القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 رواية مراتى الأولى كامله بقلم امانى سيد



رواية مراتى الأولى كامله بقلم امانى سيد


كنت عارف انى لو طلقت مراتى مش هتلاقى حد يوافق انها تقعد معاه او تروحله وخصوصا بعد ما ابوها مات وصاحب الشقه اخدها


كنت عارف انى مهما اعمل فيها هتوافق وترضى لان مبقاش حد ليها فى الدنيا غيرى


كنت عارف إن نظرة عينيها المكسورة وراها قلة حيلة مش رضا، بس المعرفة دي بدل ما تخليني أحن، كانت بتطمني إنها مش هتقدر تمشي.


فاكر أول موقف بعد وفاة أبوها بكام أسبوع، لما رجعت البيت ولقيت الأكل مش جاهز لأنها كانت تعبانة ومش قادرة تقف. يومها زعقت وهدّيت البيت فوق دماغها، وقلت لها كلام يوجع عن الإهمال والتقصير. زمان، كانت بترد وبتدافع عن نفسها، لكن المرة دي لقيتها وقفت في مكانها، دموعها نزلت في سكات، ودخلت المطبخ وهي بتترعش عشان تعمل الأكل. في اللحظة دي اتأكدت إن صاحب الشقة لما طردها بعد موت أبوها، طرد معاها آخر خط دفاع ليها.


وفي المرات اللي كنا بنختلف فيها على أي حاجة، كنت بلمّح لها من بعيد لبعيد إن البيت ده بيتي، وإن اللقمة اللي بتاكلها من خيري. كنت بشوف الكلمة وهي بتنزل عليها زي الكرباج، تبلع ريقها وتسكت، وتوافق على كلامي وهي باصة في الأرض. مكنتش بتوافق عشان مقتنعة، كانت بتوافق عشان عارفة إن برة الباب ده مفيش باب تاني هيتفتح لها.


حتى لما كانت تطلب تشتري حاجة لنفسها أو تطلب تخرج تشم هوا، كنت برفض لمجرد إني أثبت لها إن أمرها كله بإيدي. كانت بتنسحب في سكات وتقعد في ركن في الصالة، تفتكر أبوها وتفتكر شقتهم اللي راحت، وتبصلي كأني بقيت سجنها وملاذها الوحيد في نفس الوقت. وعمري ما حسيت بالذنب، كنت ببص لها وأنا مرتاح ومطمن.. إنها مهما شافت مني، ملهاش غيري.


بقيت أحس إنها زي الخاتم اللي في صباعي، ملكي، بتاعي، مش هيطلع ولا هيتحرك غير لما أنا اللي أقرر أفلته وأقلعه. السيطرة دي عمتني، وبدل ما تخليني أحافظ عليها، خلتني أشوف إنها مضمونة لدرجة تخليني أعمل أي حاجة وكل حاجة من غير ما أعمل لها أي حساب. عشان كده، قررت إني أتجوز.


قلت لنفسي: “وهي هتعمل إيه يعني؟ هتعترض؟ هتمشي؟ تروح فين؟”


دخلت عليها البيت في يوم، ورميت الخبر في وشها ببرود تام، كأني بقول لها على صنف أكل هجيبه معايا بكرة. كنت مراقب رد فعلها، مستني أشوف الوجع والخضة في عينيها. شفت صدمة زلزلتها، شفت عينيها وهي بتلف في أركان الصالة كأنها بتدور على حيطة تترمي عليها، أو كأنها بتستنجد بروائح أبوها اللي مات والبيت اللي ضاع.


كنت عارف إن أي ست تانية في مكانها كانت هتقلب الدنيا، تطلب الطلاق، وتلم هدومها وتمشي وهي كرامتها فوق أي اعتبار. لكن هي؟ هي وقفت مكفية على طولها، النفس بيطلع من صدرها بالعافية، وشفايها بترتعش. بصتلي نظرة طويلة، نظرة عتاب مميت، وفي الآخر بلعت غصتها، ووطت راسها وقالت بنبرة مخنوقة: “اللي تشوفه يا رمزى .. البيت بيتك والأمر أمرك”.



في اللحظة دي، حسيت بنشوة انتصار مريضة. اتأكدت إن الخاتم لسه في صباعي، وإنها مهما اتوجعت، هتقعد في ركنها، تستقبل ضرتها بدموع مكتومة، لأن برة الباب ده.. مفيش رصيف واحد مستنيها.


مرت الشهور، ونفذت اللي في دماغي واتجوزت. يوم ما دخلت بمراتي الجديدة الشقة، كنت متخيل إن الأمور مش هتمشي بهدوء، في بيت واحد والكل عارف مقامه. بس مراتي الجديدة كانت داخلة ومقاصدها واضحة، شافت في سكوت طليقتي وقلة حيلتها فرصة عشان تفرض سيطرتها الكاملة.


