انا الزوجه الثانيه كامله أمانى السيد
انا الزوجه الثانيه كامله
أمانى السيد
ـ إحساسك ايه وانتى مكرهه جوزك فى مراته الاولى ومخليه مش طايقها ولا بيصرف عليها ولا على عياله عشان يراضيكى
ـ مبسوطه طبعاً اتجوزى انتى كمان واحد متجوز وشوفى لذه الانتصار لما ييجى فى صفك ويراضيكى على حسابها
ـ لؤم وخباثة؟ سميها زي ما تسميها، بس المهم مين اللي يضحك في الآخر. هي فاكرة إن حقها محفوز لمجرد إنها “الأولى” وأنها القديمة ومعاها الاولاد ، بس ماتعرفش إن الراجل بيمشي ورا اللي تخليه ملك، مش اللي تكدره بطلباتها ونكدها كل يوم .
ـ أول ما يجيب سيرة عياله ولا مصاريفهم، أعمل نفسي زعلانة ومغمومة، وأقوله “يعني هما أولى مننا؟ ماحنا كمان لينا متطلبات، ولا انا كمالة عدد؟”.. كلمتين على نظرة عتاب، تخليه يقلب جيبه كله في حجري، ويسيبهم هما ياكلوا في نفسهم.
ـ الحلاوة كلها بتبقى لما يرجع من عندها متضايق، أدخل أنا بضحكتي ودلعي، أخليه يحس إن الدنيا كلها نكد إلا معايا.. ساعتها بس أعرف أخد منه اللي أنا عاوزاه وهو مغمض.
ـ انتصار ما بعده انتصار، لما ألاقيه بيفضل كلمتي على كلمتها، وبييجي عليا أنا يراضيني ويقسى عليها هي وعيالها عشان بس ما يزعلنيش. الميدان ده مش بتاع طيبة الميدان ده بتاع مين الشاطرة اللي تسحب البساط وتكسب الماتش لفرقتها!
ـ هحكيلك بقى الموقف اللي علم عليها صح.. الأسبوع اللي فات، كلمته في نص الليل بتصرخ وبتستغيث: “الولد جسمه بيولع نار وبيتغصب، الحقني تعالَ أوديه المستشفى، أنا مش عارفة أتصرف لوحدي!” هي فاكرة بقى إن العيال دول الكارت الرابح اللي هتشد بيه حبل السحب كل ما تحس إنه اتسحب منها.
ـ أول ما لقيت ملامح وش بتبدأ تحن وراح عشان يلبس، دخلت عليه بمنتهى الهدوء، قفلت باب الأوضة، ووقفت بينه وبين الباب.. بصلته بنظرة كلها كبرياء وقولتله ببرود تام: “لو خرجت من الباب ده دلوقتي عشان حجة من حججها، ما ترجعليش تاني.. اختار يا إما هي وعيالها، يا إما أنا.”
ـ ولما حاول يفهمني إن الولد تعبان بجد، ضحكت بتهكم وقولتله: “هي مش أمه؟ ولا هي بتخلف وترمي عليك؟ هي بتستغلك عشان تطير السهرة اللي بقالنا أسبوع بنترتب لها.. لو طلعت، اعتبر كل اللي بيننا انتهى.”
ـ قدام عينيا مسك الموبايل، رد عليها بصوت ناشف يقطع الخلف: “ما تفرعيش دماغي، خدي أي تاكسي وغوري بيه على أي دكتور، أنا مسافر وورايا شغل مش فاضيلكم!”.. وقفل السكة في وشها وهي بتعيط وتترجاه.
ـ أخدني من إيدي، نزلنا، ركبنا العربية وسافرنا، وقضينا الليلة بنسهر ونشرب ونضحك.. وهي طول الليل محتاسة بالولد في الرعاية المركزة، تبعتلي مسجات وشتائم، وأنا أرد عليها بصورة لينا وأنا في حضنه وبقولها: “وفرى صحتك للواد ؟
ـ دي مش مجرد شطارة، دي قسوة وثقة إن الراجل تحت إيدي، يلغي إنسانيته وأبوته بس عشان ما يشوفش القرفة في وشي!
ـ تعالي بقى أما أحكيلك على أتقل موقف وأعظم لحظة انتصار في حياتي.. اللحظة اللي حسيت فيها فعلاً إني بقيت “الملكة” وهي مجرد جارية في الهامش!
ـ كنا مدعومين في عزومة عائلية كبيرة عند أهله، طبعاً هي جاية فاكرة إنها “الكبيرة” وبنت الأصول اللي الكل هيفضلها، وقاعدة وسطهم كأنها لقت اللي ينصفها. ما كانتش تعرف إن اللعبة اتغيرت من زمان، وأن البساط اتسحب من تحت رجلها بالكامل.
