حكايات زهره كامله
حكايات زهره
كامله
بعد ما عيني طلعت علشان اتقبل في الوظيفه اللي بحلم بيها ، عمتي جات لابويا وقالتله بنتك مش هتشتغل والناس يتكلمو عليك انك مشغلها مع الشباب علشان تعيش على قفاها، البت مكانها بيت جوزها وعريس بنتك عندي ، وسكوت ابويا وقتها كان اصعب من كلامها بمراحل !!
كانت رجليا مش شيلاني وأنا واقفة ورا الباب، ضهرى ساند على الحيطة الساقعة ونفسي مكتوم جوة صدري. الصوت اللي جاي من الصالة كان كفيل يوقف دمي في عروقي. صوت عمتي عليه… الكبيرة، اللي أبويا بيعملها ألف حساب، اللي كلمتها سيف على رقاب العيلة كلها.
أنا لسه من كام ساعة بس كنت طايرة في السما، حاسة إن الدنيا أخيرًا ضحكت لي. بعد سهر الليالي، بعد مذاكرة وتعب وشهور وسنين من الحرمان، بعد ما عيني طلعت وقدمت في الوظيفه اللي بحلم بيها مرة واتنين وتلاتة ويترفض طلبي، أخيرًا الإيميل جه… أخيرًا اتقبلت! كنت شايفة تعبي كله بيترد لي في لحظة، ومكنتش مصدقة إني هبدأ أثبت نفسي وأحقق الكيان اللي حلمت بيه.
بس الفرحة عندنا ملهاش مكان، وعمتي عليه مابتسيبش حد يفرح. أول ما وصلها الخبر، جات لبيتنا زي القضا المستعجل، وشها عليه غضب ربنا، دخلت رقعت الباب وراها وزعاقها جاب لآخر الشارع.
وقفت ورا الباب وأنا هيموتني الخوف والزعل، دموعي كانت بتنزل في سكات وأنا سامعاها بتقول لأبويا بنبرة كلها غل وتحكم: “من امتى بنات عيلتنا بيشتغلوا يا عبد الرحمن؟ ولا إنت خلاص مبقاش يهمك كلام الناس وعايزهم يتكلموا عليك ويقولوا ساب بنته تخرج وتدخل وتصغر راسه وسط الخلق؟”
سمعت صوت أبويا الهادي، الصوت اللي دايماً بيحاول يمتص غضبها، وهو بيحاول يناقشها بالراحة ويقولها: “وفيها ايه يا عليه يا اختي؟ البنت تعبت ودرست، وده مكان محترم وشركة كبيرة مش بتقبل أي حد، دي وظيفه أحلامها اللي بقالها سنين بتسعى ليها، سيبك من كلام الناس.”
لكن عمتي مسمعتهوش حتى، وصرخت فيه بغضب أعمى: “مكان محترم إيه وبتاع إيه! شغل يعني مرواح وقعاد مع شباب في مكاتب، تتكلم مع ده وتضحك مع ده، وتخرج مع ده في مواصلات! وبكرة يا تجيب لك فضيحة وتوطي راسنا في الطين، يا إما الناس هتقول عبد الرحمن قاعد ومشغل بنته مع الشباب علشان يعيش على قفاها وتصرف عليه!”
الكلام كان زي السكاكين بتقطع في قلبي. أنا؟ أنا اللي كنت بنام على كتبي من التعب والناس كلها تحلف بأدبي؟ يتقال عليا كده لمجرد إني عايزة اشتغل بلقمتي وأبني مستقبلي؟
أبويا حاول يتكلم تاني، حسيت بنبرة العجز في صوته وهو بيقول: “بس يا عليه البنت…”
قاطعته بحزم وصرامة ترعش: “اسمع يا عبد الرحمن، الكلمة كلمتي والشوره شورتي. مكان البت بيت جوزها، والست ملهاش غير سترتها. وعريس بنتك عندي وجاهز… ابني عادل عايزها، وهي أولى بيه ومش عايزه اشوف وشها في الشارع تاني.”