بدأ الموضوع بطلبات عادية، “هاتي كوباية مية”، “شيلي الصينية دي من هنا”. وكنت ببص ومبتكلمش، بالعكس، كنت بحس إن ده الطبيعي، ما هي قاعدة في بيتي وبتاكل من خيري، يبقى أقل واجب تخدم الست اللي أنا اخترتها وبقت هي الكل في الكل.


الموضوع اطور بسرعة وبقى علني وبدون خجل. مراتي الجديدة بقت تصحى الضهر، تلاقي الفطار جاهز، والبيت متنظف، وتدخل المطبخ تتأمر وتتحكم: “الأكل ده مالح”، “الهدوم دي مش مغسولة كويس وعيدي عليها”. ومهره مراتى القديمه؟ كانت بتسمع الكلام وهي باصة في الأرض، ملامحها اتمحت، وبقت تتحرك في شقتي زي الخيال، زي الخدامة الشغالة بلقمتها بس من غير أجر.


أصعب موقف فاكره، لما كنا معزومين عند ناس من قرايبي، ومراتي الجديدة رفضت إنها تخرج ومهره معايا


 


وقالت لي قدامها ببرود: “سيبها هنا تطبخ وتجهز البيت على ما نرجع، أهو نستفاد بوجودها بدل قعدتها دي”. أنا وافقت من غير ما أفكر، وبصيت لطليقتي وقلت لها: “اسمعي الكلام ونظفي البيت كله قبل ما نيجي”.


هي برضه مقالتش لأ، ولا صرخت في وشنا. وطت راسها، ومسكت المقشة وبدأت تشتغل وعينيها مليانة دموع مكتومة. في اللحظة دي، وأنا قفل الباب ورايا ونازل مع مراتي الجديدة، حسيت للحظة بقسوة اللي بيحصل، بس رجعت وقلت لنفسي: “ما هي اللي اختارت تسلم رقبتها، وهي اللي ملهاش مكان تاني تروحه”.


الغصة اللي حسيت بيها لمحت لمح تدوب في ثواني، وحل مكانها إحساس غريب بالنشوة والسيطرة المريضة. حاجة جوايا—يمكن غرور، ويمكن رغبة في إني أثبت لنفسي وليهم إن الكلمة كلمتي والأمر أمري—خلتني أتمادى مع مرام أكتر.


بدل ما أنزلها، أخدتها ورحت قعدت على الكنبة وقعدتها على رجلي قدام مهره. بدأت أدلعها دلع عمري ما عملته لمهره في حياتي، ولا حتى في أيام فرحنا الأولى. كنت بضحك معاها بصوت عالي، وأشاور على ملامحها وأقول كلام غزل صريح ومبالغ فيه، وأنا سارق نظرة من تحت لفوق عشان أشوف أثر الكلام ده على مهره.



مرام طبعاً صدقت، وسندت راسها على كتفي وهي بتتدلع زيادة، وتطلب طلبات تافهة لمجرد إنها تشوفني بنفذها لها في اللحظة والتو.


مهره في الركن كانت زي الج*ثة الحية. ملامحها اتصلبت، وإيدها اللي كانت بتشتغل وقفت تماماً. شفت صوابعها وهي بتضغط على القماش اللي في إيدها لدرجة إن عروقها برزت، كأنها بتعصر قلبها مش حتة قماش. نزلت راسها أكتر لحد ما دقنها لمست صدرها، وبدأت كتافها تتهز في سكات تام.. مكنتش قادرة حتى تطلع صوت عياطها عشان متسمعناش.


المنظر كان قاسي، بس الأنانية اللي جوايا كانت عيمياني. كنت حاسس إني بملك الكون لمجرد إني قادر أتحكم في مشاعر الاتنين دول.. واحدة بطيرها من الفرحة، وواحدة بدفنها بالحيا وهي قاعدة مكانها مش قادرة تنطق بكلمة.


 مراتى الأولى2

قصص وروايات أمانى سيد

فجأة، وسط الضحك والدلع المبالغ فيه، مرام سكتت وبصت لمهره بنظرة كلها لؤم، وقالت بصوت عالي وهي بتطبطب على كتفي: “صحيح يا حبيبي، بما إن البيت اتنظف وبقى زي الفل، ما تقوم يا مهره تعملي كوباية عصير فريش تروّق عليا بعد التعب ده؟”

الكلام نزل زي السكينة، المطبخ كان في آخر الصالة، ومهره عشان تقوم كانت لازم تعدي من قدامنا وهي شايفة مرام قاعدة على رجلي.