ـ طول القعدة، جوزي مش شايف غيري.. عينه عليا، يوطي صوتها لو طلبت حاجة، ويترعش لو شافني بس بوزت أو اتضايقت! وهي قاعدة تتفرج على فرق المعاملة اللي يوجع؛ أنا بيكلمني بقمة الرقة والدلع، وهي لو تجرأت وفتحت بقها بكلمة، يرميلها رد ناشف يكسر نفسها قصادهم، أو يبصلها بصه تحذير إنه مش عايز يسمع صوتها عشان بس أنا ما أتكدرش!
ـ أهله بقى لما شافوا العين الحمرا وشافوا إن “رضايا” هو اللي بيحرك ابنهم، وأن زعلي معناه إن ابنهم هيقلب المكان كله نكد ويهد الدنيا عشان يراضيني.. اتغيروا ١٨٠ درجة!
ـ نسوا بقى القديم والجديد، وبقوا يتنططوا حواليا: “ارتاحي يا فلانة”، “اجيبي لك إيه يا فلانة”، وبيتعاملوا معايا بمنتهى الهيبة والاحترام ، يعملوا لزعلي ألف حساب، وهما شايفين أخوهم بايعها ودايس عليها بس وكل ده باشاره من صباعي!
ـ وهي؟ كانت قاعد في الكورنر بتاكل في نفسها، شايفاني محطوطة على رأس الطاولة والكل بيطلب رضايا، وهي حتى القهوة ما حدش افتكر يقدمها لها..لكن انا العصير والاكل وكوبايه المايه بتتجاب وتتحط فى ايدى ساعتها بس بصيت لها في عينها وابتسمت ابتسامة النصر، وعرفت إن القوة مش باللي سبق، القوة بـ مين اللي بيعرف يحكم ويتملك!
صاحبتها سالتها
ـ انتى ليه بتعملى كده ؟؟ وهى ليه مستحمله ده ؟؟
ـ بصت جهاد لصاحبتها ابتسامة سخرية، وهزت فنجان القهوة في إيدها وقالتلها ببرود يرعب:
ـ بتسأليني جهاد بتعمل كده ليه؟ عشان جهاد اتعلمت الدرس صح وبأعلى ثمن ممكن واحدة تدفعه! أنا زمان كنت الطيبة العبيطة، الهادية اللي بتقول “حاضر ونعم” وبترضى بالقليل. كنت الست اللي وقفت جنب جوزها الأولاني وسندته من الصفر، وفي الآخر عمل إيه؟ أول ما حس إن عندي مشكلة وما بخلفش، رماني كأني قطعة خردة ملهاش قيمة، وراح اتجوز عليا وعاش حياته ولا كأني كنت موجودة!
ـ ساعتها اتعلمت إن الطيبة في الدنيا دي خيبه
، وإن الست اللي ما بتعضش وتثبت وجودها بأضافرها وأسنانها، الدواير بتدور عليها وبتتداس تحت الجزم! عشان كده جهاد حطت عهد على نفسها: أنا مش هكون الضحية تاني أبداً.. أنا اللي هكون الجاني، أنا اللي هسوق، وأنا اللي هكسر مش أتكَسِر!
ـ أما بالنسبة لـ “مايسه ليه مستحمله ده؟”.. فدي أسهل إجابة في الدنيا! مايسه مستحملة عشان ضعيفة، عشان اتربت على فكرة “مفيش ست بتسيب بيتها وعيالها”، عشان فاكرة إن الصبر مفتاح الفرج وإن ربنا هينصرها لمجرد إنها مكسورة الجناح! الستات اللي زي مايسه بيفتكروا إن العياط وقلة الحيلة هيجيبوا حقهم، وما يعرفوش إن الراجل بيقرف من الست المكسورة وبيجري ورا الست اللي تفرضه وتخليه يمشي على عجين ما يلخبطوش.
ـ مايسه مستحملة عشان معندهاش مكان تروحه ولا كبرياء ينجدها، وأنا مكملة عشان كل ما بشوفها مكسورة كدة، بحس إن جهاد بتاخد حق الست القديمة اللي جواها اللي اتظلمت زمان.. أنا مش بظلم مايسه لشخصها، أنا برجع هيبتي أمام نفسي، وبأكد لنفسي كل يوم إن جهاد بقيت الملكة اللي مستحيل تتهزم تاني!