هنا رجليا مقدرتش تشيلني، وشهقت بصدمة هزت كياني كله. عادل؟! عادل ابنها؟ عادل اللي سلوكه زي الزفت، اللي البلد كلها عارفة إنه بيشم وصايع وبتاع مشاكل، اللي لحد دلوقتي معرفش يسلك في شغلانة ولا عارف يمسك قرش حلال، ودايماً ماشي ورا خناقاته ومصايبه؟ عايزيني أنا، بعد كل طموحي وتفوقي، أترمي الرمية دي؟
مقدرتش أتحكم في نفسي، الدم غلي في عروقي، فتحت الباب وخرجت وأنا منهارة، الدموع مغرقة وشي بس عينيا فيها شرار، وصرخت فيها: “أنتي بتقولي ايه يا عمتي؟! عادل مين ده اللي اتجوزه؟ عادل الشمام الصايع اللي لحد دلوقتي معرفش يسلك في شغلانة؟! أنا أضيع مستقبلي وتعب سنيني علشان ده؟ أنا مش هسيب الوظيفه دي لو حصل إيه، دي حياتي وأنا حرة فيها!”
عمتي عينيها طلعت لبرة ووشها احمر من كتر الغيظ، واتجننت أكتر وبصت لأبويا وهي بتشاور عليا بصابعها : “عاجبك؟ عاجبك اهيه؟ قبل ما تشتغل وتشم نفسها شافت نفسها وطولت لسانها على كبارها وقلت أدبها! بتك دي لو مقبلتش بولدي اللي هيسترها وصغرت راسنا، وراحت اشتغلت وكسرت كلامي، مش هدخلك بيت، وهلف البلد كلها من أولها لآخرها وأقول إني معرفكش ولا أنت أخويا ولا أعرف عنك حاجة… إحنا عيلتنا منقصاش فضايح وانا مش عايزه ازعلك يا عبد الرحمن وانت عارفني!”
قالت كلماتها دي وخرجت ورزعت الباب وراها بقوة ، وسابت وراها طاقة من الخراب والدمار في الصالة.
أبويا قعد على الكرسي، وحط راسه بين إيديه، واتنهد بحزن وحيرة وكسرة عمري ما شفتها في عينه قبل كده. أنا جريت عليه، قعدت تحت رجليه ومسكت إيده وأنا ببكي برجاء وبترجاه: “متسمعش كلامها يابا.. بالله عليك ما توافق. أنا تعبت اوي عشان اوصل للشغله دي، سهرت الليالي وطلعت عيني علشان أرفع راسك وتفتخر بيا. اكيد مش هترميني لواحد زي عادل يضيعني ويضيع عمري معاه.. قولي إنك مش هتسمح لها تعمل كدا بالله عليك !”
أبويا رفع راسه وبص في عينيا، وشفت في عينيه دموع محبوسة وكسرة هدت كل قوتي. اتنهد تنهيدة طويلة وموجوعة، وقال بنبرة واطية ومبحوحة: “سامحيني يا بنتي… سامحيني يا بتي.. أنا مضطر.. أنتي متعرفيش حاجه.”
الدنيا لفت بيا، وحسيت إن الأرض بتهتز تحت رجليا. صدمتي كانت أكبر من إني أستوعبها. أبويا؟ أبويا السند اللي كنت مستنية يحميني ويقف في وش الكل عشاني، بيقولي مضطر؟
بصيت له بذهول ودموعي وقفت من كتر الصدمة، وسألته بصوت مرعوب ومش مصدق: “مضطر؟! مضطر ازاي يابا؟ أنت بتقول إيه؟ إيه اللي يخليك تضحي بيا وتهد كل أحلامي وتكسرني الكسرة دي لعمتي ولابنها؟”
أبويا بلع ريقه بصعوبةواللي قاله في اللحظة دي كان صدمة عمري كله وحطم كل أحلامي في ثانيه !!!!!
أبويا بلع ريقه بصعوبة، ونزل عينيه في الأرض عشان ميهربش من نظرة الانكسار اللي في عيني، وبصوت مخنوق ويدوب طالع قال: “عمتك ماسكة عليا ورق يا بنتي… واصلات أمانة وشيكات من وقت ما كنت بجهز أختك الكبيرة وعملت عمليتي. كانت بتقولي اعتبرهم قرشين من أختك، وتاريها كانت بتأمن نفسها عشان اليوم ده. قالتها لي في الوش قبل ما تدخلي الصالة.. لو البنت مجمعتش حاجتها ووافقت على عادل، الصبح الشيكات دي هتكون في النيابة، وأبوكي هيقضي الباقي من عمره ورا القضبان.”
الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة، حسيت إن الأكسجين اتقطع عن الأوضة كلها. بصيت لأبويا وأنا مش قادرة أصدق إن الراجل الطيب الشهم ده، اللي عاش طول عمره راسه مرفوعة، يتداس عليه بالشكل ده ومن مين؟ من أخته!
مسكت إيديه وأنا بنفض وبقوله: “سجن إيه يابا؟ دي أختك! لحمك ودمك! تعمل فيك كده عشان تجبرني على ابنها الضايع؟”
أبويا دموعه نزلت وشد إيدي وطبع عليها بوسة وهو بيترجاني: “عمتك قاسية يا بنتي، طول عمرها بتغير من تفوقك وعايزة تكسر عيني بيكي. عادل ابنها ضاع، وهي عارفة إنك الوحيدة اللي ممكن تلميه وتعملي له قيمة، أو بمعنى أصح، عايزة تاخدك لحم وترميكي عضم عشان تذلني. أنا مش خايف على نفسي من السجن، أنا خايف على سيرتكم وسيرتي وسط الناس، خايف أموت حسرة جوة زنزانة وأسيبكم للدنيا تلطش فيكم.”
قمت وقفت على رجليا وأنا حاسة إن الدنيا بتلف بيا. الحلم المحقق، الوظيفة اللي سهرت عشانها ليالي، الإيميل اللي نور شاشة تليفوني وبسببه حسيت إني ملكت الدنيا… كل ده اتبخر في ثانية قصاد وصلات أمانة وتهديد بالحبس لأبويا.
دخلت أوضتي ورزعت الباب، اترميت على السرير وفضلت أعيط بحرقة، عياط مكتوم عشان أبويا ميسهعنيش ويزيد ذله. فتحت الموبايل، وبصيت على رسالة القبول في الشركة، الكلمات كانت بتلمع في الضلمة زي السكاكين. “يسعدنا قبولك معنا في فريق العمل…”، ياه على الوجع! أحلامي بتبكي معايا.
مرت الليلة دي وكأنها سنة، مشفتش فيها النوم. وتاني يوم الصبح، صحيت على صوت حركة غريبة في الصالة. قمت وفتحت الباب براحة، لقيت عمتي عليه قاعدة على الكنبة الكبيرة وحاطة رجل على رجل، وجنبها ابنها عادل اللي كان لابس قميص مشجر وبنطلون جينز مقطع، وشكله باين عليه التعب والضياع، وعينيه دبلانة وبتلف في الأوضة بجشع.
عمتي بصت لأبويا وقالت بنبرة نصر: “ها يا عبد الرحمن؟ فكرت وقولت للبت؟ أنا جبت عادل وجينا نقرأ الفاتحة ونخلص، والوظيفة المحروقة دي كلمت صاحب الشركة وقولتله البت اتخطبت وقعدت في البيت، عشان تقطع عرق وتسيح دمه!”
لما سمعت جملتها دي، حسيت إن روحي بتتسحب مني. كلمت الشركة؟! ضيعت فرصة عمري بجرة لسان؟
خرجت الصالة وعينيا حمرا من قلة النوم والغل، وبصيت لعمتي ولقيت عادل بيتبسم لي ابتسامة صفرا مفيهاش أي ريحة رجولة، وقال بصوت مسرسع: “منورة يا عروسة، خلاص بقا مفيش خروج، أنا راجل حمش ومبحبش مراتي تتفحص وتتمحص من الغرب.”
كنت هصرخ في وشه وأقوله يا شمام يا صايع، بس نظرة أبويا ليا… نظرة الرجاء والضعف والكسرة اللي في عينيه، لجمت لساني. أبويا كان باصص للأرض وكاتم دمعته.
