تخطيط حماتي
تخطيط حماتي
الجزء الأول ظلال في بيئة دافئة
في هذا البيت القديم ذي الجدران السميكة، كنتُ أعيش منذ سبع سنوات. سبع سنوات وأنا أضع أركان حياتي حجرًا فوق حجر، أداري الخلافات الصغيرة، وأطبخ للجميع، وأسهر على راحة الكبير والصغير. كنتُ أظن أن المكان الذي تسكب فيه عرقك وجهدك يتشرب بوفائك، فيعطيك في النهاية الأمان. لكن البيوت لا تبنى فقط من الأسمنت والطوب، بل تبنى من الظنون والنيات التي تخفى تحت الخمار والابتسامات العريضة.
كان سلفي ماهر رحمة الله عليه رجلًا هادئًا، يمر في البيت كالنسمة ولا يترك أثرًا سوى الطيبة. وعندما رحل فجأة إثر حاډث أليم، انقلبت حياة البيت رأسا على عقب. ترك خلفه طفلًا صغيرًا لم يتجاوز الثالثة من عمره، وأرملة شابّة هي داليا.
منذ اليوم الأول لرحيل ماهر، ارتدت داليا ثوب الحزن الكامل. لم يكن حزنًا عاديًا،
بل كان عرضًا مسرحيًا متقنًا تُجدد تفاصيله كل صباح. كانت إذا جلست في الصالة وسألها أحد قاربنا أنتِ لسه صغيرة يا داليا، العمر قدامك وأكيد هترجعي بيت أهلك وتعيشي حياتك، تنهمر دموعها في الحال، وتغطي وجهها بيديها وتقول بصوت مجروح
أرجع فين؟ أنا مافيش راجل يدخل حياتي بعد ماهر الله يرحمه.. أنا قاعدة هنا علشان ريحة ماهر، علشان ابن أخو كريم يكبر بين أهل أبوه ويبقى وسط السند والضهر.
كان هذا الكلام يقع على قلب حماتي وقوع الماء البارد على الكبد العطشان. كانت حماتي تبكي وتأخذها في أحضانها وتصيح أمام الجارات
شايفين الأصول؟ شايفين الوفاء؟ ربنا عوضني ببيت ماهر في البنت دي، الزمن ده مابقاش فيه ستات بالأصل ده!
وفي الوقت الذي كانت فيه داليا تزداد بريقًا في نظر الجميع وتتحول إلى الست المكلومة الفاضلة، كنتُ أنا العبدة
المأمورة التي تقوم مع أذان الفجر، تنظف، وتطهو، وترتب، وتلبي طلبات الجمع دون كلمة شكر واحدة. أصبحتُ مجرد تفصيلة في جدار البيت، وجودي مضمون، وجهدي تحصيل حاصل، بينما داليا هي القنديل المضيء الذي يتفقد الجميع نوره.
في البداية، وأقسم بالله على ذلك، كنتُ أصدقها. كنتُ أرى دموعها وأشعر بالشفقة تعصر قلبي عليها. كم من مرة دافعتُ عنها عندما كانت إحدى قريباتنا تلمح إلى أن بقاءها في البيت وهي في مقتبل الشباب أمر غير طبيعي! كنتُ أعود إلى غرفتي وأقول لزوجي كريم
البنت دي وفية جدًا لذكرى أخوك يا كريم، ربنا يصبرها ويعوضها في ابنها.
وكان كريم يكتفي بالترحم على أخيه والتأكيد على أن واجبنا هو حمايتها وحماية الطفل. لكن مع مرور الأشهر، بدأت الغشاوة تتساقط عن عيني حجرًا حجرًا، ليس بموقف حاسم واحد، بل بقطرات صغيرة من الشك
تراكمت حتى فاض بها الإناء.
الجزء الثاني مراقبة الستائر وخفايا المطبخ
النساء يفدنهن العقل في كشف التفاصيل الصغيرة التي لا يلاحظها الرجال. الرجل يرى المشهد الكلي، أما المرأة فتقرأ حركة العيون، ونبرة الصوت التي تتغير نغمتها بنصف درجة، والابتسامة التي تختفي في جزء من الثانية.
بدأت ألاحظ أن داليا لا تنزل من غرفتها في الدور العلوي إلا في أوقات محددة بالدقة. كان كريم يعمل في شركة مقاولات، وموعد عودته ثابت تقريبًا في الخامسة مساءً. وفي إحدى المرات، كنت أقف خلف ستارة البلكونة في الدور الأرضي أسقي الزرع، فرأيت خيالًا في بلكونة الدور العلوي. كانت داليا تقف خلف الستارة، تبص كل دقيقتين على أول الشارع.
