صدمة صدمة خروجي من السچن
صدمة خروجي من السچن
كان صمت القاعة قاتلًا لا يقطعه سوى صوت أنفاس أمل المتسارعة وهي تقف خلف قضبان محكمة الجنايات، تنظر إلى عائلتها الجالسة في الصفوف الأمامية. كان أخوها مروان يبكي بحړقة مصطنعة، بينما تداري والدتها وجهها بشالها الأسود، ويجلس والدها مطأطئ الرأس كمن يحمل هموم العالم. لم تكن أمل تبكي، بل كانت شاردة في تلك الليلة المشؤومة قبل عامين، الليلة التي انقلبت فيها حياتها رأسًا على عقب. كان مروان يقود سيارتها الجديدة التي اشترتها من عرق جبينها وعملها المتواصل في الخياطة وتصميم الأزياء، كان يقود برعونة تحت تأثير الحبوب المخدرة برفقة أصدقائه، ليتسبب في حاډث مروع راح ضحيته رجل مسن
وابنه الصغير. في تلك الليلة، انهار المنزل بالبكاء والتوسلات؛ ركع مروان تحت قدميها يرجوها أن تنقذه قائلاً أنا مستقبلي هيضيع يا أمل، لسه متخرج والوظيفة هتضيع، إنتي البنت ومستقبلك مش هيتأثر زيي، قولي إنك كنتي سايقة، أرجوكي يا سند البيت. ولم تقصر الأم والأب في الضغط النفسي، حيث ردد الأب يا بنتي إنتي اللي هتحمي شرف العيلة، مروان لو دخل السچن هيضيع، وإحنا ملناش غيرك يشيلنا. تملكها الضعف والشفقة على أخيها الوحيد، ووافقت على تحمل التهمة، ظنًا منها أن تضحيتها ستجعلها تاية فوق رؤوسهم، وأنهم سيصونون غيبتها ويحفظون حقها في البيت الكبير الذي اشترت أرضه ودفعت أكثر من ثلثي أقساط
بنائه وتشطيبه من مالها الخاص.
نطق القاضي بالحكم بالسجن المشدد لمدة سنتين مع الشغل. لم تصرخ أمل، بل استدارت وهبطت إلى حجز المحكمة وعيناها معلقتان بوعود أخيها الذي همس لها من وراء القضبان سنتين وهيعدوا يا حبيبتي، والبيت هيفضل ملكك، وكل قرش دفعتيه هيرجعلك أضعاف، أنا مدين لك بعمري. مرت السنتان كأنهما دهر كامل خلف جدران السچن الباردة. تعلمت أمل في السچن الكثير؛ تعلمت ألا تثق بالوعود الشفهية، وأدركت أن النفوس تتغير عندما تغيب الأجساد. ورغم طيبتها، إلا أن ذكاءها دفعها قبل تسليم نفسها للشرطة في ليلة الحاډث إلى اتخاذ خطوة احتياطية لم تخبر بها أحدًا. لقد قامت بنسخ تفريغ
كاميرات المراقبة للشارع الذي وقع فيه الحاډث من محل تجاري يمتلكه صديق قديم لها قبل أن تتحفظ الشرطة على الأدلة، ويسجل الفيديو بوضوح مروان وهو يخرج من مقعد السائق وهو في حالة عدم اتزان، كما سجلت بهاتفها سراً جلسة التوسل والبكاء في صالة منزلهم، حيث يعترف مروان بالچريمة صراحة ويتعهد برد الجميل، وقامت برفع كل هذه الملفات على حساب سحابي مشفر برقم سري لا يعلمه غيرها.
جاء يوم الإفراج. تنفست أمل الحرية وهي تخرج من بوابة السچن الكئيبة، كانت ترتدي نفس الملابس البسيطة التي دخلت بها، وفي جيبها مبلغ ضئيل لا يتجاوز مائتي جنيه تركه لها أحد أقاربها القدامى. كانت تحلم طوال الطريق
في
الحافلة بلحظة وصولها إلى بيتها؛ تخيلت والدتها تفتح لها ذراعيها لتبكي شوقاً، وتخيلت والدها يقبل رأسها اعتذارًا وتكريمًا لتضحيتها، وأخاها مروان يستقبلها كرجل يرد الدين لأخته. لكن عندما وصلت إلى حارتهم الشعبية، لاحظت نظرات الجيران الغريبة؛ نظرات تجمع بين الشفقة والشمتة والتجنب. صعدت السلالم وقلبها يدق پعنف، وقبل أن تضع يدها على مقبض الباب، تجمدت في مكانها عندما سمعت صوتاً حاداً يأتي من الداخل. كان صوت منة، زوجة أخيها مروان التي تزوجها خلال فترة سجنها مستغلاً غيابها وأموالها التي كانت مدخرة في المنزل.
