سلفتى كامله حكايات منال على
سلفتى ١
حكايات منال على
جـوزي قـالي بمنتـهى الهـدوء: يا توافقـي أتجـوز سلفـتك… يا نطلـق في اللحـظة دي حـسيت إن الـسنين اللي عـشتها مـعاه اتحـولت ولا كأنـها كـانت!!!!!!! بقلـم حكايات منـال علي
أنا عمري ما كنت ضد شرع ربنا، ولا عمري قولت إن التعدد حرام، لكن فيه وجع محدش يقدر يشرحه غير الست اللي لقت نفسها فجأة بقت كأنها ولا حاجة… كأن كل السنين اللي عاشتها مع جوزها اتمسحت بكلمة واحدة.
أنا وجوزي اتجوزنا عن حب.بقلـم حكايات منـال علي
حب بجد… حب خلاني أواجه الدنيا كلها عشانه. استنيته لما كان بيكوّن نفسه، ورضيت أبدأ معاه من الصفر. أول سنة جواز كنا بنعد الأيام على آخر الشهر عشان المرتب يكمل، وكنا بنضحك على نفسنا وإحنا بناكل عيش وجبنة ونقول: “المهم إننا مع بعض.”
كنت شايفة نفسي أغنى واحدة في الدنيا.بقلـم حكايات منـال علي
يمكن مكانش عندي دهب كتير، ولا عربية، ولا شقة فخمة… لكن كان عندي راجل كنت فاكرة إنه بيحبني زي ما بحبه.
لحد ما الدنيا اتقلبت في لحظة.
أخو جوزي الكبير توفى فجأة.بقلـم حكايات منـال علي
البيت كله دخل في حالة حزن، وسلفتي اترملت وهي لسه صغيرة، ومعاها طفلين، واحد عنده سبع سنين والتاني أربع سنين.
كنا كلنا جنبها.بقلـم حكايات منـال علي
كنت أنا أول واحدة بدخل أطبطب عليها، وأقعد معاها بالساعات، وأساعدها في الولاد. عمري ما حسستها إنها لوحدها.
لكن بعد أربعين المرحوم، بدأت ألاحظ حاجة غريبة.
كل ما أقعد مع حمايا أو حماتي، ألاقي الكلام كله بيلف حوالين الولاد.
“العيال لازم يفضلوا وسط أبوهم.”
“مين هيربيهم لو أمهم اتجوزت؟”
“لازم حد من العيلة يفضل معاهم.”
في الأول كنت بسمع وأسكت.بقلـم حكايات منـال علي
قولت طبيعي… ناس خايفة على الأطفال.
لكن بعد كام يوم، وأنا بدخل المطبخ، سمعت حماتي بتقول لجوزي بصوت واطي وهي فاكرة إني مش سامعة:
“إنت أولى بيها يا ابني… الغريب عمره ما هيخاف على ولاد أخوك.”
جسمي كله تلج.بقلـم حكايات منـال علي
وقفت مكاني.
قولت أكيد فهمت غلط.
أكيد بيتكلموا عن حد تاني.
لكن جوزي رد بكل هدوء:بقلـم حكايات منـال علي
“أنا بفكر في الموضوع.”
الكلمة دي فضلت ترن في وداني.
بفكر؟
بفكر في إيه؟
دخلت عليهم فجأة، أول ما شافوني سكتوا كلهم.
ابتسمت ابتسامة مصطنعة وسألت:بقلـم حكايات منـال علي
“بتتكلموا في إيه؟”
حماتي قالت بسرعة:
“ولا حاجة.”
ولا حاجة؟
من يومها، جوزي اتغير.
بقى يقعد بالساعات في بيت أهله.
بقى كل شوية ينزل يجيب طلبات لسلفتي.
مرة يودي الولاد للدكتور.
مرة يجيب لهم هدوم.
مرة يخلص لهم ورق.
وكل ما أقوله:
“إنت بقيت مشغول أوي.”
يرد بمنتهى البرود:
“ظروف.”
فضلت أقنع نفسي إن ده واجب.
لحد الليلة اللي غيرت حياتي كلها.
رجع من بيت أهله، قعد قدامي وقال:
“عايز أتكلم معاكي.”
قلبي وقع.بقلـم حكايات منـال علي
قولتله:
“خير؟”
بصلي بثبات وقال:
“أبويا وأمي شايفين إن أحسن حل إنّي أتجوز مرات أخويا.”
