القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

جوزي وعدني إن أول سفرية بعد الجواز هتبقى لينا لوحدنا

 جوزي وعدني إن أول سفرية بعد الجواز هتبقى لينا لوحدنا



حكايات بسمه كامله


جوزي وعدني إن أول سفرية بعد الجواز هتبقى لينا لوحدنا… ليلة السفر اكتشفت إنه حاجز لأمه وأخته معانا، والأغرب إن حجزي أنا كان الوحيد الملغي.


 


فضلت شهور مستنية السفرية دي.


 


من قبل الفرح وهو بيقولي:


 


—أول ما نستقر، هاخدك كام يوم بعيد عن كل الناس… أنا وإنتِ بس.


 


وكنت مصدقاه.


 


خصوصًا إن أول شهور جوازنا مكانش فيها يوم واحد تقريبًا لينا لوحدنا.


 


حماتي عندنا كل يومين.


 


أخته تدخل وتخرج من غير ميعاد.


 


ولو اعترضت، جوزي يقول:


 


—استحمليهم عشاني، دول أهلي.


 


فسكت.


 


ولما قالي إنه حجز لنا أسبوع في شرم الشيخ، فرحت جدًا.


 


اشتريت هدوم جديدة.


 


بدلت مواعيد شغلي.


 


وحتى رفضت أحضر مناسبة مهمة في عيلتي عشان السفر.


 


قبلها بيوم سألته:


 


—متأكد إن كل حاجة تمام؟


 


قال:


 


—متقلقيش، أنا عامل حساب كل حاجة.


 


ليلة السفر وصلنا المطار.


 


وأول ما دخلنا…


 


لقيت حماتي وأخته واقفين بالشنط.


 


افتكرت في الأول إنهم مسافرين صدفة.


 


قلت باستغراب:


 


—إنتوا هنا بتعملوا إيه؟


 


أخته ضحكت وقالت:


 


—مفاجأة.


 


بصيت لجوزي.


 


قال وهو بيتجنب عيني:


 


—ماما كانت نفسها تغير جو، وأختي قالت تيجي معاها… فقلت بدل ما يسافروا لوحدهم، ييجوا معانا.


 


قلتله:


 


—معانا فين؟ دي سفريتنا إحنا.


 


رد بعصبية:


 


—متعمليش مشكلة في المطار.


 


بلعت كلامي.


 


وقلت لنفسي خلاص.


 


أسبوع وهيعدي.


 


لكن عند كاونتر الشركة…


 


الموظفة أخدت البطاقات والحجوزات.


 


وبعد دقايق بصتلي وقالت:


 


—آسفة يا فندم، حضرتك مش موجودة على الحجز.


 


ضحكت بتوتر.


 


—إزاي؟ إحنا أربعة.


 


قالت:


 


—الحجز لثلاثة أشخاص فقط.


 


جوز حضرتك، ووالدته، وأخته.


 


بصيت لجوزي.


 


وشه اتغير.


 


قلت:


 


—وحجزي؟


 


الموظفة قلبت في السيستم.


 


وبعدين قالت:


 


—كان موجود فعلًا… لكن اتلغى من أسبوع، والمبلغ اترد على نفس وسيلة الدفع.


 


ساعتها فهمت.


 


حماتي وأخته مكانوش إضافة مفاجئة.


 


أنا اللي كنت اتشلت من السفرية.


 


قلت لجوزي:


 


—إنت لغيت حجزي؟


 


قال بسرعة:


 


—هفهمك.


 


حماتي تدخلت:


 


—يا بنتي متكبريش الموضوع. إحنا قولنا نخليها سفرية عائلية، وإنتِ ممكن تسافري معاه بعدين.


 


بصيتلها.


 


وبعدين بصيت لجوزي.


 


—وإنت وافقت؟


 


قال:


 


—ماما تعبانة نفسيًا ومحتاجة تغير جو.


 


قلت:


 


—على حساب مين؟


 


سكت.


 


الموظفة قالت:


 


—المبلغ المسترد اتحول على البطاقة اللي تم الدفع منها.


 


طلعت موبايلي وفتحت تطبيق البنك.


 


أنا اللي كنت دافعة تمن الرحلة كلها.


 


لكن الفلوس ما رجعتش لحسابي.


 


قلت للموظفة:


 


—ممكن أعرف البطاقة اللي استلمت الاسترداد آخر أربع أرقام منها كام؟


 


قالتلي.


 


بصيت لجوزي.


 


الأرقام كانت بتاعة بطاقته.


 


يعني مش بس لغى سفري…


 


ده أخد فلوس حجزي، ودفع بيها جزء من سفر أمه وأخته.


 


قلتله:


 


—هات مفتاح البيت.


 


اتوتر.


 


—إيه؟


 


—المفتاح.


 


حماتي قالت:


 


—إنتِ هتعملي فيها كرامة دلوقتي؟


 


ابتسمت.


 


—لا… أنا هسيبكم تستمتعوا بالسفرية العائلية.


 


جوزي مسكني من إيدي.


 


—هترجعي لوحدك يعني؟


 


قلت:


 


—آه.


 


—ولما أرجع نتفاهم.


 


بصيتله وقلت:


 


—لما ترجع… ابقى شوف الأول هترجع على فين.


 


ضحك.


 


افتكرني بهدده وخلاص.


 


لكن اللي هو مكانش يعرفه…


 


إني قبل الجواز كنت شارية الشقة باسمي، وهو أصر بعدها إننا نسكن فيها بدل ما نأجر.


 


رجعت من المطار.


 


وفي الصبح غيرت كالون الباب.


 


وجمعت كل حاجته.


 


وبعتها على بيت أمه.


 


لكن المفاجأة الحقيقية حصلت بعد يومين.


 


اتصل بيا رقم غريب.


 


رديت.


 


لقيت موظف من شركة السياحة بيقولي:


 


—مدام، حضرتك قدمتي شكوى بخصوص إلغاء الحجز؟


 


قلت:


 


—لا.


 


سكت لحظة وقال:


 


—غريبة… لأن عندنا شكوى باسم حضرتك، ومرفق معاها صورة بطاقتك وتوقيعك بالموافقة على تحويل قيمة الحجز لشخص تاني.


 


قلبي وقع.


 


أنا ما وقعتش على أي حاجة.


 


طلبت منه يبعتلي الورقة.