ولما ظهرت سيارة كريم من بعيد، ابتعدت عن الستارة فورًا. ولم تمضِ سوى ثلاث دقائق، حتى سمعت خطواطها الخفيفة على السلم
الهابط. دخلت
المطبخ وأنا أعد الطعام، وقالت بصوت ناعم مرتكب
معلش يا حسناء، نزلت أشرب مية بس.. العطش قتال.
نظرتُ إلى جك الماء الثقيل على الطاولة، والذي كان مليئًا منذ الصباح ولم يلمسه أحد، ثم نظرتُ إليها. كانت ترتدي عباءة بيضاء منسدلة بشكل ملفت، وشعرها مصفف بعناية لا تتناسب مع امرأة تقضي يومها في البكاء على زوجها الراحل. أومأتُ برأسي وقلتُ ببرود
بالهنا والشفا يا داليا، المية المرة دي عذبة أوي.
لم تكن حاډثة الماء سوى البداية. إذا علمتُ أن كريم يشتهي أكلة معينةكالسمك المقلي أو الملوخية بالشهقةوكانت رائحة الطهي تفوح في البيت، تفاجئني بدخولها المطبخ
هاتي عنك يا حسناء، أنا هكمل التسبيكة.. كريم بيحبها بطريقة معينة كان ماهر الله يرحمه يقولي عليها.
وإذا جلستُ أنا وكريم في الصالة نتبادل أطراف الحديث بعد يوم عمل شاق، تظهر هي فجأة،
وهي تحمل ابنها، وتقلس بجانبه تبثه شكواها من تربية الولد بمفردها، وكيف أنها تجد صعوبة في التعامل مع متطلبات الحياة، وتسحب الحوار بأكمله إلى منطقتها المشحونة بالعاطفة والاستعطاف.
وكان الغريب في الأمر، أن داليا لم تعرض عليّ يومًا واحدًا أن تساعدني في مسح السلم، أو تنظيف السجاد، أو غسيل الأواني التي تراكمت بعد عزومات العائلة! كانت يدها الرقيقة تخشى الصابون والأعمال الشاقة، لكنها تصبح قادرة على التعب فور أن يتعلق الأمر بما يحبه كريم أو بما يخصه.
وفي ليلة من ليالي الصيف، خرجتُ من غرفتي في وقت متأخر، حوالي الساعة الثانية صباحًا، لأشرب المطبخ. كان البيت غارقًا في الظلام إلا من ضوء القناة الصغير المنبعث من الثلاجة. هناك، قدام المراية الصغيرة المعلقة بجانب التلاجة، كانت داليا تقف.
كانت تطلي شفتيها بروج خفيف وردي اللون،
وتتأمل وجهها بابتسامة راضية تمامًا. وعندما سمعت صوت قدمي، ارتبكت مسحت الروج بسرعة بأكمام عباءتها، والتفتت إليّ ووجهها محمر من الخجل أو الخۏف، وقالت بلعثمة
أنا.. أنا كنت بجرب روج قديم لقيته في الشنطة وكنت هرميه.. أصل الروج ده من أيام ماهر.
نظرتُ إليها مليًا. الروج كان جديدًا، وعينها لم تكن عين امرأة تبكي ميتًا، بل عين امرأة تتزين لشخص ما. لكنني ابتلعت غصتي، وقسوت على حدسي، وقلت لنفسي ربما تحاول الخروج من حزنها، لا تظني بها سوءًا يا حسناء. لكن الجمرة كانت قد أُلقيت في الحطب، وبدأت الڼار تتآكل تحت الرماد.
الجزء الثالث الرسالة التي غيرت كل شيء
مرت الأيام، وكان المخطط يتضح أكثر فأكثر. لم تعد داليا تكتفي بالتواجد المريب، بل بدأت تزرع في أذن حماتي بذورًا مسمۏمة. كانت تقعد معها بالساعات في الغرفة المظلمة، تسمعها
تنهدات طويلة
آه يا ماما.. الولد محتاج أب، كل ما يشوف عمو كريم يجري عليه ويمسك في رجله.. الولد ملوش حد في الدنيا غير كريم.
