اخت لصبيان كامله بقلم امانى سيد
اخت لصبيان
بقلم امانى سيد
فى بيت اهلى اتربيت على الخدمه كنت بنت وسط ٣ اولاد كنت انا اللى بعمل كل حاجه مع امى واخواتى محدش يناول نفسه كوبايه ميه
اتجوزت وقولت خلاص هرتاح لكن اتفاجئت انى دخلت بيت عيله اكبر من بيتا وبدل ما كنت بخدم اخواتى وانى وابويا بقيت أخدم عيله كامله
حمايا وحماتى وجوزى واخواته الصبيان والبنات وحتى المتجوزه فيهم كانت حامل وكان مطلوب منى اخدمها هى كمان
ولما اطلب من جوزى اخلينى فى بيتى اهتم بيه بس
يرد يقولى انتى عارفه أنا اتجوزتك ليه
عشان انتى كنتى خدامه لاخواتك الصبيان فى بيت أهلك والكل كان عارف كده
انتى فاكره لما تيجى هنا هتبقى هانم لا يا حلوه فوقى لنفسك
الكلمات دي نزلت عليا زي المية المغلية، جسمي كله اتنفض ودموعي اتجمدت في عيني من صدمة الوجع. “عشان كنتي خدامة”… الجملة دي فضلت ترن في ودني، وكأنها حكم بالإعدام على أي أمل كان عندي في حياة آدمية. أنا اللي كنت فاكرة إن الجواز ده هيبقى طوق النجاة، الباب اللي هخرج منه عشان أحس إني إنسانة، مش مجرد إيد بتطبخ ورجل بتجري وتكنس
كانت الكلمات لسه بتغلي في عروقي لما مسكني من إيدي بقسوة وعنف، كأنه بيجر وراه جماد مش إنسانة من لحم ودم. سحبني ورا خطوته السريعة على السلم، وأنا رجلي كانت بتخبط في الدرج ومش قادرة أصلب طولي، ودموعي اللي حبستها نزلت غصب عني وسابت علامات حارقة على وشي.
فتح باب شقة أمه وحدفني لجوه بكل قلة أصل، لدرجة إن توازني أختل وكنت هقع على الأرض لولا إني سندت على الحيطة. حماتي كانت قاعدة، وجنبها بناتها المتجوزين والسنود، باصين عليا بنظرات شماتة وكأنهم بيتفرجوا على عرض مسرحي.
وقف جوزي في نص الصالة، ونفض إيده مني وكأني حاجة بتلوثه، وبص لأمه وقال بصوت جهوري هز الحيطان:
“خدوا، خدي مجايبك يا أمي! الهانم فاكرة نفسها جاية هنا تتستت، وفاكرة إننا جايبينها عشان إحنا اللي نخدمها! واضح إن أبوها كان مدلعها ومفهمها إنها حاجة تانية، أو يمكن طمعت فينا لما شافت العز.”
حماتي ضحكت ضحكة صفرا، ولوت بوقها وهي بتقول: “تتستت فين يا عين أمك؟ هي لحقت؟ ده يدوب بقالها كام شهر، وشكلها نسيت هي جاية منين.
جوزي كمل كلامه وقساوته بتزيد مع كل كلمة، وبص لبناته الإخوات وقال لأمه ببرود مميت
“شغليها كويس يا أمي، مترحميهاش. خليها تخدم إخواتي البنات وتاخد بالها منهم. خليهم يدلعوا في بيت أبوهم ويشبعوا راحة، عشان لما يتجوزوا يروحوا بيوتهم هوانم وستات بيوت متشالين على الرأس.”
التفت ليا وبصلي بنظرة كلها احتقار وكمل وهو بيشاور عليا بصباعه:
“إنما دي.. دي من يوم ما اتولدت وهي خدامة في بيت أهلها، ومفيش في دمها غير كده. عرفيها وضعها يا أمي كويس وادبيها، عشان ما تنساش نفسها وتفتكر إنها ممكن تعلى على أسيادها.”
