أنا متجوزه من سنه ومليش حد غير ماما
ماما كاملة
رومانى مكرم
أنا متجوزه من سنه ومليش حد غير ماما بتحبنى وبحبها أوى بابا طلقها لم كان عندى سنتين ومعرفش شكل بابا غير في الصور ومحضرش فرحى وهو متجوز وعايش حياته
ماما بتيجى زياره كل اسبوع تقعد معايا شويه ساعتين تطمن عليا وتمشي وكمان هى عايشه لوحدها وهى جايه بتجبلي كل حاجه أنا محتاجها في البيت وبتدينى فلوس كمان حماتى منها لله بتسخن جوزى عليا لم عارف الحب الى بينى وبين ماما بتغير خلت جوزى يطرد ماما ومش عايزها تيجي عندي ولا حتى تكلمنى في الفون طلبت منه اروحلها أنا كل اسبوع اقعد معاها يوم رفض حماتي منها لله هى اللي ورا كل ده لأنها لما بتشوف امى بيركبها عفر.يت لأننا في بيت عيله ودايما تقولي أمك مدلعاكى وبتجبلك اكل وكل حاجه كده هتخليكى متحتاجيش لجوزك والله بنزلهم كل حاجه امى بتجبها امي حالتها الماديه ما شآء آلله كويسه جدا واخدت ورث مبلغ كبير من جدي الله يرحمه
البدايه
عدّت سنة على جوازي من إبراهيم، سنة بحالها وأنا كاتمة في قلبي وساكتة. من صغري وأنا مليش في الدنيا دي كلها غير أمي.. بابا طلقها وأنا لسه حتة لحمة حمرا عندي سنتين، عمري ما شفت وشّه غير في الكام صورة القديمة المتشالين في ألبوم الصور، ولا حتى كلف خاطره يحضر فرحي، عايش حياته مع مراته وعياله ولا داري بينا. أمي هي اللي شالت الشيلة لوحدها، ربّت وبِرت وكبرت لحد ما جوزتني.
أمي عايشة لوحدها في الشقة، وكل أسبوع كانت تجي لي زيارة، تقعد معايا ساعتين تطمن عليا، ترغي معايا وتخفف عني غربة بيت العيلة. وما تلمسش أكرة الباب وهي داخلة إلا وأيدها مليانة خير، كل ما تتخيله ولا ما تتخيلوش من خيرات ربنا تجيبه معاها، حتى المصروف والفلوس كانت تحطها في جيب شغالة معايا وتقولي: “دي علشان عينك تفضل مليانة يا نور عيني وما تحتاجيش لحد”. أمي ربنا فتحها عليها بعد ما أخدت ورثها في أرض جدي الله يرحمه، حالتهم المادية ما شاء الله مرتاحة، بس حماتي.. حماتي منها لله!
من أول يوم دخلت فيه الشارع وخرجت، وحماتي عينيها عليا وعلى أمي. كل ما تشوف أمي داخلة بشنط الخير ولا الفاكهة والطعام، يركبها ميت عفريت! الغيرة كانت بتاكل في قلبها أكل، تقعد تنق وتمرر العيشة: “أمك مدلعاكي.. أمك بتجيب لك أكل وشرب وكل حاجة لحد عندك علشان تخليكي مستغنية عن جوزك وما تحتاجيش له في حاجة!”. والله العظيم، والله على ما أقول شهيد، كل حاجة كانت أمي بتجيبها لي، كنت بنزل نصها تحت لـ حماتي ولـ سلفاتي، أقول علشان اللقمة أصلها طيبة وعلشان تحبني، بس القلوب السودة ما بتنضفش.
حماتي وقفت لـ إبراهيم جوزي في الزور، تقعد تحت ذنّه يوماتي: “مراتك شايفانا من فوق، أمها مفهمّاها إنها أحسن مننا علشان الفلوس، أمها بتتدخل بينكم وبتسخنها عليك!”.. لحد ما عمت عينيه وخليته يقسى عليا. وفي يوم، أمي جاية زيارتها العادية، إبراهيم وقف لها على الباب بقلب جامد وبصوت عالي وطردها! طرد أصل حنيتي وسندي في الدنيا! مش بس كده، ده حلف عليا ما تجيلي تاني، ولا أكلمها في التليفون، ولا حتى أعتب بيتها!
