دكتوره نساء كاملة امانى سيد
دكتوره نساء كاملة امانى سيد
انا بشتغل دكتوره نسا وتوليد وكان فى حامل بتيجى تتابع معايا كل اسبوعين رغم انى بقولها انى حالتها كويسه وتيجى كل شهر إلا انها بتصر انها تيجى كل اسبوعين وكل مره تيجى فيها تفضل تحكيلى أد إيه جوزها بيدللها وبيحبها وهو اللى بيطلب منها تيجى تطمن على الجنين كل اسبوع عشان يتأكد انها والجنين بالخير
لما سالتها طيب ليه مش بيجيى معاكى قاتلى إنه بيتحرج يجيى عشان العياده كلها حريم لكن هو بيكون مستنيها تحت
لما كان يجبلها هديه كان لازم تورهانى عشان تعرفنى أد ايه بيحبها ويراعيها لدرجه انى اتعودت اسمع منها مغامراتها مع جوزها فسحها فين راحوا فين وجم منين كانت بتورينى صور الاماكن اللى بيروحوها
فضلت تتابع معايا لاخر يوم فى حملها واحنا بنحدد هتولد فى مستشفى ايه اتفاجئت بيها بتطلب منى اولدها فى مستشفى غير اللى انا بولد فيهم
سالتها عن السبب وخصوصاً إن المستشفيات اللى بولد فيها ممتازه لكن اللى هى بتقولى عليها اسعارها غاليه زياده عن اللزوم
لكن انا رضخت لطلبها ووافقت فى الاخر هى اللى هتدفع مش انا يوم الولاده سبقتها ودخلت غرفه العمليات أتأكد من التجهيزات
وبعدها الممرضين جهزوزها ودخلتلى خلصت من الولادة وخرجت من غرفة العمليات وأنا شايله البيبى وعندى فضول أشوف جوزها اتفاجئت بجوزى قدامى جريت عليه وانا شايله المولود الجديد وبوريهوله
ـ بص يا رأفت البنت حلوه ازاى لسه مولوده حالا
وقف رأفت ساكت ووشه شاحب شحوب الاموات
رحت بصتله باستغراب وقولتله
ـ صحيح يا رأفت انت عرفت مكانى هنا منين ؟؟؟
سكت رأفت ومش عارف يرد يقول ايه مافيش ثوانى لقيت ست كبيره قربت منى انا ورافت وهى بتزغرد وبتقوله مبروك عليك يا ابو رشا
ابو رشا ربطت الاحداث ببعض الحامل وجوزى اللى مجاش ولا مره يتابع معاها الحمل ومافيش صوره ليه انا شوفتها معاها وطلبها انى اولدها والحاها انها تحكيلى علاقتها بجوزها
بس هي ياترى جوزى كان عارف انى أنا اللى متابعه حملها ؟؟
وقف الدم في عروقي، واللحظة اتجمدت بشكل يرعب. رأفت كان بيبصلي بعيون مرعوبة، مش قادر يرمش ولا ينطق بكلمة، والست الكبيرة نازلة زغاريد وفرحانة، بتمسح على ظهر رأفت وبتقوله: “تربى في عزك يا بني، عقبال ما تحضن عوضك بالولد المرة الجاية!”
البيبي في حضني كان بيعيط، وأنا إيدي كانت بكي تعرق وترتعش، حسيت كأن السقف بيقع عليا. بصيت لـ رأفت ونظرتي كانت كفيلة تخشبه مكانة.. سألته بصوت هادي وميت، عكس البكان الشغال جوايا:
ـ “رأفت.. هي مين دي اللي أبو رشا؟ ورشا مين؟”
رأفت بلع ريقه بصعوبة، لسانه اتعقد ومش عارف يطلع حرف، وحاول يخطو خطوة لورا كأنه عاوز يختفي من الوجود. في الوقت ده، الست الكبيرة بصتلي باستغراب وهي شايفة ذهولي ومسكت البيبي من إيدي وهي بتقول ببراءة قاتلة:
ـ “هاتيه يا دكتورة تسلم إيديكي، ده رأفت من الصبح واقف على أعصابه بره ومستني يطمن على مراته وبنته، كتر خيرك يا دكتورة والله، عقبال ما نفرح بيكي!”
الكلمات كانت بتنزل عليا زي الخناجر. كل حاجة اترتبت في دماغي في ثواني زي البازل.. تفاصيل الـ 9 شهور الحامل اللي كانت بتيجي كل أسبوعين، الهديا اللي كانت بتوريهالي، الخروجات، حكايات الدلع، إصرارها إنها توصفلي أد ايه بيحبها وبيخاف عليها.. وإصرارها الغريب إنها تولد في المستشفى دي بالذات، رغم إنها غالية جداً.. رأفت هو اللي كان بيدفع، وهو اللي كان مستني تحت كل مرة بتجيلي فيها العيادة!
أنا ما صرختش، وما بكيتبش، الذهول كان أكبر من أي رد فعل. سلمت البيبي للست، ومشيت بخطوات تقيلة ناحية أوضة العمليات تاني عشان أغير هدومي، ورأفت ماشى ورايا زي الضل، ينادي بصوت واطي ومرعوب:
ـ “يا دكتورة.. يا حبيبتي أفهميني بس والله العظيم…”
فتحت باب الأوضة ولفيت بصلتله بثبات يخوف، وقولتله جملة واحدة بصوت واطي بس حاد زي الموس:
ـ “لو قربت مني خطوة واحدة دلوقتي، هسيبلك المستشفى والشارع كله.. استنى لما أخرج.”