 


وأول ما فتحتها…


 


عرفت التوقيع فورًا.


 


مش توقيع جوزي.


 


كان…..


 


كان توقيع أخت جوزي.


توقيع أعرفه كويس جدًا من أيام ما كانت بتحاول تقلد خطي وتوقيعي على أوراق الجمعية اللي كنا داخلينها سوا قبل الجواز، خطها فيه كسرة معينة في حرف الراء مستحيل تغلط فيها عيني. الموظف على التليفون كان مستني رد، صوت انفاسه الهادية على الناحية التانية من الخط كان نذير شؤم لكل حاجة جاية.


— يا فندم؟ معايَ على الخط؟


رديت بصوت حابس الدموع والعصبية، صوت حاولت على قد ما أقدر أخليه ثابت زي الصخر:


— الشكوى دي مزورة، والتوقيع ده مش توقيعي، والبطاقة دي اتصوّرت من غير علمي. أنا بطلب منك حالًا توقف أي إجراءات وتديني صورة رسمية من الطلب ده بإيميل رسمي من الشركة.


الموظف اتوتر، ونبرة صوته الاتهامية تحولت لأسف حذر:


— يا مدام، الطلب ده تقدم في الفرع الرئيسي من أسبوع، والشخص اللي قدمه كان معاها تفويض وصورة بطاقتك وصورة عقد الجواز عشان يثبتوا صلة القرابة، وقالوا إنك تعبانة ومش هتقدري تحضري بنفسك.


قفلت السكة في وشه من غير ما أسمع باقي كلامه. إيدي كانت بترعش، بس المشاعر اللي جواه مكانتش حزن أو قهرة، كانت نار بتاكل كل باقي من الاستسلام أو السكتة اللي عشت فيها الشهور اللي فاتت. أخته مكانتش بس بتتطفل على حياتنا، أخته كانت بتخطط وتزور، وجوزي مكانش بس مغفل أو بيمشي ورا كلام أمه، ده كان شريك في جريمة مكتملة الأركان.



طلعت على أقرب محضر شرطة، وقبل ما أعدي عتبة القسم، اتصلت بالمحامي بتاعي، واستدعيته فورًا. المحامي أخد صورة الطلب وصورة البطاقة المزورة، وقالي بالنص: “دي مش مجرد خيانة زوجية أو سرقة فلوس، دي قضية تزوير في أوراق رسمية واستعمال محرر مزور، واستيلاء على أموال.”


في الوقت ده، كان جوزي وأمه وأخته عايشين حياتهم في شرم الشيخ، بيستمتعوا بالبحر والهدوء اللي اتدفع تمنه من حريتي وفلوسي وكرامتي. ميعاد رجوعهم كان فاضل عليه يومين. خلال اليومين دول، أنا ما قعدتش أندب حظي. غيرت كالون الشقة بالكامل، وضفت قفل إلكتروني جديد. جمعت كل هدومه، كل كراكيبه، حتى شهادات تقديره وكتبه القديمة، وحطيتها في شنط ضخمة وشحنتها على عنوان بيت أمه اللي مقفول حاليًا.


اليوم التالت، وفي نفس الميعاد اللي كان المفروض يرجعوا فيه، قعدت في البلكونة أراقب الشارع. الساعة كانت حوالي ستة المغرب لما وقفت عربية أخته تحت العمارة. نزل منها جوزي، وشايل الشنط، ووراه أمه وأخته يضحكوا بصوت عالٍ وبيشتكوا من تعب السفر.


طلعت أخته الموبايل وكانت بتسجل فيديو وهي طالعة على السلم، كأنهم راجعين لبيتهم ومستنيين استقبال ملكي.


سمعت خبط المفتاح في الباب.


مرة.. اتنين.. تلاتة.


المفتاح ما بيلفش.


سكتوا لحظة، وبعدين سمعت صوت جوزي بيخبط على الباب بإيده:


— يا هنا؟ افتحي يا هنا.. المفتاح ماله مش راضي يلف؟


ما رديتش. قعدت على الكنبة في الصالون وشربت بق مية بمنتهى الهدوء.


الخبط زاد، وصوت أمه طلع بالمواويل المعتادة:


— جرى إيه يا سي حسين؟ هي من أولها كده هتعملنا حركات؟ افتحي يا بت أما نشوف السفرية اللي عكرتيها علينا دي!


جوزي ضرب الباب برجله:


— هنا! افتحي الباب ده بدل ما أكسره! إنتِ جننتيها ولا إيه؟


مسكت الموبايل، وفتحت الكاميرا الخارجية اللي متوصلة بالانتركم وسجلت كل كلمة وكل حركة بيعملوها. وبعدين فتحت الباب.. بس مش فتحة كاملة، فتحت السلسلة الحديدية وسيبت مسافة صوابع بيني وبينهم.


وش حسين كان أحمر من الغضب، وعرقان من شيل الشنط. أمه واقفة وراه ساندا أيدها على حيطة السلم، وأخته واقفة تبصلي بانتصار ولابسة النظارة الشمسية على رأسها.


حسين بصلي بشرار:


— إيه المهزلة دي؟ المفتاح ده مش راضي يفتح ليه؟ وغيرتِ الكالون ليه اصطبحي على صبحتنا كده؟


بصيتله ببرود تام، وبصيت لأخته اللي كانت بتبتسم بثقة، وقلت:


— الشقة دي بتاعتي يا حسين، مسجلة باسمي في الشهر العقاري من قبل ما أعرفك. وحضرتك ملكش فيها قشة واحدة. حاجتك كلها اتدشنت في شنط وراحت على بيت أمك.


أمه صرخت بصوت هز العمارة:


— يا لهوي! بتطردي ابني من بيته؟ يقطع الجوازة على السفرية اللي خلتك تتفرعني كده! ده بيت ابني وده سكن زوجية، والشرطة هي اللي هتجيبنا حقنا!


ابتسمت لها وقلت:


— الشرطة؟ والله فكرة ممتازة يا طنط. تحبي أطلبها أنا ولا تطلبوها أنتوا؟



أخته جربت تتدخل وبصتلي بقرف:


— بلاش شو، وافتحي الباب نغير هدومنا ونتكلم بدل الشوشرة دي، إحنا راجعين مفرهدين من الطريق.