ترجيته وبكيت وبست أيده: “يا إبراهيم دي أمي.. دي ماليش غيرها في الدنيا، طب خليني أروح لها أنا أزورها كل أسبوع أومال هي تقعد لوحدها لمين؟”، بس قلبه كان حجر وسد كل الأبواب في وشي.
الأسبوع اللي بعده، قلبي كان بياكلني على أمي، اتصلت بيها من وراهم وبكيت، لقيتها هي كمان مش قادرة على بعدي وجات لي. وأول ما حطت رجلها في الشارع، حماتي لمحتيها من الشباك، ونزلت إبراهيم يتعفرت عليا. وطردوها تاني! طردوا الست اللي عمرها ما آذت حد، ومشت وهي بتعيط ودموعها نازلة على خدها وكسرة نفسها باينة في مشيتها.
أنا ساعتها السكوت أكل لساني، ما نطقتش كلمة واحدة. طلعت شقتي ودموعي بتنزل في سكات، بس كان جوايا نار قايدة.. نار بنت بتشوف أمها بتتظلم وتتهان من ناس ما يسووش.
جِه وقت العشا، لقيت إبراهيم داخل عليا الشقة ببرود ولا كأنه عمل حاجة، وبص لي وقال بصوت يأمر
#الكاتب_رومانى_مكرم_
– قومي انجزي اعملي العشا وحضريه بسرعة علشان أمي تاخد العلاج بتاعها في ميعاده!
في اللحظة دي، النخوة والوجع اللي جوايا ينفجروا.. بصيت له بعينين مليانة كره وقسوة عمره ما شافها مني قبل كده، وقولت له بصوت طالع من قعر قلبي:
– أنا مش خدامة لأمك! مليش دعوة.. أهلك دول أنت اللي تخدمهم وتحش تحت رجليهم، إنما أنا مليش فيه ومحدش يطلب مني قشة في البيت ده تاني!
إبراهيم برّق لي ووشه اتخطف، والشرار بدأ يطلع من عينيه..
وشه اتخطف من الصدمة، وهجم عليا وهو نازل فيا ضرب وتهديد، والبيت كله اتقلب، يا ترى هيحصل إيه؟
و
الهوا كان محبوس في صدري، والضرب والشتيمة كانوا نازلين عليا زي الحجر، بس والله العظيم لا الوجع الجسدي كان مأثر فيا ولا الضرب هز فيا شعرة، النار اللي كانت قايدة في قلبي على أمي وعلى كسرة نفسها وهي مطرودة من على الباب كانت مخليني حاسة إني في عالم تاني. عيوني كانت متسلطة عليه وهو بيفور من الغضب وبيزعق بصوت عالي لم البيت كله:
– انتِ اتجننتي ولا جرى في عقلك حتة! بقيتي تطولي لسانك وتقولي مش خادمة لأمي؟! ده أنا هعرفك تربية أهلك اللي مدلعينك دول!
في اللحظة دي، باب الشقة اتفتح ودخلت حماتي على الصوت، وعلى وشها ابتسامة الخبث والشماتة اللي ما بتفارقوش ابداً، وقعدت تصوت وتمثل المسرحية وهي حاطة إيدها على صدرها:
– الحقني يا إبراهيم.. مراتك اتجبرت وقسيت علينا ازاي! دي قليلة الأدب ومش متربية، ومن ساعة ما دخلت البيت ده وهي شايفة نفسها علينا بفلوس أمها! مدام سكتّ لها من الأول يبقى دي آخرتها! طلقها يا إبراهيم، دي ما تنفعش لك ولا تستاهل ضفر واحدة مننا!