قفلت الباب في وشه، وقعدت على الكرسي وجسمي كله بيتنفض. كل مشهد بيني وبين المريضة دي كان بيتعاد قدام عيني.. ابتسامتها وهي بتوريني الصور، نظرة العيون لما كانت بتقولي “أصل جوزي بيموت فيا وما بيطيقش عليا الهوا”.. هي كانت عارفة! هي ما جتش العيادة بالصدفة، هي كانت جاية تستعرض وجودها في حياته قدامي، كانت بتكسرني واحدة واحدة من غير ما أحس، واستغلت إني دكتورة وشاطرة عشان أطلع ببنته للنور بإيديا!
أنا ما كنتش مجرد دكتورة بنسبالها.. أنا كنت “الست الأولى” اللي هي جاية تاخد مكانها، وحبت تلعب معايا لعبة نفسية خبيثة للآخر.
غيرت هدومي، وخرجت ببرود تام. لقيت رأفت واقف بره وشه أصفر متلج، والست الكبيرة دخلت بالبيبي لأوضة المريضة. مشيت في الممر بخطوات منتظمة، ورأفت جه ورايا وهو بيترجاني:
ـ “أنا عارف إنك مصدومة.. بس والله هي اللي زنت عليا، أنا ما كنتش عاوزها تيجيلك، هي اللي أصرت وتعبت وقالتلي لازم الدكتورة دي بالذات عشان شاطرة، أنا ما عرفتش إني بولدها عندك غير النهاردة لما لقيتك داخلة المستشفى!”
وقفت وبصيتله في عيونه وقريب منه أوي، وقولتله بمنتهى الهدوء:
ـ “يعني هي كانت عارفة.. وأنت كنت المغفل اللي بيتساق، ولا كنتوا متفقين تقفلوا الدايرة عليا؟”
قبل ما يرد، باب الأوضة اتفتح، والممرضة خرجت بتقول: “المدام فاقت وبتسأل عن الدكتورة عاوزة تشكرها بنفسها.”
بصيت لـ رأفت ابتسامة سخرية متألمة، وقولتله:
ـ “تعال معايا يا رأفت.. ندخل سوا نشرب الشربات ونبارك للمدام، ونشوف تمثيليتها المرة دي هتكمل إزاي!”
دخلت الأوضة، ولقيتها قاعدة على السرير سانده ظهرها، ماسكة البيبي وبتعيط من الفرحة.. أول ما شافتني مع رأفت، ابتسمت ابتسامة هادية جداً، ابتسامة نصر مش محتاجة تفسير، وقالتلي بصوت رقيق:
ـ “شكراً أوي يا دكتورة.. تسلم إيديكي، بصي بنتي شبه باباها رأفت إزاي؟”
بصيتلها بثبات، عيني في عينها، وهي محافطة على نفس الابتسامة الهادية الليلة اللي فيها سم بيقطر. رأفت كان واقف ورايا، كأنه صنم متكتف، مش عارف يودي وشه فين ولا يهرب من الموقف إزاي.
قربت خطوات من السرير بخطوة دكتورة محترفة، ماسكة نفسي بالعافية، وحابسة النار اللي بتاكل في صدري. اتكلمت ببرود تام:
ـ “حمد الله على سلامتك يا مدام.. البنت وزنه وصحتها كويسين جداً.”
هي ما اكتفتش بالنصر دا، حبت تكمل اللعبة النفسية للآخر وتكسر كبريائي قدام جوزي، أو بالأحرى “جوزنا”. بصت لـ رأفت بنظرة انكسار مصنعة، ودلعت صوتها وهي بتقول:
ـ “رأفت يا حبيبي.. معلش تعال ادلي المخدة ورا ضهري، حاسة إن ضهري هينكسر.. مش قادرة أظبط قعدتي خالص.”
رأفت بصلها برعب، وبعدين بصلي بثواني متلخبطة، كان متردد يتحرك ولا يفضل مكانه. بس هي كملت بمسكنة وهي بتمسك إيده قدامي:
ـ “تعال بس يا حبيبي.. أنت عارف أنا ما بأمنش حد يلمسني أو يخد باله مني غيرك، من أول الحمل وأنت اللي بتشيلني وتحطني.”
رأفت اتقيد، وجيه بطريقة مرتبكة يسند المخدة ورا ضهرها، وإيده كانت بتهتز كأنه بيمسك جمرة نار. هي استغلت القرب ده، ولمست إيده بحنية واستندت عليه بكل ثقلها، وعينها متثبتة عليا بتراقب رد فعلي، كأنها بتقولي: *شفتي اللي كنت بحكيهولك في العيادة؟ طلع حقيقة اهو وعلى عينك يا تاجر.*
أنا فضلت واقفة، ملامحي زي الجليد، مش هديها متعة إنها تشوف دموعي ولا تعصبي.
أول ما ظبطت قعدتها، بصتلي وقالت بصوت مجهد متصنع:
ـ “دكتورة.. هو أنا ينفع أقوم أمشي دلوقتي؟ رأفت قلقان عليا أوي ومستني بفارغ الصبر لما أقوم على رجلي، أصل الجرح بيوجعني أوي ومش هقدر أقوم لوحدي.. تعال يا رأفت مسكني من وسطي وسندني عشان أتحرك شوية زي ما الدكتورة قالت.”
رأفت وشه بقى أصفر زي الورقة، وبلع ريقه وهو بيحاول يهرب من اللحظة دي، وبصلي بصوت مبحوح:
ـ “هو.. هو ينفع تقوم تمشي دلوقتي يا دكتورة؟ ولا بلاش تحميل على الجرح؟”
ابتسمت ابتسامة خفيفة، باردة جداً، وجاوبت وأنا باصة لـ رأفت في عيونه مباشرة:
ـ “بالعكس يا رأفت.. الحركة مهمة جداً عشان الجرح وعشان التجلطات.. اتفضل سندها، ماهو أنت متعود على شيل مسؤوليتها وتدليلها طول التسع شهور اللي فاتوا.. كمل جمك للنهاية!”