وكانت حماتي، التي تحب ابنها الراحل وتتمنى أن ترى ذريته في أفضل حال، تتأثر بتلك الكلمات شيئًا فشيئًا. بدأت حماتي تنظر إليّ بنظرات جافة، وكأنني العائبة التي تقف سدًا أمام سعادة الطفل الأيتيم وفاءً للأخ المېت.
حتى جاء ذلك الصباح الموعود. صباح يوم الخميس.
كان كريم قد خرج للعمل مبكرًا، وحماتي كانت تزور إحدى قريباتها، بينما كنتُ أنا أنظف الصالة. كانت داليا في الدور العلوي. سمعت رنين هاتفها يرن بحدة على الطاولة القريبة من المطبخكانت قد تركت هاتفها هناك وهي صاعدة لجلب طفلها.
ذهبتُ لأحمل الهاتف كي أعطيه لها، وفي تلك اللحظة بالذات، أضاءت الشاشة برسالة نصية عبر تطبيق الواتساب. لم أكن أسترق النظر يومًا
على هواتف الغير،
لكن السطر الأول ظهر واضحًا كالشمس في منتصف النهار
يا حبيبي الفلوس حولتها على البنك زي ما اتفقنا، والورق كله جاهز، بس خلص موضوع الجواز الأول علشان نعرف نبيع البيت القديم من غير ما حد يحس.
توقفت أطرافي. كأن أحداً أفرغ قالبًا من الثلج فوق رأسي.
سحبتُ الهاتف بسرعة، وقبل أن تنزل داليا، فتحت الرسالة. لم تكن رسالة من قريبة أو صديقة. كانت المراسلات بينها وبين رقم مسجل باسم أبو يوسف التاجر.
قرأتُ الرسائل السابقة بسرعة، وكانت المفاجأة التي جعلت ضربات قلبي تتدفق كالمطر الهادر
داليا لم تكن تملك أي وفاء لماهر. داليا كانت قد باعت نصيب ابنها ونصيبها في قطعة أرض تركها ماهر في القرية بعيدًا عن علم العائلة، وكانت تتفق مع هذا التاجر على تحويل المبالغ لحساب شخصي باسمها هي فقط في بنك آخر! والأدهى من ذلك، أنها
كانت تخطط للزواج من كريم ليس حبًا فيه ولا حرصًا على الطفل، بل لأن القانون والشرع سيجعلان كريم الوصي على الطفل إذا لم تتزوج، لكن زواجها من كريم سيبقي كل شيء تحت يدها هي، وسيجعل حماتي تكتب لها الشقة السابقة باسمها كشرط للقبول!
وكان هناك تسجيل صوتي أرسلته هي للتاجر تقول فيه بنبرة سخرية وتقليل
لا تقلق يا أبو يوسف، العجوزة مغفلة ومصدقة إني قديسة، والكبير بتاعهم هخليه يتجوزني برضاهم كلهم، والسفيهة مراته مش هتقدر تفتح بقها.. شهرين كدة وكل حاجة تبقى في جيبي.
أخذتُ هاتفي بسرعة، وقمت بتمرير كل التسجيلات والرسائل والصور الخاصة بالتحويلات البنكية إلى هاتفي عبر البلوتوث والواتساب، ثم مسحتُ أثر الإرسال من هاتفها تمامًا، وأعدت هاتفها إلى الطاولة قبل أن تنزل خطوة واحدة على السلم.
عندما نزلت، كانت تبتسم ابتسامتها
الوديعة المعتادة، وقالت
أوه، معلش يا حسناء، نسيت تليفوني تحت.
ابتسمتُ لها ابتسامة عريضة، ابتسامة لم تفهمها، وقلتُ لها بصوت هادئ للغاية
ولا يهمك يا داليا.. التليفون في أمان، وكل حاجة في أمان لحد ما يجي وقتها.
الجزء الرابع المسرحية في غرفة الطعام
في مساء ذلك اليوم، دعتنا حماتي جميعًا للعشاء. كانت العزومة تبدو غير عادية؛ الطاولة ملأى بما لذ وطاب، والأجواء مشحونة بجدية مريبة. كان كريم يجلس في صدر الطاولة يبدو عليه التعب من عمل النهار، وكانت حماتي تجلس على يمينه، وداليا تجلس على يساره وهي ترتدي ثوبًا أسود أنيقًا للغاية يظهر بياض وجهها، وتنكس رأسها بين الحين والآخر في تمثيل متقن للدور.
أما أنا، فكنتُ أجلس في الطرف المقابل تمامًا، أضع الأرز في طبقي وأكل ببرود شديد، وكأنني في عالم آخر.
