حكاية عز وغزل كاملة
بقلم انجي الخطيب
حكاية عز وغزل كاملة
بقلم انجي الخطيب
“بعد يدك عني يا سي عز… عيب إكده! كيف يبقى سيادة الظابط، وابن عمدتنا، ويتحر*ش بخدامته؟”
ابتسم عز وهو زا*نقها بين ايدية والحيطة ، وقال بصوت واطي:
“خدامة إيه بس يا بت؟ انتي من يوم ما جيتي السرايا ، وانتي واخدة جلبي وعجلي. لا عارف أنام، ولا عارف أركز.”
غزل زقته في صدره وهي بتبص حواليها بخوف:
“والله لو ما بعدت عني هصرخ، وألم عليك كل اللي في السرايا.”
ضحك وقال:
“وهتجولي لهم إيه؟ إن سي عز حب يخطف له بوسة من البت اللي مجنناه ؟”
غمزتله وقالت بخبث:
“حاسب يا سي عز… الحجة فهيمة جاية علينا أهي.”
في لحظة، عز بعد عنها بسرعة، وعدل هدومه.
“يا واد يا عز… واقف إكده ليه؟”
لف بسرعة وقال:
“ولا حاجة يا ستي… كنت بجول لغزل تجيب لي كباية مية.”
#انجي_الخطيب
بصت لغزل وقالت:
“يلا يا بت، اجري عالمطبخ، هاتي لسيدك المية… ولا عايزاه يتأخر عالمدرسة؟”
عز مسك راسه وهو بيضحك:
“مدرسة إيه يا ستي؟! أنا اتخرجت، وبجيت ظابط… واتعينت معاون مباحث المديرية.”
ضحكت الحجة فهيمة وهي تهز راسها:
“آه والله… حلوة بدلة الظابط اللي أبوك جابهالك دي . روح اخلعها بقى، وخبيها للعيد عشان تلبسها .”
“عيد إيه يا ستي؟ بجولك بجيت ظابط بجد.”
لوحت بإيدها وقالت:
“يا واد، بطل كدبك ده. لو كنت بتذاكر جد ما لسانك بيشتغل، كان زمانك نجحت، بدل الملحق اللي كنت بتجيبه كل سنة.”
ضحك عز وقال:
“واضح إن الذاكرة وجفت عندك من أيام ما كنتِ في ابتدائي. تعالي يا ستي، أوصلك أوضتك.”
وهو ماسك إيديها، سألها:
الا جوليلي يا ستي إيه اللي طلعك من أوضتك؟ رايحة فين؟”
ردت وهي سرحانة:
“روحت أشوف جدك يا واد… اتأخر ليه؟ جلبي متلوع عليه.”
وقف عز مكانه، وبص لها باستغراب.
“جدي؟!”
سكت لحظة، وقال بحنية:
“يا ستي… جدي توفى من عشر سنين. ربنا يرحمه.”
بصتله وعينيها دمعت فجأة.
“غفران مات؟! ومحدش جالي؟! يا غفران يا حبيبي… سبتني لوحدي ليه؟ هربي عيالك كيف من غيرك؟”
شد على إيديها وقال:
“تربي مين يا ستي؟ أنا حفيدك… وبجيت ظابط. وأبويا، اللي هو ابنك عمدة البلد.”
هزت راسها وهي بتبكي:
“تصدج يا واد… انت لسه ناقص رباية. بدل ما تعزيني في راجلي.”
بلع عز ريقه، وحاول يخفي ابتسامتة .
“خلاص يا ستي… ادخلي ارتاحي.”
ولما وصلها السرير، لف يخرج.
نادته بصوت مكسور:
“رايح فين يا واد؟”
#انجي_الخطيب
رد وهو ماشي مع كلامها:
“هروح أجهز الدفن… وأنصب صوان العزا، عشان الناس اللي جاية.”
رفعت وشها للسما وهي بتبكي:
“آه يا غفران… روحت بدري وسيبتني لوحدي.”
خرج عز من الأوضة، ولسه قافل الباب وراه، لقى أمه واقفة قدامه.
ابتسمت وقالت:
“حبيب أمك… كنت بتعمل إيه عند ستك يا عز؟”
“ولا حاجة يا أمي… كنت بدخلها أوضتها.”
بصتله باستغراب:
“ورايح فين مستعجل إكده؟”
ابتسم وقال:
“رايح أبلغ أبوي إن جدي مات… وإننا هنعمل العزا النهارده.”
ضربت كف على كف وقالت:
“جرى إيه يا حضرة الظابط؟! إياك مخك خف؟ جدك متوفي من عشر سنين.”
قرب منها، وطبع بوسة على راسها، وقال بهدوء:
“عارف يا ست الكل… بس ستي فهيمة عاشت خبر وفاته من جديد النهارده… وأنا مقدرتش أكسر خاطرها. هعمل اللي هي فاكراه… يمكن قلبها يهدى شوية.”
تنهدت أمه، ومسحت دمعة نزلت من عينها.
“ربنا يشفيها يا ولدي… دي بركة السرايا وسندها.”
هز عز راسه، وبص ناحية أوضة جدته بنظرة كلها حزن.
“عارف يا أمي… واللي واجعني، إن كل يوم بتفقد أغلى الناس عندها… وكأن المصيبة بتحصل لأول مرة.”
وقبل ما عز يتحرك، أمه نادت بصوت عالي:
“يا غزل… يا بت غزل!”
طلعت غزل من آخر الطرقة وهي ماسكة فوطة المطبخ.
“أمرك يا ست هانم.”
قالت الأم:
“اطلعي روقي أوضة سيدك عز، شكلها مقلوبة من ساعة ما رجع من السفر. وغيري الملاية وافتحي الشباك يدخل هوا.”
“حاضر يا ست هانم.”
لمحت غزل عز واقف بيبصلها، فنزلت عينيها بسرعة وطلعت السلم وهي بتحاول تخبي ارتباكها.
أما عز… فابتسامة صغيرة رسمت نفسها على وشه.
همس لنفسه:
“أهو ربنا بعتلي فرصة تانية.”
كانت غزل بتشد الملاية وتنفضها، وخصلات شعرها هربت من تحت الطرحة، وهي مركزة في شغلها.
وفجأة…
سمعت صوت الباب بيتقفل بالمفتاح.
التفتت بسرعة.
“سي… سي عز!”
كان واقف وساند على الباب، مكتف إيده، وعينه معلقة بيها من غير ما ينطق.
اتوترت وقالت:
“حضرتك…ممكن تفتح الباب لو سمحت. لو حد شافنا لوحدنا…”
#انجي_الخطيب
قاطعها بابتسامة هادية.
“هو أنا كل ما أشوفك لازم الناس تكون بينا؟”
“إبعد عني يا سي عز… مينفعش.”
قرب منها خطوة.
“ليه مينفعش؟”
رجعت هي خطوة لورا.
“عشان حضرتك ابن العمدة… وظابط كبير.”
“وإنتِي؟”
“وأنا… مجرد خدامة.”
هز راسه وهو بيبصلها بعتاب.
“كل مرة تقولي الكلمة دي… كأنك بتغرزي س\كينة في صدري.”
قالت بحزم وهي بتحاول تثبت صوتها:
“دي الحقيقة.”
“لا… دي الحقيقة اللي الناس حافظاها. لكن الحقيقة اللي أنا شايفها… إن غزل أغلى من أي بنت دخلت السرايا دي وبعدين انا عارف انك في كلية اثار يعني متعلمة ”
عرفت منين يا سي عز انا محدش يعرف واصل اني بستغل وبدرس.
مش انا طابط يا بت طابط انا ولا مش ظابط قال عرفت منين قال؟!
اتلخبطت، وحاولت تبعد بعينيها عنه.
“بلاش الكلام ده.”
“ليه؟”
“لأنه هيضيعنا إحنا الاتنين.”
قرب أكتر، لحد ما بقى بينهم خطوة واحدة.
“ولو قلتلك إني مستعد أخسر الدنيا كلها… وأكسبك؟”
رفعت عينيها لأول مرة، وكان فيهم خوف أكتر من أي حاجة.
“بس أنا مش مستعدة أخسرك.”
سكت عز.
الكلمة وقفت قلبه.
همست وهي صوتها بيرتعش:
“لو حد عرف… هيقولوا الخدامة لفّت على ابن العمدة. وهتبقى سيرتي على كل لسان… وأنا مليش غير سمعتي.”
بص لها بصة طويلة…
ولأول مرة، حس إن خوفها أكبر بكتير من حبها.
مد إيده كأنه هيلمِس خدها… لكنه وقف قبل ما يلمسها بسنتيمتر
“أنا عمري ما هسمح لحد يأذيكي.”
ابتسمت ابتسامة كلها وجع.
“مش كل الأذى بيتشاف يا سي عز.”
وقبل ما يرد…
اتسمع صوت خطوات طالعة السلم… وصوت حد بيقرب من الأوضة.
شهقت غزل وهمست بخوف:
“يا نهار أبيض… حد جاي!”
وفي نفس اللحظة…
اتحرك مقبض الباب من برّه
……….
اتجمد عز مكانه، وغزل وشها اصفر من الخضة، ولسه هيبعد عنها، الباب اتفتح من بره.
دخل شاب طويل، لابس جلابية صعيدي نضيفة، وعلى وشه ابتسامة واسعة.
“يا ولد خالي… أهو لجيتك!”
لف عز بسرعة وقال:
“سالم! جيت إمتى يا واد؟”
فتح سالم دراعاته وضمه وهو بيضحك.
“واصل من نص ساعة. جولت أطلع أطمن عليك قبل ما أنزل أسلم على خالي العمدة.”