رأفت اتسمر مكانه، والكلمة نزل عليه زي الصاعقة. هي حست بحرج بسيط من نبرتي، بس سرعان ما استعادت ثقتها، وراحت ماداله إيديها الاتنين وهي بتقوله بدلع:
ـ “يلا يا رأفت.. قومني بالراحة، مسكني كويس بلاش تسيبني أقع.”
قرب منها رأفت بإيدين بترتعش، وربط دراعه حوالين وسطها عشان يقومها، وهي سأندة كل جسمها عليه، وبتتنهد بوجع متصنع، وواضعة راسها قريب جداً من كتفه، وعينها عليا في كل خطوة بتخطوها…
دكتوره نسا ٢
قصص وروايات أمانى سيد
رأفت كان ماسكها بذهول وإيديه بترتعش، وهي حاطة إيدها على كتفه وتقلانة عليه بتمثيل متقن، بتئن بصوت واطي عشان تبين أد ايه هي رقيقة ومحتاجة له. خطوة بخطوة، كانت تبصلي بنظرة فيها انتصار مريض، كأنها بتقولي: *”أدي الراجل اللي كنتِ فاكراه بتاعك لوحدك.. بيمسكني قدامك وبيحايلني عشان خاطري.”*
أنا فضلت واقفة في مكاني، مربعة إيدي، هادية ومتحكمة في كل نفس طالع مني. الثبات اللي كنت فيه ده كان بيجنن رأفت وبيحرقه، وكان مخليه يتمنى الأرض تتشق وتبلعه.
قامت بصوبة ووقفت على رجليها وهي ماسكة في رأفت بكل قوتها، وقالت بصوت مجهد:
ـ “بس يا رأفت بالراحة.. الجرح بيشد أوي، مسكني كويس من وسطي.”
رأفت حط إيده التانية بإحراج قاتل، وعيونه مش قادرة تتلاقى مع عيوني إطلاقاً. بصيت للممرضة اللي واقفة جمبي ومتابعة المشهد وهي مش فاهمة حاجة، وقولتلها ببرود مهني تام:
ـ “المريضة هتمشي في الممر لمدة خمس دقائق يا سمر، عشان الدورة الدموية والجرح.. وبعدها ترجع ترتاح، وتاخد المسكنات في مواعيدها.”
بصيت لـ رأفت وللمدام وكملت بنبرة هادية جداً بس كل كلمة فيها نازلة زي الس\كينة:
ـ “عن إذنكم بقى.. شغلي معاكم كـ ‘دكتورة’ انتهى لحد هنا والبيبي نزل بخير.. الباقي بقى حسابات تانية، وأظن نتكلم فيها بعدين يا ‘أبو رشا’.”
أول ما نطقت كلمة “أبو رشا”، رأفت ساب إيدها فجأة كأنه اتكهرب! هي اتطوحت شوية وكانت هتقع، فمسكت في طرف السرير بضايق، وبصت لـ رأفت بعتاب وزعل متصنع:
ـ “في إيه يا رأفت؟ مالك سيبتني كده كنت هقع! إنت متلخبط ليه قدام الدكتورة؟”
رأفت ما ردش عليها، ولا حتى بصلها، هو كان مركز معايا أنا، وجي يخطو خطوة ناحيتي وهو بيمد إيده يترجاني:
ـ “استني يا حبيبتي.. والله العظيم ما هسيبك تخرجي كده، لازم تسمعيني الأول!”
مسكت مقبض الباب، ولفيت بصيتله نظرة واحدة كفيلة تخلي أي راجل يقف مكانه.. نظرة ما فيهاش دموع، ما فيهاش عتاب، فيها استغناء تام وموت لأي مشاعر كانت جواه.
ـ “لو خطيت ورايا خطوة واحدة برة الأوضة دي يا رأفت.. أو حاولت تلمس باب عربيتي، هعملك فضيحة في المستشفى دي كلها تسود وشك ووش هانمك اللي فرحانة بيك دي.. اقعد جنب بنتك ومراتك الجديدة، وشوف حساب المستشفى كام عشان تدفعه.. أصلها غالية زي ما هي طلبت بالظبط!”
فتحت الباب وخرجت، وقفلته ورايا بهدوء شديد.. مشيت في ممر المستشفى بخطوات ثابتة، وراسي مرفوعة، رغم إن قلبي من جوة كان بيتقطع وبيتفرم مليون حتة. بس اللحظة دي.. لميت فيها كل كرامتي، وعرفت إن المواجهة الحقيقية لسه ما بدأتش!
نزلت في الأسانسير وجسمي كله بيترعش، مش خوف ولا ضعف، لكن من كثرة الصدمة والضغط العصبي اللي كنت كاتماه طول الساعات اللي فاتت. أول ما قفلت باب العربية عليا، المقود بين إيديا كان بيتهز من كثر ما إيدي كانت ماسكاه بقوة.. أخيرًا الدموع اللي حبستها قدامهم نزلت، بس ما كانتش دموع انكسار، كانت دموع قهر وغضب من تمثيلية رخيصة اتعاشت عليا 9 شهور كاملين.
كل كلمة كانت بتقولها في العيادة كانت بتتردد في ودني زي الصدى:
“أصل رأفت بيحبني أوي يا دكتورة..”
“رأفت جابلي الهدية دي عشان يراضيني..”
“رأفت قال لي مش هترتاحي غير لما تروحي للدكتورة الشاطرة دي..”
كل التفاصيل الصغيرة كانت ملعوبة بدقة، كل زيارة كانت كارت بيترمي في وشي وأنا مش حاسة. كانت بتلعب معايا لعبة استعراض قوة، واستغفال، وكسر عين.. وجوزي؟ جوزي كان الكومبارس المطيع اللي مشي وراها، وكان فاكر إنه يقدر يلعب على الحبلين من غير ما يتكشف.
شغلت عربيتي ومشيت، وفي نص الطريق التليفون بدأ يرن.. الشاشة نورت باسم “رأفت”.