عمتي طلعت من شنطتها ورقة، وقالت لأبويا بلؤم: “ادي شيك من الشيكات أهو يا عبد الرحمن، هدية قراية الفاتحة. وباقي الورق يوم كتب الكتاب. ها… قولت إيه؟ نقرأ الفاتحة ونخلص ونداري على شمعتنا؟”
وقفت في نص الصالة، مابين حلمي اللي بيدوسوا عليه بالجزام، ومابين أبويا اللي حياته وسيرته مهددين بالضياع. عادل مد إيده عشان يمسك كتاب القرآن اللي على الترابيزة وبدأ يقرأ، وأبويا رفع إيديه وهو بيترعش.
بصيت لأبويا ودمعة سخنة نزلت على خدي، وخدت قرار غير كل حساباتهم…
حكايات زهره ٢
كامله
أبويا بص للورقة وللمفتاح بقلق، وبلع ريقه وهو بيسأل بصوت مرعش: “شرط إيه يا عادل يا ابني؟ ما إحنا خلاص اتفقنا والبت هتقعد من الشغل وأمك هتقفل السيرة دي.”
عادل ضحك ضحكة صفرا سمجة، وسند ضهره لورا وهو بيبص لي بنظرة كلها تحدي وشماتة وقال: “المفتاح ده مفتاح شقتي، والورقة دي تنازل من بنتك عن أي حقوق ليها، مؤخر بقى وقايمة وكل الكلام ده… أنا مش هكتب قايمة بنكلة، وأمك عارفة البير وغطاه. والشرط التاني بقا… إنها هتروح الشركة اللي اتقبلت فيها دي بكرة الصبح.”
أنا وأبويا بصينا لبعض بصدمة، وعمتي عليه لمعت عينيها بنظرة لؤم وقالت: “تروح الشركة تعمل إيه يا عادل؟ مش إحنا قُلنا مفيش زفت شغل؟”
عادل عدل قعدته وبص لأبويا وقال: “تروح عشان تمضي عقد الشغل! أنا سألت وعرفت إن المرتب اللي معروض عليها مرتب محترم وفيها دولارات كمان. هي هتمضي العقد وتشتغل، بس الفيزا اللي هينزل عليها المرتب هتكون معايا أنا، وكل قرش يدخل حسابها أنا اللي هسحبه وأتصرف فيه. مش هسيب المبلغ ده يضيع من تحت إيدينا عشان شوية كلام ناس، وفي نفس الوقت… أهو أبقى ضمنت إنها تحت طوعي، والقرشين دول هيظبطوا لي دنيتي ويخلوني أفتح المشروع اللي نفسي فيه.”
الكلام نزل عليا زي المية المغلية. عادل مش بس عايز يكسرني وينهي طموحي، ده عايز يستعبدني! عايزني اشتغل وأتعب وأسهر، وهو يقبض التمن ويصرفه على صياعته ومشاكله، وياخد تعبي البارد مستغل نقطة ضعف أبويا.
بصيت لعمتي عشان أشوف رد فعلها، لقيتها ابتسمت وقالت براحة: “والله فكرة برضه يا واد يا عادل، أهو منها برضه متقعدش في البيت تندب حظها، ومنها تعينك على مصاريف الزمن… قولت إيه يا عبد الرحمن؟”
أبويا كان وشه جايب ألوان، باصص للأرض ودموعه نزلت في صمت. كان حاسس إنه بيع بيع كامل، مش بس بيتنا، ده بيبيع بنته ولحمه ودمه لواحد مش هيصونها وهيستغلها لآخر قطرة في دمها.
أنا ملقيتش نفسي غير وأنا بتقدم خطوتين وبقف قدام عادل بكل غل وقهر، وصرخت فيه: “أنت بني آدم معندكش ريحة الدم! عايزني اشتغل عشان تصرف أنت وتصيع بفلوسي؟ وكمان مش عايز تكتب قايمة وعايزني أتنازل عن حقوقي؟ الموت أهون لي من إني أوافق على المهزلة دي!”
عادل وشه اتغير وعينيه اسودت من الغضب، وقف وضرب بإيده على الترابيزة بكل قوته لحد ما الشربات اتهز، وبص لأبويا وزعق: “لم بنتك يا خالي بدل ما أقسم بالله ألم عليها أمة لا إله إلا الله برة! كلمة تانية وهتلاقوا نفسكم في الشارع وهخلي أمي ترفع قض..ية الطرد ودلوقتي حالا!”