غزل استغلت انشغالهم، وحاولت تعدي من جنبهم.
لكن سالم وقفها.
“استني يا بت.”
اتخشبت مكانها.
“أيوه يا سيدي.”
بصلها من فوق لتحت وقال وهو بيبتسم:
“دي البت الجديدة اللي البلد كلها بتتحدت عنها؟”
رد عز بسرعة ونبرة صوته اتغيرت.
“مالك بيها؟”
ضحك سالم وهو رافع إيده.
“خير يا خوي… هو أنا بصيت لخطيبتك اياك دي خدامة هتفرج معاك في اية ؟”
رد عز بحدة وهو بيبص في عينيه:
“في ناس مينفعش حد يبصلهم.”
غزل حست إن الكلام هيولع بينهم، فقالت بسرعة:
“عن إذنكم.”
ولسه هتمشي، سالم قال وهو بيبصلها:
“اسمك إيه يا بت؟”
ردت وقالت “غزل.”
“اسم على مسمى والله.”
قبل ما ترد، عز قال بنبرة جامدة:
“غزل… انزلي شوفي شغلك.”
بصت له لحظة، وفهمت إنه بيحاول يبعدها، فنزلت جري وهي حاسة إن قلبها هيفضحها.
أول ما خرجت، سالم قعد على طرف السرير وهو بيضحك.
“إيه الحكاية يا عز؟ أول مرة أشوفك بتغير بالشكل ده.”
“مفيش حكاية.”
“إياك تكدب عليا. احنا متربين سوا، وبعرف عينك زين. الواد لما يحب، عينه بتفضحه.”
سكت عز.
ابتسم سالم بمكر.
“يبجى صدجت.”
رد عز بصوت واطي:
“بحبها.”
رفع سالم حاجبه بدهشة.
“بت مين؟ “غزل.”دي
اختفت الضحكة من وش سالم.
“الخدامة صوح؟”
هز عز راسه.
قام سالم وقف قدامه.
“إوعى تكون فاكر إن الموضوع ساهل. دي دار العمدة، وأبوك اسمه يهز البلد كلها.”
“عارف.”
“ولو خالك منصور عرف، أول واحد هيجولك انسَاها.”
“برضه عارف.”
“وأبوك؟”
ابتسم عز ابتسامة كلها مرارة.
“أبويا عمره ما هيوافق.”
سالم تنهد وقال:
“يبجى من دلوجتي اجطع الحكاية دي قبل ما تكبر.”
وقبل ما عز يرد…
اتفتح الباب مرة تانية من غير استئذان.
دخل راجل في أواخر الخمسينات، هيبته مالية المكان، وعصايته بتخبط في الأرض خبطة تهز القلوب.
كان هو العمدة رجب.
بص لعز، وبعدين لسالم.
“كويس إنكم الاتنين موجودين.”
وقفوا الاتنين في لحظة.
قال العمدة بصوت ملهوش رد:
“بعد المغرب هيتجمع كبار البلد كلهم في المندرة… عشان أعلن خبر مهم يخص عز.”
سالم ابتسم وقال:
“خير يا خالي.”
لكن العمدة كانت عينه ثابتة على ابنه.
“خير إن شاء الله… الليلة هعلن ميعاد خطوبة عز على بنت مأمور البلد متعلمة في بلاد برا وابوها محلتوش غيرها وكل املاكة باسمها.
اتجمد عز، وكأن الأرض انسحبت من تحت رجليه.
وفي نفس اللحظة…
كانت غزل واقفة بره الأوضة، ماسكة صينية الشاي، وسمعت كل كلمة…
فوقعت الصينية من إيديها، ودوى صوت تكسير الكبايات في السرايا كلها.
حكاية عز وغزل ج2
بقلم انجي الخطيب
رن صوت تكسير الكبايات في السرايا كلها، فلف العمدة رجب راسه ناحية الباب وهو مكشر.
“مين اللي بره؟”
اتجمدت غزل مكانها، وعينيها مليانة دموع، ومقدرتش تنطق.
فتح سالم الباب، وبص لها وقال: “البت غزل يا خالي… الصينية وقعت من يدها.”
زجرها العمدة بنظرة حادة.
“هو الشغل بقى بالهوجة دي؟”
نزلت غزل راسها وقالت بصوت مخنوق: “حقك عليّ يا ساعدة البيه… غصب عني.”
قبل ما العمدة يرد، عز اتحرك خطوة لقدام.
“أنا اللي خضيتها يا بوي… كنت فاتح الباب مرة واحدة.”
بصله العمدة باستغراب.
“من إمتى وإنت بتدافع عن الخدم يا حضرة الظابط؟”
اتشد فك عز، لكنه حاول يسيطر على نفسه.
“الغلط يتشال على اللي عمله.”
العمدة سابه من غير رد، وبص لغزل.
“لمي الازاز، وبعدها روحي شوفي شغلك.”
“حاضر يا بيه.”
ركعت غزل على الأرض تجمع إزاز الكبايات، لكن إيديها كانت بترتعش.
وفجأة…
“آه!”
شهقت وهي سحبت إيديها، والدم بدأ ينزل من صباعها.
عز نزل بسرعة على ركبته قدامها، ومسك إيديها.
“وريني.”
حاولت تسحب إيديها.
“سيبني يا سي عز… الناس باصة.”
لكنه مكنش سامع غير صوت أنفاسها.
طلع منديله وكتم بيه الجرح.
“الدم بينزل كتير.”
العمدة كان واقف بيتفرج، وعينه ضاقت.
أما سالم… فبدأ يحس إن اللي بينهم أكبر من مجرد شفقة.
في اللحظة دي، دخلت بنت لابسة عباية سماوي، ملامحها هادية، لكن فيها كبرياء واضح.
أول ما شافت عز ماسك إيد غزل، وقفت مكانها.
“السلام عليكم.”
رفع عز راسه بسرعة.
“وعليكم السلام.”
ابتسم العمدة لأول مرة.
“تعالي يا ندى… كنت لسة هسال عليكي واقول بنتي حبيبتي مشوفتهاش النهاردة لية كنها مش عايزة تشوف ابوها حبيبها اياك
………
وقف الغفير وهو بينهج، لكن العمدة رفع إيده وقال بحزم:
“خلاص… روح أنت، وأنا نازل حالًا.”
خرج الغفير، وبص العمدة ناحية البنت اللي كانت واقفة ساكتة، ملامحها متغيرة، وعينيها لسه معلقة على إيد عز اللي كان من ثواني ماسك إيد غزل.
ابتسم العمدة ابتسامة أبوية وقال:
“تعالي يا ندى… إنتِ مش غريبة عن الدار. دي دارك زي ما هي دار سالم.”
بصتله ندى وابتسمت بالعافية.
“تسلم يا عمي.”
ربت العمدة على كتفها.
“أنا كنت ناوي أقولك الخبر قبل أي حد… باعتبار عز أخوكي، وإنتِ وسالم متربين معاه من يوم ما كنتوا عيال.”
عز حس إن في حاجة جاية، فبص لأبوه باستغراب.
أما ندى… قلبها بدأ يدق بعنف.
قال العمدة بفخر:
“الليلة، قدام كبار البلد كلهم، هعلن خطوبة عز.”
لحظة…
الكلمة نزلت على ندى كأنها طلقة.
لكنها تماسكت وسألت بصوت مهزوز:
“على… مين يا عمي؟”
رد العمدة وهو بيعدل عبابتة :
“على الآنسة ياسمين… بنت المأمور فاروق بيه.”
سالم ابتسم وقال:
“بنت المأمور اللي كانت بتدرس بره مصر؟”
“أيوه.”
كمل العمدة وهو واضح عليه الرضا:
“البت متعلمة، ورجعت من لندن من كام شهر. وأبوها كاتب كل أملاكه باسمها، وما عندوش غيرها. جوازة ترفع راس أي حد.”
فضلت ندى واقفة، لكن الدنيا بدأت تلف بيها.
الكلام بقى بعيد…
وصوت العمدة بقى ييجي ويروح.
“إيه يا بنتي؟ مال وشك اصفر إكده؟”
ابتسمت غصب عنها.
“مفيش… يمكن تعبانة شوية.”
لكن جواها…
كان في ألف صوت بيصرخ جواها .
يعني خلاص… عز هيبقى لغيري؟
من سنين وهي بتحبه.
من يوم ما كان بيركب الحصان ويجري في الغيطان، وهي واقفة من الشباك تتفرج عليه.
كانت كل ما ينجح، تفرح.
وكل ما يغيب، تستناه. عمرها ما قالت لحد.
ولا حتى لأخوها سالم.
كانت فاكرة إن اليوم اللي هيطلبها فيه هييجي…
لكن جه لواحدة تانية.
ورغم الوجع…
اللي كسرها أكتر، إنها شافته من شوية ماسك إيد غزل، وعينيه كلها خوف عليها.
رفعت عينيها ناحية عز.
كان واقف، لكن ولا مرة بص لها.
كل نظره كانت بتدور على غزل…
اللي كانت واقفة آخر الطرقة، بتحاول تخبي الجرح اللي في إيديها.
ندى عضت على شفايفها.
وقالت فجأة وهي بتحاول تبان هادية:
“واضح إن حضرة الظابط بقى حنين على الخدم أوي.”
رفع عز عينه وبصلها.
“تقصدي إيه؟”
ابتسمت بسخرية.
“ولا حاجة… أصل أول مرة أشوف ابن عمدة ينزل على ركبته عشان يربط صباع خدامة.”
غزل نزلت راسها في الأرض، واتمنت لو الأرض تنشق وتبلعها.