بصيت لأخته مباشرة، وطلعت ورقة الشكوى بتاعة شركة السياحة من ورائي، ولزقتها على الإزاز الفاصل بيننا على الباب.


أخته أول ما شافت صورة التوقيع والورقة، وشها اتقلب أصفر. الضحكة اختفت تمامًا من على وشها، وعينها اتوسعت برعب.


— إيه دي؟.. رديت بلطف:


— دي ورقة التزوير اللي إنتِ بصمتِ ووقعتِ عليها باسمي يا حلوة، عشان تسرقوا فلوس حجزي وتحولوها لحساب حسين. التزوير ده عقوبته من تلات لسجل سبع سنين سجن مشدد. والمحضر حاليًا محول للنيابة العامة برقم متسجل.


حسين بص لأخته بذهول:


— تزوير إيه؟ إنتِ مش قلتيلي إنك اتفقتِ معاها وهي اللي بعتتلك البطاقة؟


أخته ارتبكت وبقت تتلعثم:


— أنا.. أنا ما عملتش حاجة، أنا كنت فاكرة إنك عارف وهي موافقة! ده هو اللي قال لي اتصرفي وعايز الفلوس ترجع لحسابه عشان يكمل حق حجزنا!


حسين صرخ فيها:


— إنتِ مجنونة؟ إنتِ ورطتيني في مصيبة!


أمهم مسكت قلبها وبقت تصوت:


— الحقوني يا ناس! البت عايزة تسجن عيالي! يا فضيحتنا وسط العمارة!


قلت بصوت صارم هز السلم كله:


— الصوت العالي ده مش هيفرق معايا. أنا مش بس غيرت الكالون، أنا كمان رفعت قضية طلاق للضرر، وقضية تبديد، وقضية تزوير ورسائل تهديد. قدامكم خمس دقايق تاخدوا الشنط اللي تحت دي وتمشوا، وإلا البلاغ اللي مع المحامي هيتحرك حاليًا بتهمة اقتحام ملك غير.


حسين حاول يمسك الباب ويدفعه:


— هنا.. استني بس، نتفاهم، أنا مكانش قصدي كل ده! أمي هي اللي أصرت، وأختي هي اللي عملت الحجز والورق، أنا مكنتش اعرف إنها زورت توقيعك!


بصيت في عينه، شفت فيهم الخوف والضعف اللي كان مداريهم ورا كلمة “دول أهلي واستحمليهم”.


— إنت كنت عارف إن الحجز اتلغى من أسبوع، وكنت عارف إن الفلوس دخلت حسابك، وكنت عارف إنك سايبني في المطار زي الهبيلة وأنا اللي دافعة القرشين من شغلي وتعبي. إنت مش راجل يا حسين، واليوم اللي افتكرت فيه إنك كسرتني، كان اليوم اللي فوقت فيه.


قفلت الباب في وشه بقوة، وصوت الخبط والقفل يرن في الممر.


سمعت أصواتهم برا بتتضارب. حسين بيصرخ في أخته، وأخته بتصرخ فيه وبترموا الاتهامات على بعض، وأمهم بتولول وتدعي عليا وعلى الجوازة. بعد ربع ساعة، سمعت صوت خطواتهم وهي نازلة على السلم بتجر شنطها وبجر خيبتها معاها.


قعدت على الكنبة، ودقات قلبي كانت سريعة بس منتظمة. الشقة كانت هادية، وأول مرة أحس إن الهواء جواه نقي ومش مكتوم بحضورهم وتطفلهم.


بس الموضوع مكانش انتهى عند الباب.


ثاني يوم الصبح، جالي إشعار على الموبايل برقم المحامي:


— يا هنا، حسين ومحاميه واصلين النيابة حاليًا وبيحاولوا يقدموا طلب للتنازل أو الصلح قبل ما ينزل استدعاء رسمي لأخته، ومستعدين يدفعوا الفلوس المزدوجة ويرجعوا كل حاجة بشروطك.



لكن قبل ما أرد على المحامي، رن تليفوني برقم مجهول جديد.


رديت، وصوت ست جاد وناشف قالي:


— أهلاً يا مدام هنا.. أنا الدكتورة نادية من جهة الرقابة المالية والشؤون القانونية بالبنك اللي حضرتك وحسين فاتحين فيه الحسابات… في حركة تحويلات تانية اتعملت من حسابك لحسابه من أسبوعين بمبالغ أكبر بكثير من تذاكر السفر، وفيها توقيع باسمك محتاجين حضرتك تحضري حالًا للفرع الرئيسي عشان تتأكدي منها قبل ما نحول الملف للنيابة المالية.


اكتشفت ساعتها إن سرقة السفرية مكانتش غير خيط صغير في كارثة أكبر بكتير حسين وأخته كانوا بيخططوا لها من ورايا.


 

حكايات بسمه ٢

كامله

خرجت من البيت والنهار يلا دوب بيبدأ، والشمس طالعة تحرق الأسفلت. الطريق للفرع الرئيسي للبنك كان طويل، وفي كل خطوة كانت دماغي بتلف: يا ترى حسين وأخته وصلوا لإيه تاني؟ إيه المبالغ الأكبر دي اللي المسؤولة كانت بتتكلم عنها؟


أول ما دخلت مكتب الدكتورة نادية في الدور التالت، لقيت الجو هادي ومسحوب منه أي مظاهر ود. المطبوعات والأوراق كانت مفروشة على المكتب، وفي وشي كان قاعد المحامي بتاعي اللي سبقني على هناك بعد ما كلمته في التليفون.


قعدت، والدكتورة نادية زقت ناحيتي ملف أزرق تقيل وقالت بنبرة حاسمة:


— مدام هنا، الحساب المشترك اللي بينك وبين أستاذ حسين، بالإضافة لحسابك الشخصي اللي فيه شهادات الاستثمار بتاعتك… اتسحب منه على مدار الشهرين اللي فاتوا مبالغ بتتعدى النص مليون جنيه.


شهقت بغير إرادة مني، وحسيت إن الهواء اتسحب من الأوضة. نص مليون جنيه؟ دي شقا عمري، الفلوس اللي كنت محوشاها من شغلي وتدريبي وورثي الصغير من بابا قبل ما يتوفى!