عمتي وقفت ورا ابنها وسندته وقالت بجبروت: “أنا ماشية يا عبد الرحمن، ومعاك لحد بكرة الصبح… يا إما بنتك تمضي على التنازل وتاخد المفتاح وتروح شغلها ورجلها فوق رقبتها والفيزا في إيد عادل، يا إما بكرة المأذون اللي هييجي هيكون معاه المحضر اللي هيطردكم من بيتي. فكروا كويس.”
خرجا هما الاتنين ورزعوا الباب وراهم، وسبونا في دوامة تانية ألعن من الأولى.
أبويا انهار تماماً وقعد على الأرض يبكي زي الأطفال، وأنا وقفت في نص الصالة مشلولة مش عارفة أعمل إيه. عقلي كان بيلف… الوظيفة اللي حلمت بيها هبقى فيها مجرد آلة بتجيب فلوس لعادل الشمام، وأبويا هيموت من الكسرة والفضيحة لو رفضت.
دخلت أوضتي وقفلت الباب، ومسكت الموبايل، وفتحت الإيميل تاني… وجات في دماغي فكرة مجنونة، فكرة لو نجحت هتقلب التربيزة على عمتي وابنها، ولو فشلت هتنهي حياتنا تماماً.
بصيت على اسم صاحب الشركة وإيميل المدير التنفيذي اللي باعتلي القبول، وقررت إني لازم أعمل الخطوة دي قبل ما الصبح يطلع…
فتحت اللابتوب وإيديا بترتعش، وعينيا مشلولة من كتر الدموع. الوقت كان بيجري، والساعات اللي فاضلة قبل الصبح كانت بتتسحب من عمري. كتبت إيميل لمدير الموارد البشرية والمدير التنفيذي للشركة، وكتبت فيه كل حاجة… بس بذكاء.
شرحت لهم إني فخورة بقبولي، بس عندي ظرف قهري يمنعني من استلام الراتب على حساب بنكي مصري باسمي في الوقت الحالي، وسألتهم لو ينفع العقد يتأجل إمضاؤه كام يوم، أو لو فيه إمكانية إن المرتب يطلع في حساب تاني خالص أو شيكات باسم أبويا، وكنت بحاول أتحجج بأي حجة قانونية من غير ما أحكي تفاصيل تفضح بيتنا.
قفلت اللابتوب وقعدت أترعش لحد ما النور شقشق. خرجت الصالة لقيت أبويا منامش، قاعد مكانه ووشه دبلان كأنه كبر عشرين سنة في ليلة واحدة. بص لي بنظرة مكسورة وقالي بصوت واطي: “جهزي نفسك يا بنتي… عمتك كلمتني وقالت لي المأذون جاي على العصر، وعادل مستنيكي قدام الشركة الساعة تسعة الصبح عشان تمضي العقد وتديله الفيزا. سامحيني يا نور… سامحيني يا بنتي ماليديش حيلة.”
نزلت دموعي وأنا ببوس إيده وراسه، وقولتله: “متقلقش يا حبيبي، ربك مش بيسيب حد مظلوم.”
لبست هدومي، ونزلت ورجليا تقيلة زي الرصاص. لقيت عادل واقف ساند على عربيته المتهالكة، لابس نضيف ومبتسم ابتسامة النصر. أول ما شافني قال بلؤم: “منورة يا عروستي، يا رب نكون عقلنا وعرفنا مصلحتنا فين؟ يلا اركبي عشان نلحق الباشوات في شركتك.”
ركبت معاه وأنا ساكتة تماماً، ومسكت موبايلي وبقيت أبص على الإيميل كل دقيقة. مفيش رد. قلبي كان هيقف من الرعب. وصلنا للبرج الفخم اللي فيه الشركة، ونزلنا ودخلنا من الأبواب الزجاجية. عادل كان بيبص للمكان بجشع وعينيه بتلمع وهو شايف الفخامة، وكأنه شايف مغارة علي بابا اللي هتصرف عليه.
