أول ما حماتي اكتشفت إن مرتبي عدى التمانين ألف جنيه
حكايات رشا خالد كامله
أول ما حماتي اكتشفت إن مرتبي عدى التمانين ألف جنيه في الشهر، لمت العيلة كلها وقعدوا مستنييني في الصالة.
حطت أجندة “قواعد البيت” على الترابيزة، وقالت بصوت مفيش فيه كلام:
“من الشهر ده، هتدفعي واحد وسبعين ألف جنيه كل شهر. دي أصول وعادات عيلة الحاج متولي.”
بصيت لجوزي..
بصلي برود وكأنه بيقولي بإنطاع عينيه:
ما تتكلميش.
ما تكبريش الموضوع.
عديها واستحملي.
بصيت لحماتي في عينها وقالتلها كلمة واحدة:
“لا.”
الكلمتين نزلوا عليهم زي الصاعقة، الصالة كلها سكتت.
حماتي ما اتعصبتش، بس ابتسمت إبتسامة خبيثة كأنها ضامنة حقها ومسكاني من إيدي اللي بتوجعني.
تاني يوم الصبح..
لقيت الكهربا والمية مقطوعين عن الشقة كلياً.
جوزي كلمني في التليفون وقال:
“ابوسي إيد أمي واعتذريلها.. لو اعترفتي بغلطك، هترجعلك الكهربا والمية.”
قفلت السكة في وشه بمنتهى الهدوء..
لميت هدومي، وحجزت في فندق وقعدت فيه 8 أيام.
في اليوم التاسع..
عيلة الحاج متولي ما استلمتش اعتذار مني..
استلموا إنذار واستدعاء من المحكمة!
أول ما حماتي قرت الورقة، رجليها تشالت وشالتها الأرض، ووقعت في نص الصالة.
…
أنا عارفة إن حماتي إيدها طويلة وبتحب تدعبيس في حاجة غيرها، بس ما تخيلتش إنها توصل بيها الخسة إنها تكسر درج مكتبي في الأوضة!
بعد الضهر لما رجعت من شغلي، فهمت على طول إن ده “محضَر محاكمة” متظبطلي.
النور كله شغال، العيلة كلها ملمومة، وفي نص الترابيزة محطوط بيان المني بروفيل لمرتبي..
الرقم بعد الخصم والضرائب: 86,200 جنيه.
مفرود قدامهم كأنه غنيمة.
حماتي قاعدة على رأس الترابيزة..
مصطفى جوزي قاعد جنبها باصص في تليفونه ومطنش..
حمايا عمال يشرب سجاير ويدخن..
وأخت جوزي باصة لشريطة الشنطة البراند اللي في إيدي وعينيها كلها غل وطمع.
غيرت جزمتي، فحماتي عليت صوتها:
“يا رضوى.”
النهاردة ما قالتليش “يا مراتي ابني”.. قالت اسمي حاف، واضح إنها مجهزة نفسها عشان تكسر مناخيري.
وقفت عند الباب وقلت:
“خير؟”
زقت ورقة المرتب ناحيتي:
“مرتبك حلو والله..”
أخت جوزي ضحكت بصفار:
“والله وطلعتي معبأة يا مرات أخويا ومخبية علينا! إحنا قلنا بتجيبي ألفين ولا تلاتة، أثَاريكي عايشة في عز!”
ما عبرتهاش، وبصيت لجوزي..
رفع رأسه، بس عينيه ما كانش فيها أي كسوف، كان فيها زهق وقرف، وكأن كل ده ذنبي أنا!
حماتي طلعت أجندة مصاريف، فتحت صفحة فاضية وقالت كأنها بتطلع قرار جمهوري:
“كل شهر هتطلعي واحد وسبعين ألف جنيه.”
“هسيبلك خمسة عشر ألف جنيه، كفاية عليكي قوي.”
“قسط الشقة، مصاريف مدرسة ابن أخوكي، مصاريف علاجنا، والتوجيبات والهدايا للقال والقيل.. كل ده عليكي.”
سألتها:
“وليه أنا؟”
ردت بلؤم:
“عشان بتكسبي كتير! والست لما بيمسك في إيدها فلوس كتير بتبوظ. وبعدين إنتي دخلتي بيت عيلة الحاج متولي، ففلوسك بقت فلوس البيت. ومن بكرة كارت الفيزا بتاعك هيبقى معايا، وتكتبيلي الباسورد في ورقة.”
أخت جوزي دخلت في الكلام:
“صح يا طنط! إحنا بيت واحد، وعيب قوي نطمع في بعض ونقول دي فلوسي ودي فلوسك.”
حمايا هز رأسه وقال:
“الست لما بتكسب أكتر من جوزها بتركبه.”
بصيت لمصطفى جوزي..
تلات سنين جواز..
كل ما أمه تشتمني، يقولي: “معلش استحملي.”
كل ما أخته تسحب بالفيزا كارت بتاعي وتختفي، يقولي: “أهلي معلش.”
كل ما أبه يسكر ولا يغلط فيا، يقولي: “عديها عشان خاطري.”
أنا زمان كنت غبية وبقول إنه مزنوق في النص بيني وبينهم..
النهاردة بس عرفت.. لا، هو طول عمره واقف في صفهم، وأنا بالنسبة له مجرد محفظة بتطلع فلوس.
لما شافوني ساكتة، حماتي افتكرت إنها كسبت الماتش، زقت الأجندة وقالت:
“وقعّي هنا.. وبكرة تسلميني الكارت عشان أشيلهولك.”
ضحكت وقلت:
“لو حضرتك ما كنتيش كسررتي درج مكتبي.. هل كنا هنقعد القعدة دي النهاردة؟”
وشها اتغير وقالت:
“أنا في مقام أمك! أفتش براحتي!”
رديت ببرود:
“أمي الحقيقية عمرها ما حطت إيدها في حاجتي.”
أخت جوزي ضربت على الترابيزة:
“إنتي قليلة الأدب!”
لفيت ليها وقلت:
“لما تسددي التمانية آلاف جنيه اللي سحبتيهم من كارتي.. أبقى تعالي علميني الأدب.”
سكتت وما عرفتش ترد.
حماتي وشها جاب ألوان:
“أنا ما باخدش رأيك! إنتي هتدفعي ورجلك فوق رقبتك، فاكرة نفسك لما اتجوزتي ابني هتعملي اللي على مزاجك؟”
مصطفى فتح بقه لأول مرة:
“رضوى.. بلاش الجنان ده، أمي بتفكر في مصلحة البيت.”
بصيتله:
“وانت كمان طمعان في فلوسي؟”
بص بعيد وقال:
“كلنا أهل.. لما أكون مع أمي إيه المشكلة؟”
ضحكت ضحكة أبرد من التكييف..
بكل هدوء طلعت تليفوني، شغلت التسجيل، وحطيته على الترابيزة مقلوب..
ورفعت رأسي:
“مش دفعة ملليم.”
كلمتين.. قاطعين.. مفيش فيهم رجعة…….
**الجزء الثاني**
الصمت اللي خيّم على الصالة بعد الكلمتين دول كان أتقل من الجبال. حماتي عينيها وسعت، ووشها اتحول لكتلة من الغضب المحبوس، كأنها مش مصدقة إن فيه كائن على وش الأرض قالها “لا” في بيتها وعلى ترابيزتها.
أخت جوزي قامت وقفت فجأة، وزقت الكرسي لورا بصوت يسرّع النبض:
“إنتي بتترسمي علينا بإيه؟ فاكرة نفسك مين يا روح أمك؟ إنتي دخلتي البيت ده حافية وحيلتك إيه، ولما ربنا فتحها عليكِ بفضله وبفضل جوزك جاية تتنططي؟”
ما رديتش عليها ولا حتى بصيتلها، عينيا كانت مثبتة في عين حماتي اللي بدأت إيدها ترتعش من الفتيل اللي اتقاد. حماتي صوتها طلع واطي ومبحوح بس مليان تهديد:
“يعني إيه مش دافعة؟ إنتي فاكرة إني بطلب منك حسنة؟ دي أصول البيت، واللي ما يمشيش على أصول البيت مالوش مكان فيه.”