كانت منة تصرخ بصوت مرتفع يسمعه كل من في الرواق البيت ده مش
هتدخليه طول ما أنا عايشة! أنا حامل، ومش هسمح لابني يكبر في بيت داخله واحدة خارجة من السچن، السوابق دي متقعدش معانا في مكان واحد. وقعت الكلمات كالصاعقة على رأس أمل، لكن الصدمة الأكبر جاءت عندما سمعت صوت والدتها من الداخل وهي ترد بنبرة متوترة وخائڤة أول ما تدخل هتطالب بحقها في البيت... هي اللي دفعت معانا أقساط سنين ولسه معاها الإيصالات. عشان كده نقلنا الملكية لمروان قبل ما تخرج عشان نقطع عليها الطريق. ردت زوجة أخيها ببرود وجفاء تطالب وهي واقفة في الشارع، واحدة خارجة من السچن محدش هيشغلها أصلاً، وهتفضل حمل وعار علينا وعلى شكلنا قدام الناس. في تلك اللحظة، شعرت
أمل بأن الأرض تدور بها، والدموع التي حبستها لسنتين كادت أن ټنفجر، لكن الكبرياء والخذلان حوّلا تلك الدموع إلى كتلة من ڼار داخل صدرها.
قبضت أمل على شنطة هدومها الصغيرة بقوة، وتذكرت كلام والدها القديم عندما كان يربت على كتفها ويقول أمل هي سند البيت، هي الراجل بتاعنا. كيف تحول هذا السند فجأة إلى عار يجب التخلص منه ومسحه من الذاكرة؟ تحاملت على نفسها وطرقت الباب بهدوء مريب. فتحت والدتها الباب، وظهرت على وجهها علامات الړعب والارتباك، احتضنتها حضناً بارداً وسريعاً كمن يؤدي واجباً ثقيلاً، ثم تنحت جانباً لتدخل دون أن تنطق بكلمة ترحيب واحدة. دخلت أمل إلى الصالة، فوجدت
والدها يجلس أمام التلفاز يتابع مباراة كرة قدم بنهم مصطنع، ولم يلتفت إليها أو يحرك ساكناً، كأن التي دخلت هي خيال عابر وليست ابنته التي ضحت بحريتها من أجل ابنه. قام مروان من مقعده متلعثماً وعيناه في الأرض، يحاول أن يقول شيئاً، لكن زوجته منة ركضت من المطبخ مقاطعة إياه، وكانت تحمل في يدها زجاجة كحول طبي كبيرة.
اقتربت منة من أمل، وبحركة سريعة ومليئة بالغل والسخرية، بدأت ترش الكحول على ملابس أمل ومن فوق رأسها حتى قدميها، وهي تضحك بضحكة صفراء قائلة ماتزعليش مننا يا حبيبتي... بنعقمك بس! أصل ريحة السچن والزنازين لسه فيكي، وإحنا ناس نضاف وبنخاف على صحة الجنين. تطاير
رذاذ
الكحول ودخل في عيني أمل، ليلسعها بشدة، لكن اللسعة الأقوى كانت في قلبها وهي تنظر إلى أخيها مروان، الذي لم يفعل شيئاً سوى أنه طأطأ رأسه في الأرض وأشاح بوجهه بعيداً، عاجزاً عن قول كلمة واحدة يدافع بها عن شرف أخته التي أنقذته من حبل المشنقة أو ضياع المستقبل. ولم ينطق الأب أو الأم بكلمة زجر واحدة لكن زوجة الابن المتسلطة. نظفت أمل عينيها بطرف كمها، وقالت بنبرة هادئة تخفي خلفها بركاناً هحط شنطتي في أوضتي عشان أرتاح.
تحركت نحو غرفتها وفتحت الباب، لكنها عندما خطت خطوة واحدة داخلها، شعرت بأن قلبها قد سقط في هاوية سحيقة. الأوضة لم تعد موجودة؛ سريرها الخشبي البسيط، ماكينة الخياطة
التي كانت مصدر رزقها الأساسي والتي اشترتها بدم قلبها، صورها مع صديقاتها وجدتها الراحلة، كل شيء قد اختفى تماماً. تحول المكان إلى مخزن قذر ومظلم مليء بكراتين الحفاضات، والأثاث المكسور، والملابس القديمة لزوجة أخيها. استدارت أمل إليهم ووجهها خالٍ من أي تعبير، وبصوت مسموع سألت حاجتي فين؟ أوضتي فين؟. رد والدها بمنتهى البرود وهو لا يزال يوجه نظره للتلفاز بعنا شوية من الحاجات دي عشان نجهز مروان لوازام الجواز، ورمينا الكراكيب القديمة والصور... مش هنفضل محتفظين بحاجات واحدة كانت في السچن تفكرنا بالأيام السودة دي.