الكلام كان بيتقال وأنا واقفة في مكاني، حاسة إن الأرض بتلف بيا. الحوار مكنش مجرد قسوة، ده كان دبح معنوي مع سبق الإصرار والترصد. بصيت لإخواته البنات اللي كانوا بيتبادلوا الابتسامات والغمزات، وبصيت لحماتي اللي هزت راسها بالموافقة وكأنها استلمت رخصة رسمي لتعذيبي. في اللحظة دي، حسيت إن جدران البيت ده بتطبق على نفسي، وأني بقيت في سجن ملوش أبواب، والكل فيه اتجمع عشان يكسروا كرامتي اللي ملحقتش حتى أفرح بيها
خرج من الشقة ورزع الباب وراه، وساب صدى الرزعة يسمع في ضلوعي قبل الحيطان. اختفى الصوت، لكن النظرات اللي اتصوبت عليا كانت لسه بتنهش فيا.
قامت حماتي من مكانها ببطء، مشيت خطوتين ووقفت قدامي، حطت إيدها في وسطها وبصتلي من فوق لتحت بنظرة خالية من أي رحمة، وقالت بنبرة باردة ومستفزة:
“سمعتي جوزك قال إيه؟ ولا تحبي أعدلك الكلام تاني عشان يثبت في دماغك؟ من النجمة تظهري هنا، الشقة دي تتفض حتة حتة، تسييق وطبيخ وغسيل.. وإخواته البنات تطلبي رضاهم، اللي تشاور على حاجة تتنفذ .
بنتها الكبيرة ساندت ضهرها لورا، وحطت إيدها على بطنها المنفوخة وهي بتبتسم بشماتة وقالت:
“أهو بالمرة تريحينا شوية يا حبيبتي، الحمل تقيل عليا وأنا جاية بيت أبويا عشان أرتاح مش عشان أشيل هم وأظن إنتي عندك خبرة في خدم الصبيان، يعني خدمتنا إحنا البنات هتبقى بالنسبة لك خفيفه .”
النكتة عجبتهم، فضحكوا تلاتتهم بصوت عالي، الضحكة كانت بتدخل ودني زي المسامير. كنت واقفة طالعة من صدمة وداخلة في صدمة تانية، دموعي نشفت ووشي خشب من كتر الذهول. أنا فين؟ والناس دي مين؟ وإزاي جوزي، الإنسان اللي وافقت أربط اسمي باسمه، يبيعني ليهم بالرخص ده ويقدمني قربان لراحتهم لمجرد إني كنت بنت بارة بأهلي؟
حاولت أجمع شتات نفسي، بلعت ريقي اللي كان ناشف زي الحطب، وبصيت لحماتي وقولت بصوت ضعيف لكن حاولت أخليه متماسك:
“أنا دخلت البيت ده بكرامتي، ومقصرتش مع حد فيكم من يوم ما دخلت.. لكن الخدمة بالإجبار والذل ده أنا مش هقبلها. أنا زوجة، مش جارية.”
ملحقتش أكمل الكلمة ولقيت حماتي خطت خطوة سريعة ناحيتي، وعينيها برقت بشر وهي بتزعق في وشي:
“صوتك ما يعلاش يا بت إنتي! كرامة إيه وجارية إيه؟ اللي جوزها يقول عليه يمشى ورجلك فوق رقبتك! روحي شوفي وراكِ إيه في المطبخ بدل الوجاهة الكدابة دي، ويلا من غير مطرود انزلي هاتي طلبات السوق اللي مكتوبة على الثلاجة دي، ورجلك ما تخطيش شقتك فوق إلا لما تخلصي كل اللي وراكِ هنا.”
سابتني ودخلت الأوضة هي وبناتها، وسمعت صوت قفل الباب وراهم، وسابوني واقفة لوحدي في الصالة. كنت حاسة إن الهوا بيتسحب من المكان، وبصيت لكفوف إيدي اللي اتهرت شقى من صغري.. الشقى اللي كنت فاكرة إنه هيبقى شفيع ليا عند ربنا، طلع هو الس*كينة اللي جوزي اختار يدبح*ني بيها.