بصيت لها وبصيت له، لقيت الكيل طفح والعمر اللي قضيته ساكتة وخايفة خلص وانتهى. مسحت الدموع من على خدري، وقمت وقفت قدامهم بشموخ وثبات لأول مرة من يوم ما دخلت البيت ده، وقولت بصوت عالي هز الحيطان:
– تطلقني؟! كتر خيرك! وشرف أمي ما أنا قاعدة هنا ولا دقيقة كمان! أنا أصلاً كفاية عليا الذل اللي شوفته في بيتكم، والست اللي انت طردتها دي تاج راسك وتاج راس العيلة دي بحالها!
إبراهيم اتصدم من شجاعتي، وبدل ما يهدى، جنون الغضب سابه ونزل فيا تهديد:
– اعقلي يا بت واطلعي على أوضتك، ولو فتحتِ بوقك بكلمة تانية لكون رامي كيس هدومك في الشارع ومهونك على آخر الدنيا!
بصيت له ببرود وسخرية، ودخلت الأوضة بسرعة البرق. فتحت الدولاب وطلعت شنطة الهدوم الكبيرة، ورميت فيها هدومي بسرعة، وكنت سامعة حماتي تحت بلكونة المطبخ بتزعق وتزغرد بصوت عالي:
– بركة دعاء الوالدين! أهي هتنطرد زي أمها الرخيصة!
ما ردتش عليها، ولا كأنهم موجودين. مسكت تليفوني وأنا إيدي بتترعش، وطلعت الرقم اللي حافظاه أكتر من اسمي.. رقم أمي.
دققتين والخط فتح، وجاوبني صوت أمي المكسور الحزين، اللي أول ما سمعت صوتها عيطت بحرقة:
– ألو.. ساكتة ليه يا نور عيني؟ صوتك عامل كده ليه؟ فيكي إيه يا بنتي؟!
رديت وسط شهقاتي وعياطي:
– تعالي لي يا أمي.. تعالي حالا خديني من بيت الظلم ده.. إبراهيم طردني.. رموني زي ما رموكِ بالظبط!
العالم سكت حواليا ثواني، وبعدها سمعت صوت صرخة أمي في التليفون:
– جايالك يا ضنى عمري.. جايالك حالا وما تخافيش، طول ما أنا عايشة ما حد يقدر يمس شعرة منك!
قفلت التليفون، وطلعت بالشنطة لحد باب الشقة. إبراهيم كان قاعد في الصالة وحاطط رجل على رجل وفاكر إني بتهدد بس، وأول ما شافني ماسكة الشنطة وماشيّة، اتعدل في قعدته وقال بصوت حاد:
– إنتِ رايحة فين بجدك كده؟ فاكرة نفسك رايحة بيت أبوكِ؟ ده أنتِ لو طلعتِ من الباب ده، طلقات بالثلاثة ما أنتِ راجعة!
بصيت له بابتسامة كلها وجع وكرامة، وقولت له بكلمات واضحة:
– ومن قالك إني عايزة أرجع؟! اعتبرني طالق من اللحظة دي، وربنا يهنئك بـ أمك وبيت العيلة بتاعكم.. مبروك عليك الخدامين!
سبته وفتحت الباب ونزلت جري على السلم، وقلبي بينبض بقوة كأني لسه مولودة حالا وعالم جديد بيفتح بابه قدامي. أول ما طلعت برض الشارع، لقيت عربية تاكسي واقفة، وأمي نزلت منها جارية زي الفراشة رغم سنها، وجريت عليّا ضمتني لصدرها بقوة.
حضنتها وحضنتني، وقعدنا نعيط إحنا الاتنين في نص الشارع، عياط مرتاح، كأننا بنغسل كل سنين القهر والوجع والذل اللي عشناها.
ركبنا التكسي، وأمي مسكت إيدي وقالت لي بحنية الدنيا كلها:
– حقك عليا أنا.. أنا اللي دخلتك السكة دي ورميتك لناس ما ترحمش، بس خلاص.. من النهاردة أنتِ في حضني، ومليون راجل ما يقدر يوطي راسك تاني، وفلوس الدنيا كلها تحت رجليكي يا روح قلب أمك!