أما عز… فاتغيرت ملامحه. وقال بصوت ثابت:
“أنا ربطت جرح إنسانة… مش جرح خدامة.”
ندى ضحكت ضحكة قصيرة، كلها قهر.
“واضح إن الإنسانية دي ليها مكانة كبيرة عندك.”
رد عز من غير ما يرمش: “أكبر مما تتخيلي.”
أول ما خرجت الكلمة…
عرف إنه قال أكتر مما كان ينوي.
غزل رفعت عينيها عليه بصدمة.
وسالم بقى ينقل نظره بينهم، وكأن أول خيط في السر بدأ ينكشف.
أما ندى…
فحست إن قلبها اتكسر قدامها.
لكنها بلعت وجعها وقالت وهي بتبص لغزل:
“خلي بالك من جرحك يا غزل… ساعات الجروح الصغيرة هي اللي بتسيب أكبر أثر.”
ردت غزل بصوت واطي:
“الحمد لله… كلها كام يوم وتخف.”
بصتلها ندى نظرة غامضة وقالت:
“مش كل الجروح بتخف يا غزل… في جروح بتفضل العمر كله.”
ولأول مرة…
اتفقت نظرات البنتين.
واحدة بتحارب حب مستحيل.
والتانية بتحاول تهرب من حب عارفة إنه لو اتكشف… هيحرقها هي وأصحابه كلهم.
………
رفعت ندي عينيها ناحية عز تاني ، وقالت بابتسامة باهتة، لكن كلامها كان كله شوك:
“طيب امتي بقي يا عز هتسيب السرطة وتتعين في مستشفي البلد دكتور .”
بصلها عز باستغراب.
“يعني؟”
قالت وهي بتبص لغزل اللي كانت واقفة آخر الطرقة:
“اصل أول مرة أشوفك تعالج جرح حد من امتي بقيت تعرف تمرض مجروح ومش اي مجروح دي الخدامة هما الخدامين بقي ليهم قيمة عاد”
اتوترت غزل، ونزلت راسها.
أما عز، فرد بهدوء:
“الخوف على الناس مش عيب والخدامين بني ادمين زيما زيهم ومش معني انهم بيعملوا لينا خدمه نقلل منهم ومن قيمتهم .”
ضحكت ندى ضحكة خفيفة.
“الناس؟… ولا غزل بالذات؟”
سالم حس إن الجو بدأ يسخن.
راح نده علي اختة بصوت في شدة وقال “ندى…”
لكنها كملت وهي باصة لعز:
“أنا مستغربة بس… جرح صغير في صباعها خلاك تنسى اللي حواليك.”
رد عز وهو ثابت في مكانه:
“لأنها كانت بتنـزف.”
قالت ندى بمرارة:
“واضح إن دمها غالي عندك.”
لأول مرة…
ملامح عز اتغيرت.
وقال بصوت حاسم:
“كل إنسان دمه غالي.”
ردت بسرعة:
“بس مش كل إنسان تنزل تمسك إيده قدام الناس.”
غزل حست إنها سبب الخلاف، فلفت تمشي.
لكن عز ناداها:
“استني يا غزل.”
وقفت مكانها.
طلع المنديل من جيبه، ومده ليها.
“لفي الجرح كويس… عشان ميجيبش صديد.”
مدت إيدها وهي مرتبكة.
“شكرًا يا سي عز.”
ندى كانت بتراقب المشهد، وكل كلمة بينهم كانت بتوجعها أكتر.
همست لنفسها:
“عمره ما بصلي البصة دي…”
وفي اللحظة دي…
دخلت الحاجة فهيمة من آخر الطرقة وهي بتزعق:
“غفران… يا غفران… إلحقني يا راجل.”
جرى عز عليها.
“مالك يا ستي؟”
مسكت إيده وهي مرعوبة.
“الدار مليانة ناس لابسة أسود… جالولي راجل الدار مات.”
اتجمدت الملامح.
بص العمدة لأمه بحزن.
أما غزل…
فكانت أول واحدة جريت حضنت الحاجة فهيمة وهي بتهديها.
المشهد كله كان قدام عز…
وفي ثانية واحدة، نسي خطوبته… ونسي ندى… ونسي كل اللي حوالينه.
لكن ندى ما نسيتش…
وشافت بعينيها إن أول واحدة جريت على قلب عز قبل جدته…
كانت غزل.
………
الحاجة فهيمة كانت بتصرخ وهي متعلقة في عز.
“متسيبنيش يا ولدي… أبوك غفران مات، والناس كلها جاية تعزيني.”
شدها عز لحضنه وهو بيحاول يخبي دموعه.
“حاضر يا ستي… محدش هيسيبك.”
لكن العمدة رجب كان واقف ساكت، والوجع باين في عينيه.
قرب من أمه، باس راسها وقال:
“أمي … الحج غفران في رحمة ربنا من سنين.”
زقته بإيدها وهي بتعيط.
“متكدبش عليّ… أنا سمعتهم بيجولوا إنه مات.”
وقبل ما حد يرد…
كانت غزل قربت منها بهدوء، ومسكت إيديها بحنية.
“تعالي يا حجة… تعالى نجعد في أوضتك، وأنا هفضل وياكي.”
بصت لها الحاجة فهيمة كأنها شايفاها لأول مرة.
“إنتِ مين يا بتي؟”
ابتسمت غزل رغم دموعها.
“غزل يا حجة.”
فضلت الحاجة تبصلها كام ثانية، وفجأة لمست خدها.
“لا… إنتِ مش غزل.”
اتسمرت غزل مكانها.
العمدة رفع راسه بسرعة.
حتى عز بص لجدته باستغراب.
الحاجة فهيمة قربت وشها من غزل أكتر، وهمست:
“إنتِ… شبها.”
سألها عز بسرعة:
“شبه مين يا ستي؟”
فضلت ساكتة، وعينيها مليانة خوف.
وبعدين هزت راسها بعنف.
“لا… لا… محدش يعرف.”
وفجأة دفعت إيد غزل بعيد عنها، وصرخت:
“خرجوها… خرجوها من الدار.”
اتخضت غزل ورجعت لورا.
“أنا عملت إيه يا حجة؟”
الحاجة كانت بتصرخ هستيري.
“خرجوها… دي هترجع المصايب للدار.”
العمدة قرب من أمه يحاول يهديها.
“أمي … اهدي.”
لكنها كانت بتشاور على غزل وهي بتترعش.
“البنت دي… وشها أنا شوفته جبل إكده… جبل سنين.”
الكل سكت مستغربين .
عز بص لأبوه، ولاحظ إن وش العمدة اتغير فجأة.
ثانية واحدة…
واختفت ملامح القوة من وشه.
قال بسرعة وهو بيحاول ينهي الكلام:
“الحاجة تعبانة… كلامها من المرض.”
لكن سالم كان مركز في رد فعل خاله أكتر من كلام الحاجة.
وقال وهو بيضيق عينه:
“خالي… هو إنت تعرف حاجة؟”
رفع العمدة عينه فيه.
“أعرف إيه؟”
“وشك اتغير أول … ستي … قالت إنها شافتها قبل كده.”
رد العمدة بعصبية:
“بتفتش ورا كلام ست كبيرة مريضة عقلها خف من المرض ؟”
“بس…”
“مفيش بس.”
الكلمة خرجت حادة.
لدرجة إن الكل سكت.
غزل كانت واقفة مكانها، قلبها بيدق بعنف، ومش فاهمة ليه كل ده حصل.
أما ندى…
فكانت أول مرة تبعد عينيها عن غزل، وتبص للعمدة.
وقالت في سرها:
“في سر… والسر ده ليه علاقة بالبنت دي.”
في نفس اللحظة…
دخل راجل عجوز، لابس جلابية سودا وعصاية في إيده.
أول ما شاف غزل…
وقع العصاية من إيده.
“معجول…!”
لفوا كلهم ناحيته.
قال وهو بيشاور عليها بإيد بتترعش:
“دي… دي نسخة من أمها.”
اتجمد العمدة مكانه.
وبص للعجوز بنظرة كلها تحذير.
لكن الراجل كان سبق لسانه…
وقال الجملة اللي قلبت السرايا كلها:
“دي بنت… نجاة.”
حكاية عز وغزل ج3
بقلم انجي الخطيب
قبل ما العجوز يكمل كلامه، دوى صوت عصاية العمدة وهي بتخبط في الأرض.
“حســـن!”
اتخض الراجل وسكت.
العمدة قرب منه، وعينه كلها غضب.
“إياك تزيد حرف واحد.”
بلع حسن ريقه، لكنه قال وهو بيبص لغزل:
“يا عمدة… لساني سبقني.”
“وسابقك ده ممكن يوديك في داهية.”
رفع سالم حاجبه، وبص بين الاتنين.
“خالي… هي مين نجاة؟”
العمدة رد بسرعة:
“ولا حد.”
العجوز هز راسه.
“لا… نجاة كانت…”
قاطعه العمدة بصوت زلزل المكان.
“حســـــن!”
سكت الراجل، ونزل راسه.
أما غزل، فكانت واقفة مش فاهمة حاجة.
بصت للعجوز وقالت:
“إنت تعرف أمي؟”
العجوز فتح بقه يرد.
لكن العمدة سبقه.
“أمك مين يا بت؟”
“الله يرحمها… اسمها أمينة.”
بص حسن لغزل باستغراب.
“أمينة؟”
هزت راسها.
“أيوه.”
سكت حسن، لكنه فضل يبص في وشها.
همس لنفسه:
“سبحان اللي يخلق من الشبه أربعين.”
العمدة شده من دراعه.
“تعالى معايا.”
“بس يا عمدة…”
“جولت تعالى.”
وخرجوا الاتنين.