ـ صاحبتها سكتت شوية وهي مصدومة من كمية القسوة والغل اللي في كلام جهاد، وقالتلها وهي بتهز رأسها بعدم تصديق: “بس يا جهاد.. ده ابن مايسه كان بيموت، وعيالها مالهمش ذنب في اللي حصلك زمان! إنتي كده بتنتقمي من الناس الغلط.. مش خايفة من ربنا؟ مش خايفة تدوري الدايرة عليكي تاني وترجعي لنفس الوجع؟”
ـ ضحكت جهاد ضحكة عالية فيها مرارة وكبرياء، وحطت الفنجان على الترابيزة بروقان وقالتلها:
ـ “خايفة؟ الخوف ده للضعفاء يا حبيبتي.. جهاد الخوف دفنته يوم ما أخدت شنطة هدومها وخرجت من بيت جوزها الأولاني مكسورة الخاطر والناس بتتغمغم عليها وبيرحموا جهاد عشان ‘معيوبة وما بتخلفش’.. محدش ساعتها سمى عليا، ولا حد قال جهاد العيانة دي مالهاش ذنب!
ـ الدنيا دي غابة، يا تاكلي فيها يا تتأكلي.. عيال مايسه دول بكرة يكبروا وأمهم تقويهم عليا، وأنا مش هسيب لها كارت واحد تلعب بيه! لازم أقطع كل الخيوط من الأول، ولازم أحرم مايسه من أي لقطة حنية عشان تفهم إن وجودها في البيت ده وجود شكلي بس.. مجرد ‘ديكور’ مالوش أي قيمة.
ـ وجوزي؟ جوزي أنا عارفة دماغه كويس.. الراجل زي الطفل، طول ما جهاد مالية عينه ومخلياه حاسس برجولته ودلعه، هيمشي ورايا وهو مغمض، ولو حس لحظة إني ضعفت أو بدأت أرحم مايسه، هيستقوى عليا وترجعلي عقدة الماضي.
ـ عشان كده جهاد مش هتقف.. كل يوم هثبت لنفسي ولمايسه ولكل أهله إني أنا الكل في الكل. مايسه اختارت تعيش دور الضحية، وجهاد اختارت تعيش دور الملكة.. وكل واحدة فينا بتدفع تمن اختيارها!”
انا الزوجه الثانيه ٢
امانى السيد
صاحبتها (منى) بصلتها بنظرة بين الصدمة والشفقة، وقالت بصوت هادي كأنه بيحذرها:
“بس يا جهاد.. اللي بيتبنى على أنقاض غيره مابيعيشش، وإنتي كده مابتاخديش حقك من الماضي، إنتي بتخلقي جحيم جديد لإيديكي.. مايسه ساكتة اه، بس السكوت ده مش دايماً ضعف، ساعات بيكون هدوء ما قبل العاصفة.”
ـ هزت جهاد رأسها بتهكم ورجعت ظهرها لورا، وابتسمت بثقة قاطعة:
“عاصفة؟ مايسه ماعندهاش ولا مقوم واحد يخليها تعمل عاصفة! الست لما بتسلم مفاتيح كرامتها للراجل من أول يوم، مابتعرفش تستردها تاني. وبعدين أنا مش خايفة من هدوءها.. أنا العاملة حساب لكل خطوة، ومخلية جوزي شايف إن أي حركة منها هي نكد وتهديد لراحته.”
ـ وفي اللحظة دي، رن موبايل جهاد.. شافت الاسم على الشاشة، فرفعت حواجبها لصاحبتها بابتسامة نصر، وردت بصوت ناعم زي الحرير:
“أيوة يا حبيبي.. خلصت شغلك؟.. تؤ، أنا مش في البيت، قاعدة مع صاحبتي بنشرب قهوة.. مال صوتك؟ متضايق ليه؟”
ـ الصوت جايلها من الناحية التانية متوتر ومتردد:
“جهاد.. أنا راجع البيت، بس مايسه واقفة لي على الباب ومعاها الروشتة وتقارير المستشفى بتاعت الولد، وبتقولي إني سبته في الرعاية ورحت اتفسح.. أختي كلمتني وبتقولي حرّام عليك.. أنا متلخبط يا جهاد، ومصروف البيت اللي قطعتيه عنهم خلى أمي تتكلم معايا بغضب!”
ـ ملامح جهاد اتغيرت في ثانية؛ البرود اتعجن بغضب مكتوم، بس صوتها فضل هادي وسمّي:
“طب وطالما أهلك وأختك ومايسه مهتمين قوي كده.. جيتلي ليه من الأول؟ ما ترجعلها يا حبيبي، وروحلها واستسمحها وخليها تمشيك على مزاجها.. أنا مش هقف في طريق سعادتك العائلية!”
ـ سكتت ثواني وهي عارفة تأثير الكلمة عليه، وكملت بنبرة كبرياء مجروح:
“أنا افتكرت إني اتجوزت راجل بيعرف ياخد قراره وما بيمشيش بكلام نسوان.. بس واضح إني اتخدعت.. لم حاجتك يا انس، ولملهم قرشك، ورجعني بيت أهلي طالما أنا بقيت العزول اللي بتكدركوا!”