وصلنا شقة أمي، الشقة الواسعة الهادية اللي كلها ريحة طيبة وحب ودفا. دخلت وقعدت على الكنبة، وبصيت حواليا، حسيت إني رجعت لنفسي وروحي اللي كانت مسجونة.
عدت يومين بحالهم، وإبراهيم ما سألش فيا ولا حتى رفع سماعة التليفون، وفاكر إن كرامتي هتكسره وإني هرجع أجري أعتذر له زي كل مرة. بس تالت يوم، وخارج الصبح بدري، سمعنا صوت خبط جامد على باب الشقة بتاع أمي.
فتحت أمي الباب، وانصدمت لما لقيته واقف قدامها وبصوت متعجرف قال ببرود:
– جاي أخد مراتي.. بلا دلع حريم بلا قرف.. تلم هدومها وتطلع معايا حالا، والموضوع ده يخلص هنا!
أمي وقفت في وشّه زي الأسد، وبصت له بقمة الشموخ والرفض، وقالت له بصوت ثابت قوي:
– مراتك؟ مراتك طردتها بالشنط على سلم البيت يا محترم، والست المحترمة اللي زي بنتي ما تقعدش عند واحد ما صانهاش ولا حمى عرضها من سم أمها! واطلع بره بيتي أحسن لك، بدل ما أوريك وش تاني خالص!
إبراهيم برّق من كلام أمي، وبص لي من وراها وقال بصوت عالي:
– إنتِ ساكتة يا هانم؟ تعالي معايا حالا وإلا اعتبري نفسك طالق بالثلاثة ومش هتشوفي مليم واحد ولا هتحلمي بطلاق رسمي!
طلعت وقفت جنب أمي، ورفعت راسي لفوق وقلت له بصوت مسموع وقوي:
– وأنا بقولها لك قدام أمي.. طلقني، وخلصني منك ومن ذل أمك، وبدل المرة ألف، مستغنية عنك وعن عيشة المرار دي كلها.. اخلص واكتب طلاقي، ومش عايزة منك لا نفقة ولا قشّة!
وشه اتخطف واتحسّر من الصدمة، ومابقاش عارف ينطق حرف واحد، وحماتي اللي كانت واقفة على السلم من وراه سمعت كل حاجة وبدأت تصوت وتلطم، لكن أنا وأمي قفلنا الباب في وشهم هما الاتنين، ورزعنا الباب بقوة كأننا قفلنا باب الماضي الأسود للأبد.
قعدنا أنا وأمي في الصالون، بصيت لها وبصيت لعيونها اللي مليانة حب ودعم، ولقيت نفسي ببتسم لأول مرة بجد.. صفحة جديدة اتفتحت، ومحدش تاني هيقدر يكسرنا.
ماما 2
رومانى مكرم
بعد ما قفلت السكة في وش إبراهيم، اتنفست براحة عمري ما حسيت بيها قبل كده. البلوك ده ما كانش مجرد حركة في التليفون، ده كان خط أحمر بيني وبين الماضي الأسود اللي عشته.
مرت شهرين على يوم الطلاق.. شهرين وأنا وأمي عايشين في هدوء ونظافة بال. أمي رجعت لضحكتها القديمة اللي كانت غايبة عنها، وأنا بدأت أفتح كتاب جديد في حياتي. أخدت كورسات في إدارة الأعمال والتسويق الإلكتروني، وبدأت أساعد أمي في إدارة ورثها والأراضي اللي أخدتها عن جدي، وحسيت إن الشغف والحيوية رجعوا لروحي من جديد.
في يوم من الأيام، وأنا قاعدة براجع أوراق ومستندات تخص قطعة أرض ملك لأمي، التليفون رن برقم غريب مش متسجل عندي.
رديت بهدوء:
– ألو.. مين معايا؟
جالي صوت راجل وقور ورزين، النبرة فيها احترام وهيبة، وقال:
– السلام عليكم.. الآنسة نور معايا؟
– أيوة أنا.. خير يا فندم؟
– أنا المهندس طارق، مستأجر قطعة الأرض التجارية الخاصة بالحاجة والدتك. أنا اتصلت أبلغكم إن عقود الإيجار السنوية جاهزة للتجديد، وكنت حابب أستأذنكم في ميعاد أقابل فيه والدتك أو حضرتِك علشان أسلّمكم مستحقاتكم ونوقع العقود الجديدة.
