جوز بنتي شدها من شعرها
جوز بنتي شدها من شعرها
أول ما جوز بنتي شدها من شعرها قدام كل الناس في المطعم، المكان كله سكت سكات يخوف. بعدها غرز إيده أكتر في شعرها، وزق راسها لتحت ناحيّة الترابيزة وهو بيقول بصوت عالي
وطي راسك وإنتِ بتكلمي أمي… اتعلمي الأدب.
بنتي ندى عندها اتنين وتلاتين سنة، شغالة ممرضة أطفال، وأحن قلب ممكن تقابله في حياتك.
المفروض إننا متجمعين الليلة عشان نحتفل بمرور خمس سنين على جوازها من كريم. لكن الحقيقة إن العزومة كلها كانت من ترتيب حماتها أم كريم، عشان تستعرض قدام الناس إنها عاملة حفلة في مطعم شيك على النيل، وتتباهى بالمجوهرات اللي في إيديها، وتفضل تحكي إن ابنها جابلها طقم دهب بفلوسه.
وأنا الوحيدة اللي كنت عارفة إن الطقم ده متدفع تمنه من كارت فيزا بنتي.
وكنت كمان عارفة إن أم كريم قالت لمدير المطعم قبل ما نوصل خلي بالك من الست الكبيرة اللي هتيجي… دي بتحب تعمل مشاكل.
قالتها بصوت عالي، قاصدة أسمعها.
لكن اللي كسر قلبي بجد، إن ندى في اللحظة دي ما بقتش ست كبيرة… رجعت بنت صغيرة عندها ست سنين.
كتافها بترتعش من الخۏف… دموعها نازلة من غير ما تعرف تمسحها… وإيديها متجمدة جنب طبق الأكل.
أم كريم رفعت كوباية العصير بابتسامة مستفزة وقالت
أهو ده الصح… الست ما ينفعش غير تتربى كده.
كام ترابيزة حوالينا الناس بصوا لبعض في إحراج.
واحد من الجرسونات اتحرك كأنه هيتدخل… لكن أول ما كريم بصله، وقف مكانه.
كريم كان طويل وعريض، لابس أغلى البراندات، وصوته عالي لدرجة إن أي حد ضعيف الشخصية كان يفتكر إن دي هيبة… مع إنها ما كانتش غير بلطجة.
أما أنا…
فكنت قاعدة في آخر الترابيزة، ساكتة، ومستحملة من أول القعدة.
عشرين دقيقة كاملة وأنا بسمع أم كريم وهي تقلل من بنتي.
مرة على لبسها.
ومرة على طبيخها.
ومرة على مرتبها.
ومرة حتى على طريقة مسكتها للشوكة والسکينة.
وكل ما ندى تفتح بقها تقول كلمة…
كريم يقاطعها ويصححلها بطريقة كلها إهانة.
وفي كل مرة…
كانت تبصلي نفس البصة.
أرجوكي يا ماما… بلاش… متكبريش الموضوع.
عشان كده…
استنيت.
وكريم افتكر إن سكوتي خوف.
لف ناحيتي وهو لسه ماسك شعر بنتي وقال
واضح إنك معرفتيش تربيها… عشان كده قليلة الأدب.
حطيت المنديل على الترابيزة بهدوء…
وبصيتله في عينه.
وقلت بمنتهى البرود
لا…
أنا ربيتها كويس.
ربيتها تعرف تعيش… وتعرف تواجه أشكال فاكرة إن الرجولة بالصوت العالي ومد الإيد.
ملامحه اتشدت…
وقبضته على شعر بنتي زادت.
أم كريم ضحكت وقالت باستهزاء
وإنتِ بقى هتعملي إيه يا حاجة؟
قمت من مكاني بهدوء.
ندى رفعت عينيها وبصتلي وسط دموعها.
ولأول مرة من أول الليلة…
الخۏف اختفى من وشها.
لأنها عرفت.
عرفت إن اللحظة اللي كنت ساكتة فيها خلصت.
كريم ساب شعرها أخيرًا، وضحك ضحكة كلها استهزاء وقال
اقعدي يا مدام.
دي مشاكل بيت… وإنتِ مالكيش دعوة.
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقلت
معاك حق.
وده بالظبط سبب إن كل الموجودين هنا مهمين بالنسبة لي.