بصيت لمصطفى جوزي، كنت مستنية أشوف أي نبرة رجولة أو موقف يتسجل له، لكنه قام وقف وجِه ناحيتي، مسك دراعي بضغط جامد وقال بنبرة مليانة غل مكتوم:
“رضوى.. قسماً بالله لو ما اتعدلتيش وعذرتي أمك ووقعتي على الأجندة دي لتكوني بايتة في الشارع النهاردة. إنتي نسيتي نفسك ولا إيه؟ أمي لما تقول كلمة تتسمع!”
نفضت إيده من على دراعي بقوة وخليته يرجع خطوة لورا، وقلتله وأنا باصة في عينيه بكل احتقار:
“إيدك ما تلمسنيش تاني يا مصطفى. البيت ده مش بتاع أمك لوحدها، ولا إنت اللي بتصرف عليه، إنت عارف كويس مين اللي بيدفع إيجار الشقة دي ومين اللي مشيل البيت كله على كتفه.”
حمايا طفا السيجارة في المطفأة بزقة جامدة وقام وقف، وهو بيعدل جلابيته وبيزعق:
“جرى إيه يا بت إنتي؟ إنتي هتسوقي فيها ولا إيه؟ مصطفى! أظن الكلام معاها ما بقاش ينسكت عليه، دي حرمة عينيها صفيحة وما بتختشيش!”
حماتي رفعت إيدها وسبلت عينيها بابتسامة الشر اللي حافظاها:
“سيبوها.. سيبوها تعك براحتها. هي فاكرة إنها شاطرة ومفيش حد يقدر عليها.”
قامت وقفت وقربت مني لحد ما بقت بيني وبينها شبر واحد، وقالت بصوت واطي ومسموع للكل:
“ماشي يا رضوى.. الكلمة اللي طلعت منك دي حسابها عسير. مش هتدفعي؟ تمام.. بس من الليلة دي، مفيش نقطة مية ولا سلك كهربا هيشتغل في الأوضة دي، وكروت الفيزا والحاجة اللي في مكتبيك يا حلوة.. إنتي مش هتشوفي منها جنيه.”
ضحكت بصوت واطي، وزقيتها خطوة خفيفة لورا وقلت:
“نشوف.”
سحبت تليفوني من على الترابيزة، والتسجيل كان شغال وبياخد كل كلمة وكل تهديد، وقفت التسجيل وحفظت الملف باسم تاريخ اليوم، وحطيت التليفون في الشنطة. لفيت وضهري ليهم ومشيت ناحية الأوضة، سمعت أخت جوزي بتصرخ من ورايا:
“سبيها يا أمي هترجع مكسورة العين وتترجاكي عشان تاكل لقمة!”
دخلت الأوضة وقفلت الباب بالمفتاح. الدرج المكسور كان شكله يوجع القلب، حاجتي الشخصية متنعكشة، وشيكات ومستندات شغلي كانت مفرودة على السرير. حماتي ما كفاهاش بيان المرتب، دي كانت بتدور على أي ثغرة مسكاها عليا. قعدت على طرف السرير، قلبي كان بيدق بسرعة بس عقلي كان أبرد من التلج. التلات سنين اللي فاتوا من الإهانة والتنازلات انمحت في ثانية، وحسيت إن الطاقة اللي جوايا اتغيرت كلياً.
بعد ساعة واحدة بس.. النور قطع في الأوضة فجأة.
سمعت صوت المية بتتقفل من المحبس الرئيسي اللي في الممر بره.
وبعدها سمعت صوت ضحكاتهم العالية في الصالة، وكأنهم بيحتفلوا بالنصر الفوري.
طلعت تليفوني، كان فيه شبكة، وكلمت زمايلي في الشركة وسألت عن حجز في فندق قريب من شغلي. حجزت لمدة أسبوع كامل، ولميت الهدوم الضرورية جداً، كروت البنك المهمة، وورق شغلي والأوراق الرسمية كلها وحطيتها في الشنطة البراند اللي أخت جوزي كانت هيتموت عليها.
فتحت باب الأوضة وخرجت والشنطة في إيدي.
كانوا قاعدين في الصالة بيشربوا شاي وبيضحكوا. أول ما شافوني بالشنطة، الضحك قفز من على وشهم.
مصطفى قام وقف وقال بزهول:
“إنتي رايحة فين بالشنطة دي؟”
ما رديتش عليه، كملت مشي ناحية باب الشقة.
حماتي صرخت:
“سيبها تنغور! بكرة لما تتزنق وما تلاقيش حتة تنام فيها ولا قرش في جيبها هتيجي تبوس كعب رجلي!”
وقف عند الباب، لفيت بصيتلهم كلهم بواحد بواحد، وقلت بمنتهى الهدوء:
“إحنا كلامنا القادم مش هيكون هنا.”
فتحت الباب وخرجت، وقفلته ورايا بصوت هادي جداً، لكنه كان زي انكماش الموت بالنسبة لحياتي القديمة معاهم.
نزلت الشارع، طلبت عربية، وطلعت على الفندق.
الـ 8 أيام اللي قعدتهم في الفندق كانوا أهدى وأجمل 8 أيام عشتهم في حياتي من يوم ما اتجوزت مصطفى. كنت بروح شغلي الصبح بتركيز أعلى، برجع الفندق بطلب أكل هادي، وبسهر أخطط لخطوتي الجاية مع المحامي بتاعي.
في اليوم التالت، مصطفى بدأ يبعت رسايل:
* “إنتي فين يا رضوى؟ بلاش جنان وارجعي.”
* “أمي زعلانة جداً، لو اعتذرتي بكرة وبوستي إيدها هخليها ترجعلك كل حاجة.”
* “ما تكسريش كلمتي قدام أهلي يا رضوى.. ارجعي.”
ما رديتش على أي رسالة، كنت بباك أب كل الرسايل والتسجيلات وأبعتها للمحامي.
في اليوم السادس، المحامي قالي: “الورق جاهز، والمحاضر اتعملت، والإنذار بالتمكين والتبديد وبلاغ الاقتحام والسرقة جاهز للتسليم.”
في اليوم التاسع الصبح..
شقة عيلة الحاج متولي كانت هادية، النور شغال عادي، وحماتي قاعد بتشرب القهوة مع حمايا، ومصطفى بيستعد ينزل شغله، واثقين إن الشديد قوى وإن رضوى هتجيلهم زاحفة طالما ما معهاش بيت ثاني.
الباب خبط خبطة قوية ورسمية.
أخت جوزي فتحت الباب، لقيت محضر من المحكمة ماسك في إيده إعلانات قضائية وأوراق رسمية ختمها ينور في الضلمة.
“بيت الأستاذ مصطفى الحاج متولي؟”
مصطفى خرج من الأوضة استغرب: “أيوه أنا.. خير؟”
المحضر سلم الأوراق ورجّع القلم: “استلم يا أستاذ.. ده إنذار بدعوى تمكين للشقة، واستدعاء محكمة في محضر كسر وإتلاف وسرقة مستندات مالية، ودعوى طلاق للضرر مع حظر التعامل على كروت الفيزا المشتركة.”
حماتي خرجت تجري من الصالة ووشها أصفر: “إيه الورق ده يا مصطفى؟ ورق إيه ده؟”
مسكت الورقة من إيده وبدأت تقرأ..
عينها كانت بتتحرك على السطور بسرعة، وكل ما تقرأ سطر، وشها يتغير من الأصفر للأبيض للشفاف.
الاسم: رضوى…
الموضوع: كسر محتويات مكتب، الاستيلاء على مستندات مالية شخصية، التهديد والابتزاز، والمطالبة بالتمكين الفوري من المسكن.