كلمت أمي، واتفقنا إن الميعاد يكون في مكتبي الصغير اللي أنشأته قريب لإدارة شغلي.
وفي الميعاد المحدد، خبط الباب ودخل المهندس طارق. كان راجل في أواخر الثلاثينات، ملامحه هادية، ويتكلم بأدب شديد ويرفع عينه عني بمهابة. قعد معنا ساعتين، اتكلم في الشغل بكل أمانة ووضوح، وأمي كانت مبسوطة جداً من أسلوبه وطريقته المحترمة.
قبل ما يمشي، طارق بص لأمي وقال بصدق:
– يا أمي.. أنا بقى لي سنتين بتعامل مع أوراق الأرض دي، وعارف أد إيه أنتم ناس طيبين وأصحاب فضل، وكنت أسمع عن اللي حصل مع نور من المعارف.. وربنا شاهد إن بنت الأصول اللي تصون أمها وتتحدى الظلم ما تترفضش ابداً، بل تشتريها بالغالى.
أمي ابتسمت له، وأنا وشي احمرّ وسكتت.
مرت الأيام، وتكررت الاتصالات بين طارق وبيننا بخصوص الشغل، وفي كل مرة كان بيثبت إنه راجل بكل ما تحمله الكلمة من معنى، راجل يعرف يعني إيه أصول، ويعني إيه قدر الست، ويعني إيه بر الوالدين.
وبعد أربع شهور، طارق طلب يقابل أمي لوحدها.. وقدم لها طلبه بكل صراحة:
– يا أمي.. أنا طالب إيد نور على سنة الله ورسوله. أنا مطلق من ثلاث سنين ومعنديش ولاد، ومستعد أعمل كل اللي يرضيها ويرضيكي، ونور مش هتكون مجرد زوجة، دي هتكون شريكة عمري وتاج راسي، وأنتِ هتكوني في مقام أمي بالظبط، بيتي مفتوح لكِ في أي وقت وفي أي ثانية.
أمي لما حكت لي، دموعها نزلت من الفرحة وقالت لي:
– يا نور يا بنتي.. ربنا مش بيبتلي البني آدم إلا علشان يعوضه. طارق راجل يشيلك في عينيه، ورؤيته لبرك بيا هي اللي خلت قيمتك تزيد عنده.
وفي الناحية الثانية، كان إبراهيم وعيلته عايشين في جحيم!
بعد ما دفع كل حقوقي الشرعية والقائمة بالقانون، حالته المادية اتدهورت جداً. أمه طردت كل سلفاتي من الخدمة، فالبيت اتحول لساحة حرب يومية، وإبراهيم اكتشف إن أمه اللي كانت بتسخنه عليا دمرت حياته وهدت بيته عشان غيرتها الفاضية. بقى يمشي في الشارع مكسور ومطأطأ الراس، والناس كلها بتبص له بنظرة الراجل اللي ضيع مراته وباعها عشان كلام أمه.
وفي ليلة خطوبتي على طارق، عملنا حتة حفلة صغيرة في البيت، الشقة كانت منورة بالأنوار وريحة الورد مليانة المكان، وأمي طايرة من الفرحة وبتوزع شربات على الجيران.
وفي وسط الفرحة دي كلها، التليفون رن برقم غريب.. أمي فتحت السبيكر وهي فاكرة حد بيبارك، لكن الصدمة لما جيلنا صوت إبراهيم وهو بيبكي بمنتهى الحرقة والصوت المكسور:
– الحقيني يا أم نور.. أنا بره تحت العمارة.. شفت الأنوار وشفت الناس.. ارجوكم ما تعملوش فيا كده! أنا بضيع من بعدك يا نور!
طارق كان قاعد جنبنا وسامع كل حاجة.. وقام وقف بثبات وبص لأمي وليه!