أول ما الباب اتقفل.
قال سالم وهو باصص لعز:
“فيه سر.”
رد عز وهو سرحان في كلام العجوز:
“وأبوك عارفه.”
ندى لأول مرة اتكلمت بهدوء.
“مش أبوك بس… حتى الحاجة فهيمة أول ما شافت غزل اتبدلت.”
لف عز ناحية غزل.
لقاها واقفة مكانها، دموعها مالية عينيها.
قرب منها.
“مالك؟”
قالت بصوت مكسور:
“أنا… أنا عملت إيه لكل الناس دي؟”
“ولا حاجة.”
“أمال ليه أول ما شافوني اتغيروا؟”
معرفش يرد.
لأنه هو نفسه بقى عنده نفس السؤال.
في أوضة المكتب…
قفل العمدة الباب بعنف.
لف ناحية حسن.
“إنت اتهبلت؟”
حسن اتنهد.
“سامحني يا عمدة… والله غصب عني.”
“غصب عنك إيه؟”
“البت شبه نجاة بصورة تخوف.”
العمدة قرب منه لحد ما بقى وشه قصاد وشه.
“اسمعني زين… السر ده اندفن من عشرين سنة.”
“بس لو البت طلعت…”
مسكه العمدة من جلابيته.
“مفيش حاجة هتطلع.”
“لكن…”
“اسمع يا حسن… لو كلمة واحدة من اللي في صدرك خرجت بره… هتكون آخر كلمة تنطقها.”
اترعب حسن.
“حاضر يا عمدة.”
سابه العمدة.
وقعد على كرسيه وهو ماسك راسه.
في نفس اللحظة…
دخلت زوجة العمدة بهدوء.
“رجب.”
رفع عينه.
“خير.”
بصتله وقالت:
“أنا سامعة كل حاجة.”
اتنهد.
“وسمعتي إيه؟”
“سمعت إن حسن قال إن غزل بنت نجاة.”
سكت.
قربت منه أكتر.
“قوللي بصراحة…”
“إيه؟”
بصت في عينه مباشرة، وقالت الجملة اللي جمدت الدم في عروقه:
“غزل… ليها علاقة بالسر اللي خبيته عني طول عمرك؟”
رفع العمدة عينه فيها…
ولأول مرة، فقد هدوءه تمامًا.
وفي الخارج…
كان عز واقف في البلكونة، ولسه هيكلم غزل، لكن قبل ما ينطق…
سمع صوت عربية فخمة تدخل السرايا.
نزلت منها بنت في أواخر العشرينات، أنيقة، واثقة من نفسها، لابسة بدلة رسمية ونضارة شمس.
خلعت النضارة، وبصت حوالين السرايا بابتسامة.
وسألت أول خادم قابلها:
“فين حضرة الظابط عز رجب العمدة؟”
رد الخادم:
#انجي_الخطيب
“جوه يا هانم.”
ابتسمت وقالت بثقة:
“بلغه إن ياسمين فاروق وصلت… وجاية أقابله قبل ما أهل البلد يعرفوا إنه بقى خطيبي.”
وفي نفس اللحظة…
كانت غزل واقفة أعلى السلم، وسمعت الجملة كاملة
اتجمدت غزل فوق السلم، وإيديها مسكت الدرابزين بقوة.
بصت للبنت اللي واقفة في نص السرايا، بكل ثقتها وأناقتها، وحست لأول مرة إن المسافة بينها وبين عز أكبر من السما.
أما ياسمين… فرفعت عينيها، ولمحت غزل واقفة فوق.
ابتسمت وقالت
انتي بتخدمي هنا ؟”
ردت غزل وقالت “أيوه يا هانم… اسمك اية؟ .”
اسمي غزل..
هزت راسها وهي بتبص لها من فوق لتحت.
“شكلك صغيرة.”
وفي اللحظة دي…
نزل عز من على السلم.
أول ما شافته ياسمين، ابتسمت ومدت إيديها.
“أخيرًا اتقابلنا يا حضرة الظابط.”
عز بص لإيدها، لكنه ما سلمش.
قال بهدوء:
“أهلًا وسهلًا.”
سحبت إيديها في هدوء، لكن الابتسامة ما فارقتش وشها.
“واضح إنك رسمي.”
رد من غير ما يبتسم:
“طبيعة شغلي كدا .”
في اللحظة دي، خرج العمدة رجب من المكتب، وأول ما شاف ياسمين، وشه نور.
“أهلًا ببنت المأمور… نورتي دارنا.”
انحنت باحترام.
“الشرف ليا يا عمي.”
قال العمدة وهو بيبص لعز:
“واقف ليه يا ولد؟ خُد الآنسة ياسمين فرجها على الدار.”
رد عز بسرعة:
“لو تسمح يا بوي…”
قاطعه العمدة بنظرة حاسمة.
“سمحت.”
فهم عز إن مفيش مجال للنقاش.
لف ناحية ياسمين.
“اتفضلي.”
طلعوا السلم.
وغزل كانت واقفة مكانها.
ولما عز عدى من جنبها… لمح الجرح اللي في إيديها لسه بينزف.
وقف ثانية.
وقال بصوت واطي محدش سمعه غيرها:
“لفيتيه؟”
هزت راسها بالنفي.
قبل ما يرد…
قالت ياسمين وهي واقفة وراهم:
“حضرة الظابط… مش هنطلع؟”
بص عز لغزل لحظة، وبعدين كمل طريقه.
أما ياسمين…
فلاحظت كل حاجة.
لاحظت وقفته.
ونظرته.
وسؤاله.
ولاحظت إن غزل كانت بتبصله لحد ما اختفى.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، لكن عنيها مكانتش بتضحك.
أول ما دخلوا أوضة المكتب القديمة.
قالت ياسمين وهي بتلف تتفرج:
“السرايا جميلة… بس واضح إن فيها أسرار كتير.”
رد عز:
“كل دار كبيرة فيها أسرار.”
لفت تبصله مباشرة.
“وأسرارك إنت؟”
“معنديش.”
ضحكت.
“دي أول كدبة.”
سكت.
قربت منه خطوة.
“أنا بشتغل في علم النفس الجنائي… وبعرف أقرا الناس.”
رفع حاجبه.
“وصلتي لإيه؟”
قالت وهي مبتسمة:
“وصلت إنك مش مبسوط بالجوازة دي.”
مردش.
“ووصلت كمان… إن قلبك مش فاضي.”
لأول مرة…
بصلها مباشرة.
“إنتِ جاية تحققي معايا؟”
“لا.”
“أمال؟”
“جاية أعرف الراجل اللي بابي اختاره ليا ”
سكتت لحظة، وبعدين قالت بثقة:
“بس فيه سؤال محيرني.”
“إيه هو؟”
“الخدامة اللي تحت…”
اتشدت ملامح عز.
“… مالها؟”
قالت وهي بتراقب رد فعله:
“ليه كل ما اسمها يتجاب… عينك بتتغير؟”
وقبل ما يجاوب…
كانت غزل معدية قدام الباب، شايلة صينية القهوة للمندرة.
وقبل ما تكمل خطوتين…
سمعت ياسمين بتقول من جوه:
“لو بتحبها… قول دلوقتي، قبل ما حياتنا إحنا الاتنين تضيع.”
اتجمدت رجلين غزل.
الصينية اتهزت في إيديها.
وقلبها وقف وهي مستنية تسمع…هيقول إيه؟
فضلت غزل واقفة برا الباب، أنفاسها متقطعة، وإيديها بترتعش وهي ماسكة صينية القهوة.
جوا…
فضل عز ساكت.
ياسمين عقدت دراعاتها وقالت بابتسامة هادية:
“السكوت ساعات بيكون إجابة.”
رد عز من غير ما يبصلها:
“وفيه سكوت بيكون احترام.”
“احترام لمين؟”
“لبنت لسه متعرفهاش.”
ابتسمت بخفة.
“يبقى خليني أسألك بطريقة أوضح… في واحدة في حياتك؟”
رفع عينه وبصلها.
“حتى لو فيه… ده شيء يخصني.”
ضحكت ياسمين وقالت:
“إذن فيه.”
رد ببرود:
“أنا ما قلتش اكده.”
“بس ما أنكرتش.”
اتنهد عز.
“واضح إنك متعودة تحققي مع الناس.”
“دي طبيعة شغلي.”
“وأنا مش متهم.”
“ولا أنا قاضي.”
وسكتت لحظة قبل ما تكمل:
“أنا بس واحدة رافضة تبدأ حياتها مع راجل قلبه مع واحدة تانية.”
برا الباب…
غزل حست إن قلبها هيطلع من مكانه.
كانت مستنية تسمع اسمهـا.
لكن عز فضل ساكت.
ياسمين هزت راسها وقالت:
“السكوت ده كفاية بالنسبة لي.”
لفت تمشي.
وفي اللحظة اللي فتحت فيها الباب…
اتفاجئت بغزل واقفة قدامها.
بصت للصينية… وبعدين لوش غزل اللي كان باين عليه الارتباك.
ابتسمت وقالت بهدوء:
“القهوة لينا؟”
غزل نزلت عينيها.
“أيوه يا هانم.”
مدت ياسمين إيديها تاخد الفنجان، لكنها لمحت المنديل الملفوف على صباع غزل.
“إيدك مالها؟”
قبل ما غزل ترد…
قال عز من جوه:
“اتجرحت وهي بتلم الإزاز.”
لفت ياسمين تبصله.
“واضح إنك واخد بالك من كل تفصيلة.”
عرف عز إنه وقع في غلطة.
فصلح دا وقالها طبيعة شغلي بتحكم عليا كدا..