افتكرت إنه بيهزر.بقلـم حكايات منـال علي
ضحكت.
استنيت يضحك هو كمان.
لكنه فضل باصصلي بنفس الجدية.
الضحكة ماتت على وشي.بقلـم حكايات منـال علي
قولت:
“إنت بتقول إيه؟”
قال بمنتهى الهدوء:
“الولاد محتاجين حد من العيلة.”
صرخت:
“وأنا؟”
قال:
“إنت هتفضلي مراتي.”
الجملة دي وجعتني أكتر من أي حاجة.
كأنه بيقولي إن وجودي وعدم وجودي واحد.
قولت وأنا دموعي بتنزل:
“يعني بعد الحب ده كله… بعد السنين دي… الحل عندك إنك تتجوز؟”
قال:
“أنا بعمل الصح.”
قولت:
“الصح بالنسبة لمين؟”
قال:
“للعيلة.”
ضحكت ضحكة كلها قهر.
وأنا؟
مش من العيلة؟
مش الست اللي شالت معاك التعب؟
مش اللي وقفت جنبك؟
فضل ساكت.
ولأول مرة في حياتي حسيت إني بتكلم مع شخص معرفوش.بقلـم حكايات منـال علي
من يومها وأنا بحاول أقنعه يراجع نفسه.
مرة أتكلم بالعقل.
مرة أبكي.
مرة أسكت.
ولا حاجة كانت بتفرق.
بالعكس… كل يوم كان حماسي للرفض بيقابله هو بحماس أكبر للجواز.
بقى بيتكلم عن الموضوع كأنه عريس لأول مرة.
يسأل عن الشقة.
وعن تجهيز الأوضة.
وعن مستقبل الولاد.
ولا مرة سأل نفسه عن مستقبلي أنا.
أنا اللي كل يوم بموت ألف مرة.
الغريبة إن البيت كله كان مؤيد.
حماتي تقول:
“ده خير.”
حمايا يقول:
“دي مصلحة العيال.”
حتى بعض قرايبهم بقوا يقولولي:
“احتسبي… ده شرع ربنا.”
ولا حد سألني أنا مستحملة ولا لأ.
ولا حد قال: “دي ست ليها قلب.”
وفي يوم، بعد نقاش طويل، بصلي جوزي وقال الكلمة اللي كسرتني:
“أنا خلاص أخدت قراري.”
بصيتله وأنا برتعش.
قال بمنتهى البرود:
“يا إما توافقـي… يا إما نطلق.”
حسيت الأرض بتلف بيا.بقلـم حكايات منـال علي
الكلمة نزلت على قلبي كأنها سكينة.
أنا؟
بعد كل الحب ده؟
بقيت مجرد اختيار؟
فضلت أبصله وأنا مش قادرة أصدق إن الراجل اللي كان زمان يقول لي: “إنتِ الدنيا كلها”، هو نفسه اللي بيخيرني النهارده بين وجع عمر… أو نهاية جوازنا.
لكن الصدمة الأكبر… ما كانتش كلمته.بقلـم حكايات منـال علي
الصدمة كانت لما رن تليفونه قدامي، ولمحـت اسم المتصل على الشاشة…
“سلفتي.”
ولما رد عليها، قال بابتسامة عمري ما شفتها على وشه من سنين:
“متقلقيش… خلاص، كل حاجة هتتم زي ما اتفقنا.”
وفي اللحظة دي… حسيت إن فيه سر أكبر بكتير من مجرد جوازة… وساعتها عرفت إن اللي جاي أخطر بكتير مما كنت متخيلة.بقلـم حكايات منـال علي
يتـبع
فضلت واقفة مكاني، مش قادرة أستوعب اللي سمعته.
إيدي كانت بتترعش، وقلبي بيدق بسرعة لدرجة إني حسيت إنه هيطلع من صدري.
هو قالها بمنتهى البساطة…
“متقلقيش… خلاص، كل حاجة هتتم زي ما اتفقنا.”
قفل المكالمة، ولف ناحيتي، أول ما شاف ملامحي فهم إني سمعت.
اتردد ثانية… وبعدها قال ببرود:
“مالك؟”
ضحكت.
آه… ضحكت.
الضحكة اللي بتطلع من القهر، مش من الفرح.
