فخ الزوجيه كامله وحصريه رومانى مكرم
فخ الزوجيه ١
رومانى مكرم
جوزى اول ما اتقدملى علشان يخطبنى بابا واخواتى لم عرفو انهم بيت عيله فى الفلاحين وعندهم ارض وبهايم وبط وفراخ قالو احنا عندنا شرط واحد بس ان بنتا تدخل عازله تخدم شقتها بس المهم اتفقنا واتحدد الفرح واتجوزنا وفى اول اسبوع زواج حماتى طلعت الشقه وقالت انزلى اكنسى البيت ونضفى واكلى البط والفراخ
وخلى سلفتك تعلمك تاكلى البهايم!!!!
البداية
أنا “منار”، البنت اللي طوال عمرها بين كتبها وكليتها، أقصى حاجة تعلمتها في بيتنا كانت إزاي أعمل كوباية شاي أو أساعد أمي في المطبخ بطريقة بسيطة. لما تقدم لي “سامح”، الكل شهد له بأخلاقه وأدبه، بس أول ما بابا وإخواتي عرفوا إن أهله عايشين في بيت عيلة كبير في أرياف الجيزة، وعندهم أرض واسعة ومواشي وبط وفراخ، كان لبابا موقف حاسم ومباشر.
في القعدة الرسمية، بابا حط إيده في إيد حمايا وقال له بصوت واضح ومسموع للكل:
— “يا حاج، إحنا بنشتري راجل، وبنتنا متعلمة ودخلت جامعات، وما تعرفش في شغل الأراضي ولا شقا الطين والمواشي. شرطنا الوحيد والأساسي إن بنتنا تدخل عازلة، تخدم شقتها وحياتها بس، ملهاش دعوة بأرض، ولا خرفان، ولا معيز، ولا فراخ.”
حمايا ساعتها ضحك ونظر لسامح وقال:
— “حقك يا حاج، وبنتك هي بنتي وشقتها دي مملكتها، ومحدش هيجبرها على حاجة ما تفهمش فيها.”
على الوعود دي، تمت الخطوبة وجُهزت الشقة في الدور التالت فوق شقة حماتي وشقة سلفي “مصطفى”. اتحدد الفرح، وكانت ليلة زي ألف ليلة وليلة، ودخلت شقتي وأنا حاسة بقمة الأمان، فاكرة إن الشروط العظيمة دي كانت درع حماية لي من أي شقا ما أقدرش عليه.
عدت الأيام الأولى في هدوء، سامح كان حنين ومعايا خطوة بخطوة، بس كنت بلمح نبرة جافة شوية في كلام حماتي لما تطلع تبارك أو تجيب غدا. كانت تبص ليداتي الناعمة ونظافة شقتي بابتسامة مش مرتاحة، وتبص حولين البيت وتقول بصوت واطي: “النعمة دي عاوزة إيد شقيانة تصونها.. مش دلع بنات البندر.”
في صباح اليوم السابع تحديداً، سامح نزل بدري عشان كان عنده شغل ضروري في المركز ومرجعوش غير بليل. ما عدتش نص ساعة على نزوله، ولقيت الباب بيتخبط بضربات متتالية وقوية.. ضربات ما تشبهش أبداً استئذان حد جاي يبارك.
فتحت الباب بلهفة وأنا فاكرة سامح نسي حاجة، لقيت حماتي واقفة في وشي، حاطة إيدها في وسطها، وعينيها فيها نظرة صارمة ما شفتهاش منها قبل كده، وفي إيدها المقشة الطويلة وجردل.
#الكاتب_رومانى_مكرم
بصتلي من فوق لتحت وقالت بنبرة حادة هزت جدران الشقة:
— “انزلي اكنسي البيت ونضفي الحوش من أوله لآخره، واطلعي أملي المواعين وأكلي البط والفراخ فوق السطوح.. وخلي سلفتك تعلمك إزاي تأكلي البهايم
قالت حماتي الجملة دي، وأنا وقفت مكاني مش قادرة أستوعب كلامها. الكلمات كانت زي المية المغلية نازلة على دماغي، عيني جت على المقشة والجردل اللي في إيدها، وبعدين بصيت لوشها اللي ما كانش فيه أي أثر للست الطيبة اللي كانت بتضحك يوم القعدة مع بابا.