ما ردتش.. سيبته يرن المرة الأولى، والتانية، والتالتة.. لحد ما بعت رسالة:
*”والله العظيم مظلوم، افهميني يا أميرة، هي اللي خططت لكل ده من ورايا، قسمًا بالله ما كنت اعرف إنها جايلك العيادة غير مؤخرًا وما عرفتش أتصرف إزاي، ارجعي البيت نبت في الموضوع ده بالله عليكِ!”*
ضحكت بمرارة وأنا بقرأ الرسالة.. “ما عرفتش أتصرف إزاي؟!”، يعني كان فاهم وعرف، وسابها تيجيلية كل أسبوعين تتفنن في استعراضي وتسمعني تفاصيل حياتها معاه، وسكت وجبُن إنه يواجهها أو يمنعها!
وصلت شقتي، الشقة اللي عشت فيها معاه سنين وأنا فاكرة إننا بنبني بيت وسند. دخلت ولميت كل أوراقي المهمة، شهاداتي، عقود شغلي، ودهبي اللي اشتريته بتعبي.. وما لمستش هدومه ولا أي حاجة تخصه.
ما لحقتش أخلص لم حاجتي، ولقيت الباب بيتفتح بالمفتاح ودخل رأفت، كان شكله يرحم من كثر الخوف والنهث، أول ما شاف الشنطة على الأرض اتربص مكانه وجري عليا يمسك إيدي:
ـ “أميرة.. استني! مش هسمحلك تمشي وتدمر بيتنا عشان واحدة مريضة نفسيًا!”
شدت إيدي منه بجمود هز المكان، وبصيتله بنظرة خلته يرجع خطوة لورا، وقولتله بنبرة هادية أشد من العاصفة:
ـ “بيتنا؟ أنت سبت بيت عشان يتدمر يا رأفت؟ البيت اتهد من أول يوم وافقت تسيبها تيجي عيادتي وتدبحني على بطيء وأنت متداري تحت العمارة مستنيها!”
ـ “والله العظيم هي اللي أصرت وتعبتني زن! هي كانت عرفت إنك مراتي من على فيسبوك لما نزلت صورتنا في عيد جوازنا، ومن ساعتها وهي جالي لها جنون، أصرت تتابع عندك ولما رفضت هددتني إنها هتقولك من أول يوم! خفت.. خفت أواجهك بالخبر فتخسريبن بالصدمة، قولت أسيبها تولد وتنتهي القصة من غير ما تعرفي!”
قربت منه خطوة واحدة، وعيني ثابته في عينه:
ـ “خفت عليا من الصدمة؟ فقمت سبتها تديني الصدمة بالتقسيط على مدار 9 شهور؟ سبتها توصفلي لمستك ليها، وفسحكم، وهداياكم.. سبتها تخش غرف عملياتي وتطلب مني بأدب أدخل بنتك الدنيا بإيديا؟ أنت مش خفت عليا يا رأفت.. أنت كنت جبان، والجبان ألعن مليون مرة من الخاين!”
شيلت شنطتي وجيت أتحرك ناحية الباب، وقف قدامي وهو بيعيط بحرقة وبيحاول يقفل الباب بجسمه:
ـ “مش هسيبك تخرجي يا أميرة.. طلبي اللي أنتِ عايزاه، هطلقها بكره! هرميلها البنت ومش هشوفها تاني، بس ما تهديش حياتنا!”
ابتسمت ابتسامة هادية جداً، ابتسامة حد خلاص قفل الصفحة وما بقاش فارق معاه حاجة، وقولتله:
ـ “أنت فاكر إن المشكلة فيها هي؟ المشكلة فيك أنت يا رأفت.. هي لعبت لعبة خبيثة، بس أنت اللي اديتها الكروت. ابعد عن الباب بدل ما أطلب النجدة، وأظن إنت عارف إني هعملها.”
شاف في عيني القسوة والثبات اللي عمره ما شافه فيا.. وسع عن الباب ببطء، وخرجت من باب الشقة ومن حياته كلها، وأنا بمسح أخر دمعة نزلت مني.. وعارفة إن الخطوة الجاية مش استسلام، الخطوة الجاية هي القصاص القانوني والشرعي اللي هيرجعلي حق كرامتي اللي اتهانت!
نزلت السلالم بخطوات سريعة ومشايفة قدامي من كثر ما عينيا كانت مغيمة بالدموع، بس جوايا ثبات غريب أول مرة أحس بيه. فتحت باب العربية، رميت الشنطة في الكنبة اللي ورا، وركبت. مسكت الدكسيون بإيدين بترتعش، وقبل ما ألف المفتاح عشان أدور، لقيته نازل يجري ورايا في الشارع زي المجنون، بيهتف باسمي وبيخبط على زجاج العربية:
ـ “أميرة! افتحي الزجاج يا أميرة عشان خاطر ربنا.. ارجوكي اسمعيني، متضيعيش اللي بينا في لحظة غضب!”
بصيت له من ورا الزجاج المقفول ببرود تام.. كان شكله يصعب على الكافر، وشه شاحب وهدومه متلخبطة، بس المنظر ده ما حركش فيا شعرة واحدة. كل اللي كان بيتعاد في دماغي هو شكلها في أوضة المستشفى وهي بتمسك إيده بدلع وتقوله “عدلي المخدة”، وهو وافق يلعب الدور ويمسكها قدامي!
دوست بنزين ومشيت، وسيبته واقف في نص الشارع يصرخ وينادي.. في لحظة واحدة حسيت إن الكابوس اللي عشته التسع شهور اللي فاتوا بدأ يتكشف، بس الألم الحقيقي كان إن كل ذكرياتي الحلوة معاه اتسممت. كل مرة كان بيجيلي فيها البيت جايبلي ورد ولا هدية، كنت بفتكر إنها كانت طالعة من عنده من شوية وجايب للثانية زيها أو أحسن!