نزلت السلالم ورجلي مش شايلاني، الدموع اللي حبستها قدامهم انفجرت زي السيل، بتبل وشي وتكوي قلبي. مسكت ورقة الطلبات اللي كانت في إيدي، وكنت ببص للأسماء المكتوبة فيها ومش شايفة الحروف من كتر الضباب اللي في عيني. نزلت الشارع وأنا حاسة إن الناس كلها بتبص عليا، حاسة إن كلمة “خدامة” مكتوبة على جبهتي، وإن السر اللي كنت دايماً شايلاه كنوع من البر بأهلي، بقى هو وصمة العار اللي بتلاحقني.
اشتريت الطلبات وشيلت الشنط التقيلة اللي كانت بتجرح صوابعي، لكن الوجع اللي في إيدي مكنش ييجي حاجة جنب الوجع اللي عاصر قلبي. رجعت البيت، طلعت الشقة تحت، وفتحت الباب بالراحة. أول ما دخلت، لقيت المطبخ يضرب يقلب، المواعين متلتلة، والأكل بتاع امبارح متساب مكشوف، وكأنهم اتعمدوا يسيبوا كل حاجة تضرب تقلب عشان يستعرضوا قوتهم عليا.
وقفت في وسط المطبخ، وبدأت أشتغل.. مش عشان خايفة منهم، لكن لأني كنت محتاجة أطلع طاقة الغضب والغل اللي جوايا في أي حاجة. كنت بغسل المواعين بقسوة، وبمسح الأرض بعنف، وكأني بمسح آثار الإهانة اللي اتعلمت على كرامتي. ساعات مرت وأنا بنضف، بطبخ، وبجهّز لقمة ياكلوها وهم قاعدين جوة بيضحكوا وبيتسامروا، وصوت ضحكاتهم كان بيوصلي عبر المنور زي الجلدات على ضهري.
على المغرب، خرجت حماتي من الأوضة، لقت الشقة بتبرق والأكل ريحته مالية المكان. بصت حواليها بنظرة فحص خبيثة، ومكنتش عايزة تظهر أي رضا، لوت بوقها وقالت:
“أهو كده.. الشغل ده كان المفروض يتعمل من غير ما نمد إيدينا ونرفع صوتنا. حطي الأكل يلا عشان البنات جعانين، وبعد ما يخلصوا، لمي السفرة واغسلي المواعين، وبعدين تطلعي شقتك.. وجوزك لما يرجع، أنا هعرفه إنك سمعتي الكلام، عشان يرضى عنك.”
“يرضى عني؟” الكلمة رنت في عقلي وسخرت منها جوايا. هو في رضا بعد الدبح؟
حطيت الأكل، ووقفت بعيد وهم بياكلوا ويمدحوا في النفَس والطبخ، وبنتها الحامل تبصلي وتقول: “تسلم إيدك يا محترمة، بكره بقى نفسي في محشي ورق عنب، تصحي بدري تعمليه عشان ألحق آكل منه قبل ما أنزل.”
هزيت راسي من غير ولا كلمة. مكنش عندي طاقة للكلام، طاقتي كلها كانت متوجهة لحاجة واحدة بس: **التفكير في الخطوة الجاية.**
أول ما خلصت كل حاجة، ولميت آخر معلقة، استأذنت وطلعت شقتي فوق. قفلت الباب عليا بالمفتاح، ودخلت البيت اللي كان المفروض يكون مملكتي وأماني. قعدت على الأرض ورا الباب وانفجرت في عياط مكتوم عشان الجيران ميعرفوش. بصيت لشقتي، لعفشي، للحلم الصغير اللي بنيته، واكتشفت إنه كان مجرد فخ.
الساعة جت حداشر بالليل، وسمعت صوت مفتاح جوزي في الباب. قلبي اتنفض، بس المرة دي مكنش خوف.. كان قرف. دخل الشقة، ورش مفاتيحه على الترابيزة ببرود، وبصلي وأنا قاعدة على الكنبة، وعيونه فيها نظرة انتصار وتحدي.