مهره حركة كتافها اللي كانت بتهتز وقفت. رفعت راسها براحة، عينيها كانت حمرا والدموع مغرقة وشها، بس المرة دي مكنش فيه في عينيها انكسار وبس.. كان فيه نظرة تانية غريبة، نظرة تائهة وكأنها بتسألني: “أنا عملت لك إيه عشان تعمل فيا كل ده؟”

حسيت بقرصة في قلبي لما عيني جت في عينيها، بس غروري منعني أتراجع. وبدل ما أقول لمرام كفاية، بصيت لمهره وقلت بنبرة ناشفة: “ما تقومي يا مهره.. اسمعي كلام مرام وشوفيها عايزة عصير إيه واعمليه”.

وقفت مهره ببطء شديد، كأنها بتجر جبال وراها. لمّت القماش اللي في إيدها وحطته على الكنبة، ومشت خطوات معدودة لحد ما بقت قصادنا بالظبط. في اللحظة دي، مرام اتعمدت تفرك في شعري وتضحك بدلع مستفز. مهره غمضت عينيها لثانية، وبلعت غصتها، وعدت من قدامنا وراحت على المطبخ من غير ما تنطق بحرف واحد.

أول ما دخلت المطبخ وسور الحيطة داراها، سمعت صوت حاجة اتكسرت في المطبخ، مكنش صوت كباية.. كان صوت روحها اللي اتهانت لآخر درجة، وأنا قاعد مكاني، الخاتم لسه في صباعي، بس السجن اللي بنيته حولين منها بدأ خناقه يضيق عليا أنا كمان.

صوت الحاجة اللي اتكسرت جوة المطبخ خلّى مرام تتخض وتعدل قعدتها، وقالت بغل وبصوت عالي عشان تسمعها: “جرى إيه يا اختي؟ مش تاخدي بالك ولا هي كاسة العصير هتنزل من قرصتك؟”

أنا في اللحظة دي مكنتش سامع مرام ولا مركز معاها، الصوت ده رجّعني لفوق، كأنه فوقني من سكرة الغرور اللي كنت فيها. نزلت مرام من على رجلي ووقفت، وقلت لها بنبرة متوترة: “خليكي هنا، هشوف في إيه”.

دخلت المطبخ ولقيت مهره واقفة مصلوبة في مكانها، وإيديها بتنزف دم؛ الكوباية الإزاز اتكسرت في إيدها وهي بتضغط عليها بكل عزمها من كتر الكبت، والدم كان نازل يختلط بمية العصير على الرخام. المنظر خبط في صدري بقوة، ولقيت نفسي من غير وعي بقرب منها وبمد إيدي عشان أشوف الجرح وأنا بقول بخضة: “مهره! إيه اللي عملتيه في نفسك ده؟”

لكن الصدمة الحقيقية مكنتش في الدم.. الصدمة كانت في رد فعلها.

مهره لأول مرة من شهور طويلة سحبت إيدها مني بسرعة وقوة، وبصتلي وعينيها جاحظة، مكنش فيه دموع خلاص، كان فيه حالة من الذهول والجمود المرعب. بصت لإيدها اللي بتنزف وبصتلي، وقالت بصوت هادي، هادي لدرجة تخوّف: .. سيبني أنظف الإزاز عشان الست مرام متتأذاش وهي داخلة”.

البرود اللي في صوتها، والطريقة اللي سحبت بيها إيدها حسستني فجأة إن الخاتم اللي كنت فاكر إنه محبوس في صباعي ومش هيطلع أبدًا، بدأ يوسع، وبدأ يهرب من إيدي.. حسيت للحظة إن السكوت اللي كنت مطمن له، وراه عاصفة لو قامت مش هتبقي على أي حاجة.

زعقت فيها بعصبية، كنت بحاول أداري الخضة والذنب اللي حسيت بيهم ورا نبرة حادة وجافة. قلت لها وأنا بقرّب وبحاول أمسك إيدها تاني بالعافية: “وإيه المشكلة يعني لما أمسك إيدك وأشوف الجرح؟ إنتي لسه مراتي على فكرة! ولا إنتي خلاص عجبك الوضع وحبيتي دور الخدامة وعايزة تعيشي فيه؟”

سألتها السؤال ده وأنا مستني نفس الرد بتاع كل مرة، مستنيها توطي راسها وتقول الكلمتين اللي بيطمنوا غروري. بس مهره المرة دي متحركتش من مكانها، ولا حتى ركبتها اتهزت.