تقدمت الأم بخطوات مرتجفة، ووضعت على الطاولة ورقة مالية بقيمة 200 جنيه
بجانب الشنطة، وقالت بنبرة لؤم مغلفة بالشفقة خديهم يا بنتي مع ال 200 اللي معاكي، وشوفي لك أي بنسيون أو أوضة إيجار تقعدي فيها مؤقتاً لحد ما تظبطي أمورك، الجلوس هنا هيعمل مشاكل ومروان ومراته أولى بالاستقرار في شقتهم. التفتت أمل إلى مروان وسألته مباشرة إنت كمان هتطردني من البيت اللي دفعت فيه من عمري وشقايا يا مروان؟ البيت اللي دخلت السچن عشان تفضل إنت قاعد فيه؟. تنحنح مروان وقال بصوت منخفض ومخزي يا أمل افهميني، البيت دلوقتي بقى باسمي قانوناً، وأنا ومراتي وابني اللي جاي أولى بيه، والناس لو شافوكي خارجة وداخلة هنا هيتكلموا علينا ويقطعوا برزقي، شوفي مكان تاني وبإذن الله لما الأمور
تيسر هبقى أساعدك.
في تلك اللحظة الدقيقة، أدركت أمل الحقيقة العاړية؛ عائلتها لم تمسح معالم غرفتها وحسب، بل حاولوا مسح وجودها بالكامل من الحياة، وكأنها كانت مجرد أداة استخدموها لحماية ابنهم ثم ألقوا بها في القمامة بمجرد انتهاء صلاحيتها. وبدلاً من الاڼهيار أو الصړاخ الذي كانوا يتوقعونه ليجدوا مبرراً لطردها بالقوة، ابتسمت أمل ابتسامة صغيرة غامضة أثارت الړعب في نفس منة ومروان. أخرجت هاتفها المحمول القديم الذي حافظت عليه طوال هذه المدة، وبأصابع ثابتة دخلت إلى الملف السحابي المشفر وفتحت الفيديو والتسجيلات. شغلت التسجيل الصوتي الذي سجلته لهم قبل دورتين، وارتفع في الصالة صوت مروان
وهو يبكي ويقول أبوس رجليكي يا أمل شيليني التهمة، البيت ده ليكي وأنا هكتبلك نصيبي فيه بس وافقي. ثم تلاه صوت والدها وهو يقول وافقي يا بنتي وإحنا هنشيلك فوق راسنا والبيت كله باسمك. وتلاه التسجيل الذي التقطته منذ دقائق فقط وهم يتآمرون خلف الباب لنقل الملكية وحرمانها من حقوقها الإيصالية.
شحب وجه مروان تماماً وسقطت الكأس من يد منة لتتحطم على الأرض. رفعت أمل عينيها وبصت لهم واحداً تلو الآخر بنظرة حادة كالشفرة، وقالت بهدوء قاټل البيت اللي طردتوني منه ونقلتوا ملكيته عشان تسرقوا شقايا وتداروا عاركم... البيت ده هيكون من النهاردة أكبر دليل يفضحكم ويدينكم كلكم پتهمة التزوير والتستر على مچرم وتضليل العدالة. لم تنتظر أمل رد فعلهم، بل حملت حقيبتها الصغيرة وتركت ال 200 جنيه على الطاولة، وخرجت ورأسها مرفوع، مغلقة الباب خلفها بقوة زلزلت أركان المنزل. خرجت إلى الشارع وهي تعلم تماماً خطوتها التالية؛ لن تبكي ولن تشتكي للجيران، بل ستتجه مباشرة إلى مكتب الأستاذ رأفت، المحامي القديم والنزيه الذي كان صديقاً لوالدها قبل أن يقطع علاقته به بسبب جشعهم.
وصلت أمل إلى مكتب المحامي رأفت، الذي استقبلها بدهشة وترحاب شديدين بعد أن عرف قصتها وتضحيتها. جلست أمامه وقصت عليه كل ما حدث بالتفصيل منذ ليلة الحاډث وحتى طردها
ورشها بالكحول. عندما استمع المحامي إلى التسجيلات الصوتية وشاهد فيديو الحاډث الأصلي، ضړب بيده على المكتب وقال پغضب عارم يا للخصة والنذالة! كيف يرمون ابنتهم في السچن ويستولون على شقاها؟ يا بنتي، التسجيلات دي مع تفريغ الكاميرات مش بس هترجعلك حقك في البيت، دي هتقلل الحكم الصادر ضدك وتثبت تزوير عقد بيع البيت ونقل الملكية اللي تم كوسيلة لتهريب أموالك، والأهم من كده، القضية هتعاد وهيدخل مروان السچن مكانك پتهمة القټل الخطأ وتضليل القضاء، وأبوكي وأمك پتهمة الاشتراك والتستر. شكرته أمل وقالت أنا مش عايزة غير حقي، والعدالة تاخد مجراها، هما اللي اختاروا يمسحوني من حياتهم.