مشى ناحيتي ببطء، وحط إيده في جيبه وقال بنبرة هادية ومستفزة:
“أمي كلمتني.. وقالت لي إنك شطورة وسمعتي الكلام، وإن الشقة تحت بقت زي الفل. شفتي بقى؟ شفتي إن العين الحمرا هي اللي بتجيب نتيجة؟ أهو كده تمشي عجين تلخبطيش، وتعرفي إن مالكيش هنا غير طاعتي وطاعة أهلي.”
قمت وقفت، وبصيت في عينه مباشرة. النظرة المكسورة اللي شافها الصبح مكنتش موجودة، ملامحي كانت جامدة زي الحجر. بلعت ريقي وقولتله بصوت قاطع وثابت هز ثقته في نفسه لثواني:
“أنا عملت كده عشان أثبت لنفسي ولربنا إني مأقصرتش في حق حد، وإني بنت أصول لآخر لحظة.. مش عشان خايفة منك ولا من أمك.”
برق عينه وخطى خطوة لِقدام وهو بيجز على سنانه: “أنتِ لسه فيكِ حيل تتكلمي؟ لسه لسانك طولان؟”
رديت عليه بابتسامة وجع وثقة: “لساني مش هيطول، لأن الكلام معاك خسارة. أنت دبحتني الصبح يا ابن الناس، ودبحت معاك أي مشاعر كانت ليك في قلبي. أنت متجوزتنيش عشان بتحبني ولا عشان تبني بيت، أنت اتجوزتني عشان تشتري جارية ببلاش توفر بيها تمن الشغالة لأهلك.. بس فاتك حاجة مهمة قوي.”
قرب مني أكتر وعروق رقبته بارزة من العصبية: “فاتني إيه يا ست هانم؟”
شاورمت على نفسي وقولت بقوة: “فاتك إن اللي كانت بتخدم في بيت أهلها، كانت بتخدم بـ حُب، ولأنهم دمها ولحمها، ومكنش فرض ولا ذل. لكن هنا؟ أنا مفيش حاجة تربطني بيكم غير ورقة.. والورقة دي زي ما اتكتبت، تقدر تتمسح.”
ملحقتش أكمل جملتي، ولقيت كف إيده ينزل على وشي بكل قوته.. الصدمة كانت قوية، لدرجة إني وقعت على الكنبة، ووشي سخن وبدأ ينمّل. بصيت له وأنا حاطة إيدي على خدي، ومكنش في عيني دموع.. كان فيه بركان.
وقف فوق راسي وهو بيلهث من الغضب وزعق: “أنتِ بتهدديني بالطلاق يا بت؟ أنتِ فاكرة نفسك مين؟ ده أنتِ لو خرجتي من هنا مش هتلاقي حتة تلمك، وأهلك اللي كنتِ بتخدميهم مش هيستحملوا قعدتك عندهم شهر على بعضه! أنتِ مالكيش غير البيت ده، ورجلك فوق رقبتك هتخدمي فيه!”
قمت ببطء، ومسحت نقطة دم صغيرة نزلت من شفتي. بصيت له بنظرة خلت جسمه يقشعر، وقولتله بمنتهى الهدوء اللي بيسبق العاصفة:
“تمام.. اللي تشوفه يا ابن الأصول.”
سيبته ودخلت أوضتي، وقفت ورا الباب وأنا باخد نفسي بصعوبة. الكلام اللي قاله عن أهلي وجعني، لأنه للأسف كان فيه جزء من الحقيقة.. أهلي طيبين بس مش هيتحملوا مشاكلي، وإخواتي الصبيان كل واحد يشوف حياته. لكن في اللحظة دي، اتولدت جوايا قوة تانية خالص.. قوة الست اللي ملهاش ضهر غير نفسها، وعرفت إن طوق النجاة مش هييجي من جوازة، طوق النجاة أنا اللي لازم أصنعه بإيدي.
قعدت على السرير، وفتحت دولابي، وطلعت شنطة صغيرة.. وبدأت أخبي فيها أوراقي الرسمية (بطاقتي، قسيمة الجواز، وشهادة ميلادي) وشوية فلوس كنت محوشاهم من مصروفي وشيلتهم للزمن.
الزمن جه.. والوقت جه.