ابتسامته اختفت فجأة.
لأنه عمره ما سأل نفسه…
ليه أنا اللي أصريت
نحجز القاعة دي بالذات؟
وليه الترابيزة متحجزلنا تحت كاميرات المراقبة مباشرة؟
وليه وصلت قبل الميعاد بحوالي تلات تربع ساعة واتكلمت مع مدير المطعم لوحدنا؟
ولا كان يعرف…
إني قبل ما أطلع معاش…
قضيت سبعة وعشرين سنة قاضية في محكمة الأسرة.
بصيت لمدير المطعم اللي كان واقف بعيد…
وهزيتله راسي هزة بسيطة.
في أقل من ثانية…
أبواب القاعة اتقفلت.
وإيد كريم نزلت من على كتف بنتي.
ولأول مرة من ساعة ما عرفته…
شفت الخۏف الحقيقي في عينيه.
لأنه أخيرًا…
بدأ يفهم إن اللي جاي… هيقلب حياته كلها.
مدير المطعم قرب بخطوات ثابتة، ومعاه اتنين من أفراد الأمن، لكن ماحدش لمس كريم ولا قاله كلمة.
كل اللي عمله إنه قال بهدوء
يا فندم… بناءً على طلب سابق من السيدة، تم حفظ تسجيلات الكاميرات الخاصة بالقاعة بالكامل، وأي محاولة لمغادرة أي شخص قبل انتهاء الإجراءات هتعتبر إتلافًا لأدلة مطلوبة.
القاعة كلها اتجمدت.
أم كريم قامت واقفة بعصبية.
إيه الهبل ده؟! إجراءات إيه؟
ابتسمت وأنا بسحب ملف بني من شنطتي، وحطيته قدامها على الترابيزة.
قلت تعرفي يا أم كريم… القاضي بيتعلم حاجة مهمة جدًا… إن أكتر مچرم بيقع، هو اللي يفتكر إن محدش شايفه.
كريم حاول يضحك.
وإنتِ فاكرة إن كاميرات المطعم هتعمل حاجة؟
فتحت الملف.
وأخرجت كشف حساب بنكي.
وحطيته قدامه.
وشه اصفر.
لأنه عرف الورقة.
دي كانت أول مرة اشترى فيها طقم دهب لأمه من كارت فيزا ندى.
قلت بهدوء دي أول عملية.
طلعت ورقة تانية.
ودي التانية.
وبعدين الثالثة…
والرابعة…
والخامسة.
كل شهر تقريبًا.
مبالغ مختلفة.
مرة خمسين ألف.
مرة خمسة وعشرين.
مرة اتنين وسبعين.
ومرة مية وعشرة.
وأم كريم كانت كل مرة تقول قدام الناس
ابني كريم مدلّعني.
بينما الحقيقة…
إن بنتي هي اللي كانت بتدفع.
ندى بصت للورق وهي مذهولة.
قالت بصوت مكسور
أنا… أنا ماكنتش أعرف.
بصيتلها بحنان.
لأنك كنتي ماضية له على توكيل عام في الحسابات بعد الجواز… فاكرة لما قالك إنه عشان يسهل دفع الأقساط؟
هزت رأسها.
دموعها نزلت أكتر.
أما كريم…
فبدأ يتوتر.
قال بسرعة
دي فلوس بيتنا.
قلت
جميل…
أمال ليه كل التحويلات راحت لحساب والدتك الشخصي؟
سكت.
أم كريم صړخت
إحنا عيلة واحدة.
ابتسمت.
آه…
بس القانون مايعرفش كلمة عيلة لما يبقى فيه استيلاء على أموال بدون علم صاحبها.
الناس حوالينا بقوا ساكتين تمامًا.
حتى صوت المزيكا في المطعم كان واطي.
كل واحد مركز مع اللي بيحصل.
وفجأة…
طلع الجرسون اللي كان واقف من شوية.
وقال
معلش يا فندم… ممكن أقول حاجة؟
مدير المطعم هز راسه.
قال الجرسون
الأستاذ ده… مش أول مرة يمد إيده على المدام.
القاعة كلها بصتله.
بلع ريقه وقال
جم هنا من شهرين… وضربها بالقلم قدامنا… وهي اعتذرت لنا وقالت إنها خبطت في الباب.