حماتي إيدها بدأت ترتعش بجد المرة دي، الورقة وقعت من إيدها على الأرض، بصيت لمصطفى وقالت بصوت طالع بالعافية:
“دي.. دي جايبالنا المحكمة لبيت الحاج متولي؟”
وفجأة.. رجليها ما شالتهاش، ركبها سابت، ووقعت في نص الصالة بكامل جسمها.
حكايات رشا خالد ج2
**الجزء الثالث**
الصالة تحولت لساحة طوارئ في ثوانٍ.
أخت مصطفى بدأت تصرخ بأعلى صوتها، وحمايا جرى على المطبخ يجيب مية، ومصطفى نزل على ركبه في الأرض يحاول يفوق أمه وهو بيصرخ: “يا أمي! ردّي عليا يا أمي!”
حماتي كانت مفتحة عينها نص فتحة، مش قادرة تتنفس من الصدمة، عينيها رايحة وجاية على الورقة الحكومية المرمية في نص الأرض جنبه، الختم الأحمر بتاع المحكمة كان باين ومطبوع كأنه كَيّة نار على كبرياء عيلة الحاج متولي.
بعد ما فوقوها بالعافية وحطوها على الكنبة، حمايا مسك الورقة وإيده بترتعش، وقرأ السطور ببطء.. وكل ما يقرأ كلمة، عروق رقبته تنفخ. بص لمصطفى وزعق بصوت هز الشقة كلها:
“هي وصلت للنيابة والمحاكم يا مصطفى؟ دي الست اللي أنت جيبهالنا ورافع رأسها؟ جايبة للمحضرين لحد باب بيتي؟!”
مصطفى كان واقف زي الأبلة، مسك تليفونه وإيده بترتجف، وبدأ يطلب رقمي من غير توقف.. مرة، اتنين، تلاتة، أربعة.. والتليفون يرن وما حدش بيرد.
بعتلي رسالة بصوت متلجلج ومذعور:
* “رضوى ردي عليا! إنتي اتجننتي؟ إنتي بتبعتي محضرين لأمي؟ أمي جيلها نقطة وبتموت بسبك! اتصلي بيا فوراً وإلا والله العظيم ما هتشوفي وشي تاني!”
في الوقت ده، أنا كنت قاعدة في مكتب المحامي بتاعي، بشرب فنجان قهوة بمنتهى الهدوء. المحامي ابتسم وهو شايف التليفون بينور بالاتصالات المتتالية وقال:
“كده الضربة الموجعة وصلت.. خطوتنا الجاية إيه يا أستاذة رضوى؟”
قلتله بثبات: “القانون يكمل مجراه، ومش هتنازل عن حرف واحد من المحضر.”
بالليل..
مصطفى ما قدرش يستحمل، وجالي على الشركة اللي بشتغل فيها بعد ما عرف إني لسه ما رجعتش البيت. نزلوني من الشغل وقالولي إن فيه واحد بره عامل مشكلة ومصر يقابلك.
نزلتله الشارع، أول ما شافني جرى عليا وشكله كان مبهدل، قميصه مش متظبط ووشه شاحب، ما بقاش فيه الأبهة والبرود اللي كان بيقابلني بيهم وهو واثق إن أمه كاسراني.
مسكني من إيدي بقوة وقال بصوت واطي ومخنوق:
“إنتي عملتي إيه؟ إنتي نويتي تخربي البيت بجد؟ أمي من الصبح مش قادرة تقف على حيلها، وحمايا حالف لو الموضوع ده ما اتقفلش الليلة ليطردني أنا وإنتي بره البيت!”
شلت إيده من عليا ببرود وقسوة وقلتله:
“يطردك أنت.. إنما أنا خلاص بره البيت برغبتي. وبعدين إيه اللي مضايقك؟ مش دي أصول وعادات عيلة الحاج متولي؟ اللي يكسر درج مكتب مراته ويفتش في ورقها ويقطع عنها المية والكهربا عشان يبتزها في فلوسها.. يستحمل بقى لما القانون يوريه الأصول على أصولها.”
مصطفى اتعصب وصوته علي في الشارع:
“أنتي بتبصي للفلوس؟ الفلوس تلزمنا في إيه طالما كرامة أهلي اتنحست في الأرض؟ تعالي معايا دلوقت، تنازلي عن المحضر، وابوسي إيد أمي واعتذريلها قدام العيلة كلها، وأنا هخليها تسامحك ونبدأ صفحة جديدة!”
ضحكت بصوت عالي في وشه، ضحكة خلت الناس في الشارع تلتفت لينا، وقلتله:
“أبوس إيد مين؟ أمك اللي سرقت ورق مرتب وتحفظت على كروتي؟ ولا أختك اللي سحبت تمانية آلاف جنيه وسرقت شنطي؟ مصطفى.. أنت مش راجل، أنت مجرد أداة في إيد أمك بتنفذ بيها جشعها. والورقة اللي استلمتوها الصبح دي مجرد أول التسخين.”
مصطفى عيونه وسعت وشهق:
“يعني إيه؟ إنتي مش هترجعي؟”
قلتله وأنا بلف وضهري عشان أدخل مبنى الشركة تاني:
“أنا راجعة.. بس راجعة بالشرطة عشان أستلم شقتي بقوة القانون، وأخنس كل صوت اتفرعن عليا في البيت ده.”
سيبته واقف في الشارع مش عارف يستوعب إن رضوى المطيعة، اللي كانت بتعدي الإهانة عشان “خاطر جوزها”، بقت كتلة من التلج والقوة مش بتتهز.
تاني يوم الصبح..
حماتي كانت قاعدة في الصالة، وحاطة كمادات على رأسها، وأخت جوزي جنبها بتبكّيها، وحمايا رايح جاي في الصالة بيشتم وبيتوعد.
وفجأة.. خبط قوي جداً على باب الشقة.
أخت جوزي قامت تفتح وهي فاكرة إن ده مصطفى راجع..
فتحت الباب.. لقيت ضابط شرطة واقف، ومعاه قوة، وجنبهم أنا والمحامي بتاعي.
الضابط بص في الأوراق اللي في إيده وقال بصوت حاسم هز أركان البيت:
“أستاذة رضوى.. أستاذ مصطفى.. أستاذة فايزة (حماتي)؟
معانا إذن نيابة بالمعاينة الفورية لواقعة الكسر والإتلاف وإثبات الحالة داخل الشقة!”
**الجزء الرابع**
دخل الضابط ورجال الشرطة الصالة بخطوات منتظمة، وصوت بيادتهم على السيراميك كان زي الطبول اللي بتعلن نهاية زمن كامل. الصالة اللي كانت زمان مسرح للتحكم والاستقواء، تحولت في ثوانٍ لساحة تحقيق رسمية.
حماتي وقفت فجأة، ونسيت الكمادات والتعب اللي كانت بتتظاهر بيه. وشها بقى أصفر زي الليمونة، وبصتلي بعيون مليانة غل وذهول، مش قادرة تصدق إن رضوى واقفة في نص صالتهم وجايبة معاها الشرطة بكبرها.
حمايا جرى من جوه وهو بيعدل جلابيته وبيحاول يتكلم بثبات مزيف:
” خير يا باشا؟ فيه إيه؟ إحنا ناس طيبين وعيلة الحاج متولي معروفة في المنطقة كلها، إيه اللي جاب الشرطة لبيتنا؟”
الضابط بص له ببرود ورفع الأوراق الرسمية:
” بيت الحاج متولي على عيننا وعلى رأسنا من بره، بس القانون ما يعرفش ألقاب. الأستاذة رضوى مقدمة بلاغ رسمي برقم محضر بالكسر والتفتيش والإتلاف العمد لمحتويات مكتبها، والتحفظ على مستنداتها المالية والشخصية. ومعانا أمر نيابة بالمعاينة على الطبيعة وإثبات حالة الشقة.”
أخت مصطفى اتجننت وصصرخت وهي بتشاور عليا بصوباعها:
” كذابة يا باشا! دي مفترية وطمعانة فينا! دي هي اللي سابت البيت ومشت وراحت قعدت في فنادق عشان تفضحنا!”