نمت ليلتها وأنا صاحية، وعقلي شغال زي الآلة. الصبح طلع، وسامعة حركته في الشقة وهو بيستعد للنزول للشغل. خرج ورزع الباب وراه بنفس الطريقة.
قمت فوراً، غسلت وشي، وبصيت في المراية للعلامة الزرقا اللي على خدي.. قولت لنفسي: “دي آخر إهانة هقبلها في حياتي.”
لبست هدومي، وأخدت الشنطة الصغيرة اللي فيها أوراقي، ونزلت السلم بسرعة قبل ما حد من تحت يحس بيا. نزلت الشارع، ومستنتش، ركبت أول عربية رايحة لمحطة القطار.. مكنتش رايحة لبيت أهلي عشان أشتكي، أنا كنت رايحة لـ “عمتي”.. الست الوحيدة اللي كانت دايماً بتقولي: “يا بنتي أنتِ خسارة في الشقى ده كله، واليوم اللي تقعي فيه، بيباني مفتوحالك.”
وأنا في القطر، والبيوت والغيطان بتجري من قدام عيني، حسيت لأول مرة من شهور إني بتنفس هوا نضيف. حسيت إن القيود بتتفك.. وبدأت أرسم خطة حياتي الجديدة؛ مش هكون خدامة لحد، الشغل الشقي اللي كنت بعمله ببلاش وبالمذلة، هعمله بكرامة ولنفسي.. وهخليهم يعرفوا مين هي البنت اللي استضعفوها.
اخواتى الصبيان
امانى سيد
وصلت لبيت عمتي في أطراف المحافظة المجاورة، وأول ما شافتني بشنطتي والعلامة الزرقا اللي لسه معلمة على خدي، مألتش “إيه اللي جابك؟” ولا سألت عن السبب. فتحت لي حضنها وطبطبت على ضهري وقالت جملة واحدة دست في قلبي الدفى: “نورتي بيتك يا بنتي، والحمد لله إنك فقتي لنفسك.”
في بيت عمتي، قضيت أول يومين وأنا نايمة.. كنت بنام بالساعات وكأني بهرب من كابوس، أو كأن جسمي المهدود من الشقى والضرب كان بيسترد عافيته. تليفوني مكنش بيبطل رن؛ جوزي، حماتي، وأخواته البنات، وحتى أبويا وإخواتي الصبيان. قفلت التليفون خالص، مكنتش عايزة أسمع لوم من أهلي، ولا تهديد من جوزي. كنت محتاجة أصفّي ذهني عشان الخطوة الجاية مفيهاش مجال للغلط.
بعد يومين، فتحت التليفون وكلمت أبويا. طمنته عليا وقولتله إني عند عمتي. طبعاً، مكالمة أبويا كانت مليانة عتاب وخوف من كلام الناس: “يا بنتي ارجعي لبيتك، الست ملهاش إلا بيت جوزها، وإخواتك الصبيان مش هيبقوا فاضيين لكِ، والبيوت ليها أسرار.
رديت عليه بدموع حامية بس بصوت ناشف: “يا بابا، أنا كنت في سجن مش في بيت جوزي، واللي مد إيده عليا وباعني لأهله يذلوني، مش هرجع له لو انطبقت السما على الأرض. أنا مش حمل خدمة وإهانة تاني، وأنا مش راجعة أقعد عندكم عشان أشيل همكم، أنا هعتمد على نفسي.”
قفلت مع أبويا، وبصيت لعمتي وقولتلها: “أنا عايزة أشتغل يا عمتي، الشغل اللي كنت بعمله هناك بالذل، عايزة أعمله بكرامتي وأكل منه عيش.”
عمتي ابتسمت وقالت لي: “ونعم العقل يا بنتي. هنا في المنطقة، فيه كذا مصنع ومطعم كبير محتاجين ستات أصول يشرفوا على نظافة وتجهيز الوجبات، وفيه كمان حضانات ومدارس محتاجين حد يدير شؤون التغذية والنظافة فيها. أنتِ شاطرة ونفسك في الأكل ملوش مثيل، ونظافتك الكل بيحلف بيها.”