رديت بنبرة بترتجف من صدمتي:
— “بس يا ماما.. عمي الحاج اتفق مع بابا يوم القعدة إن شغلي في شقتي بس، وأنا ما أعرفش أي حاجة عن شغل المواشي ولا الطيور!”
ضحكت حماتي ضحكة عالية فيها استخفاف وهزت رأسها وقالت وهي بتبصلي بحدة:
— “كلام القعدات ده يتقال لما نكون بننافق بعض عشان الجوازة تتصلح، إنما لما تدخلي بيتي وتبقي فرد من العيلة، الأصول تمشي على الكبير والصغير! هنا مفيش حاجة اسمها بنت بندر وبنت أرياف.. سلفتك أمل بتصحى من الفجر تخدم الدوار كله، وأنتِ مش أحسن منها عشان تقعدي حاطة رجل على رجل وتتفرجي علينا!”
رمت المقشة والجردل قدام باب الشقة وكملت بكلام أشبه بالتهديد:
— “خمس دقائق وألاقيكي نازلة في الحوش، وإلا قسمًا بالله يا منار لو سامح رجع ولقاكي ما عملتيش اللي قلت عليه، ليكون لي تصرف تاني خالص معكِ ومعاه، والبيت ده له كبير!”
نزلت وسابتني واجفة مكاني، جسمي كله بيموت من الخوف والزهول. دخلت الشقة وجريت مسكت التليفون عشان أكلم سامح، أيده كانت مقفولة لأن الشبكة في مكان شغله ديماً ضعيفة. قعدت على طرف السرير والدموع نازلة من عيني مغرقة وشي. افتكرت كلام بابا وشرطه الحاسم، وافتكرت ابتسامة حمايا ووعده. هل معقول الوعود دي كلها تطير في الهواء في أول أسبوع جواز؟
لقيت الباب بيتخبط تاني، بس المرة دي بخبطة خفيفة. فتحت لقيت “أمل” سلفتك، مرام مصطفى. كانت لابسة جلابية بيتي واسعة وحاطة طلاوة على رأسها، وفي عينيها نظرة شفقة وشفقة مزيوجة بقلة حيلة.
قالتلي بصوت واطي وهي بتبص وراها خايفة حد يسمعها:
— “معلش يا منار.. يا حببتي ما تزعليش، حماتك شديدة شوية ومابتستحملش حد يخالف أمرها. تعالي انزلي معايا النهار ده وأنا هعمل كل حاجة وأنتِ واقفي جنبي بس، عشان الأزمة تعدي وما تعمليش مشكلة مع سامح في أول أسبوع.”
مسحت دموعي وقلت لها بصوت مخنوق:
— “يا أمل، الموضوع مش موضوع شغالة ولا كسيرة، الموضوع إن بابا اشترط ده وهم وافقوا، لو أنا تنازلت النهاردة ورضيت، بكره هبقى خدامة في البيت ده وما حدش هيحترمني!”
أمل تنهدت بألم وقالتلي:
— “أنا كمان كنت فاكرة زيك كده لما اتجوزت مصطفى، بس الواقع هنا مختلف خالص يا منار. الكلمة كلمة حماتك، وحماك ما بيقدرش يكسر لها كلمة في شغل البيت. لو ما نزلتيش، هتخلي عيشتك نكد، وهتقوم سامح عليكي.”
حسيت إني بين نارين؛ نار إن كسرة شرط أهلي وكرامتي تتهان من أول يوم، ونار إن أعمل مشكلة توظف حياتي الزوجية وهي لسة في مهدها. قررت أكسر كبريائي للمرة الأولى والأخيرة، وقلت لنفسي أنزل النهار ده عشان أبين حسن نيتي، ولما يرجع سامح بليل هيكون لي معاه كلام تاني خالص.