ـ وقبل ما ينطق بكلمة، قفلت السكة في وشه!
ـ صاحبتها فتحت عينها على أوسعها: “إنتي تجننتي؟ تقفلي في وشه وتخيّريه؟!”
ـ جهاد حطت الموبايل على الترابيزة بفرقعة، وابتسمت بثقة مرعبة:
“اتفرجي بقى.. خلال عشر دقائق بالكتير، هيجي هنا تحت رجلي يترجاني أرجع، وهيطلب مني أسامحه، وهيروح يمسح بـ مايسه وأهله الأرض عشان بس يثبتلي إن مفيش ست غيري تملى عينه! اللعبة دي لعبتي يا منى.. وأنا اللي بحط القواعد.”
ـ العدّاد بدأ يعد.. عشر دقائق بالظبط، وكان صوت فرامل عربيتها بيرن تحت العمارة. جهاد أخدت بق قهوة هادي، وبصت في ساعتها بابتسامة ثقة وغمزت لصاحبتها منى اللي كانت قاعدة مش على بعضها وريقها ناشف من الذهول.
ـ الجرس رن بدبّة إيد متوترة. جهاد ما قامتش، شاورت لمنى ببرود: “افتحي له يا منى.. وادخلي جوة الأوضة وسيبيلنا الساحة.”
ـ دخل وهو جاري، العرق مغرق وشّه، وملامحه كلها قلق وخوف إنها تكون بتتكلم بجد. أول ما شافها قاعدة بقمة ثباتها ومش عبرّاه، رمى السوارس والمفاتيح على الترابيزة وقرب منها، مسك إيدها وباسها بلهفة:
“جهاد! إيه الكلام اللي قولتيه في التليفون ده؟ ترجعي بيت أهلك إزاي؟! إنتي مجنونة؟ أنا أبيع الدنيا كلها ولا إني أشوفك زعلانة أو تفكري تفارقيني لحظة!”
ـ سحبت إيدها منه ببطء وكبرياء، وبصت له بنظرة ومشيت عينها عليه من فوق لتحت وقالت ببرود يذبح:
“والله؟ أصل اللي يسمعك وأنت بتشتكي من كلام أختك وأمك، يقول إنك ندمان.. يقول إن مايسه صعبت عليك، وأنك جاي تحاسبني أنا عشان مشاعرك رهيفة قوي ناحيتها وناحية عيالها!”
ـ نزل على ركبته قدامها، زي العبد اللي بيطلب العفو من الملكة، وقال وهو بيحلف بكل أيمانات الله:
“وحياة حبنا يا جهاد، مايسه دي ولا تعني لي قشرة بصلة! أنا لما دخلت ولقيتها واقفة تحاسبني بالتقارير، اتخنقت منها ومن شكلها.. وأمي وأختي أنا سكتهم وحلفت عليهم ما حد يتدخل في حياتي تاني! المصروف اللي عايزاه مايسه هتاخد رُبعه بس بالظبط، والعيال هي خِلفها وتتحمل مسؤوليتهم، أنا مش بنك! المهم إنتي.. المهم رضاكي يا جهاد،
ـ جهاد سكتت ثواني، سابت السكوت يأكل في أعصابه وتخليه يستوي على نار هادية، وبعدين رفعت وشّه بإيدها، وابتسمت له الابتسامة السامة اللي بتدوّخه:
“أرجع فى كلامى بس بشروط مايسه دي ما ألمحش خيالها ولا أسمع صوتها تاني، ومصروفها يقل للنص مش للربع، عشان تفهم إن الله حق وتبطل تفتكر إن العيال كارت ضغط.. وأي قرش كنت هترميه هناك، يدخل في حسابي أنا.. اتفقنا؟”
ـ هز رأسه بلهفة كأنه ما صدق تطلب: “اتفقنا.. اللي تؤمري بيه يا ملكتي، يلا بينا.”
ـ قامت وقفت بكل هيبة، وبصت لمنى اللي كانت تبص من ورا باب الأوضة وعينها هتطلع من مكانها.. جهاد ابتسمت لها ابتسامة نصر مشفوعة بغمزة، كأنها بتقولها: *شفتي مين اللي بيحكم اللعبة؟*
ـ في الناحية التانية، في الشقة القديمة.. كانت مايسه قاعد على أرض الصالة، دموعها جافة على خدودها، وحاضنة الروشتات وتقارير المستشفى اللي ابنها فيها بين الحياة والموت.
ـ الباب اتفتح وفزعها، دخل جوزها ورزع الباب وراه بصوت زلزل البيت.. بص لها بقرف وشمئزاز، ورمى في وشها كمية فلوس لا تذكر وققال بصوت طالع من قاع الغل:
“الفلوس دي هي اللي هتوصلك كل شهر، ولا مليم زيادة! وتلمي لسانك وأهلي ما تسمعهمش صوتك، ولو جربتي تستغلي الولد تاني عشان تتصلي بيا وتنغصي عليا حياتي مع مراتي.. هرميكي برة البيت ده باللي في إيدك!”