الضابط بصلها بنظرة حادة خلتها تسكت وتراجع خطوتين لورا:
” اللسان يتظبط يا آنسة، إحنا هنا بنفذ أمر نيابة.. فين الأوضة الخاصة بالأستاذة؟”
مشيت قدام الضابط والباشكاتب اللي معاه، وشاركت مع المحامي بتاعي. فتحت باب الأوضة، والضابط دخل وعينيه بتتفحص المكان. الدرج المكسور كان لسه على حاله، والخشبة المتسوسة اللي حماتي عافرت عشان تكسر بيها الكالون كانت مرمية في الأركان.
الباشكاتب قعد على طرف السرير وبدأ يكتب في المحضر الرسمي:
*” وبالمعاينة في شقة المشكو في حقهم، تبين وجود كسر صريح في كالون المكتب الخاص بالشاكية، ووجود بعثرة في الأوراق والمستندات…”*
في الوقت ده، مصطفى دخل الشقة يجري، وشه كان جيب ألوان لما شاف العساكر واقفين عند باب الأوضة. قرب مني وبصلي بصوت مكتوم وبيترجى:
” رضوى.. أبوس إيدك كفاية لحد كده! الفضيحة بقت على كل لسان في العمارة والشارع! بلاش تعملي فينا كده، أمي مش قد الحبس ولا التحقيقات!”
رديت عليه بصوت واطي ومسموع للضابط:
” ومين جاب سيرتي أنا؟ أمك هي اللي اختارت الطريق ده يوم ما كسرّت درجي، وقالتلي ‘أفتش براحتي’! أديك شايف بنفسك التفتيش ودّى فين.”
حماتي قربت من باب الأوضة، وصوتها كان بيرتعش وهي بتحاول تدافع عن نفسها قدام الضابط:
” يا باشا أنا زي أمها! البيت ده بيتي، وأنا من حقي أعرف إيه اللي يدخل وإيه اللي يخرج منه! دي عايشة معانا وفي خيرنا!”
المحامي بتاعي اتدخل فوراً وبص للضابط:
” يا فندم اطلب إثبات الكلمة دي في المحضر. المشكو في حقها الأولى بتعترف صراحةً باقتحام الخصوصية وتفتيش المتعلقات الشخصية بدون وجه حق، وده بيثبت أركان الجريم\ة.”
الضابط بص لحماتي وقال بنبرة قاطعة:
” يا حاجّة.. القانون ما فيهوش أمي وأختي في المتعلقات الشخصية والأوراق المالية. كسر الدرج وتفتيشه دي جريم\ة إتلاف واعتداء على حرمة ملكية خاصة.”
حماتي وشها جايب ألوان ووقفت مش عارفة تنطق.
بعد ما الضابط خلص المعاينة وأثبت كل حاجة في المحضر، بص لمصطفى وحمايا وحماتي وقال:
” أستاذ مصطفى.. وأستاذة فايزة.. اتفضلوا معانا على القسم لسماع أقوالكم في البلاغ المقدم ضدكم.”
الكلمة نزلت على حماتي زي الصاعقة:
” أروح القسم؟! أنا فايزة حرم الحاج متولي أركب بوكس ولا أروح قسم الشرطة؟!”
أخت جوزي بدأت تعيط بانهيار، وحمايا بقى يضرب كف بـ كف وهو مش مصدق الهوان اللي بقوا فيه. مصطفى بصلي بعيون مليانة كره وقهر وقالي:
” ماشي يا رضوى.. والله ما هسيبك، وهتشوفي هعمل فيكِ إيه!”
ابتسمت له بابتسامة أبرد من الثلج وقلتله:
” أعلى ما في خيلك اركبه يا مصطفى.. الماتش يادوبك بدأ.”
مشيوا كلهم ورا الضابط، والصالة اللي كانت مليانة جبروت وطغيان اتقفلت وبقت فاضية وضلمة. قعدت على الكرسي في نص الصالة، وأخدت نفس عميق حسيت فيه ولأول مرة من تلات سنين إني بتنفس حرية.
لكن الماتش فعلاً ما خلصش..
تاني يوم بالليل، المحامي كلمني في التليفون وقال بصوت جاد جداً:
” أستاذة رضوى.. مصطفى وأهله خرجوا بكفالة، بس مصطفى عمل حركة خبيثة جداً النهاردة الصبح في الشغل وفي البنك.. لازم تقابليني فوراً لأن ضربته الجاية تمس شغلك ومرتبك المباشر!”
حكايات رشا خالد ج3
**الجزء الخامس**
الكلمات نزلت عليا زي الثلج، بس ما اهتزيتش. نزلت قابلت المحامي في مكتبه على طول. كان قاعد ورا مكتبه وحاطط قدامه ملف جديد خالص. أول ما قعدت، زق الملف ناحيتي وقال بنبرة جادة:
“مصطفى وأهله خرجوا بكفالة على ذمة القض\ية، طبعاً موقفهم القانوني في ق\ضية الإتلاف والسرقة زفت، وبدأت القعدة الحميمة تتقلب لجد. بس مصطفى لعب لعبة رخيصة أوي النهاردة الصبح.. استغل إن عينين الشركة عندك بتراقب سمعة الموظفين، واستغل نفوذ واحد صاحبه في قسم الموارد البشرية (HR) عندكم.”
فتحت الملف ولقيت صورة من شكوى رسمية متقدمة في إدارة الشركة اللي بشتغل فيها، ومكتوب فيها إن رضوى (أنا) بتستغل منصبها وبيتم التحفظ على أموال ومستندات تخص الشركة في نزاعات شخصية، وبلاغ ثاني كاذب مقدم للبنك بإن الحساب المالي بتاعي فيه معاملات مشبوهة وتحويلات غير مبررة، وده أدى لإن البنك عمل “تجميد مؤقت” للحساب لغاية ما أقدم مفردات وإثباتات مصدر الأموال!
المحامي كمل كلامه:
“هو فاكر إنه لما يجمد حسابك في البنك ويشوش على سمعتك في الشركة، هيخليكِ تتزنقي مادياً، وتبقي مش قادرة تدفعي مصاريف الق\ضية والمحامين، فترجعي تزحفي وتتنازلي عن ق\ضية الإتلاف والتمكين.”
مسكت الورق وإيدي مش بترتعش، بل بالعكس، الضحكة عادت على وشي، بس المرة دي كانت ضحكة ثقة.
قلت للمحامي:
“مصطفى فاكر إن الذكاء بيتباع في الأجندة بتاعة أمه. هو نسى إني شغالة مدير مالي ومراجعة حسابات في الشركة دي بقالي خمس سنين؟ نسى إن كل قرش يدخل حسابي متسجل بعقود واستشارات رسمية وضرايب مدفوعة بالملليم؟”
المحامي ابتسم وقال:
“أنا عارف، وده اللي هيخليه يلبس في الحيطة أكتر. البلاغ الكاذب في البنك وقذف السمعة في الشغل دي قضايا لوحدها. بس لازم نتحرك بسرعة وقوة.”
تاني يوم الصبح..
وصلت الشركة، وكانت العيون عليا من الشغيلة، الإشاعات طبعاً بتجري في الممرات زي النار في القش. مصطفى كان مكلم كذا حد في الشركة ومسرب إن “مراته محولة أموال ومشاكل عائلية كبيرة دخلت فيها الشرطة”.
استدعاني مدير القطاع القانوني ومدير الموارد البشرية في الشركة.
دخلت المكتب بمنتهى الثبات والرزانة، لابسة طقم رسمي أسود، وفي إيدي شنطة أوراق متستفة ومترتبة بالساعة والتاريخ.