أما غزل، فحست إن الأرض بتتهز تحت رجليها.
أخدت ياسمين الفنجان، وشربت رشفة صغيرة، وبعدين قربت من غزل لحد ما بقى صوتها واطي محدش يسمعه غيرها.
“إنتِي بقالك قد إيه شغالة هنا؟”
“شهر يا هانم.”
“أمم…”
سكتت لحظة، وهي بتبص في عينيها.
“نصيحة مني… خليكي عارفة حدودك.”
اتجمدت غزل.
“مش فاهمة.”
ابتسمت ياسمين، لكن ابتسامتها كان فيها تحذير واضح.
“هتفهمي مع الوقت.”
وسابتها ونزلت السلم.
غزل فضلت واقفة مكانها، والدموع محبوسة في عينيها.
دخل عز بسرعة.
“قالتلك إيه؟”
هزت راسها.
“ولا حاجة.”
“غزل…”
قاطعته وهي بتبعد عنه خطوة.
“لو سمحت يا سي عز… بلاش تكلمني لوحدنا تاني.”
اتفاجأ.
“ليه؟”
“لأن كلام الناس عمره ما بيرحم.”
“وأنا مالي بكلام الناس.”
ردت بصوت مكسور:
“بس أنا يهمني.”
قرب خطوة.
“غزل…”
رفعت إيديها تمنعه يقرب.
“لا… لو سمحت.”
كانت أول مرة تمنعه بالشكل ده.
“إنت بعد كام يوم هتخطب واحدة من مقامك… وأنا مجرد خدامة في داركم.”
قال بسرعة:
“أنا موافقتش.”
“بس هتوافق.”
“مين قال؟”
ابتسمت بوجع.
“أبوك حضرة العمدة.”
لأول مرة…
عز معرفش يرد.
وفي اللحظة دي، دوى صوت طلقة نار من برا السرايا.
وبعدها مباشرة…
دخل واحد من الغفر وهو بيجري، ووشه كله تراب.
“يا عمدة… إلحق!”
خرج الكل يجري.
العمدة وقف قدامه وقال بحدة:
“في إيه؟”
الغفير كان بينهج.
“في واحد رمى جواب في نص الدوار… وقال يتسلم للعمدة بإيده… وبعدها مشي.”
ناول العمدة ظرف.
فتحه بسرعة.
وأول ما وقعت عينه على أول سطر…
اتغير لون وشه.
لكن سالم كان أسرع، وخطفه من إيده.
قرأ أول جملة بصوت عالي من غير قصد:
“لو عايز السر اللي دفنته من عشرين سنة يفضل مدفون… ابعد البنت غزل عن دار العمدة قبل ليلة الخطوبة.”
ساد صمت مرعب.
وكل العيون اتحولت ناحية غزل… وكأنها بقت فجأة مفتاح السر اللي هيقلب البلد كلها.
#انجي_الخطيب
حكاية عز وغزل ج4
بقلم انجي الخطيب
قبل ما العجوز يكمل كلامه، دوى صوت عصاية العمدة وهي بتخبط في الأرض.
“حســـن!”
اتخض الراجل وسكت.
العمدة قرب منه، وعينه كلها غضب.
“إياك تزيد حرف واحد.”
بلع حسن ريقه، لكنه قال وهو بيبص لغزل:
“يا عمدة… لساني سبقني.”
“وسابقك ده ممكن يوديك في داهية.”
رفع سالم حاجبه، وبص بين الاتنين.
“خالي… هي مين نجاة؟”
العمدة رد بسرعة:
“ولا حد.”
العجوز هز راسه.
“لا… نجاة كانت…”
قاطعه العمدة بصوت زلزل المكان.
“حســـــن!”
سكت الراجل، ونزل راسه.
أما غزل، فكانت واقفة مش فاهمة حاجة.
بصت للعجوز وقالت:
“إنت تعرف أمي؟”
العجوز فتح بقه يرد.
لكن العمدة سبقه.
“أمك مين يا بت؟”
“الله يرحمها… اسمها أمينة.”
بص حسن لغزل باستغراب.
“أمينة؟”
هزت راسها.
“أيوه.”
سكت حسن، لكنه فضل يبص في وشها.
همس لنفسه:
“سبحان اللي يخلق من الشبه أربعين.”
العمدة شده من دراعه.
“تعالى معايا.”
“بس يا عمدة…”
“جولت تعالى.”
وخرجوا الاتنين.
أول ما الباب اتقفل.
قال سالم وهو باصص لعز:
“فيه سر.”
رد عز وهو سرحان في كلام العجوز:
“وأبوك عارفه.”
ندى لأول مرة اتكلمت بهدوء.
“مش أبوك بس… حتى الحاجة فهيمة أول ما شافت غزل اتبدلت.”
لف عز ناحية غزل.
لقاها واقفة مكانها، دموعها مالية عينيها.
قرب منها.
“مالك؟”
قالت بصوت مكسور:
“أنا… أنا عملت إيه لكل الناس دي؟”
“ولا حاجة.”
“أمال ليه أول ما شافوني اتغيروا؟”
معرفش يرد.
لأنه هو نفسه بقى عنده نفس السؤال.
في أوضة المكتب…
قفل العمدة الباب بعنف.
لف ناحية حسن.
“إنت اتهبلت؟”
حسن اتنهد.
“سامحني يا عمدة… والله غصب عني.”
“غصب عنك إيه؟”
“البت شبه نجاة بصورة تخوف.”
العمدة قرب منه لحد ما بقى وشه قصاد وشه.
“اسمعني زين… السر ده اندفن من عشرين سنة.”
“بس لو البت طلعت…”
مسكه العمدة من جلابيته.
“مفيش حاجة هتطلع.”
“لكن…”
“اسمع يا حسن… لو كلمة واحدة من اللي في صدرك خرجت بره… هتكون آخر كلمة تنطقها.”
اترعب حسن.
“حاضر يا عمدة.”
سابه العمدة.
وقعد على كرسيه وهو ماسك راسه.
في نفس اللحظة…
دخلت زوجة العمدة بهدوء.
“رجب.”
رفع عينه.
“خير.”
بصتله وقالت:
“أنا سامعة كل حاجة.”
اتنهد.
“وسمعتي إيه؟”
“سمعت إن حسن قال إن غزل بنت نجاة.”
سكت.
قربت منه أكتر.
“قوللي بصراحة…”
“إيه؟”
بصت في عينه مباشرة، وقالت الجملة اللي جمدت الدم في عروقه:
“غزل… ليها علاقة بالسر اللي خبيته عني طول عمرك؟”
رفع العمدة عينه فيها…
ولأول مرة، فقد هدوءه تمامًا.
وفي الخارج…
كان عز واقف في البلكونة، ولسه هيكلم غزل، لكن قبل ما ينطق…
سمع صوت عربية فخمة تدخل السرايا.
نزلت منها بنت في أواخر العشرينات، أنيقة، واثقة من نفسها، لابسة بدلة رسمية ونضارة شمس.
خلعت النضارة، وبصت حوالين السرايا بابتسامة.
وسألت أول خادم قابلها:
“فين حضرة الظابط عز رجب العمدة؟”
رد الخادم:
#انجي_الخطيب
“جوه يا هانم.”
ابتسمت وقالت بثقة:
“بلغه إن ياسمين فاروق وصلت… وجاية أقابله قبل ما أهل البلد يعرفوا إنه بقى خطيبي.”
وفي نفس اللحظة…
كانت غزل واقفة أعلى السلم، وسمعت الجملة كاملة
اتجمدت غزل فوق السلم، وإيديها مسكت الدرابزين بقوة.
بصت للبنت اللي واقفة في نص السرايا، بكل ثقتها وأناقتها، وحست لأول مرة إن المسافة بينها وبين عز أكبر من السما.
أما ياسمين… فرفعت عينيها، ولمحت غزل واقفة فوق.
ابتسمت وقالت
انتي بتخدمي هنا ؟”
ردت غزل وقالت “أيوه يا هانم… اسمك اية؟ .”
اسمي غزل..
هزت راسها وهي بتبص لها من فوق لتحت.
“شكلك صغيرة.”
وفي اللحظة دي…
نزل عز من على السلم.
أول ما شافته ياسمين، ابتسمت ومدت إيديها.
“أخيرًا اتقابلنا يا حضرة الظابط.”
عز بص لإيدها، لكنه ما سلمش.
قال بهدوء:
“أهلًا وسهلًا.”
سحبت إيديها في هدوء، لكن الابتسامة ما فارقتش وشها.
“واضح إنك رسمي.”
رد من غير ما يبتسم:
“طبيعة شغلي كدا .”
في اللحظة دي، خرج العمدة رجب من المكتب، وأول ما شاف ياسمين، وشه نور.
“أهلًا ببنت المأمور… نورتي دارنا.”
انحنت باحترام.
“الشرف ليا يا عمي.”
قال العمدة وهو بيبص لعز:
“واقف ليه يا ولد؟ خُد الآنسة ياسمين فرجها على الدار.”
رد عز بسرعة:
“لو تسمح يا بوي…”
قاطعه العمدة بنظرة حاسمة.
“سمحت.”
فهم عز إن مفيش مجال للنقاش.
لف ناحية ياسمين.
“اتفضلي.”
طلعوا السلم.
وغزل كانت واقفة مكانها.
ولما عز عدى من جنبها… لمح الجرح اللي في إيديها لسه بينزف.
وقف ثانية.
وقال بصوت واطي محدش سمعه غيرها:
“لفيتيه؟”
هزت راسها بالنفي.
قبل ما يرد…
قالت ياسمين وهي واقفة وراهم:
“حضرة الظابط… مش هنطلع؟”
بص عز لغزل لحظة، وبعدين كمل طريقه.