كملت الدكتورة نادية وهي بتشاور على المستندات:


— التحويلات كلها اتعملت عن طريق إستمارات تحويل بنكي ورقية، ومرفق معاها طلب كسر جزئي للشهادات. الطلبات كلها متوقعة بتوقيع يطابق توقيعك المسجل عندنا بالظبط… لكن الغريب إن كل التحويلات دي راحت لحساب شركة عقارية جديدة، المسجل باسمها كشريك متضامن هي الآنسة شيرين… أخت زوجك.


المحامي بتاعي مسك الورق وبدأ يفحصه بعدسة مكبرة صغيرة، وبعد دقيقتين بصلي وقال:


— التوقيع هنا مش مزور بالعين المجردة يا هنا… التوقيع ده منقول بتكنيك الشف أو الضغط، يعني حد أخد توقيع أصل ليكي على ورقة شفافة ونقله بحرفية، أو استخدم كارت التوقيعات القديم اللي كان في الشقة.


افتكرت فورًا! من شهرين، شيرين أخته كانت قعدت عندي في الصالون بحجة إنها بتساعدني في ترتيب أوراق ومستندات قديمة للضرائب، وكانت كل شوية تطلب مني أوقع على صور بطاقات وأوراق رسمية عشان شغل الجمعية. هي مكانتش بتساعدني… هي كانت بتجمع عينات لتوقيعي!


طلبت من الدكتورة نادية تراجع كاميرات الفرع اللي اتعملت منه العمليات دي. الموظفة فتحت جهاز الكمبيوتر وعرضت تسجيلات الفيديو لليوم اللي اتكسرت فيه الشهادة الأخيرة.


في الفيديو… كان ظاهر حسين واقف عند الكاونتر، وجنبه أخته شيرين. هي اللي كانت بتسلم الأوراق للموظف، وهو كان واقف يتلفت حواليه بتوتر، يمسح العرق من على أورته وينزل رأسه في الأرض كل ما حد يمر جنبه. مكانش مجرد شريك سلب، ده كان العقل المنفذ اللي مأمن أخته في وش المدفع عشان لو حاجة انكشفت، يدعي إنه ميعرفش!


في اللحظة دي، تلفون المحامي رن. رد، وسمعت صوت حسين من الناحية التانية بيصرخ وبيترجى:


— يا أستاذ، أبوس إيدك خليني أكلم هنا! إحنا واقفين قدام بيت أهلها والناس بتتفرج علينا! أختي شيرين في حالة هستيرية وأمي أغمى عليها! مستعدين نكتب لها تنازل عن كل حاجة، بس بلاش النيابة المالية! بلاش الفضيحة دي!



المحامي بصلي وسألني بعينيه. مسكت التليفون منه، وحطيته على السبيكر، وقلت بصوت أبرد من الثلج:


— حسين… الفلوس اللي اتسرقت من حسابي ونص مليون جنيه الشهادات، غير التزوير بتاع السفرية… كل ده بقى حاليًا في بلاغ رسمي للنيابة العامة والرقابة المالية.


حسين اتلعثم، وصوته كان بيرعش من الرعب:


— هنا والله ما كان قصدي أضرِك! شيرين هي اللي أقنعتني إننا ندخل شباك في مشروع الشقة الجديدة باسمها، وقالتلي إنك مش هتحسي بالفرق وهنرجع الفلوس من أرباح المشروع قبل ما تاخدي بالك! والله العظيم كنت هرجعهم!


— ترجعهم منين؟ — صرخت فيه والدموع في عيني من كمية الغدر — من فلوسي اللي لغيت بيها حجزي وركبت أملك وأختك مكاني؟ من كرامتي اللي داست عليها أمك تحت جزمتها وهي بتقولي “إنتِ هتعملي فيها كرامة”؟ إنتوا مش بس سرقتوني، إنتوا استغفلتوني ودمرتوا كل حاجة حلوة كانت فيا!


سمعت صوت أمه بتدخل في التليفون وتصرخ وهي بتبكي:


— يا بنتي ارحمي شباب أخوكي وأخته! شيرين لو دخلت السجن مستقبلها ضاع! اكتبيلنا كمبيالات ونرجعلك كل مليم، بس اسحبي البلاغ!


قلت لها بمنتهى القسوة:


— مستقبلي أنا اللي كان هيضيع تحت إيديكم. القانون هو اللي بيننا يا طنط… وأختك وابنك مكانهم الطبيعي هو التخشيبة.


قفلت الخط في وشهم.


الدكتورة نادية رفعت الشكوى الرسمية للقطاع القانوني بالبنك، وفي خلال ساعتين كان الصادر اتحول لنيابة الأموال العامة.


رجعت الشقة. الجو كان هادي، بس جوايا كان فيه بركان بيغلي. وقفت في نصف الصالون اللي شفت فيه كل أشكال النفاق والتسلل، وبدأت ألم كل حاجة تخصهم كانت فاضلة… الصور، الهدايا الفالس، وحتى الستائر اللي أمه اختارتها بالعافية عشان تفرض ذوقها عليا.


على الساعة أربعة العصر، الباب خبط بقوة.


فتحت الكاميرا… كان المحامي بتاعي ومعه اتنين من رجال الشرطة بلبس مدني، ومعاهم أمر إحضار لحسين وشيرين للتحقيق العاجل بعد ما البنك قدم أدلة التزوير الإلكتروني.


لكن الملازم اللي كان واقف قالي جملة غيرت كل الحسابات:


— مدام هنا، إحنا نزلنا على عنوان بيت المتهمين، بس ما لقيناش حد. الجيران قالوا إنهم جمعوا شنطهم في عربية ونزلوا على طريق السفر من ساعة تقريبًا… وظاهر إنهم بيحاولوا يهربوا خارج القاهرة قبل ما يتنفذ أمر ضبطهم.


قلبي دق بسرعة. كانوا بيهربوا… بيهربوا بفلوسي وبباقي المبالغ اللي سحبوها!


لكن الضابط كمل وهو بيمسك جهازه المحمول:


— بس متقلقيش… تتبع إشارة تليفون زوجك شغال، وفي نقطة تفتيش قريبة على طريق السويس أخدت خبر باللوحات المعدنية لعربيتهم.