نزلت مع أمل للحوش. الريحة والمكان كانوا بالنسبة لي عالم تاني خالص ما شفتوش غير في التلفزيون. الحوش كان واسع ومترب، وعلى جنب كانت زريبة المواشي. أمل بدأت توضح لي بابتسامة طيبة إزاي أحط العلف للمواشي وأشيل المية، وأنا واقفة قرفانة وخايفة أربط أي حبل أو أقرب من المواشي.
حماتي كانت قاعدة على الدكة في نص الحوش، ماسكة عصاية صغيرة وبتراقب كل حركة بعملها بنظرات شامتة. كل ما أعمل حاجة، تصرخ بصوت عالٍ:
— “إيه الماسكة دي يا دلوعة؟ شيلي الجردل بعدلك! افرشي القش عدل تحت البهايم! ولا فاكرة نفسك لسة في بيت أباكِ بتشربي الشاي في البلكونة؟”
كنت بابلع الإهانة وأنا بمسح عرقي ودموعي، وحاسة إن كرامتي بتتقطع إرباً إرباً. كملت تنظيف الحوش وطلعت السطوح أكّلت البط والفراخ وأنا مش حاسة بجسمي من التعب النفسي قبل الجسدي. لما خلصت على الضهر، كانت هدومي متوسخة، وإيدياتي الناعمة اتجرحت من المقشة والخشب.
طلعت شقتي، دخلت الحمام قعدت تحت المية الباردة أعيط بحرقة. حسيت إني اتخدعت، وإن الكلام المعسول والرجولة اللي أظهرها حمايا في القعدة كانت مجرد فخ عشان الجوازة تكتمل.
على الساعة تمانية بليل، سمعت صوت عربية سامح وهي بتبارك تحت. مسحت دموعي وحاولت أهدي نفسي عشان أعرف أكلمه بالعقل والمنطق. دخل سامح الشقة، كان باين عليه التعب من شغل طول اليوم، أول ما شافني وشاف عيني الحمرة وهدومي، اتخض وقرب مني باهتمام:
— “مالك يا منار؟ في إيه؟ عينك حمرة ليه كده وأنتِ بتعيطي؟”
وقفت قدامه وبصيت في عينه مباشرة، وقلت له بنبرة ثابته رغم وجع قلبي:
— “سامح.. هو كلام بابا وشرطه يوم القعدة كان كلام على ورق وضحك على الدقون؟”
سامح قطم حواجب باستغراب وقال:
— “يعني إيه الكلام ده يا منار؟ إيه اللي حصل؟”
حكيت له كل اللي حصل بالتفصيل من أول ما خبطت حماتي المقشة في وشي، لحد ما نزلت وقفت في الزريبة وعملت شغل البيت تحت اهاناتها. سامح وهو بيسمع، ملامح وشو بدأت تتغير، بس مش الغضب اللي كنت مستنياه لصالحي.. كان غضب ارتباك وتوتر.
فرك إيده بقلة حيلة وقال بصوت واطي:
— “يا منار.. أمي ست كبيرة وبتحب تمشي كلامها، وبعدين إيه المشكلة لما تنزلي تساعدي أمل شوية؟ دي برضه عيلتك دلوقتي!”
بصيت له بصدمة مش مصدقة رد فعله، وقلت له:
— “تساعد شوية؟ أنت نسيت شرط أهلي؟ حماك قال لبابا شقتها هي مملكتها ومحدش هيجبرها على حاجة! أنت ساكت ليه؟”
سامح مسك إيدي وقال بتحفظ:
— “يا حبيبتي اهدي، أنا ما أقدرش أقف قدام أمي وأقولها لأ، وما أقدرش أعمل مشكلة في العيلة في أول أسبوع جواز. ساعديها وشيلي العتب، عشان خاطر حبي ليكي وعشان الدنيا تمشي.”
في اللحظة دي، عرفت إن سامح مش هيقدر يحميني، وإن المواجهة الجاية مش هتبقي مع حماتي بس.. دي هتبقى مع البيت كله. وقبل ما أرد على سامح، سمعنا صوت خبط شديد على باب الشقة تاني، وصوت حمايا وحماتي بره بيزعقوا وبيستدعوا سامح ينزل لهم حالا تحت!