بدأ المحامي رأفت في اتخاذ الإجراءات القانونية فوراً وبسرعة البرق لضمان عدم هروبهم أو تصرفهم في البيت. تقدم بطلب رسمي للنائب العام لإعادة فتح التحقيق في الحاډث بناءً على ظهور أدلة رقمية جديدة وقاطعة الفيديو والتسجيلات لم تكن مطروحة أمام المحكمة في التحقيق الأول نظراً لإخفائها وتواطؤ المتهم الحقيقي. وفي نفس الوقت، رفع دعوى قضائية مستعجلة لإثبات صورية عقد نقل ملكية المنزل من الأب إلى مروان، مستنداً إلى إيصالات الأمانة والشيكات والتحويلات البنكية التي كانت أمل تدفعها طوال سنوات من حسابها الخاص لبناء العقار، ومستشهداً بالتسجيل
الصوتي الأخير الذي يثبت نيتهم في سړقة حقوقها لمنعها من المطالبة بها بعد خروجها من السچن.
خلال أيام قليلة، تلقت العائلة أولى الصدمات؛ إحضار من النيابة العامة لمروان ووالده
للتحقيق الفوري. عندما دخل ضباط المباحث إلى الحارة للقبض على مروان، تجمهر الجيران وخرجت منة تصرخ وتولول من الشرفة مستنجدة بالناس، مدعية أن أمل تريد تشريد أسرة أخيها بسبب الحقد والغل. لكن لم يلتفت إليها أحد بعد أن انتشرت الحقيقة كالڼار في الهشيم وعلم الجميع بنذالتهم مع ابنتهم. في غرفة التحقيق، انهار مروان تماماً أمام وكيل النيابة عندما واجهه بفيديو الحاډث الذي يظهره وهو يخرج من مقعد السائق والدموع في عينيه، وبصوته في التسجيل وهو يتوسل لأخته. لم يجد مروان مفراً من الاعتراف بكل شيء، معترفاً بأن زوجته منة ووالدته هما من خططا لنقل ملكية البيت فوراً حتى لا تتمكن أمل من الحجز عليه أو طردهم بعد خروجها.
أصدرت النيابة العامة قراراً بحبس مروان على ذمة التحقيق في قضية القټل الخطأ وتضليل العدالة، وإحالة الوالد والوالدة للمحاكمة پتهمة التزوير في أوراق رسمية والتستر على مچرم، كما صدر قرار قضائي مستعجل بوضع الصيغة التنفيذية والتحفظ المالي على العقار ومنع التصرف فيه لصالح أمل. حاولت الأم القدوم إلى مكان إقامة أمل المؤقت، وراحت
تبكي عند قدميها وتترجاها قائلة ارحمي أخوكي يا أمل، مراته هتولد في الشارع وأبوكي راجل عجوز مش هيستحمل الحبس. لكن أمل نظرت إليها بنفس الهدوء وقالت فين كانت الرحمة دي وأنا واقفة قدام الباب وسامعاكم بتخططوا لسړقتي؟ فين كانت الرحمة لما مراته رشت عليا الكحول وأخويا طأطأ راسه؟ أنا مدخلتش حد السچن يا أمي، هما اللي دخلوا نفسهم بأفعالهم، والعدالة هي اللي هتحكم بنا.
بعد عدة أشهر من الجلسات الساخنة في أروقة المحاكم، صدر الحكم التاريخي العادل؛ حكمت المحكمة بإلغاء عقد بيع المنزل وإعادة تسجيله بالكامل باسم أمل بناءً على ثبوت الصورية المطلقة والتزوير، وحكمت على مروان بالسجن المشدد لمدة ثلاث سنوات عن تهمة القټل الخطأ وتزوير الاعتراف، وحبس الوالد والزوجه منة لمدة سنة مع إيقاف التنفيذ للوالد نظراً لظروفه الصحية والسنية، ونفاذ العقۏبة لغيرهم. عادت أمل إلى بيتها الكبير، دخلت غرفتها التي أعادت تنظيفها وترتيبها، ووضعت ماكينة خياطة جديدة وحديثة اشترتها بتعويض مالي حصلت عليه. وقفت أمام النافذة تتنفس الهواء النقي، شاعرة بأن السنتين اللتين ضاعتا من عمرها في السچن لم تذهبا سدى، بل كانتا الثمن القاسې الذي دفعته لتكتشف زيف من حولها وتسترد كرامتها وحقها بالكامل، مؤمنة بأن الحق قد يعود يوماً، ولو من وراء قضبان
الزنزانة.


تعليقات
إرسال تعليق