السكرتيرة استقبلتنا وطلبت من عادل يستنى برة، ودخلتني مكتب مدير الموارد البشرية. أول ما دخلت، لقيت المدير بيبص لي بنظرة غريبة، وجنبه مستشار قانوني للشركة. المدير قالي: “اتفضلي يا نور.. إحنا قرينا الإيميل بتاعك بالليل، وللأسف، طريقتك في الكلام خلتنا نقلق. نظام الشركة صارم ومينفعش نطلع مرتبات لشخص تاني، والوضع ده يخلينا نتراجع عن العقد لو فيه أي شبهة غسيل أموال أو ضغط خارجي.”
الدنيا اسودت في عيني. الفكرة المجنونة اتقلبت ضدي، والوظيفة بتضيع رسمي!
وقفت ودموعي نزلت غصب عني، ومقدرتش أتمالك نفسي، وحكيت للمدير المستور.. حكيت له إن اللي واقف برة ده خطيبي المفروض، وإنه هيدمر حياتي وعايز ياخد شقايا وقوت أبويا تحت التهديد بطردنا من بيتنا.
المدير والمستشار القانوني بصوا لبعض بصدمة وذهول، وسكتوا لثواني كانت كفيلة تموتني. المستشار القانوني عدل نظارته، وبص لي وقال بنبرة غامضة: “يعني عمتك وابنها ماسكين على والدك وصولات أمانة، وبيتكم باسمها؟”
هزيت راسي وأنا بنهار.
المستشار ابتسم ابتسامة غريبة، وقال للمدير: “أستاذ شريف… إحنا مش بس هنمضي نور العقد، إحنا هنعمل حاجة تانية خالص. نور.. اندهي لعادل يدخل جوة المكتب حالا.”
خرجت وناديت على عادل اللي دخل وعينيه مليانة طمع وفارد صدره. المدير طلب منه يقعد، والمستشار القانوني طلع العقد وحطه قدام عادل وقال له: “أستاذ عادل، نور حكت لنا إنك هتبقى المسئول المالي عنها بعد الجواز، وعشان الشركة دي أمريكية وليها قوانين صارمة في تحويل الدولارات، فإحنا محتاجينك تمضي كـ ‘ضامن مالي وقانوني’ ليها في العقد ده، وتفتح حساب مشترك معاها، بس فيه شرط جزائي صغير في العقد لو نور سابت الشغل أو حصلت مشكلة.”
عادل فرح جداً ومفكرش لثانية، مسك القلم وقال بجشع: “طبعاً طبعاً! أنا الضامن وأنا كل حاجة، هاتوا أمضي!”
مضى عادل على الورق وهو مش فاهم حاجة، ومضيت أنا ودموعي مغرقاني بس المرة دي معرفش هي دموع خوف ولا إيه. المستشار القانوني خد الورق، وابتسم لعادل ابتسامة رعبتني، وقال له: “مبروك يا أستاذ عادل… أنت كده بقيت رسمي في مصيدة القانون بتاعنا، والورقة اللي أنت مضيتها دي…”
المستشار القانوني أخد الورق، وبص لعادل وابتسامته اختفت تماماً وحلت مكانها نظرة حاسمة قوية، وقال له: “الورقة اللي أنت مضيتها دي يا أستاذ عادل، مش مجرد عقد عمل… ده إقرار واستلام شحنة أجهزة إلكترونية وتطوير برمجيات خاصة بالشركة، بقيمة 2 مليون جنيه، بصفتك الشريك المالي والضامن لنور!”
عادل وشه اتخطف وفك بقه بذهول: “أنت بتقول إيه يا فندم؟ أجهزة إيه وضامن إيه؟ أنا جاي أضمن الفيزا بتاعتها عشان نقبض!”
المستشار القانوني وقف وسند بإيديه على المكتب وقال بكل برود: “أنت مضيت بكامل إرادتك على عقد بيلزمك بشرط جزائي قيمته 2 مليون جنيه لو نور سابت الشغل أو لو اتعرضت لأي ضغط خارجي أو إجبار يخليها تسيب وظيفتها، وبموجب التوكيل القانوني اللي هي عملتهولنا حالاً، الشركة بقت هي الوكيل عنها. يعني ببساطة كده… لو فكرت أنت أو والدتك تضايقوا نور، أو تيجوا جنب بيتها وأبوها، أو ترفعوا قضايا عشان تطردوهم، العقد ده هيتحول للنيابة فوراً، وهتتحبس في قض..ية تبديد أموال شرطها الجزائي يدخلك السجن مؤبد. أعلى ما خيلكم أنتوا الاتنين اركبوه!”