فخ الزوجيه ٢
رومانى مكرم
نزلت مع سامح والدنيا بتلف بيّا، حاسة إن كل خطوة على السلم بتسحب جزء من كرامتي. فوق كنت بكلم جوزي اللي اتمنيت يكون سندي، وتحت مستنيني المجلس العرفي اللي منصوب لي في أول أسبوع جواز.
أول ما دخلنا شقة حماتي، لقيت حمايا قاعد على الكنبة الكبيرة ومسك العكاز في إيده، وحماتي قاعدة جنبه ووشها متجهم، ومصطفى أخو سامح واقف جنب الباب وعينه في الأرض. المكان كان يسوده صمت تقيل يرعب.
سامح اتكلم بنبرة فيها توتر واضح:
— “خير يا بابا؟ في إيه؟ حضرتك طلبتني أنا ومنار ليه؟”
حمايا بص لسامح بصرامة، وبعدين وجه نظره ليّ، وكانت نظرته حادة خالية من أي ابتسامة من بتوع يوم القعدة الرسمية، وقال بصوت جهوري:
— “اقعد يا سامح.. وأنتِ يا عروسة اقفي مكانك واسمعي الكلمتين دول كويس.”
قلبي اتنفض من الطريقة، بس حاولت أتماسك ورجعت خطوة لورا وقلت بثبات:
— “أنا أسمع وحضرتك بتتكلم يا عمي، بس أظن الأصول إننا نتكلم باللي اتفقنا عليه مع بابا.”
حماتي ضربت على فخذها بصوت عالٍ وقالت بحدّة:
— “أهو شايف يا حاج؟ شايف طول اللسان؟ من أول أسبوع وعاوزة تكسر كلمتي وتعمل رأسها برأسي! بتقول لأمك لأ يا سامح، وطالعة تشتكي لك وتعيط وتعمل من الحبة قبة!”
حمايا رفع إيده عشان حماتي تسكت، وبص لي وقال:
— “بصي يا بنت الأصول.. اللي يتقال في القعدات والأصول يتقال عشان ندخل البيوت من أبوابها، إنما لما تقعدي في البيت ده، تبقي حتة منه! البيت ده ملوش غير كلمة واحدة، كلمة أمك الحجة هي اللي تمشي على الصغير قبل الكبير. سلفتك أمل بنت ناس وعيلة برضو ومع ذلك شايلة البيت كله ومبتقولش لأ، أنتِ مش على رأسك ريشة عشان تقعدي هانم في الدور التالت ونحنا نخدمك!”
بصيت لسامح مستنية منه كلمة، مستنية يفتكر وعده، يفتكر أبوي وهو بيحط إيده في إيد أبوه، بس سامح كان باصص في الأرض وبيفرك في إيديه وبس، ما نطقش بحرف!
رديت أنا وبصوتي كان بيرتجف بس القهر هو اللي بيتكلم:
— “بس حضرتك يومها قلت لبابا إن شقتي هي مملكتي ومحدش هيجبرني على حاجة ما اعرفهاش! بابا ما شرطش الشرط ده تكبُّر، بابا شرطه عشان عارف إن دنيتي غير دنيتكم وأنا ما أستحملش شغل الأرض ولا الطيور!”
حماتي وقفت وقربت مني وهي بتشاور بإيدها في وشي:
— “تتعلمي! زي ما اتعلمتي تقعدي على الكتب وتدخلي الجامعات، تتعلمي إزاي تشيلي اللقمة اللي بتاكليها! هنا مفيش هوانم، والبيت ده اللقمة فيه بتيجي بالشقا، واللي مش هتشقى معانا، ملهاش مكان على سفرتنا!”
الموقف كان بيزيد صعوبة، وحسيت بالحصار من كل ناحية. مصطفى سلفي حاول يهدّي الجو وقال بصوت واطي:
— “يا أمي بالراحة عليها، دي لسة جديدة ومش واخدة على الطباع دي..”
بس حماتي زقته بكلمة حادة:
— “أنت تسكت خالص يا مصطفى! الجوازة دي لو مشيت على كيفها من أولها، بكرة تتدلع وتنسى أصلها!”