وفجأة، وضعت حماتي
ملعقتها على الطاولة، وأصدرت صوتًا لتلفت انتباه الجميع. ساد الصمت في الغرفة، حتى صوت الملاعق توقف.
نظرت حماتي إلى كريم، ثم نظرت إليّ، ثم قالت بنبرة قاطعة تحاول أن تجعلها حنونة
شوف يا كريم يا بني.. الكلام اللي هقوله ده هو الصح وهو اللي يرضي ربنا ويرضي أخوك ماهر في تربته. داليا ست صانة عرض أخوك، وعايشة بقالها شهور قافلة بابها عليها، والولد ده أمانة في رقبتنا كلنا. والناس بدأت تتكلم، وجوازها من بره البيت هيضيع الولد مننا وياخد ورث أخوك لبره.
ثم التفتت حماتي نحو كريم مباشرة وقالت بصوت عالٍ ليسمعه الجميع
عشان كده يا بني، أنا قررت إنك تتجوز داليا مرّة أخوك المرحوم! تجوزها وتستر عليها وعلى ابن أخوك، والبيت ده يفضل مقفول على أهله.
في تلك اللحظة، هبطت داليا بصرها إلى الأرض. عملت نفسها مكسوفة ومکسورة، ووضعت
يدها على فمها وكأنها
تفاجأت بالقرار، وجسدها يرتجف بسيطة كأنها تبكي من شدة التأثر والخجل!
الټفت كريم إليّ بذهول وصدمة، ووجهه اصفر. كان ينظر إليّ ليرى ردة فعلي. أخت زوجي التي كانت تجلس بجانبي همست ربنا يستر، الحړب هتولع. كان الجميع في الغرفة ينتظرون مني أن أصرخ، أن ألقي بالطبق على الأرض، أن أشد داليا من شعرها وأسحلها في الصالة، أو أعمل خناقة تسمع آخر الشارع كما هي عادة الستات في مثل هذه المواقف.
لكنني لم أفعل أي شيء من ذلك.
أخذتُ قطعة من اللحم، وضعتها في فمي، ومضغتها ببطء شديد. نظرتُ إلى حماتي بابتسامة خفيفة، ثم نظرتُ إلى داليا التي كانت تسترق النظر إليّ من بين أصابعها لترى اڼهياري.
قلتُ بصوت هادئ ومريح جداً
والله يا ماما، فكرة تستحق التفكير.. بس هو في سؤال بسيط بس حابة أسأله لداليا قبل ما نبارك للعروسة.
الجزء الخامس السقوط الكبير
رفعت
داليا رأسها بسرعة، وبدت عليها علامات الاستغراب من هدوئي. قالت بصوت متقطع ومظلوم
سؤال إيه يا حسناء؟ أنا أصلاً مش مفكرة في الموضوع ده ومصډومة زيي زيك..
قلتُ لها وأنا أرتشف جعة من الماء
لا يا حبيبتي، متتصدنيش ولا حاجة.. السؤال بسيط خالص هو البنك اللي حولتي عليه فلوس أرض كفر الشيخ بتاعة ابنك المرحوم، بيفتح يوم السبت ولا بياخد إجازة زي بقية البنوك؟
فجأة، اختفت كل ألوان وجه داليا. اصفرّت، ثم تحول لونها إلى البياض الكالح، وكأن الډماء جُفّت من عروقها في ثانية واحدة. اتسعت عينها بړعب، وتوقفت يدها التي كانت تتصنع الارتجاف.
صاحت حماتي باستغراب
أرض إيه وبنك إيه يا حسناء؟ أنتِ بتقولي إيه؟
أخرجتُ هاتفي المحمول من جيبي بمنتهى الهدوء. وضعتُ الهاتف على الطاولة في المنتصف، وقمت بتشغيل أول تسجيل صوتي بأعلى صوت للمكبر
صوت داليا
المتهكم ينطلق في الغرفة واضحًا كالجرس
لا تقلق يا أبو يوسف، العجوزة مغفلة ومصدقة إني قديسة، والكبير بتاعهم هخليه يتجوزني برضاهم كلهم، والسفيهة مراته مش هتقدر تفتح بقها.. شهرين كدة وكل حاجة تبقى في جيبي.
كان الصوت يتردد في صمت الغرفة الموحش.
وقفت حماتي فجأة، وكأن صاعقة ضړبتها في رأسها. نظرت إلى داليا بذهول لا يُوصف. أما كريم، فقد اتسعت عيناه پغضب مرعب، وقام من مقعده بنصف وقفة وهو ينظر إلى داليا التي كانت تجلس كأن الأرض قد اتفتحت تحت قدميها وبدأت تبتلعها.