سقت لحد ما وصلت بيت بابا.. نزلت ورنيت الجرس. أول ما بابا فتح الباب وشاف الشنطة في إيدي ووشي الميت، اتخض وقالي بلهفة:
ـ “في إيه يا حبيبتي؟ مالك يا أميرة؟ رأفت جرى له حاجة؟”
دخلت، وقعدت على أقرب كرسي، وبصيت لبابا وقولتله بنبرة هادية ومفهاش أي انفعال:
ـ “رأفت اتجوز عليا يا بابا.. وعنده بنت ولدتها بإيديا النهاردة.”
بابا اتسمر مكانه، ملامحه اتغيرت مية وتمانين درجة، والذهول شله. أمي خرجت من المطبخ على صوتنا وهي بتصرخ:
ـ “إيه اللي بتقوليه ده يا بنتي؟! أنتِ اتجننتِ ولا جرى لعقلك حاجة؟ رأفت اللي بيموت فيكي يعمل كده؟!”
ـ “أيوه يا بابا.. وعاش معايا تسع شهور بيمثل، وهي كانت بتجيلي العيادة كل أسبوعين تتفنن تحكيلي عن خروجاتهم وهداياهم وتكسر فيا وأنا مش فاهمة!”
حكيت لبابا ولأمي التفاصيل كلها من أول زيارتها للعيادة لحد لحظة الولادة وموقف المستشفى.. بابا كان بيسمع وهو إيده بتترعش من الغضب، وعيونه فيها نار هتولع. أول ما خلصت، بابا قام وقف وقال بصوت يهز البيت:
ـ “ده بني آدم نذل وخسيس! بقى يستغل إنك دكتورة وشاطرة ويعمل فيكي اللعبة القذرة دي؟! وحياة دمعتك دي يا أميرة لأمسح بيه الأرض وأخليه يندم على اليوم اللي فكر يكسر فيكي!”
في نفس اللحظة، تليفون بابا بدأ يرن.. كان رأفت.
بابا بص للشاشة، وبصلي، وبعدين فتح السبيكر ورد بصوت زي الرعد:
ـ “أنت ليك عين تتصل يا بني آدم يا ناقص؟!”
صوت رأفت جيه من الناحية الثانية بيعيط وبيقاطع بابا بانهيار:
ـ “يا عمي أرجوك افهمني! والله العظيم أنا اتدبست، والله ما كنت عاوز كده.. أنا بحب أميرة وما أقدرش أعيش من غيرها، المستبدة دي هي اللي خططت لكل ده ودمرت حياتي عشان تكسر أميرة!”
رد عليه بابا بقسوة ورجولة:
ـ “المستبدة دي أنت اللي دخلتها بيتك، وأنت اللي خلفات منها، وأنت اللي سيبتها تدخل عيادة مراتك واستندت عليك قدامها! مراتك شالها راجل، وأنا هعرف أرجع لها حقها منك ومنها.. ورقتك ورقة أميرة توصلها لحد عندها، ومش عايز أشوف وشك الزفر ده تاني هنا!”
بابا قفل السكة في وشه ومنع أي اتصالات تانية. قعدت على السرير في أوضتي القديمة، وبصيت للسقف.. الليل كان طويل، والأفكار بتاكل في دماغي، بس جوايا قرار واحد مفيش رجعة فيه.
ثاني يوم الصبح، صحيت وعينيا منفوخة، بس عقلي كان صافي جداً. مسكت التليفون وطلبت رقم حازم المحامي، صديق العيلة.
ـ “أهلاً يا دكتورة أميرة، خير في حاجة؟”
ـ “صباح الخير يا أستاذ حازم.. أنا عايزة أرفع قضايا طلاق للضرر، وحظر تعامل، ودعوى تعويض عن الأضرار النفسية والمهنية اللي اتسببتلي فيها الق\ضية دي.. وعايزاك تجهزلي كل الأوراق فوراً.”
المواجهة اتغيرت.. مش هسيب حق كرامتي ولا شغلي اللي استغلوه يستباح بالسهولة دي!
دكتوره نسا ٣
أمانى السيد
رجعت العيادة بعد يومين إجازة كان عقلي فيهم عمال يوزن الأمور بالمسطرة. الوجع موجود، بس صدمة الذهول بدأت تفسح مجال لخطة واضحة ومحددة.. أنا مش هسيب سنتيمتر واحد من حقي، ولا هسمح لشيء يمس اسمي أو مهنيتي.
أول حاجة عملتها، طلبت الممرضة سمر وأنا قاعدة على مكتبي، براجع دفتر الحسابات والسجلات.
ـ “سمر.. أتعاب جراحة الولادة بتاعة المدام إمبارح اتحولت بالكامل للحساب؟”
سمر هزت راسها بسرعة وقالت: “أيوه يا دكتورة، المبلغ كاملاً وصل لحسابك الشخصي، وحساب المستشفى والمصارف الطبية اتسدد بالكامل من طرف الأستاذ رأفت قبل ما يخرجوا.”
قفلت الدفتر بهدوء. تمام.. حقك المالي والمهني كدكتورة أخدتيه بالمليم، والجراحة تمت بنجاح، ومفيش مخلوق يقدر يمسك عليكي غلطة مهنية واحدة. القصة هنا مش أزمة فلوس ولا تجارة، القصة ق\ضية غش وتدليس!
في نفس اليوم بالليل، كان أستاذ حازم المحامي قاعد قصادي في الصالون عندي في بيت بابا، حاطط الأوراق والملفات قدامه وبيسمعني بتركيز.
ـ “بص يا أستاذ حازم..” كملت بنبرة قاطعة ومفيش فيها أي تردد:
ـ “أنا أخدت أجري كاملاً عن العملية، ومفيش بيني وبينهم أي نزاع مالي.. بس أنا عايزة قض\ية طلاق للضرر، ضرر مبني على الغش، والتدليس، والإضرار النفسي والتعمد في إهانتي واستغلال مهنتي!”