أما ياسمين…
فلاحظت كل حاجة.
لاحظت وقفته.
ونظرته.
وسؤاله.
ولاحظت إن غزل كانت بتبصله لحد ما اختفى.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، لكن عنيها مكانتش بتضحك.
أول ما دخلوا أوضة المكتب القديمة.
قالت ياسمين وهي بتلف تتفرج:
“السرايا جميلة… بس واضح إن فيها أسرار كتير.”
رد عز:
“كل دار كبيرة فيها أسرار.”
لفت تبصله مباشرة.
“وأسرارك إنت؟”
“معنديش.”
ضحكت.
“دي أول كدبة.”
سكت.
قربت منه خطوة.
“أنا بشتغل في علم النفس الجنائي… وبعرف أقرا الناس.”
رفع حاجبه.
“وصلتي لإيه؟”
قالت وهي مبتسمة:
“وصلت إنك مش مبسوط بالجوازة دي.”
مردش.
“ووصلت كمان… إن قلبك مش فاضي.”
لأول مرة…
بصلها مباشرة.
“إنتِ جاية تحققي معايا؟”
“لا.”
“أمال؟”
“جاية أعرف الراجل اللي بابي اختاره ليا ”
سكتت لحظة، وبعدين قالت بثقة:
“بس فيه سؤال محيرني.”
“إيه هو؟”
“الخدامة اللي تحت…”
اتشدت ملامح عز.
“… مالها؟”
قالت وهي بتراقب رد فعله:
“ليه كل ما اسمها يتجاب… عينك بتتغير؟”
وقبل ما يجاوب…
كانت غزل معدية قدام الباب، شايلة صينية القهوة للمندرة.
وقبل ما تكمل خطوتين…
سمعت ياسمين بتقول من جوه:
“لو بتحبها… قول دلوقتي، قبل ما حياتنا إحنا الاتنين تضيع.”
اتجمدت رجلين غزل.
الصينية اتهزت في إيديها.
وقلبها وقف وهي مستنية تسمع…هيقول إيه؟
فضلت غزل واقفة برا الباب، أنفاسها متقطعة، وإيديها بترتعش وهي ماسكة صينية القهوة.
جوا…
فضل عز ساكت.
ياسمين عقدت دراعاتها وقالت بابتسامة هادية:
“السكوت ساعات بيكون إجابة.”
رد عز من غير ما يبصلها:
“وفيه سكوت بيكون احترام.”
“احترام لمين؟”
“لبنت لسه متعرفهاش.”
ابتسمت بخفة.
“يبقى خليني أسألك بطريقة أوضح… في واحدة في حياتك؟”
رفع عينه وبصلها.
“حتى لو فيه… ده شيء يخصني.”
ضحكت ياسمين وقالت:
“إذن فيه.”
رد ببرود:
“أنا ما قلتش اكده.”
“بس ما أنكرتش.”
اتنهد عز.
“واضح إنك متعودة تحققي مع الناس.”
“دي طبيعة شغلي.”
“وأنا مش متهم.”
“ولا أنا قاضي.”
وسكتت لحظة قبل ما تكمل:
“أنا بس واحدة رافضة تبدأ حياتها مع راجل قلبه مع واحدة تانية.”
برا الباب…
غزل حست إن قلبها هيطلع من مكانه.
كانت مستنية تسمع اسمهـا.
لكن عز فضل ساكت.
ياسمين هزت راسها وقالت:
“السكوت ده كفاية بالنسبة لي.”
لفت تمشي.
وفي اللحظة اللي فتحت فيها الباب…
اتفاجئت بغزل واقفة قدامها.
بصت للصينية… وبعدين لوش غزل اللي كان باين عليه الارتباك.
ابتسمت وقالت بهدوء:
“القهوة لينا؟”
غزل نزلت عينيها.
“أيوه يا هانم.”
مدت ياسمين إيديها تاخد الفنجان، لكنها لمحت المنديل الملفوف على صباع غزل.
“إيدك مالها؟”
قبل ما غزل ترد…
قال عز من جوه:
“اتجرحت وهي بتلم الإزاز.”
لفت ياسمين تبصله.
“واضح إنك واخد بالك من كل تفصيلة.”
عرف عز إنه وقع في غلطة.
فصلح دا وقالها طبيعة شغلي بتحكم عليا كدا..
أما غزل، فحست إن الأرض بتتهز تحت رجليها.
أخدت ياسمين الفنجان، وشربت رشفة صغيرة، وبعدين قربت من غزل لحد ما بقى صوتها واطي محدش يسمعه غيرها.
“إنتِي بقالك قد إيه شغالة هنا؟”
“شهر يا هانم.”
“أمم…”
سكتت لحظة، وهي بتبص في عينيها.
“نصيحة مني… خليكي عارفة حدودك.”
اتجمدت غزل.
“مش فاهمة.”
ابتسمت ياسمين، لكن ابتسامتها كان فيها تحذير واضح.
“هتفهمي مع الوقت.”
وسابتها ونزلت السلم.
غزل فضلت واقفة مكانها، والدموع محبوسة في عينيها.
دخل عز بسرعة.
“قالتلك إيه؟”
هزت راسها.
“ولا حاجة.”
“غزل…”
قاطعته وهي بتبعد عنه خطوة.
“لو سمحت يا سي عز… بلاش تكلمني لوحدنا تاني.”
اتفاجأ.
“ليه؟”
“لأن كلام الناس عمره ما بيرحم.”
“وأنا مالي بكلام الناس.”
ردت بصوت مكسور:
“بس أنا يهمني.”
قرب خطوة.
“غزل…”
رفعت إيديها تمنعه يقرب.
“لا… لو سمحت.”
كانت أول مرة تمنعه بالشكل ده.
“إنت بعد كام يوم هتخطب واحدة من مقامك… وأنا مجرد خدامة في داركم.”
قال بسرعة:
“أنا موافقتش.”
“بس هتوافق.”
“مين قال؟”
ابتسمت بوجع.
“أبوك حضرة العمدة.”
لأول مرة…
عز معرفش يرد.
وفي اللحظة دي، دوى صوت طلقة نار من برا السرايا.
وبعدها مباشرة…
دخل واحد من الغفر وهو بيجري، ووشه كله تراب.
“يا عمدة… إلحق!”
خرج الكل يجري.
العمدة وقف قدامه وقال بحدة:
“في إيه؟”
الغفير كان بينهج.
“في واحد رمى جواب في نص الدوار… وقال يتسلم للعمدة بإيده… وبعدها مشي.”
ناول العمدة ظرف.
فتحه بسرعة.
وأول ما وقعت عينه على أول سطر…
اتغير لون وشه.
لكن سالم كان أسرع، وخطفه من إيده.
قرأ أول جملة بصوت عالي من غير قصد:
“لو عايز السر اللي دفنته من عشرين سنة يفضل مدفون… ابعد البنت غزل عن دار العمدة قبل ليلة الخطوبة.”
ساد صمت مرعب.
وكل العيون اتحولت ناحية غزل… وكأنها بقت فجأة مفتاح السر اللي هيقلب البلد كلها.
#انجي_الخطيب
حكاية عز وغزل ج5
بقلم انجي الخطيب
المأذون فتح الدفتر، وبص لعز.
حط ايدك في ايدك حماك وحط المنديل فوق ايديهم وفال..
“قول ورايا يا بني؟”
زوجني ابنتك علي سنة الله ورسولة
رفع عز عينه لحظة، وبعدين قال بصوت ثابت:
زوجني ابنتك علي سنة الله ورسولة
الكلام خرج من بقه، لكنه كان تقيل على قلبه.
قبل ما يخلص المأطذون بافي إجراءات كتب الكتاب..
لف المأذون ناحية ياسمين.
“وقال موافقة يا بنتي؟”
ابتسمت ياسمين ابتسامة هادية وقالت
“موافقة.”
ابتسم المأذون وهو يقفل الدفتر.
“بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.”
علا صوت الزغاريد في السرايا، والرجالة قامت تبارك، والعمدة رجب حضن المأمور فاروق، وهو بيقول:
“ألف مبروك يا نسيبي.”
رد المأمور بابتسامة:
“ربنا يديم المحبة.”
أما عز…
فكان واقف وسط الناس، بيصافح كل واحد يبارك له، لكن عينه راحت من غير ما يحس تدور على غزل.
لقاها واقفة بعيد، وسط الخادمات، راسها في الأرض، بتحاول متبصش ناحيته.
ولأول مرة…
اضطر يحول عينه عنها بنفسه.
انتهى الفرح بعد ساعات طويلة.
الضيوف بدأوا يمشوا، وصوت المزمار سكت، والسرايا رجعت هادية بعد الزحمة.
طلعت ياسمين جناحها الجديد، وبعدها بدقائق دخل عز.
قفل الباب وراه بهدوء.
ساد بينهما صمت طويل.
كانت ياسمين واقفة قدام الشباك، فكت الطرحة عن شعرها، وبصت لنور القمر.
أما عز، ففضل واقف عند الباب، كأنه مش عارف يبدأ الكلام منين.
لفت ياسمين ناحيته وقالت بابتسامة هادئة:
“هتفضل واقف عند الباب كتير؟”
اتنهد وقرب كام خطوة.
فضلوا ساكتين فترة ، وكأن السكوت بيضغط على أعصاب الاتنين. عز وقف عند الباب، فك أزرار قميص البدلة من عند رقبته وهو بياخد نفس طويل، والغضب مرسوم على ملامحه، لكنه كان بيحاول يسيطر على نفسه.