ـ مايسه بصت للفلوس المرمية على الأرض، وبعدين رفعت عينها له.. ما عيطتش، ولا صرخت.. المرة دي، كان في عينها لمعة غريبة متغيرة، لمعة انطفاء الوجع وبداية حاجة جديدة تماماً!
ـ مايسه فضلت باصة للفلوس المرمية على الأرض بجمود تام. الوجع لما بيعدي حده، بيبطل يبكي صاحبه.. بيحوله لكتلة ثلج. رفعت عينها وبصت في عينه، لأول مرة من سنين ما شافش في وشها كسرة الست المظلومة، ولا دموع الترجّي.. شاف هدوء يرعب، هدوء ما قبل الإعصار.
ـ جوزها اتفاجئ بجمودها، وزق الترابيزة برجله وهو بيقول بغل:
“إيه؟ مالك مبلمة كده ليه؟ مش عاجبك الفلوس؟ ده اللي عندي، أعلى ما في خيلك اركبيه.. ويا أنا يا إنتي في البيت ده!”
ـ مايسه قامت وقفت بمنتهى الثبات، لمّت الفلوس من على الأرض ببرود، وحطتها على الترابيزة. ما صرختش، ولا ردت عليه بكلمة تزود النكد اللي هو مستنيه عشان يلاقي مبرر يضربها أو يقل بكرامتها أكتر.. بصت له نظرة واحدة أخيرة، نظرة واحد بيودّع ج\ثة، ومشيت ودخلت أوضتها وقفلِت الباب بالمفتاح.
ـ تاني يوم الصبح بدري، والشمس لسه بتشرق.. مايسه ما قعدتش تعيط. فتحت دولابها، لبست أحسن طقم عندها، جمعت كل الأوراق المفصلية اللي حوشتها طول السنين اللي فاتت:
* قسيمة الجواز.
* شهادات ميلاد العيال.
* روشتات المستشفى وتقارير الرعاية المركزة اللي جوزها رفض يجي يلحق ابنه فيها.
* محاضر الامتناع عن الإنفاق ورسايل الشتائم والتهديد اللي كانت بتوصلها من جهاد ومنه.
ـ خرجت من البيت بخطوة ثقيلة بس واثقة، وراحت مباشرة على مكتب محامي كبار متخصص في قضايا الأحوال الشخصية. قعدت قدامه، حطت الملف الكامل على مكتبه، وقالت بصوت هادي، متزن، ومقطوع منه الخوف:
“أنا مش جاية اشتكي ولا جاية أبكي.. أنا جاية آخد حقي بالقانون حتة حتة. عايزاك ترفع لي دعوى طلاق للضرر، وتطالب بكل حقوقي الشرعية: نفقة زوجية بنوعيها، نفقة صغار، أجر حضانة، مؤخر الصداق، ومتعة عن السنين اللي اتظلمت فيها.. ومش هسيب مليم واحد!”
ـ المحامي بصلها وإبتسم بثقة وهو بيبص في الأوراق والتقارير:
“الأوراق اللي معاكي دي تدمر أي ق\ضية يرفعها قصادك.. التقارير الطبية بالذات ورسائل الامتناع عن علاج الولد، تثبت الضرر الكامل وتخليه يدفع الثمن غالي جداً في المحكمة، غير إن شقة الزوجية من حقك أنتِ والعيال بقوة القانون لأنك الحاضنة.”
ـ مايسه هزت رأسها وقالت بابتسامة لأول مرة تظهر على وشها من سنين:
“أنا مش عايزة أكسره لمجرد الإنتقام يا متر.. أنا عايزة أعلمه وأعلم اللي معاها إن حق الضعيف ما بيموتش، وإن القانون بياخد حق الست اللي افتكروها مالهاش صاحب!”
ـ في شقة جهاد.. كانت قاعد فاردة ظهرها ومستمتعة بالنصر، وبتتكلم في الموبايل مع جوزها بثقة:
“برافو عليك يا حبيبي.. كده تفهمها إن ربنا حق، وتعرف إنك راجل ما يترواحش برأيك!”
ـ وفي لحظة ما هما في قمة نشوة الانتصار والمتعة الذاتية.. رن محضر المحكمة على باب شقة الزوجية القديمة، ولما ما لقاش حد، أعلنهم على عنوان شغل الزوج وعلى بيت جهاد الرسمي!