شغلت الضابطة أنوار النقطة الأمنية، وصوت أجهزة اللاسلكي كان بيطلع منه نبرات متقطعة وبلاغات سريعة بين ضباط الطرق. قعدت في عربية المحامي بتاعي ورا عربية الشرطة اللي كانت ماشية بإنذارها على طريق السويس الصحراوي. كان جسمي كله بيتكتك من العصبية والترقب. الطريق كان فاضي تقريبًا، والضباب الخفيف بتاع المغربية بدأ ينزل يغطي الإسفلت، بس نيون اليافطات والمحطات كان بينعكس على زجاج العربية زي شريط سينما بيعدي بسرعة.



الضابط اللي معانا في العربية كان متابع مع غرفة العمليات، وكل شوية يرجع بظهره ويقولنا:


— العربية أوبترا بيضا، نمرة (أ ج ط…)، الرادار لقطها وهي معدية بوابة الرسوم بسرعة تتجاوز المسموح، وفي عربية دورية وراهم حاليًا بتزنق عليهم قبل ما يدخلوا على مدخل مدينة الشروق.


المحامي بصلي وقال بثقة:


— متقلقيش يا هنا، القضايا اللي عليهم دلوقتي مش مجرد نزاع زوجي، دي قضايا أموال عامة وتزوير وهروب من استدعاء نيابة، يعني مفيش مجال للوساطة أو الطبطبة.


بعد حوالي عشر دقائق، شفنا الأضواء الزرقاء والأحمر المتقاطعة مالية الطريق. كان فيه كمين متحرك مقفول بعربيتين شرطة بالعرض، وفي النص كانت عربية أخت حسين متوقفة جنب الرصيف، باب السواق مفتوح، وحسين واقف بره يلوح بإيديه وبيحاول يشرح لأمين الشرطة بحركات سريعة ووشه أصفر زي الليمونة.


أول ما عربيتنا وقفت وخرجت منها، عين حسين جت في عيني. الضحكة الصفرا والتكبر اللي كان بيتعامل بيهم معايا في المطار اختفوا تمامًا، وشفت في عينيه رعب حقيقي لأول مرة. أخته شيرين كانت قاعدة جوه العربية، قافلة الزجاج وممتنعة عن الخروج، وأمهم كانت ورا بتصوت وتضرب على صدرها من الشباك النص مفتوح.


الضابط اللي معانا نزل بخطوات واثقة وقرب من رئيس الكمين:


— يا فندم، دول المتهمين الصادر بحقهم ضبط وإحضار في المحضر رقم (4201) أموال عامة.


حسين قرب مني بخطوة، بس أمين الشرطة حجز بيني وبينه، فصرخ بصوت مبحوح:


— هنا! إنتِ جننتِ؟ جايبة الشرطة ورايا في الطريق كأني مجرم أو تاجر مخدرات؟ إحنا كنا رايحين لواحد قريبنا في الشروق نجيب منه باقي الفلوس ونرجعها لك! والله العظيم ما كنا بنهرب!


رديت عليه وأنا واقفة بثبات وشايلة إيدي على صدري:


— رايحين تجيبوا الفلوس بالشنط المتروسة في شنطة العربية دي كلها؟ بالهدوم والأوراق الرسمية وذهب أختك اللي لميتوه من البيت؟ إنت فاكرني لسه العبيطة اللي كنت بتضحك عليها بكلمتين وتسبها في المطار وتروح تتفسح بفلوسها؟


أمه فتحت باب العربية بالعافية ونزلت وهي بتترعش، وجت لحد عندي وكانت هترمى على رجلي عشان تبوسها أمام الظباط والعساكر:


— يا بنتي استري على شيرين! شيرين مخطوبة وفرحها كمان شهرين، لو أتقتضت أو راحت التخشيبة جوازتها هتبوظ وعيلتنا هتتفضج! خدي كل حاجة، خدي العفش والشقة والدهب بس اسحبي البلاغ ده أرجوكي!


مسكت نفسي بالعافية وما خليتهاش تلمسني، وقلت لها بنفس الصوت النقي الصارم:


— وأنا لما كنت بطلب من ابنك يعمل لي اعتبار، ولما اتلغى حجزي في المطار وقعدتوني زي الغريبة وسط الناس، مكانش عندكم رحمة ولا حياء؟ لما أخته زورت توقيعي وسرقتوا حوشة عمري، مكنتوش خايفين على الفضيحة؟ اللي بيعمل حاجة بيتحمل نتيجتها يا طنط.


في اللحظة دي، الضابط أمر العساكر ينزلوا شيرين من العربية. أخته خرجت وهي بتصرخ وبتشتم:



— إنتِ فاكرة نفسك مين؟ فاكرة إنك هتكسرينا بالقرشين بتوعك؟ أنا هرفع عليكي قضية بلاغ كاذب وشتم وتشهير! والله ما هسيبك!


الضابط بص لشيرين بقرف وقال بصوت حاسم:


— اركبي العربية يا آنسة من غير كلام كتير، التزوير ثابت بشركة السياحة والبنك، والورق كله في النيابة. اتفضلي مع العسكري.


حسين حاول يتدخل ويمنعهم يكلبشوا أخته، فالأمين مسكه وكلبشه هو كمان من إيده التانية. المنظر كان بشع، حسين وأخته واقفين متكلبشين جنب بعض على الإسفلت، الشنط معرورة على الأرض عشان تتفتش، وأمهم بتولول وتصرخ في الشارع، والناس في العربيات المعدية بيبصوا عليهم باستغراب واستحقار.


الضابط فتش شنطة العربية، ولقى جواها مبالغ مالية كاش بالجنيه والدولار، وأظرف فيها أصل شهادات استثمار ثانية تخصني كانوا ساحبينها ومخبينها، بالإضافة لأوراق الشقة المسروقة.


المحامي بتاعي أخد صورة من محضر الضبط في المكان وقال للضابط:


— إحنا متوجهين فورًا لنيابة الأموال العامة لمتابعة التحقيق مع المتهمين.


حسين بصلي وهو بيتركب عربية الترحيلات، وعينيه كانت مليانة دموع وندم، وقالي بصوت واطي:


— ضيعتِ كل حاجة يا هنا… ضيعتِ بيتنا وحبنا.


رديت عليه وأنا بديله ضهري وبمشي ناحية عربيتي:


— إنت اللي ضيعت كل حاجة يوم ما افتكرت إن النذالة والسرقة شطارة، وإن سكوتي ضعف. بيتنا مات في المطار، والنهاردة دفنته.