بصت لإيدها اللي بتنزف بنظرة باردة، وبعدين رفعت عينيها في عيني بكل جمود، وقالت بصوت نبرته خالية من أي مشاعر، كأنها بتتكلم عن حد تاني خالص: “أنا مبقتش أعتبر نفسي مراتك يا رمزى من يوم ما دخلت عليا بالخبر.. ومن يوم ما شلتها قدام عيني ودخلت بيها.”

الكلام نزل عليا زي المية الساقعة، وقفت مذهول مش عارف أرد، وهي كملت كلامها بنفس البرود المرعب: “أنا فعلاً بقيت اعتبر نفسي خدامة هنا.. خدامة بمرتب، لقمة وسقف بيت، بس لحد ما أظبط أموري. لحد ما الجرح اللي جوة يلم، ولحد ما رجلي تشيلني وأعرف أنا هروح فين وهعمل إيه. ساعتها بس، الخاتم اللي أنت فاكر إنه في صباعك ومش هيطلع.. هتلاقيه اتكسر ومبقاش ليه وجود.”

سابتني واقف في المطبخ مشلول، مش قادر أستوعب إن السجن اللي بنيته حولين منها مكنش سجن أبدي، وإن السكوت اللي كنت مستقوي بيه مكنش قلة حيلة.. ده كان عد تنازلي ليوم مش هشوفها فيه تاني.

خرجت من المطبخ وأنا مش شايف قدامي، كلماتها كانت بتلف في دماغي زي الإعصار، بتهد كل اليقين اللي عشت فيه الشهور اللي فاتت. الخاتم اللي في صباعي طلع مش مضمون، والحيطة اللي كنت فاكر إنها سانداها طلعت مجرد محطة لحد ما تمشي.

لقيت مرام قاعدة مستنياني برة، حاطة رجل على رجل وبتبصلي بفضول وقالت بضحكة مستفزة: “إيه يا حبيبي، غيبت جوة ليه؟ وعصير إيه ده اللي بياخد كل الوقت ده؟”

بصيت لها وحسيت لأول مرة بـتقل في صدري، الدلع والضحك اللي كانوا بسطني من شوية بقوا باهتين وملهمش طعم. قلت لها بنبرة ناشفة ومخنوقة: “مفيش عصير.. الكوباية اتكسرت في إيدها والإزاز عورها”.

مرام لوّت بوزها وقالت ببرود: “يا حبت عيني! طب ما تخلص وتلم الإزاز ده عشان متعطلناش، والمرة الجاية تاخد بالها وهي شغالـ…”

“بس بقى! مش عايز أسمع صوت!”

زعقت فيها فجأة بصوت هز الصالة، مرام اتخضت وبرقت عينيها ومكنتش مصدقة إني بكلمها بالطريقة دي بعد كل الدلع بتاع من شوية. سيبتها واقفة مذهولة ودخلت أوضتي وقفت ورا الباب وأنا بنهج.

كنت بسمع صوت حركة مهره الخفيفة في المطبخ وهي بتلم الإزاز المكسور وبتنظف مكان الدم.. في سكات، بنفس الجمود والآلية. لأول مرة أحس إن البيت ده مابقاش بيتي، وإن السيطرة اللي كنت بتباهى بيها ومستقوي بيها على غلبها، اتفتت بمجرد ما هي قررت من جواها إنها متبقاش مراتي.

أنا اللي بقيت مسجون في مكاني، مستني اليوم اللي تظبط فيه أمورها وتفتح الباب وتمشي، وتسيبني مع الندم.


مراتى الاولى 3

قصص وروايات أمانى سيد


فاتت ليلتها، ومن يومها والحال اتبدل تماماً في الشقة.


مرام مكنتش فاهمة إيه اللي حصل، وبقت طول الوقت عصبية وبتزن، وبتحاول بكل الطرق ترجّع السيطرة اللي كانت في إيدها، بس أنا مكنتش معاها. كنت قاعد بجسمي بس، وعيني بتراقب مهره في كل حركة وفي كل سكنة.


مهره اتحولت لآلة حقيقية، بتصحى من النجمة تنظف وتطبخ وتعمل كل اللي ينطلب منها بجمود مرعب، من غير ما تبص في وشي ولا مرة. الجرح اللي في إيدها لمّ وفضل مكانه علامة بيضا صغيرة، بس أنا كنت عارف إن الجرح الحقيقي اللي جوة لسه بينزف ومستني اللحظة.


وفي يوم، كنت راجع من الشغل بدري على غير العادة. فتحت الباب بالراحة ودخلت، الصالة كانت هادية ومرام كانت نايمة جوة. لمحت مهره واقفة في البلكونة، ماسكة تليفونها القديم وبتتكلم بصوت واطي جداً، نبرتها مكنتش نبرة الخدامة المكسورة، كانت نبرة واحدة مركزة وبتتفق على حاجة.