عادل قام وقف ورجليه بتخبط في بعض، وبقى يبص للورق ويبص للمستشار ووشه اصفر زي الليمونة، وبقى يقلب في الكلام ومش عارف ينطق، الخوف عماه وضيع كل الجبروت والبلطجة اللي كان جاي بيهم. بصلي وهو بيموت من الرعب وقالي: “أنتي… أنتي عملتي فيا إيه؟ أنتي بتغفليني يا نور؟”
رديت عليه وأنا واقفة رافعة راسي لأول مرة من سنين، وبكل قوة عين وقوت قلب قولتله: “اللي بيلعب بالنار بيحرق نفسه يا عادل. روح لـ أمك وقولها إن بن عبد الرحمن اللي كانت عايزة تكسر عينه ببيته، بنته جابتلكوا حبل المشنقة لحد عندكم. ورقة التنازل والمفتاح اللي معاك تبلهم وتشرب ميتهم… والوصولات والبيت اللي أمك بتهددنا بيهم، قصادهم 2 مليون جنيه وخراب مستعجل لبيتكوا وسجن ليك! وريني بقا شطارتكم!”
عادل ملقاش كلمة يقولها، أخد ديله في سنانه وجري برة المكتب وبرة الشركة كلها وهو مش شايف قدامه من الرعب.
التفت للمستشار القانوني وللمدير، ودموعي نزلت بس المرة دي كانت دموع فرحة وانتصار، وشكرتهم من كل قلبي على وقفتهم الذكية معايا. المدير ابتسم وقالي: “إحنا مش بس بنشغل عقول، إحنا بنحمي الكفاءات اللي زيِك يا نور. تقدري تستلمي شغلك من بكرة، وتأمني مستقبلك ومستقبل والدك.”
رجعت البيت وأنا طايرة، دخلت الصالة لقيت أبويا قاعد وحاطط المأذون جنبه، وعمتي عليه قاعدة حاطة رجل على رجل ومستنية بانتصار الشماتة. أول ما دخلت، عمتي بصتلي بقرف وقالت: “أهو المحروسة شرفت… فين عادل؟ ومضيتي العقد والفيزا فين؟”
طلعت الموبايل ووريتها صورة العقد الممضي والشروط الجزائية واسم عادل وهو مكتوب كضامن بـ 2 مليون جنيه، وقولتلها بكل برود: “عادل زمانه بيجري في الشارع يلم ديله يا عمتي. ابنك مضى على قرار حبسه بإيده لو فكرتي بس توطي عتبة بيتنا أو تضايقي أبويا. وصلي الكلمتين دول لعادل… الشغل أنا استلمته، والبيت ده هنفضل قاعدين فيه، وأي حركة منكم، ابنك هيبات في التخشيبة بكرة الصبح!”
عمتي عينيها برقت، ووقفت مصدومة ووشها جاب ألوان، وبقت تبص للصورة وهي مش مصدقة إن البنت الضعيفة اللي كانت ورا الباب هي اللي كسرت عينها وعين ابنها في لحظة. لمت هدومها وجريت برة البيت وهي بتصوت وبتتحسبن بعد ما عرفت إن اللعبة انتهت وخسرت كل أوراقها.
أبويا وقف وبصلي وعينيه مليانة دموع، بس المرة دي دموع فخر وسعادة. جرى عليا وأخدني في حضنه وبقى يطبطب عليا ويقولي: “رفعتي راسي يا بنتي… رفعتي راسي وعوضتيني عن كل الكسرة. أنا أسف إني ضعفت.”
قولتله وأنا ببتسم وسط دموعي: “أنت السند يا حبيبي، وتعب سنيني مكنش هيروح هدر… خلاص يا بابا، الكابوس انتهى، وحياتنا أخيرًا هتبدأ صح.”


تعليقات
إرسال تعليق