بالفعل، وبمساعدة عمتي، قدرت أقدم في مطبخ مركز تعليمي كبير ومدرسة خاصة في المنطقة، كانوا محتاجين مشرفة على البوفيه وتجهيز وجبات الأطفال والأعضاء. من أول أسبوع، أثبت نفسي؛ نظامي، نظافتي، وأمانتي خلوا صاحب المكان يتمسك بيا، وبقى ليا مرتب ثابت، والأهم من المرتب.. بقى ليا كيان واحترام. لأول مرة كنت بشتغل وأسمع كلمة “تسلم إيدك يا ست الكل” بتقدير، مش بشماتة وسخرية.
مر شهرين، وحياتي بدأت تستقر، وبدأت ملامح وشي ترجع لجمالها وصحتها بعد ما ارتحت نفسياً. في يوم، وأنا راجعة من الشغل، لقيت جوزي واقف قدام بيت عمتي.
كان باين عليه البهدلة، قميصه مش مكوي، ووشه شايل هم. أول ما شافني، ملامح الانتصار القديمة مكنتش موجودة، حل محلها ذهول وهو شايفني لابسة ونضيفة وواقفة على رجلي.
قرب مني خطوتين وقال بنبرة حاول يخليها قوية بس خانته: “بقى بقالك شهرين هربانة ومستخبية هنا؟ وأهلك قالبين الدنيا عليكِ؟ والهانم بتشتغل؟ أنتِ فاكرة نفسك إيه؟”
وقفت مكاني، حطيت شنطتي في إيدي، وبصيت له ببرود تام وقولت: “فاكرة نفسي إنسانة، والحمد لله بقيت إنسانة فعلاً بعد ما سبت زريبتكم.”
جز على سنانه وقال: “أمي تعبانة، وإخواتي البنات مش ملاحقين على شغل الشقة، والبيت يضرب يقلب من يوم ما مشيتي. البيت واقف يا هانم، وأنا جيت عشان ألمك وأرجعك، كفاية لحد كده دلع وفضايح وسط الناس.”
ضحكت بصوت عالي، ضحكة هزت ثقته في نفسه تماماً، وقولتله: “يعني أنت مش جاي عشان وحشتك؟ ولا عشان ندمان إنك مديت إيدك عليا ودبحت كرامتي؟ أنت جاي عشان الشقة متبهدلة وأمك وإخواتك الهوانم مش عارفين يخدموا نفسهم؟ جاي تدور على الشغالة اللي ببلش اللي مشيت وسابتكم؟”
زعق وقال: “لمي لسانك واركبي معايا يلا، كفاية قلة قيمة!”
في اللحظة دي، خرجت عمتي من البيت ومعاها اتنين من رجالة المنطقة اللي بيحترموها، ووقفو جنبنا. بصيت له وقولت بصوت سمعه الشارع كله:
“قسماً بالله، لو خطوت خطوة تانية ناحيتي لأكون لامة عليك الشارع كله وعملالك محضر عدم تعرض. أنت مالكش حاجة عندي. قسيمة جوازي معايا، والمحامي بتاعي رفع عليك قضية خلع والورقة اللي جمعتنا، أنا دوست عليها برجلي يوم ما حدفتني في صالة أمك.”
اتغير لونه وبص للرجالة اللي واقفين وعيونهم كلها شرر، وعرف إن ملوش مكان هنا، وإن البنت الضعيفة المكسورة اللي كان بيجرها من إيدها على السلم ماتت، والواقفة قدامه دي ست تانية خالص، ست صنعتها قسوته وقلة أصله.
تراجع لورا وهو بيهدد ويزعق: “ماشي.. هسيبك تصدي هنا، ومش هطلقك وهعلقك!”
رديت عليه ببرود وثقة: “القانون بياخد حقي، والمحاكم موجودة، وأنا مش مستعجلة.. أنا في مكان أحسن بكتير من جحيمكم.”
ركب عربيتة ومشي وهو بيجر أذيال الخيبة. بصيت وراه وحسيت بانتصار ملوش مثيل. رجعت شقة عمتي، قعدت على الكنبة وأخدت نفسي طويل.. حسيت إن الوجع اللي عشته في بيت أهلي وفي بيت عيله جوزي كان هو الضريبة اللي دفعتها عشان أعرف قيمتي.