مدير ה-HR بصلي بقلق وقال:
“أستاذة رضوى.. أنتي عارفة إن الشركة هنا لها اسمها وسمعتها، وجالنا بلاغ وشكوى رسمية بخصوص حساباتك ونزاعات قضائية قد تؤثر على عملك معنا…”
قبل ما يكمل كلامه، حطيت الملف على الترابيزة قدامهم بفتحته الهادية:
“حضرتك الشكوى دي مقدمة من الأستاذ مصطفى، اللي هو زوجي بشخصه، وده رد صريح ومستندات معتمدة من جهات حكومية وبنوك توضح إنه بلاغ كاذب بغرض الابتزاز العاطفي والمادي في قض\ية أحوال شخصية وإتلاف عمد جارية حالياً في النيابة العامة.”
طلعت الشيكات، عقود الاستشارات، الإقرارات الضريبية، وصورة رسمية من محضر المعاينة اللي عملته النيابة في شقتهم ووجود إذن بالقبض عليهم.
مدير القطاع القانوني قرأ الورق بذهول وشاف ختم النيابة على المحضر، بص لمدير HR وقال:
“ده مش مجرد خلاف.. ده ادعاء كاذب وتشهير بموظف رفيع المستوى داخل الشركة! الأستاذة رضوى موقفها المالي والمهني أنضف من الفل.”
في نفس اليوم الضهر..
المحامي بتاعي أخد الأوراق والبراعة المالية وطلع بيها على إدارة البنك، وتفك التجميد عن الحساب في أقل من أربع ساعات، مع رفع دعوى بلاغ كاذب وتشهير مباشر ضد مصطفى بالاسم.
مصطفى كان قاعد في بيت أمه، فاكر إن الخطة نجحت، وإن رضوى دلوقت بتصيح ومش عارفة تصرف جنيه، وإنها هتتصل بيه تعيط.
حماتي كانت قاعدة جنب التليفون مستنية الرنة..
وأخت جوزي بتقولهم: “زمانها مش قادرة تدفع إيجار الفندق ولا معاها تاكل، هتيجي منكسرة!”
وفجأة.. تليفون مصطفى رن.
بس مش أنا اللي بكلمه.
ده كان إعلان جديد من المحكمة، ومعاه استدعاء فورس من النيابة العامة بتهمة “التشهير والبلاغ الكاذب وإساءة استخدام وسائل الاتصال”، مع شريط تسجيل جديد للمحامي وهو بيطالب بتعويض مالي يوصل لنصف مليون جنيه عن الأضرار الأدبية والمهنية التي لحقت بيا!
أول ما مصطفى قرأ الاستدعاء الجديد ورقم التعويض المطلوب، وشها اتخطف وسقط التليفون من إيده.
حمايا صرخ فيه:
“عملت إيه تاني يا ناصح؟! مش قلتلي اللعبة دي هترجعها راكعة؟ البت بتضربنا بالقانون في كل حتة ونفسها أطول مننا بكتير!”
حماتي بدأت تلطم على وشها:
“يا فضيحتك يا عيلة الحاج متولي! البت دي مش ست.. دي شيطان! نص مليون جنيه تعويض؟! نجيبهم منين دول؟!”
في اللحظة دي، مصطفى عرف إن السحر انقلب على الساحر، وإن القوة والفلوس اللي كان أهله فاكرين إنهم هيشفطوها مني، أصبحت هي الس\لاح اللي بيمسح بكرامتهم وبوجودهم الأرض.
خرج مصطفى جرا على الفندق اللي أنا قاعدة فيه، بقى واقف في الريسبشن بيصرخ وبيترجى موظف الاستقبال إنه يخليني أنزل له..
لما نزلت وقفت قصاده في اللوبي، كان منظره يرثى له، عيونه مكسورة، وبيديه بترتعش، وقال بقلة حيلة وصوت مكسور:
“رضوى.. ارجعي ارجوكي، أمي جيلها جلطة بجد المرة دي ورامية نفسها في السرير مش بتتكلم.. إحنا اتدمرنا! عايزة إيه تاني؟ اطلبي اللي أنتِ عايزاه بس شيلي القضايا والتعويض ده!”
بصيتله من فوق لتحت ببرود تام وقلتله:
“اللي أنا عايزاه؟ اللي أنا عايزاه مش فلوس يا مصطفى.. اللي أنا عايزاه إن بيت الحاج متولي ده يتفتح بكرة الصبح، ويقف فيه كل اللي يخصكم، قدام المنطقة كلها.. وأنت بنفسك تنزل تجيب حاجتي ودرجي المكسور وحقي يرجعلي بالملليم قدام عين أمك وأختك!”
**الجزء السادس**
مصطفى اتصدم من الكلام، وقفت طلقات عينيه فيا كأنه مش مصدق إن رضوى الهادية المقفولة على نفسها هي اللي بتملي عليه الشروط دي. ابتلع ريقه بصعوبة وقال بصوت مبحوح:
“أجيب حاجتك قدام المنطقة؟ إنتي عايزة تتلفي عقلي؟ عايزاني أجرس أهلي وأمسح بكرامة أمي الأرض قدام الشارع كله؟ رضوى إنتي نسيتي إحنا مين؟”
قربت منه خطوة واحدة، وبصيت في عينيه بمنتهى الحسم:
“لا ما نسيتش.. إنتوا عيلة الحاج متولي اللي كسرتم درجي، وقطعتم المية والكهربا، وحاولتم تدمروا شغلي وسمعتي في البنوك عشان تاخدوا تحويشة عمري. اللي يخاف على كرامته يا مصطفى ما يطمعش في غيره ولا يتفرعن على حريم بيته. قدامك أربع وعشرين ساعة.. يا إما تتنفذ شروطي بالحرف، يا إما التعويض بالنص مليون جنيه والقضايا شغالة، ومش هنسحب بلاغ واحد إلا وأنا شايفاكوا واقفين في نص الصالة بتسلموني حقي ورأسكم في الأرض.”
سيبته في الريسبشن واقف زي التمثال ومشيت.
رجع مصطفى الشقة، كان شكله زي اللي طالع من جنازة. حماتي أول ما شافته داخل دخلة المكسورين، قامت فزت من على الكنبة وهي ماسكة صدرها:
“عملت إيه يا مصطفى؟ قالتلك إيه البت دي؟ تنازلت؟”
حمايا وأخت جوزي اتلموا حواليه مستنيين طوق النجاة. مصطفى قعد على أقرب كرسي ورجله مش شايلاه، وحكى لهم على كل كلمة قلتها في اللوبي.. عن رد حقي، وعن إني عايزاه يرجعلي حاجتي ويكسر كبرياءهم قدام العمارة والشارع كله.
حماتي أول ما سمعت شرط رد الاعتبار، صرخت بصوت مكتوم وسدّت ودانها:
“لا! على جثتي! آجي على أخر زمني والبت دي توطي رأسي ورأس عيلة الحاج متولي؟ أنا أقف تتفرج عليا المنطقة وأنا بسلمها حاجتها؟ والله لو هتدخلني السجن ما أعملها!”
حمايا مسكها من دراعها وهزها بغضب مكتوم:
“سجن إيه يا فايزة اللي بتتكلمي عنه؟! إنتي مش دريانة بالحجم اللي إحنا فيه؟ المحامي قالنا إن بلاغ التشهير والكسر ثابتين بالدليل والشهود، وإن التعويض ده لو صدر بيه حكم مش هنلاقي ناكل! مصطفى مستقبله يضيع، وعيلتنا اسمًا وفعلًا هتبقى في الحضيض! بلاش كبر فارغ هو اللي ودى البيت في داهية من الأول!”
أخت جوزي بدأت تعيط بانهيار:
“يا أمي الشارع كله بيتهامس علينا من يوم ما الشرطة نزلت الشقة! لو القضايا دي تكملت إحنا هنتبهدل، مش هعرف أرفع رأسي قدام صاحباتي ولا في خطوبتي الجاية!”