ـ ورقة إعلان الدعوى وصلت لإيد جوزها في شريكتة.. فتح الورقة وإيديه بترتعش:
**”دعوى طلاق للضرر، والمطالبة بتمكين شقة الزوجية للحاضنة، ودعوى نفقة متعة وأجر حضانة..”**
ـ الأرقام المكتوبة في المطالبات المالية كانت كفيلة إنها تطير عيشتهم وتكسر ظهر ميزانيته، والشقة اللي جهاد كانت مخططة تبيعها أو تأجرها لحسابها، بقت تحت التهديد بالتسليم الجبري لمايسه والعيال!
انا الزوجه الثانيه ٣
أمانى السيد
الورقة كانت في إيده زي الجمرة.. عينيه رايحة جاية على السطور ومش قادر يستوعب: **”تمكين من شقة الزوجية… طلاق للضرر… نفقة متعة… حبس للامتناع عن الإنفاق…”** ـ خرج من شركته مجنون، طار بالعربية على شقة جهاد. دخل حافي من التوتر، رمى الأوراق قدامها على الترابيزة وهو بيلهث ووشه أصفر زي الليمونة:
“الحقيني يا جهاد! الهانم راحت للمحامين وعملتها! رافعة عليا قضايا بالهبل، وعايزة تطردنا من شقة الزوجية وتاخدها تمكين عشان العيال! الأرقام اللي طالباها في النفقات هتيجي على القريب والبعيد وتخرب بيتي!”
ـ جهاد اتخضت، مسكت الأوراق بسرعة وعينيها بتقرأ بذهول وصدمة.. الثقة المطلقة والغرور اللي كانوا على وشها اتبخروا في ثانية، وحل محلهم غضب أعمى وذهول!
“إيه الجنان ده؟! الشقة دي اللي كنا متفقين نكتبها باسمي أو نأجرها؟! وهي جابت الجرأة دي كلها منين؟! الست دي كانت بتموت قدامك ومن غير لسان!”
ـ بص لها بقلة حيلة وصوت واطي مكسور:
“أتاريه كان هدوء الموتى يا جهاد! التقارير بتاعت المستشفى اللي طنشتها ورسايل التهديد اللي كنتِ بتبعثيهالها من موبايلي وموبايلك.. المحامي حاططها في العريضة وبيطالب بحبسي بتهمة الإضرار والامتناع عن علاج طفل في حالة خطرة! أهلي عرفوا باللي حصل وأمي حرجت عليا ودعت عليا إن ما طلعتش من القصة دي برضاها!”
ـ في اللحظة دي، جهاد حسّت بخلل في العرش اللي بنته.. الراجل اللي كان لعبة في إيدها بكلمتين حلوين، بدا يتهز، وعينيه فيها نظرة لوم وعتاب كأنه بيقولها “إنتي اللي ورطتيني وركبتيني المركب دي!”
ـ جهاد صرخت فيه عشان تداري خيبتها وخوفها:
“أنت هتضعف من أول قلم؟! أمال فين كلامك ورجولتك؟ اتصل بمحاميك فوراً ونزل لها القواضاي الضد! اتهمها بأي حاجة، اقطع عنها العيش والماي!”
ـ رد عليها بصوت ناشف خالي من أي مشاعر حب، ولأول مرة يكلمها بالأسلوب ده:
“أنا محاميّ قال لي الوضع طين! التقارير مظبوطة والأوراق حقيقية والقاضي مش هيرحم! الشقة هتاخدها بالقوة الجبرية، والنفقات هيتخصم نص مرتبي من الشركة بحكم محكمة! إنتي فاكرة المحاكم بتلعب؟ إنتي اللي أصرّيتي أقسى عليها وعلى عيالها لحد ما حطيتيني في الحيط!”
ـ الكلمة نزلت على جهاد زي الصاعقة.. “إنتي اللي أصرّيتي!”.. نفس الجملة اللي سمعتها من جوزها الأولاني لما رمى عليها اللوم والتهمة وسابها! العقدة القديمة صحيت جواها بغل، وعرفت إن المركب بتبدأ تغرق، وأن الراجل اللي باع أمه وعياله عشان شهوته ودلعه، مش هيردد لحظة إنه يبيعها هي كمان عشان ينفذ بجلده!
ـ في نفس الوقت، مايسه كانت قاعدة في صالة بيتها الهادي، بتشرب كوباية شاي دافية.. المحامي اتصل بيها وبشرها:
“مساء الخير يا مدام مايسه.. الإعلان وصله في الشغل وفي البيت الجديد، ومحاميه اتصل بيا يحاول يطلب صلح ودي ويكتب لك اللي أنتِ عايزاه عشان ينزل عن قضايا الحبس والتمكين.”
ـ مايسه ابتسمت ابتسامة هادية، صافية، ابتسامة ست استردت روحها وكرامتها من قاع الضياع.. ردت بنبرة قوية وثابتة:
“مفيش صلح ودي يا متر.. القانون ياخد مجراه بالكامل. أنا مش هظلم حد، بس مش هسيب مليم واحد من حق عيالي وحقي.. خليهم يفهموا إن اللي يظلم، لازم يدفّع الثمن لحد آخر قرش.”