قولتله:
“مين اللي متقلقش؟”
قال:
“أنتي بتراقبيني؟”
بصيتله بذهول وقلت:بقلـم حكايات منـال علي
“يعني أنا اللي غلطانة؟ مش إنت اللي بتخطط لجوازة على مراتي… قصدي على حياتي؟”
اتنهد وقال:
“بلاش تعملي مشاكل.”
مشاكل؟
أنا اللي بعمل مشاكل؟
قولتله وأنا حاسة إن صوتي بيختنق:
“إنت كنت متفق معاها على إيه؟”
رد بسرعة:
“على مصلحة العيال.”
قلت:
“يعني الجوازة بقت اتفاق؟”
سكت.بقلـم حكايات منـال علي
وسكوته كان إجابة أوضح من أي كلام.
دخلت أوضتي وقفلت الباب.
قعدت على السرير، وبصيت لكل ركن في الأوضة.
الصور اللي معلقة.
هدومه في الدولاب.
المخدة اللي كان بينام عليها.
كل حاجة كانت بتفكرني بسنين كنت فاكرة إنها حقيقية.
افتكرت أول مرة قالي فيها:
“لو خيروني بين الدنيا وبينك… هاختارك إنتِ.”
واضح إن الاختيارات بتتغير.
في اليوم اللي بعده، صحيت على صوت حماتي بتنادي عليا.
خرجت وأنا ملامحي باين عليها السهر.
قالتلي:
“تعالي يا بنتي… عايزين نتكلم.”
دخلت الصالون.
لقيت حمايا، وجوزي، وسلفتي قاعدة هي كمان.
أول ما شفتها، قلبي وجعني.بقلـم حكايات منـال علي
كانت لابسة أسود، ووشها باين عليه التعب.
بصيتلها، وهي نزلت عينيها في الأرض.
حمايا بدأ الكلام.
قال:
“إحنا كلنا عارفين إن الموضوع صعب… بس لازم نبص لمصلحة الولاد.”
قولت بهدوء:
“ومين هيبص لمصلحتي؟”
سكت.بقلـم حكايات منـال علي
حماتي قالت:
“إنتِ بنتنا… ومكانك محفوظ.”
ابتسمت بسخرية.
“مكاني محفوظ؟ إزاي؟ وأنا هشوف جوزي كل يوم راجع من عند مرات تانية؟”
قالت:
“دي مش أي واحدة… دي مرات أخوه.”
قولتلها:
“يعني كده الوجع هيبقى أخف؟”
محدش رد.
بصيت لسلفتي.
كانت لسه ساكتة.
قولتلها لأول مرة:
“إنتِ موافقة؟”
رفعت عينيها بالعافية.
وقالت بصوت واطي:
“أنا… أنا ماليش دعوة.”
استغربت.بقلـم حكايات منـال علي
“إزاي مالكيش دعوة؟”
قالت وهي بتبكي:
“أنا من يوم ما جوزي مات، وكل يوم حد يقولي ده الحل الوحيد.”
لفيت ناحية جوزي.
قولتله:
“يعني حتى هي مش مقتنعة.”
قال بسرعة:
“هتقتنع مع الوقت.”
حسيت إني قاعدة وسط ناس واخدين قرار، ومستنيين مني أبصم بالموافقة.
قومت من مكاني.
قلت:
“أنا مش هوافق.”
أول ما الكلمة خرجت، حماتي ضربت كف على كف.
وقالت:
“ليه بتخربي البيت؟”
ضحكت تاني.
“أنا اللي بخرب البيت؟”
جوزي قام هو كمان.بقلـم حكايات منـال علي
وقال بنبرة حادة:
“آخر مرة هسألك.”
قلت:
“وآخر مرة هجاوبك.”
قال:
“يعني رافضة؟”
قلت:
“آه.”
بصلي شوية… وبعدها قال قدامهم كلهم:
“يبقى متزعليش من اللي هيحصل بعد كده.”
خرج وسابنا.
أنا كمان خرجت، بس خرجت من البيت كله.
مشيت في الشارع من غير ما أعرف رايحة فين.
كنت بمسح دموعي، وكل ما أفتكر كلامه أحس إني باختنق.
بعد ساعة تقريبًا، رن تليفوني.
كان رقم غريب.
رديت.
لقيت صوت ست.بقلـم حكايات منـال علي
قالتلي:
“ألو… حضرتك مرات أستاذ أحمد؟”
قلت:
“أيوة.”