#الكاتب_رومانى_مكرم_
طارق قام وقف بثبات، وبص لـ أمي وليه بقمة النضج والعقل. أخد التليفون من إيد أمي بهدوء شديد، وحط المايك على ودنه وقال بصوت هادي، بس يوزن بلد ومفيش فيه نقطة خوف أو تردد:
– الأستاذ إبراهيم؟ أنا المهندس طارق.. خطيب نور. أتمنى تشيل إيدك من على الجرس، وتتحرك من تحت العمارة بالمعروف وبأدب، لأن الست اللي تحت عمارة بيتها دي بقت في حمايتي وحماية ربنا قبل أي حاجة.. ونور قفلت كتابك من زمان، ورزقك مع غيرها، فبلاش تصغّر نفسك أكتر من كده قدام الناس والشارع.
إبراهيم سكت على الناحية التانية لثواني، الصدمة كانت كفيلة تلجم لسانه.. صوت راجل تاني، راجل حقيقي بيحميني وبيقف وقفة فرسان، صوت كان كفيل يخليه يستوعب إن “نور” خلاص خرجت من دنيته للعيشة اللي تستاهل قدرها. سمعنا صوت أنفاسه المكسورة، وقفل السكة ومن غير ما ينطق بحرف، ولمحته من ورا الستارة وهو بيمشي في الشارع يجر أذيال الخيبة والندم، وشه للحيطة وجسمه مكسور.
طارق بص لـ أمي وابتسم ابتسامة حنية وقال لها:
– يا أمي.. افرحي ببنتك، وما تخليش أي حاجة في الدنيا تعكر صفو الليلة دي.. نور دي في عيني، وبيتكم ده هو بيتي الثاني.
أمي دموع الفرحة نزلت من عينيها، وحضنت طارق وقالت له:
– ربنا يسعدك ويجبر بخاطرك زي ما جبرت خاطرنا وصنت كرامة بنتي.. أنت الراجل اللي كنت بدعي ربنا بيه لنور في كل سجدة.
مرت الأيام والشهور زي السحاب، وبدأنا نجهز لبيت الزوجية الجديد. طارق ما سابش حاجة إلا وعملها بأعلى وأحسن ذوق، وكان في كل خطوة يصر إن أمي تكون معانا، يشتري رأيها وياخد ذوقها في كل تفصيلة في الشقة، من أول لون الدهانات لحد أثاث الصالون والمطبخ. كان دايماً يقول لي: “أمك دي بركة حياتنا، والرأي اللي تقوله يمشي على راسي”.
وفي يوم كتب الكتاب والزفاف، كانت الليلة زي ألف ليلة وليلة. الشقة الجديدة كانت مليانة بذكر الله والبهجة، وأمي كانت لابس أبهى ثيابها، وشها منور بالفرحة والرضا. لما المأذون قال جملته الشهيرة: “بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير”، طارق مسك إيدي وباسها، وبعدها راح على أمي وباس إيدها وراسها قدام كل المعازيم وقال بصوت مسموع:
– أوعدك يا أمي أمام ربنا والحاضرين، إن نور هتفضل تاج راسي، وإنك هتدخلي بيتنا في أي وقت معززة مكرمة، وكأنك صاحبة البيت وأكتر!
أما في الناحية التانية، فبيت إبراهيم كان بيمر بأحلك أيام حياته.
الخبر لما وصل لـ حماتي إن نور اتجوزت راجل مهندس وأفضل من ابنها بمراحل، وأن أمها عايشة في عز وراحة، جرى لها هبوط حاد ونقلوها المستشفى من كثرة الغل والغيرة اللي أكلت قلبها. وإبراهيم بقى عايش في البيت زي الأشباح، لا بيطيق كلام أمه اللي خربت بيته، ولا طايق بيته المهجور اللي غابت عنه البركة واللقمة الطيبة. أدرك بعد فوات الأوان إن طاعة الأم مش معناها ظلم بنت الناس، وإن اللي يبيع أصل حنيته وزوجته عشان إرضاء غرور باطل، ربنا بياخد منه كل حاجة في لحظة.