الشغل الشقي اللي كنت بعمله زمان عشان أرضي الناس ومحدش رضي، بقيت بعمله دلوقتي بكرامتي ورفعت بيه راسي. عرفت إن “الخدمة” مش عيب، العيب هو إنك تقبل تخدم اللي مبيقدروش، وإن الست الطيبة مش معنتها إنها ست هبلة ومكسورة الجناح.. الست الطيبة لما بتتقلب وتتكسر كرامتها، بتقوم زي الإعصار، ومبتسيبش وراها غير رماد الناس اللي ظلموها.
دخلت ورا عمتي الشقة وأنا حاسة إن جبل انزاح من على صدري. قعدت على الكنبة وعمتي دخلت جابت لي كوباية ميه وسندت إيدها على كتفي وقالت لي وعيونها مليانة فخر: “جدعة يا أماني، رفعتِ راسي وعرفتيه إن بنات الأصول مابينكسروش. بس الحدوتة دي لازم تتقفل صح، وأهلك لازم يعرفوا كل حاجة.”
قلبي انقبض وقولت لها بخوف: “لا يا عمتي، أرجوكِ بلاش.. أنا مكلمتش بابا وإخواتي بكل التفاصيل عشان كنت خايفة. خايفة يلوموني، أو يقولوا لي معلش واصبري ويرجعوني ليه تاني تحت شعار ‘مفيش ست بتسيب بيت جوزها’. أنا صدقت وقفت على رجلي.”
عمتي لوت بوقها وقالت بحدة: “يرجعوكِ لمين؟ ده بعدهم! إخواتك وأبوكِ رجالة وطيبين، بس هما مكانوش شايفين الصورة كاملة، وكانوا فاكرينها خناقة عادية زي اللي بتحصل في أي بيت. لكن لما يعرفوا إنها وصلت لمد الإيد، وإنه حدفك لأمه وأخواته عشان يذلوكي ويشغلوكي سخرة؟ لأ.. إخواتك صعايدة ودمهم حامي وميرضوش بالعار ده. سيبيني أنا أتصرف.”
مسكت عمتي التليفون وطلبت أخويا الكبير. أول ما فتح الخط، بدأت تحكي له، بس المرة دي حكت له بالتفصيل الممل.. حكت له عن يوم السلم، وعن جملة “أنا متجوزك عشان كنتِ خدامة لإخواتك”، وعن القلم اللي نزل على وشي وعلم في كرامتي قبل لحمي، وعن حماتي وبناتها اللي كانوا بيشاوروا عليا بالشماتة.
وأنا قاعدة، كنت سامعة صوت أخويا من سماعة التليفون وهو بيغلي، صوته كان طالع زي الرعد: “عمل إيه يا عمتي؟! مد إيده عليها؟ وقال عليها خدامة؟! وحياة أمه وأبوه لندمه على اليوم اللي فكر يرفع عينه في بنت السيد!”
يقين أخويا وكلامه خلوا دموعي تنزل، بس المرة دي كانت دموع ارتياح.. عرفت إن ظني في إخواتي كان غلط، وإن الشقى اللي شقيته معاهم زمان مكنش رخيص عندهم، هما بس مكانوش فاهمين حجم الج*ريمة اللي حصلت في حقي.
تاني يوم العصر، الدنيا اتقلبت. اتفاجئت بـ عربية نص نقل داخلة الشارع وفيها أبويا وإخواتي التلاتة، ومعاهم أومي. نزلت جري أستقبلهم. أمي أول ما شافتني، خدتني في حضنها وقعدت تعيط وهي بتبص على وشي وكأنها بتدور على أثر القلم اللي انضربت بيه، وقالت بصوت مخنوق بالغل: “بنتي أنا يتقال عليها خدامة؟ بنتي اللي شالتني وشالت إخواتها في عينيها يتهان أصلها؟ والله ما هسيبهم!”
إخواتي التلاتة مكنوش قادرين يقعدوا. الكبير بص لأبويا وقال: “يا بابا، أنت خليك هنا مع عمتي وأماني، وإحنا رايحين مشوار صغير مش هنغيب فيه.. رايحين نرد الهدايا لأصحابها.”