قربت من باب البلكونة في سكات وأنا كاتم نفسي، وسمعتها وهي بتقول: “الحمد لله يا أستاذ.. أنا جمعت المبلغ اللي قولت لي عليه من شغلي الأونلاين القديم، وعرفت شقة صغيرة إيجار جديد في مكان هادي.. قولي بس الإجراءات إيه وأنا جاهزة أمضي العقد بكبـ…”


سمعت حركتي وراها، لفت بسرعة وقامت قفلت التليفون. بصتلي، ومكنش في عينيها أي خضة أو خوف من إني كشفتها. بالعكس، رفعت راسها وبصت في عيني بثبات لأول مرة من شهور، وقالت بنبرة حاسمة: “كويس إنك جيت يا رمزى.. عشان خلاص، أموري اتظبطت”.


الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة، حسيت بركبي مش شايلاني وأنا سامعها بتقولها بالثبات ده: “خلاص، أموري اتظبطت”.


الخاتم اللي كنت فاكر إني هقلعه بمزاجي، اتزحلق من صباعي ووقع قدام عيني من غير ما أقدر أمنعه. بصيت لها وأنا مشموت، مش قادر أستوعب إن كل الفترة اللي فاتت وهي بتتهان قدام عيني، كانت بتبني في السر خطة نجاتها، مكنتش مستسلمة.. كانت بتتحمل تمن حريتها خطوة بخطوة.


قلت لها بصوت مرعوش وبحاول أداري بيه صدمتي: “أمورك اتظبطت إزاي؟ ومن ورايا؟ والشغل الأونلاين ده من إمتى؟”


ابتسمت ابتسامة خفيفة، ابتسامة حد منتصر بس مش شمتان، حد خلاص قفل الصفحة ومبقاش باقي على حاجة. قالت وهي بتقدم خطوة برة البلكونة: “من يوم ما قفلت في وشي كل الأبواب يا رامز، افتكرت إن ربنا مبيقفلش باب في وش حد. كنت بطبق بالليل بعد ما تخلصوا طلباتكم وأقعد على الشغل، عشان اليوم ده ييجي.. والحمد لله جه”.


في اللحظة دي، الباب بتاع الأوضة اتفتح وخرجت مرام وهي بتتمطى، وبصت لنا باستغراب وقالت: “في إيه واقفين كده ليه؟ ومالك يا مهره واقفة ورافع راسك كده ليه؟ ما تشوفي وراكي إيه في المطبخ!


مهره مبلعتش ريقها المرة دي، ولا نزلت عينيها للأرض. بصت لمرام بكل برود وقالت: “المطبخ مابقاش ورايا فيه حاجة يا ست مرام.. المطبخ والبيت والاستاذ رامز كمان.. كلهم بقوا ليكي لوحدك، اشبعي بيهم”.


مرام برقت عينيها وقالت بصوت عالي: “إنتي اتجننتي يا بت إنتي؟ إنتي بتكلمي مين كده؟”


لكن مهره ماردتش عليها، لفت وشها ليا وبصتلي النظرة الأخيرة، النظرة اللي عرفت فيها إني خسرت كل حاجة، وقالت: “ورقتى توصلي على شقتي الجديدة يا رمزى.. الدفن بالحيا مابقاش ينفع معايا خلاص”.


سابتني واقف مكاني في الصالة، بين مرام اللي بتزعق ومش فاهمة حاجة، وبين روحي اللي اتهدت وأنا شايف مهره بتدخل أوضتها تلم باقي حاجتها عشان تمشي وتسيبني لسجني الحقيقي.


 


 


بصيت لمرام بعينين مليانة غضب وعمايا، وزعقت فيها بأعلى صوتي لدرجة إن الحوائط اتهزت: “اخرصي خالص! مش عايز أسمع صوتك!”


مرام اتخضت ورجعت لورا وهي مش مستوعبة، بس أنا مكنتش شايفها أصلاً. لفيت ضهري وجريت ورا مهره على الأوضة، كنت بحاول ألحق أي حاجة، ألحق الخاتم اللي بيضيع من إيدي، ألحق السيطرة اللي اتفتت في ثانية.


دخلت الأوضة ولقيت الصدمة اللي شلّت حركتي.


مهره مكنتش لسه بتلم هدومها وتدور هتحط إيه فين؛ الشنط كانت جاهزة، مقفولة، ومحطوطة جنب الباب أكنها كانت مستنية اللحظة دي بالثانية. مكنش فيه قطرة هدوم واحدة فايتة في الدولاب، كل حاجة مترتبة ومتسستمة من زمان، من شهور.. من اليوم اللي فاكر فيه إني كسرتها وهي كانت بتخطط عشان تكسر سجني.