عدّت سنة كاملة على جوازي من طارق.. سنة كانت كلها عوض وحب واحترام، حسيت فيها يعني إيه بيت قائم على المودة والرحمة، يعني إيه راجل يصون زوجته ويحترم أهلها. وأمي كانت بتجيلي وتزورني في أي وقت تحبه، وتقعد معانا بالأيام، وطارق يشيلها من على الأرض شيل.
وفي صباح يوم جميل، كنت قاعدة في الصالون ومسك إيد طارق وأمي قاعدة جنبنا وبتشرب القهوة، وكنت حاسة بأعراض متكررة بقالها كام يوم.. مسكت إيد أمي وإيد طارق وبصيت لهم بابتسامة مليانة دموع ورجاء، وقولت لهم المفاجأة اللي هتغير حياتنا كلها للمرة الثانية!
#الكاتب_رومانى_مكرم_
أمي بصت لي بلهفة، وطارق اتعدل في قعدته وعينيه مليانة تساؤل وقلق إيجابي، وقولت لهم بصوت يرتعش من الفرحة:
– أنا حامل.. الدكتورة أكدت لي الصبح، والبيت ده إن شاء الله هيتنور بطفل جديد بعد كام شهر!
في اللحظة دي، الصالون كله اتملى بالدموع والفرحة. طارق سجد لله شكر في مكانه، وقام حضن رأس أمي وباسها وهو بيقول لها: “البركة دي بفضل دعواتك يا أمي”، وأمي أخدتني في حضنها وقعدت تبكي وتدعيلنا من كل قلبها، وكأن ربنا أرد يكمل جلي العوض بأجمل هدية.
مرت الشهور، وكانت أمي معايا في كل خطوة، وطارق مش سايبني لحظة، لحد ما ربنا رزقنا بـ “ياسين”. ولد زي القمر، جايب معاه الفرحة والخير اللي غطى على كل سنين الوجع والظلم اللي شوفتها في حياتي.
أما إبراهيم.. فربنا أراد يورينا آياته في الدنيا قبل الآخرة. الشارع كله كان بيتكلم عن حاله، أمه جرى لها شلل نصفي من كتر الغل والحسرة، وقعدت في السرير لا بتتحرك ولا بتنطق، وبقت محتاجة اللي يخدمها ويشيلها. وإبراهيم بقى يلف على الدكاترة والمستشفيات، ويدفع كل جنيه حيله عشان يخدمها، ومرماد ومش لاقي اللي يمسح عرق وشّه، بعد ما طرد اليد الطاهرة اللي كانت بتدخل له بالخير وتهون عليه. بقى يشوفني وأنا طالعة مع طارق وابننا في عربيتنا، يوطي راسه في الأرض ويمشي محني الظهر، ندمان على اليوم اللي سمع فيه كلام أمه وضيع فيه بنت الأصول.
**الحكمة من القصة:**
* **بر الوالدين لا يعني ظلم الزوجة:** الطاعة للوالدين واجبة ورضاهم من رضا الله، لكن الطاعة لا تكون أبداً في ظلم البنات وفي قطع الأرحام خراب البيوت. الراجل الحقيقي هو اللي يعطي كل ذي حق حقه، يصون أمه ويحمي زوجته ويعدل بينهم.
* **بيت الأصول لا يُضام:** الست اللي بتصون أمها وتتقي الله في بيتها وتتحمل الظلم بكرامة، ربنا مش بيسيبها أبداً. الظلم ظلمات يوم القيامة، والجزاء دايماً من جنس العمل.
* **العوض قادم لا محالة:** لما ربنا يقفل في وشك باب ظالم، متزعلش.. هو بيجهز لك باب ثاني فيه عز واحترام وعوض ينسيك كل دمعة نزلت من عينك. اللي بيسيب حاجة لله وللكرامة، ربنا بيعوضه بأحسن منها ألف مرة.
#الكاتب_رومانى_مكرم_


تعليقات
إرسال تعليق