وصلنا النيابة في ساعة متاخرة من الليل. التحقيقات بدأت فورًا، وشيرين وحسين اتواجهوا بالأوراق والأدلة الفنية وتفريغ كاميرات البنك وشركة السياحة. أخته تحت الضغط والترهيب بإنها هتتلبس الجريمة لوحدها، انهارت واعترفت بكل حاجة، وقالت إن حسين هو اللي كان بيديها الأوامر وبيطلب منها تنقل التوقيعات عشان يضمن إن الفلوس تخرج باسمها هي وما يظهرش هو في الصورة.


لكن وأحنا قاعدين في الممر مستنيين قرار وكيل النيابة بكسر الحبس الاحتياطي، المحامي بتاعي خرج من أوضة وكيل النيابة وشبه مصدوم، وجاء قعد جنبي وقال بنبرة قلق:


— هنا… التحقيق كشف حاجة تانية خالص مكانتش في الحسابات… حاجة أخت حسين اعترفت بيها دلوقتي عشان تنقذ نفسها وتورط حسين أكتر!


بصيتله بخوف وسألت:


— حاجة إيه؟


قال وهو بيقلب في ورقة التحقيق الأولى:


— الفلوس اللي اتسحبت من حسابك مكانتش بس عشان مشروع الشقة أو سفرية شرم الشيخ… حسين كان داخل مع شبكة للنصب العقاري وتبييض الأموال، والحساب اللي كان بيحول عليه الفلوس طلع باسم شخص مسجل خطر ومطلوب في قضايا كبرى… والنيابة دلوقتي بتعتبر حسين جزء من الشبكة دي!


 

حكايات بسمه ٣

كامله


سكت الصمت في ممر النيابة لمُدة ثواني، كأن الهواء اتقطع عن المكان. المحامي كان ماسك الورق وإيده بتتحرك على السطور بسرعة، وأنا عيني معلقة على باب أوضة التحقيق المقفول. الصوت العالي اللي كان طالع من جوة بين وكيل النيابة وحسين كان كفيل يوضح حجم المصيبة اللي حسين ورّط نفسه فيها.


المحامي قرب مني أكتر وقال بصوت خفيض:


— حسين في المأزق الأكبر في حياته. أخته شيرين لما حسّت إن التخشيبة أصبحت واقع، سحبت كل دفاعاتها السابقة وشالت إيدها بالكامل. اعترفت إن حسين هو اللي جابلها أرقام الحسابات، وهو اللي أخد المبلغ الكاش الكبير وسلمه لإيد شخص يدعى “أبو العز”، وهو الراأس الكبير في شركة وهمية لتسويق العقارات والتطوير العائلي اتضح إنها ستارة لغسيل أموال وإيصالات أمانة مزورة.


قلتله بنبرة مرعوبة بس متماسكة:


— والفلوس؟ فلوسي أنا وشهاداتي اللي اتكسرت؟


— الفلوس اتوزعت على شقين، — رد المحامي وهو بيشاور على الأوراق — جزء منها راح للحساب الوهمي عشان حسين ياخد نسبة “أرباح شهريًا” زي ما أوهموه، والجزء التاني حسين كان شايله باسم أخته كضمان عشان لو أمورك أنتِ انكشفت، يبقى المبلغ بعيد عن إيديكي وبعيد عن أي حجز تحفظي. لكن التحفظ حاليًا ينزل على كل الأصول والحسابات الخاصة بيهم هم الاثنين.


على الساعة واحدة بعد منتصف الليل، اتفتح باب أوضة التحقيق.


خرج حسين بين اتنين من أمناء الشرطة، إيديه الاتنين متكلبشين للقدام، وشه كان شاحب ومجهد، شعره منكوش وعينيه أحمر من الكتمة والبكاء. أخته شيرين خرجت وراه، كانت منهارة تمامًا ومسندة على حيطة الممر، وأمهم كابسة على وشها بالطرحة وبتصرخ بصوت مكتوم.


أول ما حسين شافني واقفة جنب المحامي، حاول يقرب خطوتين قبل ما العسكري يوقفه بقوة:


— هنا! اسمعيني للآخر والله العظيم أنا اتنصب عليا! الراجل ده أوهمنا إن الفلوس هتتدبل في ست شهور! أنا كنت عامل كل ده عشان أعمل قيمة لنفسي وأمن مستقبلي ومستقبلنا! شيرين وأمي ملهمش دعوة، أنا اللي اتضحك عليا!


بصيتله بعين ملهاش أي رحمة، وقلت:


— كنت عايز تعمل قيمة لنفسك بفلوسي؟ بمال يتسرق وتزوير يتم في ضهري؟ أنت مكانش فارق معاك مستقبلي لما سبتني في المطار وركبت أهلك بفلوس حجزي، ولا كان فارق معاك مستقبلي لما شفّيت توقيعي وكسرت شهاداتي! أنت اللي اخترت الطريق ده يا حسين، والطمع هو اللي جابك لحد هنا.


شيرين صرخت من وراه بانهيار:


— حسبي الله ونعم الوكيل فيكي! دمرتي بيتنا وحبستينا عشان شوية فلوس!


المحامي بتاعي اتدخل بصوت صارم هز الممر:


— الفلوس دي شقا عمرها اللي أنتم سرقتوه بالتزوير والنصب! ولو مش خايفين على شرفكم وتاريخكم، خافوا من العقوبة اللي مستنياكم، لأن وكيل النيابة أصدر قرار حاليًا.


وكيل النيابة خرج من الأوضة، وبص للكاتب وقال بصوت نفي فيه أي مجال للنقاش:


— يُحبس المتهم حسين، والمتهمة شيرين، أربعة أيام على ذمة التحقيق، مع مراعاة تجديد الحبس في الميعاد، وإرسال حرز الهواتف والمستندات للطب الشرعي وفحص التوقيعات، وتكليف المباحث بضبط وإحضار المدعو “أبو العز” والتحفظ على كافة أصول الشركة المشبوهة.



الكلمات نزلت على أمهم زي الصاعقة. صرخت وسقطت على الأرض مغمى عليها، والعساكر بدأوا يسحبوا حسين وشيرين ناحية حجز النيابة تحت صراخهم وتوسلاتهم اللي كانت بتتردد في الممر الفاضي.