هنا حمايا حسم الكلام وضرب بالعكاز على الأرض وقال بصوت قاطع:
— “الكلام خلص! من بكرة الفجر، تنزلي مع سلفتك أمل، تكنسي الحوش، وتساعدي في الخبيز، وتطلعي للطيور. وسامح جوزك هو اللي هيحاسبك لو قصرتي. اتفضلوا اطلعوا على شقتكم.”
طلعت السلم وأنا مش حاسة برجلي، وسامح ماشي ورايا ساكت. أول ما دخلنا الشقة وقاد النور، قفلت الباب وبصيت له وقلت له بمنتهى الجفاء:
— “أنت ساكت ليه؟ ليه ما نطقتش؟ ليه ما قلتلهمش إنك وافقت على شرط أبوي؟”
سامح مسك كتفي وقال بنبرة رجاء:
— “يا منار افهميني! أنا لو اتكلمت كنت هكبر المشكلة وأقف قدام أبوي وأمي! اصبري شوية وساعدي أمي ومشي الدنيا، مع الوقت هيحبوا طبعك وياخدوا عليكِ ويهدوا!”
صرخت فيه والدموع بتنزل من عيني:
— “أنا مش هساعد حد تحت الإهانة والتهديد! أنت بعت شرط أبوي من أول اختبار، وسيبتهم يكسروا نفسي قدامك وأنت واقف تتفرج!”
سامح اتعصب وقال:
— “يعني عاوزاني أعمل إيه؟ أعمل مشكلة مع أهلي وأخرب بيتي في أول أسبوع عشان شوية شغل في البيت؟ كبري عقلك يا منار وما تخليش الشيطان يدخل بيننا!”
سيبته ودخلت اوضة النوم وقفت الباب بالمفتاح. قعدت على السرير وأنا جسمي كله بيلتعب. موبايلي كان جنبي على التسريحة، مسكته وعيني على اسم بابا.. كنت عاوزة أكلمه وأقوله “تعال خذني، الشرط اللي اشترطته اتكسر في أول أسبوع”، بس افتكرت الفرح اللي ما عدش عليه أيام، وكلام الناس، وفرحة أمي بيا.
مسحت دموعي وقلت لنفسي: لو كلمت بابا دلوقتي، هتصرب مشكلة كبيرة بين العيلتين، ويمكن تكبر وتوصل للطلاق.. لكن لو سكت، هبقى خدامة طول عمري هنا.
عدت الساعات وأنا صاحية ومش عارفة أنام، ولحد ما الفجر أذن، سمعت خبط شديد ورزع على باب الشقة من بره.. خبط متواصل وبقوة تكسر الخشب، وصوت حماتي بره بتزعق في الممر:
— “اصحي يا عروسة! الفجر أذن والشغل مستني فوق السطوح وفي الحوش! يلّا انزلي ورصي نفسك!”
قمت من السرير، وقفت قدام المراية بصيت لوشي الشاحن، واكتشفت إن الضعف والخوف مش هينفعوني في البيت ده.. أخدت نفس عميق، وفتحت باب الأوضة، ولقيت سامح وافق في الصالة خايف ومرتبك.
بصيت لسامح وقلت له بكلام هادي وزي الثلج:
— “أنا نازلة يا سامح.. نازلة المرة دي، بس عشان أوريهم منار البنت اللي دخلت بيتهم هتعمل إيه، والرد مش هسيبه لك.. الرد هيكون مني أنا.”
فتحت باب الشقة ونزلت على السلم، ولما وصلت الحوش لقيت حماتي وأمل واقفين، وحماتي في إيدها المكنسة وجردل المية، وبتبصلي بابتسامة نصر وتحدي..
#الكاتب_رومانى_مكرم
نزلت على السلم بخطوات أثقل من الجبال، بس المرة دي ما كانش فيه دموع في عيني. الخوف اللي كان ماليني امبارح تحول لشيء تاني خالص.. تحول لبرود ووجع مكتوم وكرامة بتصرخ.
أول ما وصلت الحوش، لقيت حماتي واقفة ومربعة إيدها، وبتبصلي بابتسامة نصر وقالت بنبرة شمتانة:
— “أيوة كده! من بدري.. هو ده العقل والرزانة. يلا يا شاطرة، أمل جهزت المية والعلف، ادخلي معاها الزريبة واكنيسي تحت المواشي الأول وبعدين اطلعي للطيور.”