قربت منها وأنا بنهج، ومديت إيدي عشان أمسك الشنطة ومنعتها، وقلت بصوت متلخبط ومكسور: “مهره، استني هنا.. إنتي رايحة فين؟ مش هتمشي، البيت بيتك وإنتي لسه مراتي، أنا مش هسيبك تخرجي من هنا!”


بصت لإيدي اللي ماسكة الشنطة، وبعدين رفعت عينيها في عيني بنفس الجمود المرعب اللي مابقاش يفارقها. شالت إيدي عن الشنطة براحة بس بقوة، وقالت بنبرة هادية تقت*ل: “مبقاش يفيد يا رمزى.. الشنط دي جاهزة من يوم ما دخلت عليا بمرام، ومن يوم ما قعدتها على رجلك قدام عيني. كل ليلة كنتوا بتناموا فيها وأنا صاحية، كنت بحط حتة من عمري في الشنط دي. أنا ماشية، ومش هتقدر توقفني.. لأن اللي إنت كنت فاكر إنك كاسرها، كانت بترتب لليوم ده من زمان أوي”.


شالت شنطتها بكل ثبات، وعدت من جنبي كأني هوا، وخرجت للصالة وأنا واقف مكاني عاجز، مش عارف أتحرك خطوة واحدة وراها.


 


 


خرجت مهره للصالة، وسحبت شنطها وراها بخطوات ثابتة وليها رنين بيمزق السكون اللي في البيت.

مرام كانت واقفة في ركن الصالة، مبرقة عينيها وبتبص لها بذهول، مكنتش قادرة تنطق بكلمة تانية بعد ما شافت شكلي وشافت الثبات اللي مهره بتتكلم بيه. السيطرة واللؤم اللي كانوا في عينيها اتمحوا، وحل مكانهم خوف مفاجئ من شكل البيت اللي فجأة فضي مابقاش فيه غيرنا.


وصلت مهره لباب الشقة، حطت الشنط على الأرض، ولفت عشان تفتح الترباس.


في اللحظة دي، لقيت رجلي بتتحرك لوحدها وجريت عليها، وقفت بينها وبين الباب وقلت بصوت مخنوق وخلاص ضيعت فيه كل كبريائي: “مهره.. عشان خاطر أي حاجة حلوة كانت بينا.. بلاش تمشي. أنا عارف إني جيت عليكي، وعارف إني ظلمتك، بس البيت ده ميسواش حاجة من غيرك. أنا هغير كل حاجة، هصلح كل اللي انكسر.. بس بلاش تخرجي من الباب ده”.


مهره سكتت لثانية، وبصت لإيدي اللي ماسكة أكرة الباب. مكنش في عينيها غضب، كان فيه زهد كامل، زهد يوجع أكتر من أي عصبية. رفعت عينيها وبصت في وشي وقالت بنبرة حاسمة: “الكسر اللي في الروح مبيتصلحش يا رامز. إنت مكنتش بتعاقبني عشان قصرت، إنت كنت بتستقوي عليا عشان ماليش حد. والنهاردة، أنا بقيت سندي ونفسي.. افتح الباب”.


لما لقيتني متمسك بالأكرة ومش عايز أتحرك، مدّت إيدها بكل عزم وسحبت إيدي بقوة من على الباب، وفتحت الترباس. الباب اتفتح، والهوا البارد بتاع الشارع دخل الشقة كأنه بيفوقني على الحقيقة المريرة.


شالت شنطها، وخطت عتبة الباب من غير ما تبص وراها ولو لمرة واحدة. سمعت صوت خطواتها وهي نازلة على السلم، خطوات سريعة، خفيفة، كأنها بتطير مش بتمشي، كأنها بتنفض عن رجليها تراب سجن عاشت فيه شهور.


قفلت الباب وراها، وسندت ضهري عليه، ونزلت على الأرض وأنا مش قادر أصلب طولي. بصت لصباعي اللي كان فيه الخاتم.. حسيت بوجع فظيع كأنه اتقطع فعلياً مش مجرد اتخلع.


مرام قربت مني بخوف وقالت بصوت واطي: “رمزى.. إنت كويس؟”


بصيت لها وما ردتش.. كنت سامع صوت السكوت اللي ملى الشقة، السكوت اللي كنت فاكره أمان، وطلع هو البداية للنهاية.