قالت:
“أنا آسفة إني بكلمك… بس لازم تعرفي الحقيقة قبل ما تاخدي أي قرار.”
قلبي اتقبض.بقلـم حكايات منـال علي
قولتلها:
“حقيقة إيه؟”
قالت:
“الجوازة دي… مش أول مرة يتكلموا فيها.”
اتجمدت مكاني.بقلـم حكايات منـال علي
وسألتها وأنا مش حاسة بصوتي:
“يعني إيه؟”
ردت بجملة خلت الدنيا كلها تلف بيا…
“الكلام على جواز جوزك من سلفتك… بدأ من قبل وفاة أخوه بوقت طويل.”
وسكتت…بقلـم حكايات منـال علي
وسابتني واقفة في نص الشارع، وأنا لأول مرة أخاف إن الحقيقة تكون أبشع بكتير من اللي كنت متخيلاه.
سلفتى ٢
حكايات منال على
فضلت باصة في التليفون بعد ما قفلت المكالمة.
إيدي كانت ساقعة، وقلبي بيدق بطريقة مرعبة.
الجملة كانت بتلف في دماغي.بقلـم حكايات منـال علي
“الكلام على جواز جوزك من سلفتك بدأ قبل وفاة أخوه.”
معقول؟
إزاي؟
يعني إيه؟
فضلت أحاول أقنع نفسي إن الست دي ممكن تكون بتكدب… أو فاهمة غلط.
لكن جوايا كان بيقولي إن في حاجة مستخبية عني من زمان.
رجعت البيت وأنا تايهة.
أول ما دخلت، لقيت جوزي قاعد في الصالة بيتفرج على التليفزيون كأن مفيش حاجة حصلت.
ولا حتى سألني كنت فين.
ولا إذا كنت كويسة.
قعدت قدامه.
قولتله فجأة: “عايزة أسألك سؤال.”
رفع عينه وقال: “اتفضلي.”
قولت: “إنت أول مرة فكرت تتجوز سلفتي كانت إمتى؟”
اتلخبط.
لأول مرة أشوف الارتباك في عينيه.بقلـم حكايات منـال علي
لكن بسرعة تماسك وقال: “بعد وفاة أخويا.”
بصيتله وأنا بحاول أقرأ وشه.
كان بيهرب بعينيه.
قولت بهدوء: “متأكد؟”
قال بعصبية: “إنتِ عايزة توصلي لإيه؟”
في اللحظة دي اتأكدت إنه مخبي حاجة.
لكن ماكنش معايا دليل.
عدى يومين…
ولا كلمة بينا.
كل واحد عايش في ناحية من البيت.
لحد ما صحيت الصبح، ولقيته لابس وخارج.
قولتله: “رايح فين؟”
قال: “عند سلفتك… في سباك هيصلح حاجة.”
استغربت.
“السباك محتاجك أربع ساعات؟”
بصلي بضيق وقال: “إنتِ بتحاسبيني؟”
وسابني وخرج.بقلـم حكايات منـال علي
أول مرة في حياتي قررت أعمل حاجة عمري ما عملتها.
لبست بسرعة… ونزلت وراه.
كان سابقني بعربية.
ركبت تاكسي، وطلبت من السواق يمشي وراه من بعيد.
قلبي كان هيقف.
كنت بدعي طول الطريق أطلع ظلمته.
أوصل وألاقي فعلًا سباك… أو كهربائي… أو أي حاجة.
لكن لما العربية وقفت قدام بيت حمايا، نزل لوحده.
دخل البيت.
استنيت عشر دقايق.بقلـم حكايات منـال علي
ربع ساعة.
نص ساعة.
ولا سباك دخل.
ولا حد خرج.
نزلت من التاكسي، ووقفت بعيد.
وبعد شوية…
شفت المنظر اللي عمري ما هنساه.
باب العمارة اتفتح.
وجوزي خرج…
وسلفتي خارجة معاه.
لكن اللي صدمني مش إنهم خرجوا مع بعض.
اللي صدمني إنه كان شايل ابنها الصغير على كتفه، وهي ماشية جنبه، والولد بيناديه بصوت عالي:
“بابا… استنى.”
حسيت إن الزمن وقف.
الولد صغير…
أكيد مش فاهم.
أكيد بيقولها بعفوية.