أمل سلفتي قربت مني وبصتلي بنظرة كلها أسف ورجاء إن الموقف يعدي، وقالت بصوت واطي:
— “تعالي معايا يا منار.. أنا عملت نص الشغل والله، اقفي بس معايا عشان ما تعملش مشكلة.”
بصيت لأمل وابتسمت لها ابتسامة خفيفة، وبعدين التفتت لحماتي اللي كانت واقفة مستنية تشوفني وأنا بمسك المقشة وبوطي رأسي. قفزت خطوتين للقدام، وبدل ما أمد إيدي للجرادل والمقشة، وقفت في نص الحوش بصدر مرفوع، وقلت بصوت واضح وقوي رن في الدوار كله:
— “أنا نزلت يا حاجة عشان أقولك كلمتين قدام ربنا وقدام أمل وسلفي اللي واقف هناك ده.. أنا بنت ناس متعلمة، دخلت بيتكم معززة مكرمة، وأبوي اشترط عليكم شرط يضمن كرامتي، وأنتو وافقتوا ورجعتوا في كلامكم من أول أسبوع. أنا مش هكسر كلمة أبوي، ومش هشتغل في الزريبة ولا هخدم البيت ده تحت الإهانة والتهديد!”
حماتي اتصدمت من النبرة، وشها اتغير ولونها اتخطف من الجرأة، وعينيها برزت من الغضب:
— “انتِ بتعلي صوتك في بيتي يا بت أنتِ؟ وبتقولي لأ في وشي؟ هي دي تربية البندر؟”
في اللحظة دي، كان حمايا نازل على السلم وسامح طالع من الشقة وراه على صوتي. حمايا صرخ وهو نازل بالعكاز:
— “في إيه اللي بيحصل هنا؟ الصوت ده طالع ليه من الصبح؟”
حماتي راحت جري على حمايا وشاورت عليا وهي بتصنع البكاء والانكسار:
— “شايف يا حاج؟ شايف العروسة اللي جيبينها لسالم؟ نازلة من الصبح تعلي صوتها عليا وتغلط فيا وفي تربيتي، وتقولنا أنتم ناس معندكوش كلمة وأنها مش هتحط إيدها في حاجة في البيت ده!”
سامح جري عليا ومسك إيدي بقسوة وتوتر وقال بصوت عالي:
— “منار! أنتِ اتجننتي؟ إزاي تتكلمي مع أمي كده؟ اتأسفي لها فوراً واعتذري لحاج!”
بصيت لسامح ونفضت إيده عني بكل قوتي، وقضيت عليه بنظرة كفيلة إنها تقتله. قلت له بكل حسرة:
— “أنت آخر واحد تتكلم يا سامح! أنت اللي اتخليت عني وعن وعدك لأبوي من أول لحظة. اتأسف على إيه؟ على إن أهلك كسروا الشرط وإهانوا كرامتي؟”
حمايا رفع عكازه وضرب بيه على الأرض بصرامة هزت المكان وقال بحدّة:
— “الكلام ده ميمشيش في بيت الحاج متولي! اللي تعصى أمر البيت ده ملهاش قعدة فيه.. يا تعتذري لأمك الحجة وتنزي تطبقي كلامها، يا إما الباب يفوت جمل وترجعي بيت أباكِ زي ما جيتي!”
الكلمة كانت زي القنبلة، ساد الصمت في الحوش كلنا. حماتي ابتسمت بانتصار، وأمل حطت إيدها على بقها مصدومة، وسامح وقف متسمر مش عارف يتصرف أو يتكلم، مستني مني أضعف وأبكي وأتأسف عشان ما أخربش بيتي.
بس أنا بصلت لحمايا بثبات ورحت شايلا دبلتي من إيدي، وحطيتها على الطاولة اللي في نص الحوش قدامهم كلهم.