حازم هز رأسه وبيسجل الملاحظات: “تمام يا دكتورة، بس رأفت ممكن يدافع ويقول إنه جوزك وده حقه الشرعي إنه يتجوز ثانية، والقاضي ممكن يشوف إن الزواج التاني في حد ذاته مش سبب كافي للطلاق للضرر إلا بشروط.”
بصيتله بثبات وابتسمت ابتسامة حادة:
ـ “الضرر مش إن اتجوز يا أستاذ حازم.. الضرر إنه خفى عليا زواجه 9 شهور، وساب الزوجة الثانية تتردد على عيادتي الشخصية بانتظام واستغفلني، ودخلني في حالة غش وتدليس إني أباشر حمل مراته التانية وأولدها من غير علمي وبطريقة فيها استعراض وتعمد لإهانة كرامتي وسمعتي المهنية! هو خدعني وغشني وغش بيتي، وده في حد ذاته يثبت الضرر الاستثنائي اللي يخليني أطلب الطلاق وأنا حاطة رجل على رجل.”
حازم ابتسم بإعجاب وقال: “كده اللعبة اتغيرت.. إحنا مش بنرفع طلاق عشان اتجوز، إحنا بنرفع طلاق عشان خيانته للأمانة والغش والتصرفات اللي سببتلك إهانة مادية ونفسية ومهنية لا يمكن جبريها. وبشهادة الممرضات وسجلات العيادة والمستشفى، موقفنا هيكون صلب جداً في المحكمة.”
في لحظتها، التليفون رن برقم رأفت.. مسكت التليفون، وفتحت السبيكر قدام بابا وحازم، ورديت بكل جفاء:
ـ “خير يا رأفت؟”
صوته جيه متقطع، منهار ومكسور:
ـ “أميرة.. عشان خاطر ربنا رد عليا، الفلوس وصلتلك صح؟ أنا سددت كل حاجة، والبيت تحت أمرك، وأنا مستعد أكتبلك الشقة باسمك بس ارجعيلي وما ترفعيش قضايا.. أنا انضحك عليا والله!”
رديت عليه بصوت زي الحديد، نبرة مفيهاش أي مجال للتفاوض:
ـ “أنا أخدت حق شغلي يا رأفت، والجنيه اللي دخل جبي ده تمن شغلي وتعبي، مش رشوة عشان أسكت على الهبل اللي عملته.. أنت ما انضحكش عليك، أنت اللي ضحكت عليا وغشتني. خدتني لحم ورميتني للغريبة تتفنن في كسر كرامتي وأنت واقف تتفرج ومبسوط بالنصيبين!”
ـ “والله ما كنت مبسوط يا أميرة! أنا مستعد أطلقها فوراً ببنته!”
ـ “تطلقها ما تطلقهاش ده شيء ما يخصنيش.. البنت اللي نزلت دي مالهاش ذنب في قذارتكم، بس أنت بالنسبة لي انتهيت يوم ما وافقت تلعب دور الضحية والكومبارس في تمثيلية رخيصة. ورقة طلاقي توصلني بكرامة، يا إما صحيفة الدعوى بتاعة الطلاق للضرر والغش هي اللي هتتوصلك على يد محضر في مكان شغلك قدام زمايلك كلهم!”
وقبل ما ينطق بحرف، قفلت السكة في وشه.. وبصيت للأستاذ حازم وقيلتله:
ـ “جهز العريضة يا حازم.. القصة دي لازم تنتهي
مر أسبوع، وكانت خطوات الق\ضية ماشية زي الساعة. حازم المحامي جهز عريضة الدعوى وصاغها بأسلوب قاطع، مش بس طلاق للضرر، لكن طلاق مبني على الخداع والتدليس، واستغلال الصفة المهنية لإلحاق أذى نفسي وعصبي متعمد.
في يوم الجلسة الأولى، كنت قاعدة في الاستراحة جنب بابا وحازم، لابسة بطريقتي المعتادة، هادية وشايلة نفسي بمنتهى الكبرياء. ورغم إن قلبي كان حاسس بشرخ عميق، إلا إن ملامحي كانت زي الرخام.. مش هدي حد فرصة يشوفني مكسورة.
فجأة، الممر اتملى حركة، وشفته جاي من بعيد. رأفت كان باين عليه التعب، وشاحب، ووراه أخته ووالدته. أول ما عينه جت في عيني، خطوته اتلخبطت وجي يدخل ناحيتنا بلهفة، بس حازم وقف في وش ببرود وقاله:
ـ “خليك في مكانك يا أستاذ رأفت.. الكلام هنا هيكون قدام القاضي وبس.”
أمه قربت مني، وعينها مليانة ترجي وعتاب:
ـ “يا دكتورة أميرة.. يا بنتي استهدي بالله، البني آدم خطاء، ورأفت اتعلم الدرس وعارف إنه غلطان، عشان خاطر الأيام اللي بينكم بلاش محاكم وفضايح.”
بصيتلها بثبات وابتسمت ابتسامة خفيفة، وقولتلها بصوت هادي وواضح:
ـ “يا طنط، أنا أخدت أجري كاملاً عن عملية الولادة، ومفيش بيني وبينه أي خلاف مالي ولا جاية أطالب بفلوس.. أنا جاية أخد حريتي وكرامتي. ابنك مش بس اتجوز عليا، ابنك غشني وضحك عليا، وساب مراته التانية تستغفلني في عيادتي 9 شهور وتتفنن في إهانتي وأنا مش فاهمة، وهو وافق يلعب الدور ويمثل عليا.. الغش والخديعة دول مش خطأ غير مقصود، دي خيانة أمانة وصعب تتغفر.”
رأفت صرخ بنبرة مبحوخة وهو بيبصلي بوجع:
ـ “والله العظيم ما كنت عاوز كل ده يحصل يا أميرة! أنا طلقتها! قسمًا بالله طلقتها ورميت لها كل حاجة، أنا مش عاوز غيرك أنتِ.. بلاش تهديلنا اللي بنيناه في لحظة!”