مراتى الاولى4 الاخيره

قصص وروايات أمانى سيد


مرّت الأيام، وأنا عايش في جحيم حقيقي. مرام وصوتها ودلعها بقوا بالنسبة لي حمل تقيل مش قادر أطيقه، وكل تفصيلة في الشقة بقت بتفكرني بمهره، بوقفتها في المطبخ، بانكسارها، وباللحظة اللي سحبت فيها إيدها وهي بتنزف دم.

لحد ما جه اليوم اللي لقيت فيه تليفوني بيرن، وبرقم مهره. قلبي دق بسرعة وكنت فاكر إنها حنت، أو إن الغربة برة بيتي كسرتها وهترجع. فتحت الخط بلهفة، بس صوتها جاني ناشف زي الصخر: “أنا عايزة ورقتي يا رمزي.. طلقني بالذوق ومن غير شوشرة”.

الكلام صدم لسانى، وقلت بحيرة وخوف: “طلاق إيه يا مهره؟ إنتي اتجننتي؟ أنا مش هطلقك، إنتي مكانك هنا في بيتك”. فضلت تصر ببرود رهيب، وكل ما تزيد إصرار، كل ما أنا أزيد عناد ورفض.

لما لقيت قفلي لكل الأبواب، قاطعتني وقالت بصوت هادي وفيه ثقة زلزلتني: “أنا مش بترجاك يا رمزي، أنا بطلب منك الحق اللي يخلينا نخرج بالمعروف. لو رفضت، أنا مش هقعد مستنية عطفك.. أنا هخلعك”.

الكلمة هانت كبريائي، خلع؟ مهره اللي مكنتش بتطول لقمة برة بيتي تهددني بالخلع؟ ومن كتر رعبي من إنها تضيع بجد، رميت آخر كارت معايا وقلت لها بنبرة رجاء مشاري بكسرة: “أنا مستعد أطلق مرام يا مهره! هطردها برة البيت حالا وترجعيلي إنتي ست الكل، بس بلاش موضوع الطلاق والخلع ده، أنا شاريها ومستعد أعمل أي حاجة عشان نرجع”.

ضحكت ضحكة خفيفة، ضحكة وجعتني أكتر من صراخها، وقالت: “تطلق مرام؟ وتطردها زي ما كنت مستقوي بوجودها عليا؟ إنت مابتتغيرش يا رمزي.. أنا مش عايزة خراب بيوت لحد، ومش عايزة منك أي حاجة، لا مؤخر ولا نفقة ولا حتى قشّاية من بيتك، أنا عايزة حريتي وبس.. والباب اللي قفلته في وشي، المحكمة هتفتحهولي”. قفلت السكة في وشي قبل ما أنطق.

افتكرتها بتهدد، وافتكرت إن قضايا المحاكم بتاخد سنين وأنها هتزهق وترجع لملاذها الوحيد. بس مهره كانت مرتبة كل خطوة؛ اتفاجئت بإعلان القض..ية، وفي كل جلسة كانت بتثبت للقاضي إنها بايعة كل حاجة ومتنازلة عن كل حقوقها المادية في مقابل حريتها.

وفعلاً، مفيش شهور قليلة، وصدر الحكم.. كسبت قض..ية الخلع.

يوم ما استلمت الصيغة التنفيذية للحكم، بصيت لصباعي الفاضي.. حسيت إن صباعي نفسه هو اللي اتقطع مش الخاتم اللي طلع. مهره مخلعتش الخاتم بس، دي خلعتني أنا شخصياً من حياتها بالكامل، وسابتني مع مرام في بيت مابقاش فيه غير الندم وصوت صدى حيطانه الفاضية.

بعد ما حكم الخلع صدر، البيت اتقلب لزنزانة حقيقية. مكنتش طايق مرام، ولا طايق صوتها، ولا حتى طايق وجودها في المكان. كل ما كانت تقرب مني أو تحاول تدلع بنقس الطريقة القديمة، كنت بلمح في عينيها اللؤم اللي كسر مهره، وأفتكر المسرحية اللي عملتها يوم ما شلتها ودخلت بيها.

بقيت شايف إن مرام ودلعها الزايد والمستفز، وضغطها عليا في كل موقف، هما السبب الأساسي في إن مهره تضيع مني وتسيبني. الغل كان بيكبر جوايا ناحيتها يوم بعد يوم، وكنت بحملها ذنب بيتي اللي اتخرب وحياتي اللي اتهدت. وهي مكنتش بتسكت، بدأت تحس بنفوري وبقت عصبية وتزن وتصرخ لمجرد إنها تفرض وجودها بالعافية.

وفي ليلة، قامت بينا خناقة من أتعس خناقات حياتنا. كانت واقفة بتزعق وتطالب بحقوق وتعاتبني على برودي معاها، وصوتها كان بيعلى ويعمل صدى في الحيطان الفاضية. الصوت ده فجأة قلب في دماغي شريط الذكريات كله.. افتكرت مهره وهي واقفة في المطبخ بتنزف في سكات، وافتكرت نظرتها الأخيرة ليا قبل ما تمشي.