قلت لهم بصوت أهدى من الهدوء نفسه، بس كان يقطع الزجاج:
— “بيت أباكِ اللي بتقول عليه ده يا عمي.. دخلته وأنا مرفوعة الرأس، وهخرج منه وأنا مرفوعة الرأس. الشرط اللي اتفقنا عليه كان هو الأمان اللي بيننا، ولما اتكسر الأمان، الجوازة دي كلها ملهاش قيمة.”
التفت لسالم وقلت له:
— “أنا اتجوزت راجل يفتكر وعده ويحميني، للأسف ما لقيتوش هنا.”
لفيت وشي ومشيت، طلعت السلم لغاية شقتي وسط ذهول البيت كله، حماتي كانت بتزعق ورايا، وسامح بيجري ورايا على السلم وبيقول:
— “منار استني! أنتِ بتعملي إيه؟ اعقلي وما تخربيش بيتك بيدِك!”
دخلت الشقة، قفلت الباب في وش سامح بالمفتاح. طلعت شنطة السفر الكبيرة من تحت السرير، ولميت فيها هدومي الأساسية وأوراقي ورسايلي، وسامح عمال يخبط على الباب بكل قوته ويزعق ويترجى مرة ويهدد مرة.
أنا ما كنتش بنطق، مسكت تليفوني واتصلت ببابا. أول ما سمعت صوته الحنين وبيقول: “أهلاً يا حبيبة بابا، صباح الخير”، ما قدرتش أتمالك نفسي ودنوعي نزلت بس بصوت مكتوم.
قلت له:
— “يا بابا.. تعالى خذني. الشرط اتكسر، وأنا مش هقدر أكمل هنا.”
بابا ما سألش عن أي تفاصيل، ولا قال لي اصبري ولا اعقلي.. رد عليا بكلمة واحدة هزت كياني وأعادت لي ثقتي في نفسي:
— “مسافة السكة يا بنتي.. جهزي حاجتك، وأنا وإخواتك جايين في الطريق.”
قفلت مع بابا، وفتحت شنطتي وقفتها. ووقفت في نص الصالة مستنية وصول أبوي، وأنا عارفة إن المواجهة اللي جاية لما بابا يوصل الدوار مش هتبقي مجرد كلام.. هتبقي الحد الفاصل في حياتي كلها.
مرت ساعتان كانت الأطول في حياتي. سامح كان رايح جاي في الصالة بره الأوضة، يتوسل ويترجى مرة، ويثور ويرزع على الباب مرة تانية:
— “افتحي يا منار.. بلاش تعملي فضيحة! أبوي وأمي مش يقصدوا يقللوا منك، بس دي عوائدنا! بلاش تدخلي أهلك وتكبري الموضوع!”
ما كنتش برد عليه ولا بحرف. كنت قاعدة على طرف السرير، لابسة خروجي، وشنطة هدومي جنبي، وبصلي في الفراغ بثبات غريب.. ثبات الاستغناء بعد الخيبة.
وفجأة، سمعت صوت العربيات وهي بتهدي قدام باب الدوار تحت، وصوت أبوي الحاسم وهو داخل الدوار ومعاه إخواتي الكبار أحمد ومحمود. الصوت اللي هز أركان البيت وأنهى كل المهزلة.
نزلت من الأوضة وفتحت باب الشقة، وسامح واقف ورايا وشه أصفر وزي الميت. نزلنا السلم سوا، ولما وصلت الحوش، كان المشهد لا يُنسى.
أبوي واقف في نص الحوش بكل هيبة، وإخواتي الاثنين واقفين جنبه زي الأسود. حمايا وحماتي وسامح ومصطفى كانوا واقفين قبالهم، والجو كان مشحون بكهرباء تقطع النفس.
أول ما أبوي شافني نازلة وفي إيدي الشنطة ووشي باين عليه القهر، عينه لمعت بغضب مكتوم، وقرب مني أخد الشنطة من إيدي وحط إيده التانية على كتفي وطمنّي بنظرة واحدة.
حمايا حاول يلطف الجو وبدأ الكلام بابتسامة مرتبكة:
— “يا مرحب يا حاج.. خطوة عزيزة، اتفضلوا في الصالون نتشرّف بيكوا ونشرب الشاي ونتفاهم.”