البيت اتقلب لمناحة، والجدران اللي كانت زمان مليانة تعالي وقوانين صارمة من أجندة “قواعد البيت”، بقت بتسمع صريخهم وقلة حيلتهم. فضلت الليلة كلها محاولات ومفاوضات بين المحامي بتاعي ومحاميهم، وكان رد المحامي بتاعي واحد:
“الأستاذة رضوى مش هتنازل عن شرط واحد، والتنفيذ بكرة الساعة أربعة العصر.”
تاني يوم الساعة أربعة العصر بالظبط..
العمارة والشارع كانوا في حالة ترقب. الناس بدأت تلاحظ حركة مش طبيعية، محامي الأستاذة رضوى ومعه سيارة شحن بضائع، ومعاهم أفراد من الشرطة لإثبات التسليم والتسلم ورد المتعلقات.
نزلت من العربية وبكل شياكة وثبات، طلعت السلم وورايا المحامي وقوة التنفيذ.
باب الشقة كان مفتوح على البحري..
حماتي كانت قاعدة في الصالة، وشها أصفر متغطي بطرحة سودا، مش قادرة ترفع عينها فيا. حمايا كان واقف في جنب ساكت تماماً، وأخت جوزي مستخبية في الأوضة جوه.
مصطفى كان واقف عند باب الأوضة، إيديه بتهتز، وهو شايل الشيكات والمستندات اللي كانت في درجي المكسور، ومعاها الدرج نفسه بعد ما أصلحوه، وشنطة هدومي، ومعاهم كارت الفيزا بتاعي اللي حماتي كانت حاطة عينها عليه.
قرب مصطفى مني بخطوات ثقيلة جداً، وكل جيرانه في العمارة كانوا باصين من الأبواب والمناور المفتوحة بيتابعوا المشهد اللي عمرهم ما تخيلوه.
مد مصطفى إيده بالحاجة، وزق كلماته بالعافية من بين سنانه:
“حاجتك اهي يا رضوى.. كل مليم وكل ورقة زي ما هي.. وأمي وزي ما طلبتي، بنقولك حقك علينا.”
حماتي في اللحظة دي غطت وشها بإيدها وبدأت تعيط بمرارة وقهر، الكبرياء اللي عاشت بيه سنين اتمسح به الأرض في نص ساعه.
أخدت حاجتي والفيزا كارت وراجعتها أوراق أوراق قدام الضابط والمحامي. وبعد ما تأكدت إن كل شيء تمام بالملليم، بصيت لمصطفى وفي عينه كسرة العمر، وبصيت لحماتي اللي كانت بتترعش على الكنبة.
طلعت من شنطتي ورقة رسمية أخيره كانت جاهزة في جيب الشنطة، وحطيتها على نفس الترابيزة اللي كانت مفرودة عليها “أجندة قواعد البيت”.
مصطفى بص للورقة بخوف وقال:
“إيه الورقة دي تاني يا رضوى؟ مش اتفقنا تنهي كل حاجة؟”
ابتسمت له بابتسامة هادية جداً وقلتله:
“اتفقنا أتنازل عن قضايا التشهير والكسر بعد ما حقي يرجع.. والورقة دي إقرار منك ومن أهلك بالتنازل الكامل عن أي حقوق في الشقة دي، ودعوى طلاق رسمي للضرر بدون أي مساس بحقوقي الشرعية.”
مصطفى شهق بصوت عالي:
“طلاق؟! إنتي عايزة تطلقي بعد كل ده؟”
رديت عليه وصوتي يرن في الصالة كلها:
“إنت فاكر إن اللي يتكسر بيننا ينفع يتصلح بشرط أو بفلوس؟ أنا رجعت حقي وكرامتي عشان أقفل الباب ده للأبد وأنا مرفوعة الرأس.. مش عشان أرجع أعيش مع راجل ساب أمه تفتش في حاجتي وساب أخته تسرقني.”
حمايا بص لمصطفى وزعق فيه:
“وقّع يا مصطفى.. وقّع وانهي الكابوس ده!”
إيد مصطفى كانت بترتعش وهو بيمسك القلم، وبصلي بصة أمل أخيرة كأنه بيترجى معجزة، لكن عيناي كانت أبرد من الجليد. وقّع على الورقة وساب القلم يقع من إيده على الترابيزة.
سحبت الورقة، حطيتها في شنطتي، ولفيت وضهري عشان أخرج من البيت اللي دخلوه فاكرين إنهم هيسرقوا شغلي وشبابي.
وأنا عند الباب، لفيت بصيت لحماتي اللي كانت لسه بتعيط، وقلت لها الكلمة الأخيرة:
“الأجندة بتاعتك مفيهاش بند بيعلم إزاي تكسروا ست متعلمة وواثقة في نفسها.. المرة الجاية ابقي اكتبي فيها القواعد دي.”
خرجت من الشقة، ونزلت السلم وأنا حاسة إن الهوا يدخل صدري لأول مرة بصفاء نقي.
لكن وأنا بفتح باب العربية تحت العمارة، تليفوني رن..
كان رقم غريب، ولما رديت، جاني صوت أخت مصطفى وهي بتتكلم بصوت خائف وبيرتعش من المطبخ جوه الشقة:
“رضوى.. الحقينيا! مصطفى بعد ما مشيتي مسك الأجندة حرقها، ودلوقتي قفل الأوضة على نفسه وحاميا مسك في أمي وعاملين حريقة في البيت.. الحقينيا يا رضوى مصطفى هيعمل في نفسه حاجة!”
حكايات رشا خالد ج4
**الجزء السابع**
سمعت صوت صريخها في التليفون والدوشة اللي وراها، لكن إيدي ما ارتعشتش، ولا حتى خطوة واحدة اتأخرت ناحية العربية.
مسكت التليفون ببرود ووضوح وقلت لها:
“لو فيه حريقة كلمي المطافي، ولو مصطفى هيعمل في نفسه حاجة كلمي الدكاترة.. أنا خلاص ما بقاش ليا أي صفة في البيت ده، والشرطة والمحامي كانوا شاهدين إن كل واحد أخد حقه.”
قفلت السكة في وشها قبل ما تنطق بحرف تاني، وحظرت الرقم. دخلت العربية، وقعدت ورا. المحامي كان قاعد جنبي بصلي ابتسامة هادية وقال:
“برافو يا أستاذة رضوى.. الثبات ده هو اللي خلي الق\ضية تخلص بأسرع مما كنا نتوقع وبأقل الخساير ليكي.”
رديت عليه وأنا ببص من شباك العربية على العمارة اللي ببعد عنها:
“الخساير كانت هتكون لو كملت يوم واحد زيادة مع ناس فاكرين إن المبادئ والكرامة بتتشري وتباع بالأجندة.”
رجعت الفندق، وفي نفس اليوم بالليل، طلبت من الشركة نقل كل متعلقاتي وإجازة أسبوع أستجم فيها وأظبط فيها أموري عشان أستلم شقتي الجديدة اللي حجزتها في مكان راقي بعيد تماماً عن المنطقة دي وعن أي أثر يربطني بيهم.
لكن عيلة الحاج متولي ما كانوش يسكتوا بالساهل..
الكبرياء لما بيتكسر عند الناس اللي متعودة على الاستقواء، بيتحول لغل عمياني.
بعد يومين..
كنت قاعد في كافيه هادي بخلص شوية شغل على اللاب توب، لقيت رقم غريب بيرن عليا. رديت بتلقائية، وجاني صوت حمايا، بس المرة دي ما كانش بيزعق ولا بيهدد.. كان صوته مكسور ومخنوق أوي:
“رضوى يا بنتي.. أنا بكلمك وأنا مش عارف أودي وشي منك فين. بس مصطفى ابنك في المستشفى من امبارح بالليل.. أخد كمية أدوية كبيرة ولولا أخته لحقته في آخر لحظة كان زمانه راحت منه.”
سكت لحظة، حسيت بوجع خفيف في قلبي كأي إنسانة عاشت مع شخص تلات سنين، بس عقلي صحاني فوراً ورجّعني لحجم الخدعة والإهانة.