فقدت السيطرة على نفسي تماماً. الغضب العميق والندم القاتل اللي كنت كاتمهم جوة صدري اتحولوا لكتلة من الغل، وطلعتهم كلهم على مرام. نزلت فيها ضرب جنوني، مكنتش شايف قدامي ولا سامع صراخها واستنجادها. كنت بضربها وكأني بضرب حظي، وبضرب الغرور اللي عماني.

الخناقة انتهت ومرام مرمية على الأرض بتصرخ من الوجع ومش قادرة تاخد نفسها. لما نقلتها المستشفى، الدكاترة قالوا إن الضرب كان شديد لدرجة إنه كسر لها ضلوعها.

وأنا واقف في طرقة المستشفى بالليل، وبصيت لإيديا الاتنين، حسيت بقرف رهيب من نفسي. الراجل اللي كان فاكر إن السيطرة بتخليه ملك، بقى مجرد وحش مكسور.. خسر الإنسانة اللي صانته في سكات، ودمر بإيده الست اللي اختارها عشان يكيد بيها الأولى، ومبقاش فاضل له غير الندم والخراب.


عدت سنة.. سنة كاملة وأنا عايش في بيت عامل زي المقبرة. طلقت مرام بعد ما دفعتلها تعويض وتكاليف علاجها، ومبقاش ليها أي أثر في حياتي غير ذكرى سودا وذنب تقيل. البيت فضي عليا، وكل ركن فيه كان بيصرخ باسم مهره، وبيفكرني باللي عملته فيها.

مبقاش عندي شغل شاغل غير إني أرجعها. بقيت أروحلها كل يوم تحت العمارة اللي مأجرة فيها شقتها. أقف بالساعات، أستناها وهي راجعة من شغلها، أترجاها، أعتذر، أتحايل عليها ترجعلي وأصلح كل اللي فات.. بس كانت بتبصلي بجمود. مفيش غضب، مفيش عتاب، مفيش حتى كره.. كان فيه لا مبالاة بتدبح. كل مرة كانت بترد عليا بنفس النبرة الهادية الباردة: “اللي اتكسر ملوش دية يا رمزي.. وفر مجهودك، طريقي مابقاش طريقك”.

كنت بكدب نفسي، وأقول مسيرها تلين، مسير الأيام ترجعها ليا لما تلاقي نفسها وحيدة في الدنيا. لحد ما جه اليوم اللي رحت فيه كالعادة، ووقفت أستناها تحت بيتها.. بس المرة دي متفاجئتش برفضها، أنا اتفاجئت بخراب دنيتي كلها.

شفتها جاية من بعيد، بس مكنتش لوحدها. كان معاها راجل تاني.

وقفت مكاني متسمر، عيني مبرقة ومش قادر أصدق اللي شايفه. شفتهم وهم بيقربوا.. شفت الراجل ده بيفتح لها باب العمارة بإيده، وبيشيل عنها الشنط وهو بيضحك معاها بحنية الدنيا كلها.

شفت مهره.. مهره اللي كانت بتنكمش في ركن الصالة وهي خايفة من صوتي، واللي كانت بتخدم في سكات وعينيها في الأرض.. شفتها بتضحك من قلبها، وشها منور، ونظرة عينيها مليانة أمان، متدلعة بجد، دلع عمري ما شفته فيها ولا فكرت في يوم أديهولها. شفت الراجل ده بيميل عليها يعدل لها طرحتها بخوف واهتمام حقيقي، وهي بتبصله بنظرة رضا وحب خلت قلبي يعتصر من القهر.

أنا اللي كنت مستقوي بقلة حيلتها، شفتها متسندة على ضهر راجل تاني بيعاملها كأنها أغلى حاجة في حياته.

في اللحظة دي بس، عرفت إني خسرت للأبد. الخاتم اللي كنت بتباهى بيه وفاكره مش هيخرج من صباعي، لبسه غيري.. بس مالبسوش عشان يخنقها ويحبسها بيه، لبسهولها عشان يتوجها بيه ملكة على حياته. لفيت ضهري ومشيت في الشارع وأنا بجر خيبتي، وعرفت إن العقاب الحقيقي مش إنها سابتني.. العقاب الحقيقي إني هعيش طول عمري فاكر ضحكتها اللي نورت مع غيري، لأن أنا اللي بغبائي وغروري اخترت أطفيها.

تمت امانى سيد


 






تعليقات

التنقل السريع
    close