الكلمة نزل عليا ببرود تام.. بصيتله وقولتله بكل جفاء:
ـ “طلقتها أو ما طلقتهاش ده شيء يخصك ويخص بنتك اللي ملهاش ذنب في القذارة دي.. بس أنت بالنسبة لي اتمسحت من حياتي اللحظة اللي وافقت فيها إنك تخليني أمارس شغلي تحت وطأة الخدعة دي. أنا مش رافعة ق\ضية عشان اتجوزت، أنا رافعة ق\ضية عشان غشتني وضحكت عليا!”
في اللحظة دي، الحاجب نادى على اسم الق\ضية:
ـ “ق\ضية المدعوة أميرة… ضد المدعو رأفت…!”
وقفت بثبات، وعدلت الجاكيت بتاعي، وبصيت لبابا وحازم وقلت: “يلا بينا.”
دخلنا القاعة، ورأفت واقف ورايا بيتبصلي بنظرة مكسورة، عارف ومدرك إن الست اللي واقفة قدامه دي مش أميرة بتاعة زمان اللي كانت بتتغاضى وتعدي.. دي ست أخدت حقها المهني بالكامل، وجاية تاخد حق كرامتها
مرت كم شهر، والهدوء بدأ يرجع لحياتي بالتدريج. قضايا الطلاق كانت ماشية في مسارها القانوني، والعيادة رجعت لروتينها الهادي البعيد عن أي دراما، وكنت فاكرة إن الصفحة دي اتسدت للأبد.. لحد ما في يوم، الممرضة سمر دخلت عليا الأوضة ووشها مش مظبوط، بلعت ريقها وقالتلي بتردد:
ـ “دكتورة أميرة.. في واحدة بره طالبت تقابلك، بس مش كشف.. بتقول عايزاكي في موضوع شخصي ضروي ومش هتمشي غير لما تشوفك.”
قبل ما أسألها مين، الباب اتفتح بالراحة، ودخلت هي.. نفس الوش اللي قعد قدامي تسع شهور يتفنن في دسي السم في العسل. بس المرة دي، ما كانتش الست المتألقة اللي بتتباهى بالهدايا والدلع.. كانت باهتة، في عيونها انكسار وندم حقيقي، ماسكة بنتها الصغيرة في حضنها وجسمها بتهز.
أنا فضلت قاعدة ورا مكتبي، ملامحي زي الجليد، ما اتتحركتش ولا ظهر عليا أي انفعال. بصيت لـ سمر وقولتلها ببرود: “سيبينا يا سمر واقفلي الباب.”
أول ما الباب اتقفل، قربت خطوات وهي حاطة إيدها على قلبها، والدموع نزلت من عينها بتلقائية، وقالت بصوت مكسور ومبحوح:
ـ “أنا عارفة إني مالياش عين أقف قدامك، وعارفة إن اللي عملته فيكي ما يتغفرش.. بس والله العظيم أنا جاية أعتذرلك من كل قلبي يا دكتورة، جاية أترجاكي تسامحيني!”
سكتت لحظة وبصيتلها بجمود، فكملت بانهيار وهي بتبص للبنت اللي في حضنها:
ـ “رأفت طلقني يا دكتورة أميرة.. طلقني ورماني من يومها. قال لي بالحرف: ‘أنتي خربتي بيتي، وأنتِ اللي خليتيني أعمل حاجات وجرائتي على أفعال عمر ما كنت أتخيل إني أعملها في حياتي، أنتِ دخلتيني في لعبة خبيثة واستغليتيني عشان تكسري ست أجدع منك مليون مرة’.. رأفت سابني ورفض حتى يبص في وشي أو ييجي يطمن على بنته!”
قعدت على الكرسي قصادي من غير ما أطلب منها، ودموعها نازلة على خدها وهي بتمسحها بإيد بترتعش:
ـ “أنا كنت عمياء بالغيرة يا دكتورة.. لما عرفت إنك مراتي الأولى والست الناجحة الشاطرة اللي الكل بيحلف بيها، الغيرة أكلت قلبي. حبيت أثبت لنفسي إني أحسن، وإنه بيموت فيا أنا، وجيتلك العيادة عشان أستعرض قدامك وأكسرك بالتقسيط من غير ما تعرفي.. بس أنا الخسرانة في الآخر. رأفت كرهني، وبيتكم اتهد، وأنا بقيت مطلقة ومعايا طفلة مالهاش ذنب.”
بصيتلها بمنتهى الثبات، وقلت بنبرة هادية جداً بس حادة زي السيف:
ـ “أنتِ ما خربتيش بيتي يا مدام.. أنتِ بس كشفتيلي المعدن الحقيقي للراجل اللي كنت فاكراه سندي. أنتِ لعبتي لعبة رخيصة، وهو كان الجبان اللي سمحلك تلعبيها وتروحي وتيجي في عيادتي وهو مستني تحت.. يعني غلطتكم سوا، مش أنتِ لوحدك.”
الست مسكت إيدي بسرعة ودموعها نازلة:
ـ “أنا كلمت رأفت تاني إمبارح يا دكتورة.. كلمته واستعطفته، اترجيته عشان خاطر البنت دي مالهاش ذنب تتربى بعيد عن أبوها، قولتله يرجعني عشانها حتى لو مش عايزني.. بس هو رافض تماماً، وقال لي حياته وقفت من يوم ما أنتِ مشيتِ، ومش هيفكر يرجعلي إلا لو أنتِ سامحتيني وأذنتِ بكده!”