رديت بجمود:
“الف سلامة عليه يا عمي.. ربنا يشافيه. بس أنا أظن إن القضايا اتقفلت والورق بيننا اتقطع، مكالمتك دي ملهاش أي محل من الأعراب.”
حمايا اتنهد بصوت طالع بالعافية وقال:
“مصطفى مش قادر يستوعب إنك ضعتي منه يا رضوى.. هو عرف إنه كان مغفل ومشى ورا كلام أمه وأخته لغاية ما خرب بيته بإيده. أمك فايزة من يوم اللي حصل وهي قاعدة ساكتة مش بتنطق كلمة، والأجندة اللي كانت مالية بيها البيت أتحرقت فعلاً. مصطفى بيطلب يشوفك دقيقة واحدة بس.. دقيقة واحدة يعتذر لك فيها وهو على سرير المستشفى، وقسماً بالله ما هنطلب منك ترجعيلو ولا هنضغط عليكي في حاجة تاني.”
قعدت أفكر لثواني..
المحامي بتاعي كان مأكد عليا: *”أي تواصل مباشر معاهم بعد توقيع إقرار التنازل والطلاق ممكن يفتح باب للمماطلة أو محاولات الابتزاز العاطفي.”*
بس أنا كنت عايزة أحط النقطة الأخيرة بنفسي.. كنت عايزة أضمن إن الصفحة دي اتقفلت بالمفتاح والضبة وما يفضلش فيها أي ثغرة يدخلوا لي منها تاني.
قلت لحمايا:
“مستشفى إيه؟ ورقم الأوضة كام؟”
بعد ساعة..
وصلت المستشفى. طلعت الدور الثالث، وقفت قدام الأوضة. حمايا كان واقف بره أول ما شافني جه ناحيتي وطأ رأسه في الأرض كأنه بيستسمحني بعينيه، وأخت جوزي كانت قاعدة على الكرسي بره، أول ما شافتني بصت في الأرض وما قدرتش ترفع عينها فيا بعد كل اللي عملته.
فتحت باب الأوضة ودخلت..
مصطفى كان قاعد على السرير، دراعاته متوصلة بالمحاليل، ووشه أصفر ومخطوف كأنه كبر عشر سنين في يومين.
أول ما شافني فتح عينيه بذهول، وحاول يقعد على السرير وهو بيمد إيده بضعف:
“رضوى.. إنتي جيتي؟”
وقفت عند أخر السرير، حاطة إيدي في جيوب البالطو بتاعي، وقلت بنبرة هادية جداً خالية من أي غضب أو تعاطف:
“حمد الله على السلامة يا مصطفى.”
دمعة نزلت من عينيه وهو بيحاول يتكلم بصوت متقطع:
“أنا أسف.. أسف على كل لحظة هانت عليا فيها كرامتك، أسف إني سبت أمي تكسر درجك وتفتش في حاجتك.. أسف إني افتكرت إن الفلوس والأهالي أهم من الست اللي شايلمي وشايلة بيتي. أنا اتعميت يا رضوى.. اتعميت وسمحتلهم يدمروا أنضف حاجة في حياتي.”
بصيتله وبصيت للمحاليل اللي في إيده، وقلتله بمنتهى الصراحة:
“الأسف ما بيرجعش اللي اتكسر يا مصطفى. اللي حصل مش إنه غلطة لحظة غضب.. اللي حصل كشف لي معدن الناس اللي كنت عايشة معاهم. إنت ما وقفتش في وش أمك عشان بتحبها، إنت وقفت معاها عشان كنت طمعان زيها، وكنت مستخبي وراها.”
مصطفى بدأ يعيط بصوت مسموع:
“سامحيني يا رضوى.. أرجوكي سامحيني عشان أقدر أعيش.. اعتبريها آخر حاجة تطلبيها مني وأنا هنفذها، بس ما تمشيش وأنتي شايلة مني كل الكره ده.”
قربت خطوة واحدة من السرير، وبصيت في عينيه وقلتله:
“أنا مش شايلة منك كره يا مصطفى.. الكره بياخد طاقة، وأنت وأهلك ما تستاهلوش تاخدوا مني طاقة تانية. أنا سامحتك عشان نفسي أنا.. عشان أبدأ حياتي نظيفة ومن غير غل. بس رجوع؟ طلاقنا قضي أمره، وحياتي اللي جاية مفيهاش مكان لبيت الحاج متولي ولا لأي حد يخصه.”
في اللحظة دي، باب الأوضة اتفتح بالبطيء..
ودخلت حماتي.
كانت ماشية ببطء شديد، ساندة على حمايا، وشها كان باين عليه الانكسار والعجز اللي ما شفتهمش فيها طول التلات سنين. أول ما شافتني واقفة، وقفت مكانها، ودموعها نزلوا على خدها بقلة حيلة.
قربت مني بخطوات ثقيلة، ولأول مرة في حياتها.. رفعت إيدها الثمانين المرتعشة، وكانت هتمسك إيدي عشان تبوسها وتستسمحني!
**الجزء الثامن**
سحبت إيدي لورا بهدوء قبل ما إيدها تلمسني. مش عناد ولا تكبر، بس لأن الحظة دي ما كانش ينفع تتلخص في مشهد درامي رخيص أو اعتذار متأخر بعد ما الفأس وقعت في الرأس.
حماتي بصتلي بدموع مكسورة، وصوتها طلع مبحوح ومقطوع:
“سامحيني يا رضوى يا بنتي.. أنا اللي افتريت، وأنا اللي الشيطان غواني وعماني بالطمع. افتكرت إن قوة البيت ورأسي العالية بالفلوس والتسلط.. أستاهل كل اللي جرى لي، بس بلاش تخربي بيت ابني، سيبيه يعيش، مصطفى بيموت في اليوم مية مرة من بعدك.”
بصيت لها بمنتهى الهدوء، النظرة اللي زمان كانت حماتي بتترجمها على إنها ضعف أو خوف، المرة دي كانت شايفاها ثبات واستغناء تام.
قلت لها بصوت واضح ومسموع للكل في الأوضة:
“يا طنط فايزة.. أنا مش جاية هنا عشان أسمع اعتذارات، ولا جاية عشان أطفي ناري فيكم. أنا جاية أطمن على مصطفى كإنسان كان في يوم من الأيام جوزي، وعشان أؤكد على حاجة واحدة بس.. البيت ده ما اتخربش النهاردة، البيت ده اتخرب يوم ما حطيتوا فيه ‘أجندة القواعد’ وافتكرتم إن كرامة الناس ورزقهم وتعبهم مجرد غنيمة من حقكم تأخدوها بالعافية.”
مصطفى مسك طرف جلباب أمه وهو بيعيط:
“خلاص يا أمي.. خلاص يا أمي بلاش تذلي نفسك أكتر من كده، أنا اللي عملت في نفسي وفي بيتي كده يوم ما طوعتك وجيت على مراتي.”
حمايا حط إيده على كتف حماتي وهز رأسه بقلة حيلة وقال:
“عندك حق يا رضوى.. العيب كان عندنا من الأول، وإحنا اللي ما عرفناش نِصونك ولا نعرف قيمتك. حقك علينا جميعاً، والورق اللي وقعناه مش هنرجع فيه، وربنا يسعدك في حياتك الجديدة ويجعلها قدم الخير عليكي.”
أخت مصطفى قربت بخطوات خايفة، وطلعت من شنطتها ظرف صغير وحطته على الترابيزة جنب السرير:
“رضوى.. دول التمانية آلاف جنيه اللي كنت سحبتهم من كارتك زمان.. أنا بعت غواشتي النهاردة الصبح وجبتهم لك. أرجوكي خذيهم، مش عايزة يفضل ليكي عندي جنيه واحد وربنا يعلم إني ندمانة.”
بصيت للظرف، وبعدين بصيت لها وقالت:
“الفلوس دي مش بتاعتي يا آنسة.. الفلوس دي كفارة لدرس اتعلمتيه، خليهم معاكي، يمكن ينفعوكِ في يوم من الأيام لما تعرفي إن القرش الحرام بييجي معاه الخراب.”