لكن اللي وجعني…
إن جوزي ما صححلوش الكلمة.بقلـم حكايات منـال علي
بالعكس…
ابتسم.
وشاله أكتر.
وساب الولد مكمل يناديه:
“بابا… بابا.”
دموعي نزلت من غير ما أحس.
فضلت واقفة مستخبية.
لحد ما ركبوا العربية ومشيوا.
رجعت البيت وأنا حاسة إني مخنوقة.
وفي الليل، استنيته.
أول ما دخل، قولتله:بقلـم حكايات منـال علي
“كنت فين؟”
قال: “قولتلك.”
قولت: “وشوفت الولاد؟”
قال: “آه.”
قولت: “والولد اللي بيناديك بابا؟”
اتجمد.بقلـم حكايات منـال علي
وشه اتغير مرة واحدة.
وقال: “إنتِ كنتِ بتراقبيني؟”
قولت: “رد عليا.”
سكت.
قولت بصوت عالي: “رد.”
قال بعد شوية: “الولد متعلق بيا.”
قولت: “ومتعلق بيك من إمتى؟”
قال: “من بعد وفاة أبوه.”
صرخت: “كداب.”
بصلي بصدمة.
أول مرة أرفع صوتي بالشكل ده.
قولت: “الولد بيناديك بابا كأنه متعود… وإنت ولا مرة نهيته.”
قال: “حرام أكسر قلبه.”
قولت: “ولا تكسر قلبي أنا؟”
فضل ساكت.
وفي اللحظة دي…
جرس الباب رن.
فتحت.بقلـم حكايات منـال علي
لقيت جارتي اللي ساكنة قدام بيت حمايا.
كانت ست كبيرة في السن.
بصت حواليها، وقالت بصوت واطي:
“أنا جاية أقولك كلمة وهامشي.”
قلبي اتقبض.
دخلتها.
قالت وهي مترددة:
“مكنتش عايزة أتدخل… بس الظلم وحش.”
قولتلها: “قولي.”
قالت:
“أنا ساكنة قدامهم من سنين… وشوفت حاجات كتير.”
سكتت شوية، وبعدين قالت الجملة اللي خلت جوزي يجري من مكانه وهو بيصرخ فيها:
“اسكتي… متكمليش.”
لكن الست بصتلي وقالت:بقلـم حكايات منـال علي
“من قبل وفاة أخوه… جوزك كان بيدخل شقة سلفتك كل يوم تقريبًا في غياب أخوه… والعمارة كلها كانت مستغربة.”
في اللحظة دي… بقلـم حكايات منـال علي
لفيت أبص لجوزي.
ولأول مرة…
ماعرفتش أشوف في عينه غير الخوف.
أول ما الست خلصت كلامها، الصمت ملأ البيت.
كنت ببص لجوزي، وهو واقف وشه شاحب، وكأنه اتكشف قدامي لأول مرة.
صرخت فيه:
“رد… اللي قالته صح ولا كدب؟”
فضل ساكت.
قربت منه خطوة.
“اتكلم.”
قال بصوت واطي:
“متسمعيش كلام الناس.”
بصيت للست.
قالت بثبات:
“لو كنت بكدب، مكنش اتوتر كده.”
جوزي زعق فيها:بقلـم حكايات منـال علي
“اطلعي بره.”
لكنها قبل ما تمشي بصتلي وقالت:
“أنا عملت اللي عليا… وربنا شاهد.”
وقفلت الباب وراها.
لفيت ناحية جوزي.
كنت مستنية منه يقول إنها كدابة.
يقسم.
ينفي.
أي حاجة.
لكنه فضل ساكت.
قولتله:
“إنت كنت بتحبها؟”
رفع عينه بسرعة.
“إيه الكلام ده؟”
قولت:
“جاوبني.”
اتنهد وقال:
“مكانش حب.”
ابتسمت بوجع.
“أمال كان إيه؟”
قال:
“كانت محتاجة مساعدة.”
قولت:
“المساعدة كانت كل يوم؟”
سكت.
“ولما أخوك كان في الشغل؟”
برضه سكت.
كل سكوت منه كان بيأكدلي إن في حاجات مستخبية.
في اللحظة دي مسكت موبايلي.
قلت:
“خلاص… أنا هكلمها.”
مد إيده بسرعة يحاول ياخد التليفون.
“لا.”
بصيتله باستغراب.