ـ قفلت الخط، وبصت لابنها اللي كان قاعد جنبها بيلعب وصحته بدأت ترجع له.. مسكت إيده وبستها، وقالت في سرها:
*كده الدائرة دارت.. والملكة اللي افتكرت نفسها ما بتموتش، بدأت تشوف عرشها بيبكّي.
ـ أيام قليلة مرّت، وكان منظر “العرش” اللي بنته جهاد بيبدأ يتشقق ويقع حجر حجر..
ـ الأحكام القضائية بدأت تنزل بسرعة وبشكل متتالي؛ قرار تمكين بقوة القانون لشقة الزوجية لصالح مايسة والعيال، وحكم بخصم نصف مرتب أُنس من شركته بشكل مباشر لصالح النفقة وأجر الحضانة.
ـ أُنس دخل شقة جهاد في ليلة من الليالي، مش هو نفس الراجل اللي كان بيمشي وراها زي الظل وبيطلب رضاها بشاوارة منها.. دخل وهو شايل جبال الهموم، وشّه شاحب، وعينيه مليانة حسرة وغضب. رمى مفاتيح العربية على الترابيزة وقعد على الكنبة بقلة حيلة.
ـ جهاد قربت منه وهي بتحاول تسترد سيطرتها القديمة، وقالت بصوت فيه حدة ومحاولة كبرياء:
“وبعدين معاك يا أُنس؟ هتقعد تبصلي كده كأني أنا اللي رفعت عليك القضايا؟ ما تروح للمحامي بتاعك وتتصرف! مش معقول هتسيب الهانم تاخد الشقة وتقعد فيها بروقان وإحنا هنا بنتحاسب على المليم!”
ـ بصلها بصة طويلة.. بصة فيها كمية قرف وندم خلت جهاد تتجمد مكانها. وقف ووجهلها كلامه بصوت واطي بس يرعب من كتر الهدوء اللي فيه:
“الهانم اللي بتتكلمي عنها دي.. أخدت حقها وحق عيالها بالقانون، عشان أنا سمعت كلامك وبعت إنسانيتي وأدنت نفسي عشان أرضيكي. الشقة اللي كنتِ عايزة تبيعيها وتآجريها، المحضر جاي بكره يتسلم لها رسمياً.. والنص الباقي من مرتب موش مكفي حتى إيجار الشقة دي ولا مصاريفنا!”
ـ جهاد رفعت رأسها بغرور وقالت:
“يعني إيه؟ عايزني أقبل إنها تنتصر عليا؟ أومال فين الوعود اللي وعدتهالي؟ فين الراجل اللي قال لي هخليكي ملكة وما ينقصكيش حاجة؟”
ـ ضحك ضحكة مكتومة مليانة مرارة:
“ملكة؟! ملكة على حساب مين؟ على حساب ابن كان بيموت وأنا سايبه عشان أسافر معاكي الساحل وننسى الدنيا؟ على حساب أمي وأختي اللي خسرتهم عشانك؟ إنتي مش ملكة يا جهاد.. إنتي كنتِ العقدة النفسية اللي أنا دخلت فيها ودمرت حياتي بسببها!”
ـ الكلمة نزلت على جهاد زي الس\كينة في قلبها.. الكابوس القديم بيرجع يتعاد بالحرف! نفس الكلمات اللي سمعتها من جوزها الأولاني لما طردها وقالها إنها السبب في نكده!
ـ وقبل ما تنطق بكلمة، كمل كلامه القاضية:
“أنا راجع لأهلي أستسمحهم، وهقعد مع المحامي عشان أشوف إزاي ألم البواقي من حياتي اللي اتدمرت.. ورقتك هتوصلك يا جهاد، لأن القسوة والغدر اللي زرعتيهم، أنا بقيت بدفع تمنهم من صحتي وكرامتي كل يوم!”
ـ سابها وخرج ورزع الباب وراه، والبيت فضي عليها.. سابها لوحدها وسط الحيطان، لا طالت جوزها، ولا طالت نصرها، ولا قدرت تهزم الست اللي كانت فاكراها ضعيفة.:
ـ في نفس الوقت، كانت مايسة واقفة في البلكونة بتشرب القهوة في السكوت والهدوء اللي حرمت نفسها منهم سنين. الشقة رجعت لها رسمياً، والعيال بيلعبوا جوة وصوت ضحكهم مالي المكان دفء وأمان.. أختها قربت منها وبصت لها بابتسامة فخر وقالت:
“عارفة يا مايسة؟ إنتي النهاردة ما أخدتيش شقة ولا نفقات بس.. إنتي أخدتي كرامتك اللي كانوا فاكرين إنهم دافنينها تحت قسوتهم!”
