبي إيه إني.. إني حبيتك؟


 


الكلمة وقعت في الأوضة وسكتت كل حاجة.


 


مروان رفع راسه مصدوم: إيه؟


 


فاطمة قالتها وهي بتعيط: أيوه حبيتك، من أول يوم دخلت فيه بيتك، وانت بتحطلي الأكل قدام باب أوضتي، وانت بتشرح في المدرج وكل البنات بتبصلك وأنا بغير عليك وأنا ماليش حق أغير.. حبيتك وانت بتقولي ده جواز مؤقت أربع سنين.. حبيتك غصب عني يا ابن عمي.


 


مروان قام وقف مرة واحدة، ومشي رايح جاي في الأوضة، وحط إيديه في شعره.


 


مروان: انتي مجنونة؟ بتقولي إيه؟


 


فاطمة: بقول الحقيقة اللي انت خايف تقولها لنفسك.


 


مروان وقف قدامها، وبص لها طويل، وبعدين صوته طلع واطي ومهزوز.


 


مروان: وأنا.. أنا اتجننت لما شفت الواد قاعد جنبك في المدرج، مكنتش عارف أنام من الغيرة، وكنت بدور عليكي في المدرج قبل ما أدخل أشرح.. ولما سمعت إنك في أوضة العميد كنت هموت من الخوف عليكي.. ولما الواد قال خطيبتي قدام العميد، طلعت كلمة مراتي من بقي قبل ما أفكر فيها أصلا.


 


فاطمة بصتله ومش مصدقة.


 


مروان قعد على طرف السرير، ومسك إيديها اللي فيها الكانيولا بالراحة أوي.


 


مروان: أنا آسف.. آسف على كل كلمة قلتها، وعلى الحبسة، وعلى إني خوفتك.. أنا كنت غبي وبكابر عشان خايف.. خايف أحبك بجد وبعد الأربع سنين تمشي وتسيبيني.


 


فاطمة ضحكت وسط دموعها: طب ما أنا قدامك أهو، لا مشيت ولا هامشي.


 


مروان مسح دموعها بإيده وقال: هترجعي الجامعة، من بكرة. وكل الناس عارفة إنك مراتي، وهتفضلي مراتي.


 



 


وفعلا، تاني يوم الصبح، فاطمة نزلت من العمارة ومروان مستنيها تحت بعربيته، فتح لها الباب اللي جنبه.


 


فاطمة: إيه ده؟


 


مروان: اركبي يا مدام، هتروحي الجامعة مشي ولا إيه؟


 


وصلها لحد باب الكلية، ونزل فتح لها الباب قدام كل الطلبة. البنت أم بلوزة صفرا كانت واقفة وشافت المنظر وبلمت.


 


في المحاضرة، فاطمة قعدت في أول صف، ومروان طول المحاضرة عينه عليها، وكل ما تبصله يبتسم ابتسامة صغيرة ليها هي بس.


 


يوم ورا يوم، كان بيوصلها الصبح ويرجعها الضهر، ويذاكر لها في البيت على ترابيزة الصالة مش كل واحد في أوضة. وفي مرة وهو بيشرح لها بيت شعر، بص لها وقال:


 


مروان: بحبك يا فاطمة.


 


فاطمة وشها احمر وقالت: قولها تاني.


 


مروان: بحبك يا بنت عمي.


 


وبعدها بكام يوم، في ليلة هادية، كانوا قاعدين يشربوا شاي في البلكونة، مروان مسك إيديها وقال:


 


مروان: فاطمة.. تحبي نتمم جوازنا بجد؟ مش على الورق بس، قدام ربنا وقدام قلبنا؟


 


فاطمة بصتله، وعينيها بتلمع، وقالت من غير تردد:


 


فاطمة: موافقة يا جوزي.


 


وليلة الخميس اللي بعدها، عملوا فرح صغير على الضيق في شقتهم في الدقي، جابوا جاتوه وشغلوا أغنية بتحبها فاطمة، ورقصوا سوا في الصالة.


 


وباب الأوضة الكبيرة اللي كان مقفول طول الشهور اللي فاتت، اتفتح لهم هما الاتنين، واتقفل عليهم بالحب والرضا.


 


وكده، اللي بدأ بكتب كتاب غصب، انتهى بجواز حقيقي، وبحكاية حب بدأت في شقة صغيرة في القاهرة، بين دكتور من الصعيد وبنت عمه اللي جت تكمل دراستها، وكملت عمرها كله جنبه.


 


تمت.


 


 


تعليقات

التنقل السريع
    close