سبت الظرف على الترابيزة وما لمستهوش.
لفيت وضهري للكل، وبصيت لمصطفى بصة أخيرة، كانت زي إغلاق ستارة على فصل كامل من حياتي.. فصل مليان استغلال وتضحيات مجانية، وابتداء فصل جديد عنوانه الاستقلالية والكرامة.
طلعت من باب الأوضة بخطوات ثابتة وواثقة. نزلت المستشفى، وشمس العصر كانت طالعة ودافية.
ركبت عربيتي اللي اشتريتها بفلوسي وعرقي، ودورت المحرك.
تليفوني رن، كان المحامي بتاعي.
رديت عليه: “أيوة يا أستاذ.”
المحامي قال بابتسامة باينة في صوته:
“أستاذة رضوى.. صيغة الطلاق الرسمية صدرت النهاردة من المحكمة للضرر، والتنازلات كلها اتوثقت في الشهر العقاري. أنتي بقيتي حرّة رسمياً ومفيش أي ورقة أو قيد يربطك بعيلة الحاج متولي من الليلة دي.”
غمضت عيني وأخدت نفس عميق.. حسيت فيه إن كل حمول السنين المرمية على كتفي اترميت في الشارع.
“شكراً جداً يا أستاذ.. كده القفل اتصك.”
قفلت الخط، وطلعت على الشقة الجديدة.
أول ما فتحت باب الشقة بالمتفاح، لقيت الصالة فاضية، النور داخل من الشبابيك الكبيرة، مفيش أجندات، مفيش ناس بتفتش في الأدراج، ومفيش حد مستنيني عند الباب يحدد لي أدفع كام وأعيش إزاي.
قعدت على كرسي فردي في نص الشقة، وحطيت اللاب توب بتاعي، وفتحت ملف جديد خالص لشغلي وحياتي القادمة.
لكن وأنا بفتح اللاب توب، جاني إشعار على إيميل الشركة الرسمي..
رسالة جيلالي من مجلس إدارة الشركة الكبيرة اللي بنتعامل معاها، وفيها قرار جديد ترقية وانتقال لفرع الشركة الرئيسي في دولة الإمارات بمنصب رئيس القطاع المالي بالكامل!
القرار كان محتاج توقيعي وموافقتي السريعة للبدء في إجراءات السفر خلال أيام..
وقفت قدام الشباك الكبير وأنا باصة لغروب الشمس، وفهمت إن ربنا لما بيقفل باب ظلم ومناهدة، بيفتح وراه أبواب واسعة من العز والنجاح اللي ما يخطرش على بال حد.
لكن السؤال اللي بقى يشغل بالي قبل ما أوقع على عقد السفر وأطوي صفحة البلد دي بالكامل..
هل عيلة الحاج متولي هيرضوا يسبوني أسافر وأبدا حياتي الجديدة في هدوء، ولا الانكسار والخراب اللي سيبته ورايا هيخليهم يعملوا المحاولة الأخيرة والأخطر لمنعي من السفر؟
**الجزء التاسع والأخير**
الفرصة الجديدة ما كانتش مجرد ترقية مهنية، كانت طوق نجاة وفرصة لكتابة بداية جديدة بعيداً عن المكان اللي اتظلمت فيه. وقعت العقد، وبدأت الإجراءات في كتمان شديد. ما حدش كان يعرف بالقرار غير إدارة الشركة والمحامي بتاعي اللي كان بيخلص باقي الأوراق الرسمية وقضايا القائمة والمؤخر.
قبل سفري بيومين، نزلت الشركة للمرة الأخيرة عشان أستلم أوراقي وأسلم مهام شغلي.
وأنا نازلة من الجراج، لقيت مصطفى واقف جنّب عربيتي.
كان حاسس بإن فيه حاجة اتغيرت، وجهه كان شاحب، وتحت عينيه هالات سوداء، شكله اتغير تماماً عن الراجل اللي كان بيمشي ورا أمه ببرود ويقولي: *”عديها واستحملي”*.
أول ما شافني، قرب بخطوات بطيئة، ومسك إيديه بضعف وقالي بصوت مكسور:
“رضوى.. أنا عرفت من الشركة إنك قدمتي استقالتك ورايحة مسافرة. معقولة؟ معقولة هتسيبيني وهتمشي خالص للدرجة دي؟”
وقفت في مكاني وأنا حاطة شنطتي على كتفي، وبصيت له بمنتهى الهدوء:
“مصطفى.. أنا ما سبتكش وهربت، أنا مشيت لما البيت ما بقاش بيت، ولما الراجل ما بقاش سند. السفر ده مش هروب منك، السفر ده خطوتي الطبيعية للقدام.”
مصطفى نزل على ركبتيه في جراج الشركة، المنظر كان يوجع القلب لراجل كبرياؤه اتكسر في الأرض، وبدأ يعيط بصوت مكتوم:
“أنا خسرت كل حاجة يا رضوى.. أمي من يوم المستشفى ما بتتكلمش مع حد، وقاعدة في صالتها مش بتمسك الأجندة ولا بتطيق تنطق اسمها، وأختي فسخت خطوبتها بعد ما الناس عرفوا بالمحاكم والمحاضر، وأنا.. أنا بقيت عايش زي الميت في البيت ده! ارجوكي ما تسافريش.. اديني فرصة واحدة أثبتلك إني اتغيرت، هسيب البيت ونعيش في أي حته تطلبيها!”
بصيت له من فوق، وحسيت بمزيج من الشفقة والارتياح. الشفقة على النهاية اللي وصل لها بسبب طمعه وضعف شخصيته، والارتياح إني ما بقيتش طرف في الدراما دي.
وطيت شوية وقربت منه وقلت له بكلمات حاسمة ومحددة:
“مصطفى.. قوم اقف على حيلك. القوة مش إنك تترجى ست سابتك، القوة كان المفروض توريها يوم ما أمك كسرّت درجي وقالتلي ‘هات الفيزا’. الفرص بتيجي لما يكون فيه أمل في التغيير، لكن إنت وأهلك اراهنتم على كسري، والرهان خسر. اتعلم من الدرس ده لنفسك ولحياتك الجاية.. لأن رضوى خلاص، كانت صفحة وافلت للأبد.”
سيبته قاعد في الجراج على الأرض، وركبت عربيتي ومشيت.
في المطار..
تاني يوم بالليل، كنت واقفه في صالة المغادرة، شايلة شنطة سفري وباصة لشاشة الرحلات. التليفون رن، كان المحامي.
“أستاذة رضوى.. حبيت أطمنك إن المؤخر وحقك المالي بالكامل اتورد في حسابك البنكي النهاردة الصبح. حمايا بنفسه راح البنك وورّد المبلغ، وبعتلك رسالة معايا بيقولك فيها: ‘سامحينا يا بنتي، وربنا يوفقك في طريقك’.”
ابتسمت وغمضت عينيا:
“شكراً يا أستاذ.. شكراً على كل حاجة.”
قفلت التليفون، ورميت الخط المصري في سلة المهملات بالمطار.
صعدت على الطيارة، وقعدت جنب الشباك. ولما الطيارة بدأت ترتفع فوق السحاب، بصيت للشارع وللمدينة اللي تحتيا، وحسيت بوزن جبل كامل بيتشال من فوق صدري.
عيلة الحاج متولي اتعلمت الدرس الأقسى في حياتها: إن الست لما تكون مكافحة وناجحة، سكوتها وطيبتها مش ضعف ولا قلة حيلة، وإن القوة الحقيقية مش في الأجندات والكروت والسيطرة الفارغة.. القوة في الكرامة والاستغناء.
حطيت السماعات في وداني، وسندت رأسي على الكرسي وأنا بأبتسم..
لأول مرة من تلات سنين، كانت عينايا باصة لبكرة وهي مطمنة، وواثقة إن اللي جاي أحسن وأعظم بكثير.


تعليقات
إرسال تعليق