“خايف من إيه؟”
قال بعصبية:
“ملهاش ذنب.”
قولت:
“يبقى سيبها تتكلم.”
طلبت رقمها.
ردت بعد رنتين.
“أيوة يا…؟”
قاطعتها.
“أنا مرات أحمد.”
سكتت.
قولت:
“عايزة أسألك سؤال واحد… وتجاوبي بضمير.”
قالت:
“اتفضلي.”
“إنتِ بتحبيه؟”
فضلت ساكتة.بقلـم حكايات منـال علي
ثانية…
اتنين…
تلاتة…
لحد ما سمعت صوت عياطها.
وقالت:
“والله ما كنت عايزة أوصل للي إحنا فيه.”
قلبي وقع.
قولتلها:
“يعني إيه؟”
قالت:
“أنا حاولت أرفض.”
بصيت لجوزي.
كان بيهز راسه بعصبية ويقولي من بعيد:
“قفلي… قفلي.”
لكنني كملت.
قولتلها:
“مين ضغط عليكي؟”
قالت:
“العيلة كلها.”
قولت:
“وأحمد؟”
سكتت.
قولت بصوت أعلى:
“أحمد كان موافق؟”
قالت بعد تردد:
“قالهم… لو ده هيريحكم أنا موافق.”
قفلت المكالمة.بقلـم حكايات منـال علي
ورميت التليفون على الكنبة.
حسيت إن آخر خيط كنت متمسكة بيه اتقطع.
قلتله:
“يعني ولا مرة قلتلهم لأ؟”
قال:
“كنت محتار.”
قولت:
“لا… إنت كنت موافق.”
سكت.
وفي وسط الكلام، باب الشقة خبط بعنف.
فتح.
دخل حمايا وحماتي.بقلـم حكايات منـال علي
واضح إن جوزي كان كلمهم.
حماتي أول ما شافتني قالت:
“إحنا سمعنا إنك بتعملي مشاكل.”
ضحكت.
“أنا؟”
قالت:
“إنتِ اللي مكبرة الموضوع.”
قولتلها:
“هو حضرتك لو ابني اتجوز علي مراته، هتقولي لها برضه متكبريش الموضوع؟”
سكتت.
لكن حمايا اتكلم.
“اسمعيني يا بنتي… القرار خلاص.”
قولت:
“قرار مين؟”
قال:
“العيلة.”
قولت:
“وأنا؟”
قال:
“لو مش عاجبك… محدش غصبك.”
بصيت لجوزي.
كان واقف ساكت.
ولا كلمة.
ولا حتى دافع عني.
حسيت إني بقيت غريبة وسط ناس كنت فاكرة إنهم أهلي.
دخلت أوضتي.
فتحت الدولاب.بقلـم حكايات منـال علي
طلعت شنطة السفر.
بدأت أحط هدومي.
جوزي دخل ورايا.
قال:
“بتعملي إيه؟”
قولت:
“همشي.”
قال:
“إنتِ متسرعة.”بقلـم حكايات منـال علي
قولت:
“لأ… أنا اتأخرت.”
وأنا بقفل الشنطة، وقع ألبوم الصور القديم من الدولاب.
الألبوم اللي فيه صور خطوبتنا وفرحنا.
فتح لوحده على صورة كنا واقفين فيها أنا وهو وأخوه… وسلفتي.
وأنا برفعه، حاجة صغيرة وقعت من بين الصفحات.
ورقة مطوية… لونها أصفر من القدم.
فتحتها باستغراب.
كانت بخط إيد سلفتي.
وأول سطر فيها كان:
“إلى أحمد… أنا عارفة إن اللي بينا غلط، لكن مش قادرة أبعد عنك…”
وفي اللحظة دي… بقلـم حكايات منـال علي
حسيت إن حياتي كلها كانت كذبة… وإن اللي كنت بخاف يكون مجرد شك، بقى قدامي مكتوب بالحبر.
سلفتى ٣
حكايات منال على
فضلت ماسكة الورقة بإيد بترتعش.
قريتها مرة…
واتنين…
وتلاتة.
كل مرة كنت بدور على أي كلمة تثبت إنها قديمة أوي… أو إنها مش المقصود بيها جوزي.
لكن الاسم كان واضح.
“إلى أحمد…”
رفعت عيني وبصيت له.
وشه اتغير.
ولأول مرة من يوم ما بدأت الحكاية… شفته خايف بجد.