ـ مايسة ابتسمت ابتسامة هادية وصافية، وفي عينيها ثقة جديدة تماماً، وقالت لنفسها قبل ما تقول لأختها:
“أنا عمري ما تمنيت الخراب لأُنس ولا لغيره يا أختي.. بس كان لازم يفهموا إن اللي بيظلم وبيستقوى على الضعيف، الدنيا بتدور عليه وبتردله القسوة أضعاف. الحق لما بيرجع بيمحي كل الوجع القديم.”
ـ وعلى الناحية التانية.. كانت جهاد قاعد في شقتها الضلمة، الموبايل في إيدها ساكت مابيرنش، وأُنس عمل لها بلوك من كل حتة بعد ما رمى لها ورقة الطلاق. بصت في المراية وشافت الست المطلقة للمرة التانية، الست اللي عاشت تنتقم من عقدة الماضي، فصنعت بإيدها نهايتها الجحيمية.. وعرفت ساعتها إن العرش اللي بيتبنى على خراب بيوت التانيين، بيقع في الآخر على رأس صاحبه!
ـ مرّت الشهور، وعجلة الحياة دارت وكل واحد أخد نصيبه من اللي زرعه باختياره..
ـ **مايسة** فتحت صفحة جديدة ناصعة البياض. بقوة الأحكام والتمكين، استقرت في بيتها مع عيالها في هدوء وراحة بال. الفلوس اللي بقت بتوصلها شهرياً بالقانون كفّت مصاريف العيال والبيت وزيادة، وبدأت مشروعها الصغير من البيت عشان تصرف منه وتأمن مستقبلهم وما تحتاجش لـ أُنس في مليم. ابنها رجعت له صحته، وضحكته بقت تملى البيت، وأهله بقوا يجوا يزوروها ويلتمسوا منها السماح على موقفهم القديم بعد ما عرفوا حقيقتها وحقيقة جهاد.
ـ أما **أُنس**.. فبقى عايش في دوامة ندم مابتخلصش. مرتوبه بقى يروح نصُه للنفقة والمؤخر وديون المحاكم، والنص التاني مابيكفيش إيجار شقته الجديدة ومصاريف معيشته. حاول كذا مرة يرسل لأهله أو يكلم أخته عشان يتوسطوا له عند مايسة ويرجعها، بس رد مايسة كان حاسم وواضح: *”أنا أخدت حقي وعيالي عايشين في أمان، الباب ده اتقفل للأبد وما بقاش في مكان للرجوع.”* بقى يرجع كل يوم لشقته الفاضية، ندامان على اليوم اللي ضحى فيه ببيته وأولاده عشان شوية دلع ووهم.
ـ وعلى الجانب الآخر.. **جهاد** كانت القاضية بالنسبة لها أشد قسوة.
ـ الورقة وصلت لها بالبريد: **”طالق”**. للمرة التانية في حياتها تلاقي نفسها برة اللعبة، مطلقة ومكسورة! صاحبتها منى جاتلها الشقة تطل عليها، لقيتها قاعدة في الصالة، الستائر متقفلة والبيت في ضلمة كئيبة.
ـ منى بصت لها بأسف وقالت لها بصوت واطي:
“جهاد.. إنتي عملتي في نفسك كده ليه؟ للدرجادي عقدة طلاقك الأولاني كانت عمياكي؟”
ـ جهاد رفعت عينها لمنى، عينيها كانت دبلانة ومطفية، الشموخ والغرور واللؤم اللي كانت بتتفاخر بيهم اتبخروا تماماً، وقالت بصوت مكسور ومبحوح:
“أنا كنت فاكرة إن القسوة هي الحماية.. كنت فاكرة إني لما أكسر ست تانية وأخد منها جوزها وأرميها هي وعيالها، إني بكده بباخد حق جهاد القديمة وبثبت لنفسي إني قوية.. ما كنتش فاهمة إن الذنب بيدور، وأن الوجع اللي سببته لغيري هيتردلي أضعاف.”
ـ منى هازت رأسها بأسف:
“إنتي انتقمتي من الناس الغلط يا جهاد.. مايسة وعيالها مالهمش ذنب في اللي حصلك زمان، والنتيجة إنك خسرتي كل حاجة.. خسرتي أُنس، وخسرتي نفسك، ورجعتي لنفس المربع اللي هربتي منه.”
ـ جهاد حطت وشها بين إيديها وبكت بحرقة لأول مرة من سنين.. دموع مش على أُنس ولا على الجوازة، دموع على عمرها اللي ضاع في الحقد، وعلى العرش الوهمي اللي بنته على أوهام وهدمته بإيدها.


تعليقات
إرسال تعليق