رد عليه أبوي بصوت زي الرعد، حاسم وواضح، وما إداش لأي حد فرصة للمناورة:
— “الشاي ينشرب لما نكون داخلين بيت رجال يحفظوا العهود والوعود يا حاج! إحنا لما جينالكوا وقعدنا، حطينا إيدنا في إيدكم واشترطنا شرط صريح، وأنت بصيت في عيني وقلت لي: بنتك هي بنتي وشقتها مملكتها. طلعتوا مش قد الكلمة، ومن أول أسبوع عاوزين تكسروا نفس بنتي وتشغلوها في الأرض والزريبة تحت التهديد!”
حماتي اتدخلت بصوت عالي تحاول تدافع:
— “يا حاج ده بيت عيلة والكل بيساعد، هي مش على رأسها ريشة!”
أحمد أخويا رد عليها بصرامة هزت المجلس:
— “الرأس اللي عليها ريشة دي رأس بنتنا المتعلمة اللي دخلت بيتكم معززة! الشغل مش عيب، بس الفرص والاتفاقات هي اللي بتحدد الأصول. أنتم وافقتوا على الشرط عشان تاخدوها، ولما دخلت بيتكوا أكلتوا العهد!”
التفت أبوي لحمايا ولـسامح اللي كان واقف ورا أبوه مستخبي مش قادر يرفع عينه في عين أبوي، وقال له:
— “أنا اشتريت راجل يراعي ربنا في بنتي ويصون الاتفاق، بس للأسف طلعت بتتفرج عليها وهي بتهان ومش قادر تاخد لها حقها ولا تفي بوعدك. الست اللي أهز كرامتها في أول أسبوع عشان أرضي غيري، ما تستاهلش تشيل اسمي.”
أبوي مسك إيدي وبص لحمايا وقال بنبرة خالية من أي تردد:
— “بنتي راجعة معايا بيت أباها اللي عزّها وكبّرها.. وكل حق من حقوقها القانونية والشرعية والقايمة والمؤخر هتوصلنا لحد عندنا. القعدة دي انتهت!”
حمايا حاول يتكلم وسامح قرب يترجى أبوي:
— “يا عمي استهدى بالله بس نتفاهم..”
بس أبوي زقه بإيده وقال له كلمة واحدة نهت كل شيء:
— “التفاهم بيكون مع الرجالة اللي بتوفي بالكلمة.. وأنت كلمتك ماتت النهاردة.”
خرجت من الدوار وأنا مرفوعة الرأس، مشيت جنب أبوي وإخواتي وأنا حاسة إن ظهري اتسند من جديد. حماتي كانت واقفة مصدومة من قوة أهلي، وسامح واقف يتفرج عليا وأنا ببعد عن حياته للأبد، مخذول من نفسه قبل أي حد.
ركبت العربية مع أبوي، ولما مشينا وبصيت للبيت من الشباك وهو بيبعد، حسيت بنسيم الحرية والكرامة بيرجع لرئتي. صحيح التجربة كانت قاسية ومؤلمة وتوجع النفس، بس الخروج منها بأقل الخسائر كان هو النصر الحقيقي.
بعد شهور قليلة، تمت إجراءات الانفصال ورجعتلي كل حقوقي كاملة. رجعت لكتبي وشغلي وحياتي اللي بحبها، وأنا أمن وأقوى من الأول بكتير.
### **الحكمة:**
> **الوعود والعهود ليست مجرد كلمات تُقال في جلسات الاتفاق لتمشية الأمور، بل هي أمانة وكرامة.**
> من يبدأ حياته معك بكسر عهده والتفريط في كرامتك لمجرد إرضاء الآخرين، لن يكون لك سنداً في أزمات الحياة الكبرى. التنازل الأول عن حقك وكرامتك يفتح الباب لتنازلات لا تنتهي، والأهل الذين يشترطون لحماية أبنائهم هم الحصن الحقيقي الذي لا ينبغي التفريط فيه.
> استقلالية الإنسان وكرامته وقيمته لا تُقاس بمدى تحمله للإهانة، بل بقدرته على اتخاذ قرار الرفض والابتعاد عن كل مكان يُقلل من قدره.
>


تعليقات
إرسال تعليق