أما ياسمين، فبصتله بابتسامة هادئة فيها تحدي، وقالت وهي بتقرب منه خطوة:
“هتفضل واقف عند الباب كتير؟”
اتنهد عز بضيق، وقرب منها كام خطوة وقال ببرود:
“ادخلي غيري هدومك ونامي… أنا مش هضايقك.”
رفعت حاجبها باستغراب مصطنع وقالت بسخرية:
“بقى حضرة الظابط، ابن الصعيد، هيسيب عروسته تغير لوحدها؟ وكمان هيسيبها تنام لوحدها؟ للدرجة دي مغصوب عليّا؟ ولا يمكن… في حاجة فيك والعمدة خباها علينا؟”
جزّ عز على سنانه وقال من بين أسنانه:
“اتحشمي… واقفلي بوقك. بلاها السيرة السم دي.”
لكنها ما سكتتش، بالعكس، ابتسمت باستفزاز أكتر وقالت:
“أنا قولت إيه غلط؟ انك مش عايز تقرب من مراتك ليلة دخلتك يبقى خلاص أكلم بابا وأقوله إن جوزي ناوي ينام جنبي زي الأخوات… أصل يمكن خايف… أو يمكن فيه عيب وأنا معرفش.”
في لحظة، قبض عز على كوعها بقوة، لدرجة إنها اتألمت، وقال بصوت مخيف:
“لو ما قفلتيش بوقك دلوقتي… هرزعك قلم يخليكي ما تعرفيش تنطقي تاني.”
ضحكت ياسمين ضحكة كلها تحدي وقالت وهي بتبصله في عينه.
“غريبة… وأنا اللي كنت فاكرة إن كلية الشرطة ما بتقبلش غير الرجالة. بس واضح إنهم عملوا استثناء وقبلوك.”
الكلمة نزلت عليه كأنها نار. في لحظة فقد أعصابه، وارتفعت إيده ونزلت على خدها بقلم قوي.
رجعت ياسمين خطوةلورا من شدة القلم وهي حاطة إيدها على خدها، وعينيها مليانة صدمة، لكنها رفضت تبين ضعفها، وقالت بصوت مهزوز:
“دي بقى الرجولة؟ إنك تمد إيدك على واحدة ست؟”
رفع عز عينه ليها، وكانت نظراته كلها غضب مكتوم، وقال بصوت ثابت لكنه مرعب:
“لا… الرجولة لسه ما عرفتيهاش. وهعرفهالك… يا جليلة الرباية.”
وسكت ثانية، قبل ما يكمل بنبرة حاسمة:
“دخلتك الليلة هتبقى حديث البلد كلتها، وساعتها هتعرفي أنا راجل… ولا لأ.”
اتسعت عيون ياسمين من الخضة وقالت بسرعة:
“إنت بتقول إيه؟! إنت اتجننت؟ هتعمل فيا كده؟”
رد عز وهو بيشاور ناحيتها بعصبية:
“الست اللي تغلط في جوزها، ما يبقاش ليها عيش معاه. وإنتِي مش بس غلطتي… إنتِ عديتي كل حدودك. وعشان معرفتيش تحترمي جوزك، بعد ما هدخل عليكي قدام كل الناس عشان يبقوا شاهدين هـ أطلقك الليلة ، وأرجعك على بيت أبوكي يربيكي من أول وجديد.”
وبصلها بنظرات مليانة غضب وكبرياء
ولسة هينده علي امة عشان تجهز الحريم للدخلة البلدي وتعرف الكل..
في نفس اللحظة…
سمعوا خبطات سريعة على الباب.
بص عز ناحية الباب باستغراب.
“مين؟”
جاله صوت سالم من بره، وكان واضح عليه التوتر.
“عز… افتح بسرعة.”
فتح الباب.
لقى سالم واقف ووشه متغير.
قال بصوت هامس في ودن عز حتى محدش يسمعه:
“غزل اختفت… محدش لاقيها في أي مكان من ساعة ما خلص الفرح ….
اتسمر عز في مكانه، وابتلع ريقه بصعوبة وكأن كلمة “اختفت” نزلت على دماغه زي الصاعقة. الغضب اللي كان جواه من ثواني اتقلب فجأة لجمود مرعب، وعيونه اتسعت بصدمة مش مصدقها.
بص لسالم بنظرة حادة وقال بصوت منخفض وخشن كأنه بيطلع من جروحه:
“يعني إيه اختفت؟ دورتوا عليها فين؟”
رد سالم وعلات نبرة التوتر في صوته:
“دورت في كل حتة يا عز.. في السرايا، وفي المخازن، وحتى برة عند البوابات. الخادمات بيقولوا إنها خلصت شغلها بعد الفرح ومحدش شافها بعدها.. والكلب بتاع الحراسة مربوط ومش بينبح، يعني مفيش دخيل دخل السرايا.”
ياسمين، اللي كانت واقفة حاطة إيدها على خدها ومصدومة من اللي كان هيحصل فيها، بصت لعز وسالم بذهول، وقالت بصوت مهزوز بس فيه فضول لاذع:
“هي مين دي اللي اختفت ومخلياك مخلوع كده يا حضرة الظابط؟ أوعى تكون… الخدامة الغلبانة اللي كانت واقفة بعيد؟”
عز ماردش عليها، ولا حتى كأنه سمع صوتها. عقله كان بيلف بسرعة البرق. غزل.. في نص الليل، وبرة السرايا وحدها في بلد زي دي؟ ومبتعرفش تحمي نفسها.. لو حد شافها.. لو جرالها حاجة..
قطع تفكيره صوت سالم وهو بيقرب منه أكتر وبيقول:
“الناس برة هتبتدي تصحى للفجر، والعمدة لو حس بحاجة هيعمل قلق.. ناوي على إيه يا عز؟”
بص عز لياسمين نظرة أخيرة، نظرة حاسمة وقاسية قالت كل حاجة من غير كلام، وقال بصوت حازم:
“قسَمي ده هيتاجل لوقت تاني، وحسابك معايا مش هيطول..
وجوه عقلة وقلبة بيقول بس لو غزل جرالها حاجة او اتلمست شعرة واحدة منها ، البلد دي كلها هتتقلب.”
سابهم واتحرك بخطوات واسعة ومرعبة، رمى عبايته على كتافه ونزل السلم طيران، وقلبه مقبوض وكأن فيه نار ولعة في صدره. خرج من السرايا في الظلمة، وعينه بتدور في كل زاوية، مستعد يحرق الأخضر واليابس عشان يلاقيها.
أول ما عز نزل درجات السرايا بخطوات سريعة، كان لسه هيتحرك ناحية البوابة، لكن صوت العمدة رجب شق المكان كله.
“عــــــــــــز!”
وقف عز مكانه، ولف ببطء.
العمدة كان واقف في نص الدوار، وهيبته مالية المكان، وكل الخدم والغفر وقفوا ساكتين.
قرب منه بخطوات ثابتة، وقال بصوت واطي، لكنه كان أشد من الصريخ:
“إنت رايح فين؟”
رد عز من غير ما يتهرب من عينه:
“هدور على غزل.”
العمدة ضحك ضحكة قصيرة، كلها غضب.
“وسايب عروستك في ليلة فرحك؟”
“البت مختفية يا بوي.”
“تبقى رجالة الدوار تدور.”
“وأنا أول واحد من رجالة الدوار.”
العمدة قرب لحد ما بقى وشه قصاد وش ابنه.
“دلوجتي… إنت مش ظابط.”
سكت ثانية، وكمل:
“إنت عريس.”
رد عز بحزم:
“وده يمنعني أقوم بواجبي؟”
“واجبك دلوجتي جوه أوضتك… مع مراتك.”
هز عز راسه بالنفي.
“لو غزل في خطر، مش هعرف أقعد دقيقة.”
اتبدلت ملامح العمدة.
وقال بنبرة كلها تحذير:
“الاسم ده… متجبوش على لسانك الليلة.”
رد عز بسرعة:
“وليه؟”
“عشان دي خدامة.”
“لا… دي إنسانة.”
العمدة ضرب عصايته في الأرض.
“كفاية!”
لكن عز ما سكتش.
“كل مرة يحصل لها حاجة… حضرتك أول واحد تمنعنا نقرب.”
“عشان أنا أعرف مصلحتكم.”
“ولا عشان في حاجة مستخبيها؟”
الصمت نزل على المكان.
كل اللي واقفين حسوا إن الكلام بقى أخطر من الأول.
العمدة لف ناحية الغفر.
“سيبونا.”
في ثواني، الدوار فضي.
بقي الأب وابنه واقفين قصاد بعض.
قال العمدة:
“تعالى ورايا.”
طلع قدامه ناحية المكتب.
دخل الأول، واستنى عز يدخل، وبعدها قفل الباب بنفسه.
لف الكرسي ناحية ابنه.
“اقعد.”
فضل عز واقف.
“أنا مرتاح إكده.”
ابتسم العمدة ابتسامة باهتة.
“أبوك بيكلمك… ولسه واقف؟”
رد عز بهدوء:
“قول اللي عندك.”
سكت العمدة شوية، وكأنه بيدور على الكلمات.
“إنت فاكر إن الرجولة إنك تمشي ورا قلبك؟”
“لأ.”
“أمال إيه الرجولة عندك؟”
“إني محطش راسي على المخدة وأنا عارف إن في حد محتاجني وسيبته.”
العمدة بصله طويل.
“إنت اتغيرت يا عز.”
“يمكن… ويمكن أنا بدأت أشوف حاجات مكنتش شايفها.”
“زي إيه؟”
“زي إن كل ما اسم غزل يتجاب… حضرتك تتوتر.”
العمدة ملامحه جمدت.
“دخل البت دي حياتنا كان غلط.”