قولت بصوت مبحوح:
“إيه دي؟”
قرب مني وقال:
“اديني الورقة.”
رجعت لورا.
“لأ… جاوبني.”
سكت.
قولت وأنا دموعي بتنزل:
“الكلام ده كان قبل جوازنا؟ ولا بعده؟”
قعد على الكرسي، وحط راسه بين إيديه.
وقال بصوت واطي:
“قبل جوازنا.”
اتجمدت مكاني.
قال:
“أخويا كان متقدم لها… وأنا كنت معجب بيها. وهي كمان كانت معجبة بيا. لكن أبويا رفض، وقال الكبير أولى.”
حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي.
كمل وهو باصص في الأرض:
“كل واحد راح في طريقه. هي اتجوزت أخويا… وأنا اتجوزتك.”
قولت بمرارة:
“يعني كنت البديل؟”
رفع راسه بسرعة.
“لا… والله لا.”
لكن الكلمة دي ما كانش ليها أي قيمة بعد اللي عرفته.
سألته:
“وبعد الجواز؟”
قال:
“ولا حصل بينا أي حاجة غلط. كنت بتعامل معاها لأنها مرات أخويا… وبعد وفاة أخويا، كل اللي في البيت ضغطوا عليا، وفكروني بالماضي، وقالوا دي فرصة إن الولاد يفضلوا وسط العيلة.”
قولت:
“وأنت وافقت بسهولة.”
قال وهو بيبكي لأول مرة:
“افتكرت إني بعمل الصح… ومافكرتش قد إيه أنا بظلمك.”
في اللحظة دي، الباب خبط.
كانت سلفتي.
أول ما دخلت، شافت الورقة في إيدي.
وشها اصفر.
وقالت:
“لقيتيها؟”
قولت:
“آه… ولقيت معاها الحقيقة.”
قعدت على الكنبة، وفضلت تعيط.
وقالت:
“الورقة دي كتبتها من أكتر من عشر سنين… قبل ما أتجوز أخوه. وبعدها ندمت، وقطعت علاقتي بيه تمامًا.”
بصت لجوزي وقالت:
“من يوم ما اتجوزت أخوك، عمري ما فكرت فيه بالطريقة دي. كان أخو جوزي وبس.”
وسكتت لحظة، ثم كملت:
“ولما العيلة اقترحت الجواز بعد وفاة جوزي، أنا رفضت أكتر من مرة. لكن كل يوم كانوا يقولولي: هتضيعي مستقبل الولاد.”
بصيت لها.
كانت مكسورة هي كمان.
مش فرحانة.
ولا مستنية فرح.
مجرد ست فقدت جوزها، وبتحاول تنقذ ولادها.
لفيت ناحية جوزي.
قولت:
“أنت كنت تقدر تقول لأ.”
نزل راسه.
“كنت أقدر.”
“لكنك ماقولتش.”
هز راسه بالموافقة.
ساعتها خدت شنطتي.
قال وهو بيجري ورايا:
“رايحة فين؟”
قولت بهدوء:
“عند بيت أبويا.”
قال:
“يعني خلاص؟”
بصيتله آخر بصّة.
وقولت:
“الحب ممكن يستحمل الفقر… ويستحمل المرض… ويستحمل مشاكل الدنيا كلها.”
وسكت شوية.
“لكن عمره ما يستحمل إنه يبقى الاختيار التاني.”
خرجت من البيت.
وأنا نازلة السلم، حسيت إن كل خطوة بتوجعني.
بس لأول مرة من أيام…
كنت ماشية ورأسي مرفوعة.
بعد أسبوعين، بعتلي إنه رفض الجوازة قدام أهله، وقالهم إنه ظلم مراته، وإنه مش هيبني بيت على حساب بيت تاني.
لكن بالنسبة لي…
كان القرار جه متأخر.
لأن الثقة لما بتتكسر…
صعب جدًا ترجع زي الأول.
انتهت حكايتي، لكن لحد النهارده كل ما حد يسألني: “إيه أكتر حاجة وجعتك؟”
أرد وأقول:
“مش إنه فكر يتجوز… الوجع الحقيقي إنه خلاني أحس، ولو للحظة واحدة، إن السنين اللي حبيته فيها كانت أهون عليه من قرار أخده في دقيقة.”
تمت.


تعليقات
إرسال تعليق