لم أكتفِ بذلك. قمتُ بتشغيل الرسائل التالية، وقراءة التحويلات البنكية والمبالغ التي اختلستها من وراء العائلة، وكيف كانت تخطط لبيع الشقة بعد الزواج من كريم والهروب بالمال إلى محافظة أخرى مع شريكها التجاري!
بدأت داليا تلتفت حولها بلهفة مچنونة، تنظر إلى
الباب، ثم إلى الشباك، كأنها تبحث عن مخرج أو جحر تستخبى فيه. شفتها كانت ترتجف بحق هذه المرة، ولكن ليس من الخجل، بل من الخۏف والعاړ.
قالت بصوت مبحوح وهي تحاول التشبث بأي قشة
ده.. ده فبركة! حسناء بتتبلى عليا! التليفون ده مش بتاعي!
وقفتُ من مكتبي، وسرتُ بخطوات ثابته نحوها. انحنيتُ عليها حتى أصبحت أذني قريبة من وجهها المرتعش، وقلتُ لها بصوت خفيض سمعه الجميع
الرسالة الأولى اتبعتت الصبح الساعة تسعة وربع من تليفونك أنتِ يا داليا.. والتحويلات باسمك أنتِ وباسم ابنك اللي كنتِ بتتاجري بدموعه كل يوم قدامنا. الأقنعة وقعت.. والمسرحية اتفلقت بالنص.
الجزء السادس الحساب والرحيل
لم تنتظر حماتي دقيقة واحدة. المرأة التي كانت تعتبر داليا رمزًا للوفاء والأصل، تحولت في ثانية إلى أسد جريح. صړخت صړخة هزت أركان البيت، وهجمت عليها تتجاذبها
من ثيابها وهي
تقول
يا خاېنة! يا اللي بتاكلي في قوسي وبتستغفليني؟ أنا مغفلة يا داليا؟ أنا اللي كنت بفضلِك على ابني ومراته؟
تدخل كريم ليفصل بينهما بصعوبة، وهو ېصرخ في داليا بصوتزلزل الجدران
اطلعي بره! اطلعي جمعي هدومك ومش عايز أشوف وشك في البيت ده ثانية واحدة! والفلوس ورث أخوي وابنه هيرجعوا بالقانون وبككرة الصبح هكون عند النائب العام!
نزلت داليا على ركبتيها تبكي بحړقة متوسلة،
ولكن هذه المرة لم تكن دموع تمثيل، بل كانت دموع السقوط الإجباري. لم ينظر إليها أحد برحمة. أخت زوجي التي كانت تدافع عنها أدارت وجهها عنها بقرف.
وفي خلال نصف ساعة، كانت حقائب داليا ملقاة على باب الشارع، وخرجت تجر أذيال الخيبة والفضيعة في منتصف الليل، بعد أن كُشفت حقيقتها أمام الشارع كله الذي كان يظنها قديسة.
في تلك الليلة، عادت الصالة إلى صمتها.
جلست حماتي على الكنبة
القديمة، تبكي بمرارة وټضرب على صدرها من الصدمة، وقالت وهي تنظر إليّ والدموع تغسل وجهها
سامحيني يا حسناء.. مظلومة يا بنتي، وأنا اللي كنت عمياء ومش شايفين مين الصالح ومين الطالح.
اقتربتُ منها، ومسحتُ على كتفها بهدوء، وقلتُ لها
ربنا بيظهر الحق يا ماما.. وأنا عمر الخدمة والتعب اللي تعبته في البيت ده ما كان خسارة، لأن الأصيل بيضل أصيل والمزيف لازم يتقشر في يوم من الأيام.
نظر إليّ كريم بنظرة ملأها الاحترام والاعتزاز، وعرف في تلك الليلة قيمة المرأة التي تحفظ بيته وكرامته، والتي واجهت الكيد بالعقل والهدوء، وليس بالصړاخ والعويل.
ومنذ ذلك اليوم، عادت المياه إلى مجاريها، وأصبحتُ أنا السيدة الأولى والوحيدة في هذا البيت، ليس بأمر من أحد، بل بفضل عقل وصبر يزن جبالاً.
صلّوا على النبي المختار، واللهم اكفنا شړ من يستغفلنا ويظهر لنا عكس ما
يبطن.


تعليقات
إرسال تعليق