حسين وهو بيتسحب، بصلي بكسرة ونظرة ترجي أخير:


— سامحيني يا هنا… سامحيني!


ما رديتش. قفلت شنطتي، وبصيت للمحامي وقلت:


— يلّا بينا يا أستاذ. أنا عايزة أروح.


طلعت من مبنى النيابة، وكانت ريحة هواء الفجر نادرة وباردة. حسيت بتقل كبير انشال من على صدري، لكن في نفس الوقت حسيت بحجم الخديعة اللي عشتها. الشخص اللي ائتقنته على حياتي وشاركت معاه سقف واحد كان مستعد يبيعني ويبيع أمانتي عشان يرضي طمعه وطمع أهله.


تاني يوم الصبح، النيابة تحفظت رسمياً على عربية أخته والمبالغ الكاش اللي كانت معاهم في الكمين كجزء من رد المستحقات. والمحامي بدأ إجراءات دعوى الطلاق للضرر مرفقاً بيها أحكام الحبس والتحقيقات الرسمية، بالإضافة لإقامة دعوى استرداد كافة المبالغ المالية المسروقة.


بعد يومين، جالي اتصال من المحامي بلغني فيه إن المباحث وضعت إيدها على مقر شركة “أبو العز”، ولقوا إن حسين مكانش الضحية الوحيدة، لكنه كان العقل اللي تورط معاهم بكامل إرادته وقدم تسهيلات وتوقيعات مزورة باسمي عشان يدخل شريك أساسي.


وقفت في بلكونة شقتي، الشقة اللي حاول حسين يسرق استقراري فيها. بصلت للشارع الهادي وابتسمت ابتسامة خفيفة، ابتسامة حد خسر تجربة بس كسب نفسه وكرامته وحريته للأبد.


السادس قبل الأخير.


مرّت أيام الحبس الاحتياطي على حسين وأخته زي الكابوس، لكن بالنسبة لي كانت أيام إعادة ترتيب لحياتي ونفسيتي. الشقة رجعت هادية، مفيش تدخلات، مفيش نظرات استعلاء من حماتي، ومفيش طمع شيرين اللي كان مالك البيت.


في صباح يوم تجديد الحبس، كنت قاعدة في الاستراحة قدام محكمة التجديد جنب المحامي بتاعي. الممر كان زحمة، أهالي المحبوسين واقفين على الأعصاب، وفي آخر الممر كانت قاعدة أم حسين. شكلها كان كبر عشر سنين في كام يوم؛ هدومها متبهدلة، وشها شاحب، وعينيها منتفخة من الكثرة والبكاء. أول ما شافتني، قامت وجت ناحيتي بخطوات مكسورة، عكس المرأة القوية اللي كانت بتدخل شقتي وتؤمر وتنهى.


قعدت على الكرسي اللي جنبي، وبصتلي بنظرة رجاء ومذلة:


— هنا… يا بنتي… أنا عارفة إننا ظلمناكي، وعارفة إن ابني هانك وأخته طمعت فيكي. بس وحياة أغلى حاجة عندك، بلاش تضيعي مستقبلهم. شيرين خطيبها سابها لما عرف باللي حصل، وحسين عمله اترفض في الشركة لما النيابة بعتت استعلام. بيتنا اتخرب يا هنا!


رديت عليها بمنتهى الهدوء وأنا باصة قدامي:


— يا طنط، بيتكوا ماتخربش بسببي.. بيتكوا اتخرب لما ربيتيهم إن حق غيرهم عادي يتاخد، وإن كرامة بنت الناس لعبة. أنا مفيش بيني وبينكم غير القانون.


في اللحظة دي، دخل حرس المحكمة وجايبين المساجين. خرج حسين وشيرين متكلبشين في سلسلة واحدة مع مساجين تانيين. حسين كان خسّ جدًا، دقنه طويلة، وعينيه دبلانة. شيرين كانت مغطية وشها بطرحة وبتبكي بصوت مكتوم.



أول ما القاضي نادى على أسمائهم، المحامي بتاعي دخل وقدم المستندات الجديدة:


— يا سيادة القاضي، بنقدم إفادة رسمية من البنك تؤكد إن التحويلات المزورة تمت باستغلال بيانات المجني عليها، وبنطالب برفض طلب الإفراج بكفالة، لأن المتهمين حاولوا الهروب فعليًا وتم ضبطهم في كمين أمني وبحوزتهم مبالغ مالية وأوراق مزورة.


محامي حسين حاول يستعطف القاضي وقال إن حسين كان ضحية لشركة النصب، وإن شيرين مجرد شريكة حسنة النية. لكن القاضي بص للملف، وبعد الاطلاع على تقرير أبحاث التزييف والتزوير اللي أثبت إن التوقيعات على طلبات كسر الشهادات وتذاكر السفر تم الشف والتزوير فيها عن طريق شيرين وبمعرفة حسين، رفع الجلسة للقرار.


بعد ساعة من الترقب، خرج السكرتير وقرأ القرار:


“قررت المحكمة استمرار حبس المتهمين حسين وشيرين استئنافيًا لمدة fifteen يومًا على ذمة التحقيق، مع إحالة القضية إلى محكمة الجنايات بتهمة التزوير في محررات رسمية والعرفية والاستيلاء على أموال الغير.”


الصرخة اللي طلعت من أمهم هزت قاعة المحكمة. حسين وقع على الركبتين، وبصلي وصوته مقطوع:


— هنا… أرجوكي… التنازل! خدي الشقة، خدي كل حاجة، بس اسحبي قضية التزوير!


بصيتله للمرة الأخيرة قبل ما العسكري يسحبه، وقلت له:


— الشقة دي بتاعتي من أصلها يا حسين، والفلوس القانون سيردها لي بالقوة. أنت مش بتديني حاجة من جيبك، أنت بتدفع تمن اللي عملته.


بعد أسبوعين من القرار ده، وفي إحدى جلسات التحقيق الاستكمالية في محكمة الأسرة، صدر أول حكم لصالحي: الطلاق للضرر مع الاحتفاظ بكافة حقوقي الشرعية، وبطلان أي إيصالات أو أوراق وقعت باسمي خلال فترة الزواج.