سحبت إيدي من إيدها بالراحة وبكل كبرياء، وقومت وقفت ورسيت إيدي على المكتب، وبصيتلها بابتسامة سخرية باردة:
ـ “سامحتك أو ما سامحتكيش.. ده شيء بيني وبين ربنا، والمسامحة مش معناها إني أرجع حاجة اتكسرت. أما موضوع رجوعك لـ رأفت عشان خاطر البنت.. فده قراركم أنتم الاتنين، أنا ما بقتش طرف في اللعبة دي أصلاً.”
ـ “يعني مش ممانعة لو رجعنا عشان البنت؟” سألتني بلهفة وأمل.
رديت ببرود تام وأنا بفتح باب الأوضة عشان أصلح خروجها:
ـ “أنا ورقة طلاقي من رأفت مسألة وقت والأوراق تخلص.. رأفت بالنسبة لي بقى صفحة واتقفلت واتحرقت كمان. يرجعلك عشان البنت، يفضل لوحده، ده موضوع ما يخصنيش ولا يعنيني في إنش واحد.. اتفضلي يا مدام، ربنا يهديلك حالك وحال بنتك، وعيادتي شغل وبس.”
خرجت وهي بتبصلي بذهول من قوتي وثباتي.. قفلت الباب وراها، وريحت ضهري على الكرسي وأنا بتنفس براحة. عرفت اللحظة دي إن الانتقام الحقيقي مش إنك تؤذي اللي أذاك.. الانتقام الحقيقي إنك توصل لمرحلة يكونوا فيها تحت رجليكي وبيترجوكي، وأنتِ تبصلهم ببرود وتكتشفي إنهم ما بقوش يسووا عندك أي حاجة!
بعد ما هي خرجت وقفت ورا باب الأوضة، اتنفست نفس طويل وصافي. كل شوية كان بيتردد في ودني صوت عياط البنت الصغيرة وشكلها وهي مكمشة في حضن أمها.. البنت دي مالهاش ذنب في الهبل والغل والمرض النفسي اللي كان عند أمها، ولا في جبن وأنانية أبوها.
أنا خدت حقي كاملاً، كرامتي وراء شغلي وحريتي، وفي خلال أيام القاضي هيحكم بالطلاق للضرر والغش بشكل رسمي. الصفحة بالنسبة لي اتقفلت تماماً، وما بقاش في قلبي ذره مشاعر لرأفت.. لا حب ولا حتى كره، بقى مجرد غريب.
مسكت التليفون، وطلبت رقمه لأول مرة من شهور.
الرنة ما كملتش ثانية، وجالي صوته ملهوف وبيتنفض من اللهفة:
ـ “أميرة؟! مش معقول.. أنتِ بتتصلِي بيا؟ بالله عليكي قوليلي إنك سامحتيني وهترجعي!”
سكت ثانية واحدة، وقولتله بصوت هادي جداً، متزن وبارد زي المية الساقعة:
ـ “اسمعني كويس يا رأفت.. الكلام اللي هقولهولك ده كلمتين ومش هكررهم تاني، ومش عايزة أي مقاطعة.”
سكت ورأسه لفت، وقالي بصوت مبحوح: “اتفضلي يا أميرة.. أنا سامعك.”
ـ “مراتك جاية لي العيادة النهاردة.. اعتذرت وعيطت، وقالتلي إنك طلقتها ورافض ترجعها عشان خاطر البنت.”
رأفت اتجنن، وزأر في التليفون: “الست دي مجنونة! هي راحتلك تاني؟! وحياة ربنا هوريعا، أنا مش عايزها ولا عايز أشوف وشها تاني يا أميرة! أنا ما بحبش غيرك أنتِ وسيبتها عشان أثبتلك إني…”
قاطعته بنبرة حادة وقاطعة خلته يسكت فوراً:
ـ “رأفت! بس.. متكملش. أنت مش هترجعلي، ولا ينفع ترجعلي.. أنا ورقة طلاقي طالعة خلال أيام، والقصة اللي بيني وبينك انتهت واتحرقت خلاص وما بقاش ينفع تتصلح، لا بحبك ولا عايزة أشوف وشك.”
ـ “طب وطالما كده.. بتتصلِي بيا ليه يا أميرة؟” سأل بنبرة مكسورة وميتة.
ـ “بتصل بيك عشان أقولك كمل رجولتك وشيل مسؤولية البنت دي.. أرجع لمراتك يا رأفت.”
سكت تماماً من الصدمة، بلع ريقه وقالي بذهول: “أرجع للست اللي خربت بيتنا واستغلتني عشان تكسرك؟!”
ـ “الست دي غلطت، وأنت غلطت.. أنتوا الاتنين شبه بعض ولابقين لبعض. بس البنت الصغيرة دي ملهاش ذنب تدفع ثمن قذارة وغباوة كبار.. البنت محتاجة أبوها وأمها. ما تعملش فيها البطل المكسور اللي بايع الدنيا عشان خاطر حبك ليا، لأن حبك ليا أنت اللي قتلته بإيدك يوم ما استغفلتني.”
كتمت تنهيدة كبرياء، وكملت بنبرة قوية:
ـ “أنا مش بطلب منك كده عشان بحبك ولا عشان بضحي.. أنا بطلب منك كده عشان أنا أكبر بكثير من إني أكون سبب في إن طفلة تتربى بعيد عن أبوها. ارجعلها، وابنوا حياتكم بعيد عني، وربيها كويس عشان تطلع أجدع وأشرف منك ومن أمها.. وده آخر كلام عندي يا رأفت، وما تتصلش بيا تاني أبداً.”
وقبل ما ينطق بحرف أو يحاول يترجاني، قفلت السكة في وشه.. وقمت عملت بلوك لرقمه وللأبد.
وقفت قدام مراية العيادة، أخدت نفس عميق، وابتسمت لنفسي من كل قلبي.. اتأكدت إني خرجت من المعركة دي مش بس منتصرة، خرجت وأنا كاملة، قوية، ونظيفة من جوة.. ومستعدة أبدأ حياتي من جديد وأنا رافعة رأسي للسما.


تعليقات
إرسال تعليق