أبويا هز راسه بالموافقة وعيونه مليانة غضب مكتوم وقال: “روحوا يا ولاد.. وعلموهم إزاي يحترموا بنات الناس.”
أمي وقفت وقالت بعزم ما فيها: “أنا جاية معاكم! الحيزبونة أم جوزها دي لازم تعرف إن الله حق، ومينفعش رجالة تدخل لستات.. أنا اللي هربيها هي وبناتها.”
وفعلاً، ركبوا العربية وطاروا على المحافظة التانية، على بيت العيلة اللي عشت فيه أسود أيام حياتي.
المشهد هناك كان تاريخي.. إخواتي وصلوا ولقوا جوزي نازل من على القهوة اللي جنب البيت. أول ما شافهم، افتكرهم جايين يصالحوا أو يتفاوضوا، فرفع راسه بنفخة كدابة وقال: “أهلاً يا جماعة، جايين تتكلموا؟”
ملحقش يكمل الجملة، وكان بوكس من أخويا الكبير منزله الأرض. إخواتي التلاتة نزلو فيه ضرب و”علقة موت” شفت غليلي وغليل كل يوم نمته دموعي على المخدة. اتلم الشارع كله على صراخه، وإخواتي كانوا بيزعقوا بعلو صوتهم قدام الجيران: “ده عشان تفكر تمد إيدك على أسيادك يا قليل الأصل! ده عشان تعرف إن البنت ليها ضهر ورجالة يهدوا بلد عشانها!” محدش من الجيران رضي يخلصه من إيديهم لما عرفوا إنه ضربني وأهانني، وسابوه يتلقى تمن قلة أصله وهو ينزف في الأرض وسط نظرات الاحتقار من أهل منطقته.
في نفس اللحظة، كانت أمي طالعة السلم زي الإعصار. رزعت باب شقة حماتي برجلها ودخلت. حماتي وبناتها المتجوزين اتخضوا وقاموا وقفوا. أمي مقالتش سلام عليكم، مسكت حماتي من شعرها ولقنتها درس عمرها ما هتنساه، وبناتها لما حاولوا يتدخلوا، نالتهم مناب من الضرب والتهزيق. أمي كانت بتزعق في وسط الشقة: “بنتي ست البنات، وجاية من بيت كرم وعز، واللي تشغل بنتي سخرة أقطع لها إيدها! إنتو شوية لقطاء وعايزين ست تخدمكم؟ وروني بقى شطارتكم ورجولتكم دلوقتي!”
البيت كله اتقلب، وحماتي وبناتها قعدوا يصرخوا ويستغيثوا بالجيران، بس الجيران كانوا ملخومين في جوزي اللي كان بيتضرب تحت.
بعد ساعة، رجعت العربية ولقيت إخواتي وأمي داخلين بيضحكوا ونفسهم طويل، وكأنهم راجعين من معركة نصر. أخويا الصغير قرب مني وباس دماغي وقال: “حقك رجع يا أماني، ومن هنا ورايح، راسك تفضل في السما. قضية الخلع هتخلص، وحاجتك وعفشك كله هييجي لحد عندك هنا بالجزام، وهو مش هيقدر ينطق بحرف.”
أمي قعدت جنبي وأخدتني في حضنها وقالت: “سامحينا يا بنتي لو كنا بنسيبك تشيلي الشغل زمان، إحنا كنا بنربيكِ على الأصول والجدعنة، مكنّاش نعرف إن فيه أندال هيفتكروا الأصول دي ضعف. إنتِ ست الهوانم في بيتنا وفي أي مكان تروحيه.”
في اللحظة دي، حسيت إن روحي ردت فيا من تاني. الوجع والخوف اتبخروا، وعرفت إن الأيام اللي جاية هتبقى بتاعتي وبس.. بكرامتي، وبضهري اللي اتشد بإخواتي وأهلي، وبشغلي اللي هيخليني ملكة نفسي ومحتاجة لحد.


تعليقات
إرسال تعليق