لكن المفاجأة اللي مكانتش على البال حصلت لما المحامي كلمني بعد الجلسة بيومين وقال لي:


— هنا، المحامي بتاع حسين طالبتني بلقاء عاجل في المكتب… حسين عايز يعترف بحاجة جديدة خالص تخص “أبو العز” وشبكة غسيل الأموال، شرط إنك تحضري بنفسك ومقابل ده هيسلم أصول الفلوس اللي كانت متهربة خارج مصر قبل ما القضاء يتحفظ عليها!


حسين كان مخبي جزء كبير من المبالغ المسروقة في حساب تحويل خارجي باسم شخص تالت، وكان الملاذ الأخير لاسترداد كامل شقا عمري من غير ما أنتظر سنوات في المحاكم.


السادس والأخير.


دخلت غرفة الزيارة في السجن المركزي، والبرودة اللي في المكان كانت بتمس العظام. الجدران رمادية، والضوء خافت جاي من شباك صغير عليه قضبان حديد تقيلة. قعدت على الكرسي الخشب الصغير، وبيننا طاولة يفصلها سلك شبكي معتم.


بعد دقائق، اتفتح الباب الحديدي ودخل حسين.


شكل الشخص اللي كان واقف قدامي مكانش يمت بصلة للشاب المترتب الأنيق اللي اتجوزته من كام شهر. كان يرتدي ملابس السجن البيضاء الدبلانة، وجهه شاحب، وتحت عينيه سواد كأنه منامش من أسابيع. أيديه كانت بترعش وهو يقعد على الكرسي الناحية الثانية.



بصلي من ورا السلك بصوت واطي ومكسور:


— شكراً إنك وافقتِ تيجي يا هنا.


قلتله بنبرة جافة وخالية من أي مشاعر:


— أنا هنا عشان مستحقاتي يا حسين، مش عشان أسمع مبررات. المحامي قال إن عندك اعتراف وأصول التحويل الخارجي.


حسين حط رأسه بين إيديه، وسمعت صوت شهقاته وهو بيبكي بكاء مرير، بكاء الخيبة والندم بعد ما الفأس وقعت في الرأس.


— أنا ضيعت نفسي وضيعت أختي.. شيرين محبوسة في عنبر النساء وكل يوم بتنهار، وأمي برا جرى لها جلطة ومحدش من قرايبنا راضي يبص في وشنا.. أنا عرفت قيمتك متأخر أوام يا هنا.. عرفت إنك الوحيدة اللي كنتِ صايstepاني وبتحبيني بجد، وأنا بعتك عشان طمعي وكلام أهلي.


رديت عليه بصرامة:


— كلامك ده ملوش أي قيمة دلوقتي. أنت مابعتنيش، أنت بعت نفسك وأمانتك. وأهلك اللي فضلتهم عليا هما اللي زقوك للهاوية دي.. اتفضل كمل الأوراق اللي المحامي جهزها.


حسين طلع من جيبه ورقة صغيرة متطبقة، سلمها للعسكري اللي واقف حارس عشان يمررها للمحامي بتاعي.


— الورقة دي فيها أرقام الحساب اللي في الإمارات باسم صاحب شركة الاستيراد، وفيها توقيع مني وتفويض رسمي بالاسترداد لصالح حسابك المباشر. فيه مبلغ 200 ألف درهم.. دول يغطوا النص مليون جنيه بتوع الشهادات بالزيادة، بالإضافة لفرق السفرية والتعويض.


المحامي أخد الورقة، فحص البيانات بتركيز، وبصلي وهز رأسه بالإيجاب:


— التفويض صحيح وموثق من المستشار القانوني للشركة، ومرفق معاه توقيع حسين الرسمي. كده الفلوس بالكامل تحت سيطرتنا وهتوصل حسابك في خلال أسبوع.


حسين بصلي بنظرة ترجي أخيرة، والدموع نازلة على خدوده:


— أنا كده سلمتك كل حاجة.. تنازلي عن المحضر يا هنا؟ خليهم يفرجوا عن شيرين على الأقل، هي مالهاش ذنب، أنا اللي أمنتها واستغليتها.


وقفت، وعدلت شنطتي على كتفي، وبصيتله للمرة الأخيرة في حياتي من ورا السلك الحديدي:


— شيرين زورت توقيعي باحترافية، وضحكت في وشي وهي عارفة إنه حجزي اتلغى، وحاولت تسرق شقا عمري. أختك مش بريئة يا حسين، وأنت مش مجني عليه. القانون هو اللي هيحكم بينكم في جلسة الجنايات الشهر الجاي، وأنا مش هتدخل ولا بالخير ولا بالشر.. سيبتكم لعدالة ربنا والقضاء.


حسين صرخ باسمي وهو بينهار على الطاولة والعسكري بيسحبه لجوه:


— هنا! أرجوكي يا هنا! ما تسيبنيش كده!


ما التفتش ورايا. مشيت في الممر الطويل، وكل خطوة كنت ببعد فيها عن السجن، كنت بحس إن أغلقت باب كابوس مظلم عاش معايا شهور.


بعد أسبوعين بالضبط، وصل إشعار البنك على موبايلي:


**”تم تحويل المبلغ إلى حسابكم بنجاح. الرصيد الحالي: [المبلغ بالكامل + التعويض].”**


وفي نفس اليوم، استلمت وثيقة طلاقي الرسمية النهائيات من محكمة الأسرة، خالية من أي التزامات، وبحكم طلاق نهائي للضرر.


أما قضية الجنايات، فصُدر فيها الحكم بعد شهرين:


**الحبس ثلاث سنوات مع الشغل لحسين بتهمة التزوير والاستيلاء على أموال الغير، والحبس سنة مع الشغل لشيرين بتهمة التزوير والمشاركة في محرر عرفي.**



رجعت شقتي.. الشقة اللي بقت ملكي خالص نضفتها من كل أثر كان يربطني بيهم. غيرت الديكور، فتحت النوافذ للشرق وللهواء النقي، وقعدت في البلكونة وأنا بشرب كوباية القهوة بتاعتي في هدوء وراحة بال مكانتش حسيت بيهم من يوم ما اتجوزت.


الدرس كان قاسي، والتمن كان غالي.. بس الخروج من تجربة خيانة وطمع وأنت مرفوع الرأس، واسترداد كل حقك بالقانون والكرامة، كان أكبر انتصار حقيقي.


**(تمت القصّة)**


 





أنت الان في اول موضوع

تعليقات

التنقل السريع
    close