وبعدين طلع شيف المطعم.
وقال
وأنا كمان شفته مرة زقها جامد عند باب المطبخ.
ثم موظفة الاستقبال.
قالت
وكل مرة كانت تترجانا مانبلغش الشرطة.
ندى غطت وشها بإيديها.
كانت پتنهار.
مش لأنها اتفضحت…
لكن لأنها اكتشفت إن ناس غريبة كانت شايفة ۏجعها… أكتر من أقرب الناس ليها.
كريم فقد أعصابه.
خبط بإيده على الترابيزة.
كله كدب.
في اللحظة دي…
مدير المطعم شغّل الشاشة الكبيرة الموجودة في القاعة.
ظهر تسجيل اللي حصل من خمس دقائق.
صورة واضحة.
وصوت أوضح.
كريم وهو بيشد شعر ندى
بكل عڼف.
وأم كريم وهي بتقول
الست ما ينفعش غير تتربى كده.
القاعة كلها سمعت.
ثوانٍ…
وبعدين بدأ الهمس.
ناس بتبص باستنكار.
وناس طلعت موبايلها تصور.
كريم جري يحاول يقفل الشاشة.
لكن الأمن وقفه.
قال پغضب
هرفع عليكم قضية.
قلت بابتسامة هادئة
وأنا كمان.
ثم أخرجت ورقة أخيرة.
كانت دعوى طلاق للضرر.
ودعوى نفقة.
ودعوى استرداد الأموال.
ودعوى إلغاء التوكيل.
وأوامر بمنعه من التصرف في أي أموال تخص ندى لحين الفصل في الڼزاع.
بص للورق…
وبصلي.
وقال لأول مرة بصوت واطي
حضرتك مخططة لكل ده؟
قلت
من اليوم اللي بنتي اتصلت بيا الساعة تلاتة الفجر وهي بتستخبى في الحمام عشان ماتسمعهاش وأنت بتهددها.
ندى بصتلي بدهشة.
إنتِ كنتِ عارفة؟
ابتسمت.
كنت مستنية اللحظة اللي تبقي فيها مستعدة تنقذي نفسك… لأن القرار لازم يطلع منك.
مسكت إيد بنتي.
وقلت
يلا.
هنمشي.
كريم جري ناحيتها.
ندى… استني.
لأول مرة…
هي اللي رجعت خطوة لورا.
وقالت بصوت ثابت
أوعى تلمسني.
الكلمة كانت بسيطة.
لكنها بالنسبة لها كانت بداية حياة جديدة.
خرجنا من المطعم.
والهواء البارد لمس وشها.
فضلت ساكتة شوية.
وبعدين اڼفجرت في العياط.
حضنتها.
وقلت
انتهى.
قالت وهي پتبكي
أنا كنت فاكرة إني لو استحملت… هيحبني.
قلت
اللي بيحب… عمره ما يهين.
بعد أسبوعين…
بدأت القضايا.
وبعد شهور…
صدرت أحكام أعادت لندى جزءًا كبيرًا من حقوقها المالية، مع اتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة بشأن وقائع الاعتداء والاستيلاء على الأموال وفق ما يثبته القضاء والأدلة.
أما
أم كريم…
فما بقتش ترفع صور الذهب على مواقع التواصل.
لأن كل الناس بقت عارفة مين اللي دفع تمنه.
ندى رجعت لشغلها.
ورجعت تضحك.
واشترت شقة صغيرة من تعبها.
وفي أول يوم دخلناها…
وقفت قدام الشباك وقالت
أول مرة أحس إن عندي بيت… من غير خوف.
ابتسمت وأنا ببص للشمس وهي داخلة من البلكونة.
وافتكرت جملة كنت بقولها لكل أم كانت تدخل المحكمة وهي مکسورة
العدالة ممكن تتأخر… لكنها لما توصل، بتخلي المظلوم يرفع راسه من جديد.
وأدركت يومها…
أن أعظم انتصار لم يكن الأحكام ولا الأموال…
كان تلك اللحظة التي مشت فيها ابنتي بجواري، مرفوعة الرأس، تعرف قيمتها، وتؤمن أنها لن تسمح لأحد بعد اليوم أن يحول الحب إلى وسيلة للإهانة أو الخۏف.
تمت.


تعليقات
إرسال تعليق