“غلط على مين؟”
“علينا كلنا.”
“ليه؟”
العمدة قرب من المكتب، وحط كفه عليه بقوة.
“متسألنيش السؤال ده تاني.”
“هفضل أسأله… لحد ما ألاقي إجابته.”
العمدة أخد نفسً عميقً، وقال بصوت منخفض:
“إسمعني زين يا عز… من النهارده، ملكش أي علاقة بغزل.”
اتشدت ملامح عز.
“وده أمر؟”
“أمر.”
“ولو رفضت؟”
رفع العمدة عينه في عين ابنه.
“يبقى هتخليني أعمل حاجة عمري ما تمنيت أعملها.”
“إيه هي؟”
قالها العمدة ببطء، وكل كلمة كانت أثقل من اللي قبلها:
“هخرج غزل من الدار… ومش هتدخلها تاني طول ما أنا عايش.”
اتجمد عز مكانه.
عرف إن أبوه مش بيهدد… وإنه لو قال كلمة، هينفذها فعلًا.
وقبل ما يرد…
اتفتح باب المكتب من غير استئذان.
دخل الغفير منصور وهو بينهج، ووشه كله تراب.
“يا عمدة… ملقناش ليها اي اث
عز سأل الغفير “فين غزل؟”
الغفير هز راسه.
“ملقينهاش… بس لقينا طرحتها مرمية عند الترعة..
والعمدة لأول مرة، اختفى لون وشه، وكأن الخبر أكد أسوأ حاجة كان خايف منها.
جري عز من قدامة ومستناش يقولة اي كلمة..
……..
كانت شوارع البلد غارقانة في سكون الليل، ظلام كثيف بيبتلع كل حاجة حواليه، لا يُسمع فيه غير نباح كلاب بعيد، وصوت الهوا وهو يشق زرع الذرة في الحقول كأنه بيهمس بسر محدش يعرفه.
كان عز بيجري بخطوات واسعة وسريعة، وكشاف تليفونه يشق العتمة يمين وشمال، بينما عينيه كانت بتفتش كل شبر قدامه بعين ظابط متعود يطارد المجرمين… لكن الليلة دي ماكانش بيدور على مجرم.
كان بيدور على قلبه.
دقات قلبه كانت عنيفة بشكل عمره ما حس بيه قبل كده. اشتغل في أخطر القضايا، وشاف الموت بعنيه أكتر من مرة، لكن الخوف اللي كان بياكله دلوقتي كان مختلف… خوف راجل حاسس إن أغلى إنسانة عنده ممكن تضيع منه.
همس باسمها، وصوته خرج مخنوق:
“غزل…”
لف حوالين سور السرايا القديم، وعينه ما بطلتش تدور في كل ناحية.
وفجأة…
لمح حركة خفيفة ورا بيت الطين القديم اللي جنب مخزن الغلة، المكان اللي محدش بيقرب منه بعد المغرب.
ضيق عينيه، ورفع الكشاف ناحية الحركة، وفي نفس اللحظة اتحرك بخطوات هادية وحذرة، وغريزة الظابط اللي جواه خلت إيده تستعد لأي خطر ممكن يقابله.
كل ما قرب…
كل ما قلبه كان بيدق أسرع.
ولما لف من ورا الركن…
وقف مكانه.
اتسمرت رجليه في الأرض.
غزل…
كانت قاعدة ورا كومة كبيرة من حطب القش، ضامة رجليها لصدرها، وساندة راسها على دراعاتها، وجسمها كله بيترعش من البرد والخوف، بينما شهقات عياطها المكتومة كانت بتقطع القلب.
في اللحظة دي…
نور الكشاف نزل من إيده، وانطفى.
والغضب اللي كان مولع جواه من ساعة ما عرف باختفائها… انطفى هو كمان.
فضل واقف يبصلها ثواني، قلبه بيتقطع وهو شايفها بالحالة دي.
نزل على ركبته قدامها بهدوء، ومد إيده ولمس كتفها برفق، كأنه خايف حتى لمسته توجعها.
وقال بصوت مليان حنان لأول مرة:
“بتعملي إيه إهنه يا غزل؟ إزاي قاعدة لوحدك في نص الليل والبرد ده؟”
رفعت راسها ببطء.
كانت عيونها حمرا من كتر البكا، ورموشها مبلولة، وشعرها مبعثر على وشها.
أول ما شافته…
انهارت.
بصتله بنظرة وجع، وقالت بصوت متكسر:
“أنا… أنا مقدرتش أفضل جوه السرايا… كل ما أسمع الزغاريد أحس إن كل حاجة انتهت… سمعتهم وهما بيقولوا إن الفرح خلص… وإنك بقيت راجل واحدة غيري… مقدرتش أشوفك معاها… ولا قدرت أستحمل إني أفضل قريبة منك وأنا ماليش حق حتى أبصلك.”
كل كلمة خرجت منها كانت بتغرس سك\ينة في قلبه.
بلع ريقه بصعوبة، وحس إن كل القوة اللي كان بيتباهى بيها طول عمره وقعت قدام دموعها.
رفع إيده ببطء، ومسح دمعة نزلت على خدها، وقال وهو بيحاول يثبت صوته:
“بصيلي.”
رفعت عينيها ليه.
قال بنبرة مليانة وجع ووعد في نفس الوقت:
“طول ما أنا عايش… محدش هيقدر يمسك بسوء، ولا هيقدر يكسرك. دي كلمة عز رجب.”
فضلت تبصله، وكأنها بتدور في عينيه على أمل تتمسك بيه.
مد إيده ناحيتها وقال بهدوء:
“قومي… تعالي معايا.”
بصت لإيده لحظة، وكأنها خايفة الحلم يختفي أول ما تلمسه.
وبعدين حطت كفها المرتعش جوا كفه.
شدها برفق لحد ما وقفت قدامه.
مشت جنبه في صمت.
كان بينهم مسافة صغيرة…
لكن جواهم كانت مسافة عمر كامل.
كانت حزينة… لأن الراجل اللي نفسها تمشي جنبه قدام الناس وهو جوزها، بقى من نصيب غيرها.
وفي نفس الوقت…
كان قلبها بيدق بفرحة صغيرة، فرحة حاولت تخبيها عن نفسها قبل أي حد.
يكفي إنه ساب عروسته في أول ليلة بعد الفرح…
ونزل يدور عليها هي.
في اللحظة دي، أدركت إن مكانها في قلبه أكبر بكتير من أي كلام اتقال…
لكنها كانت تعرف كمان إن الحب وحده، ساعات، ما بيكفيش عشان يجمع اتنين، لما الدنيا كلها تبقى واقفة بينهم.
#انجي_الخطيب
يتبببع
حكاية عز وغزل ج6
بقلم انجي الخطيب
فضل عز ماشي جنب غزل في صمت.
ولا واحد فيهم نطق بكلمة.
كان الطريق للسرايا قصير…
لكن كل خطوة كانت بتزود الحمل اللي فوق كتافهم.
أول ما وصلوا عند البوابة الكبيرة…
وقف عز فجأة.
رفع عينه…
فاتجمد مكانه.
العمدة رجب كان واقف في نص الدوار، مستند على عصايته، وملامحه جامدة كالحجر.
حوله الغفر والخدم، وكلهم واقفين ساكتين، ولا حد فيهم قادر يرفع عينه في وشه.
أول ما وقعت عينه على غزل، ضيق عينيه، وبعدين بص لعز.
وقال بصوت جهوري هز السرايا كلها:
“يعني عملت اللي في دماغك برضك.”
ما ردش عز.
العمدة نزل بعصايته على الأرض بعنف.
“بكلمك يا عز.”
رفع عز راسه وقال بثبات:
“البِت كانت مختفية يا بوي.”
“وأنا قولتلك رجالة الدوار يدوروا.”
“وأنا واحد منهم.”
ضحك العمدة بسخرية.
“لأ… الليلة دي ما كنتش واحد منهم.”
وسكت لحظة، قبل ما يكمل بنبرة كلها لوم:
“الليلة دي كنت عريس.”
اتقدم عز خطوة.
“ولو كنت قعدت، وجرالها حاجة، كنت هسامح نفسي كيف؟”
العمدة بصله نظرة طويلة، لكن ما ردش.
لف وشه ناحية غزل.
كانت واقفة ورا عز، مطأطية راسها، وإيديها بتترعش.
قال بصوت صارم:
“ارفعي راسك.”
رفعتها بالعافية.
“مين اللي أذنلك تخرجي من السرايا؟”
بلعت ريقها وقالت بصوت واطي:
“محدش يا حضرة العمدة .”
“يعني خرجتي من غير إذني؟”
سكتت.
“جاوبي.”
نزلت دموعها وهي تهمس:
“أيوه.”
هز العمدة راسه بضيق.
“من يوم ما دخلتي الدار، وأنا باعتبرك واحدة من أهل البيت، لكن لكل دار نظام… واللي يخرج من السرايا من غير إذني يبقى كسر النظام.”
ردت بسرعة وهي بتمسح دموعها:
“حقك عليّ يا بيه… والله ما كنت أقصد أغلط.”
“أمال قصدك إيه؟”
اتلجلجت في الكلام.
“كنت… كنت مخنوقة.”
العمدة قاطعها بحزم:
“مهما كان اللي جواكي… مكانكي ما كانش بره الدار في نص الليل.”
عز اتدخل بهدوء:
“كفاية يا بوي… البت اتعلمت الدرس.”
العمدة لف له بسرعة.
“وأنت محدش طلب رأيك.”
سكت عز.
قال العمدة وهو بيبص في عينه:
“النهارده أول ليلة بعد جوازك… وسيبت مراتك لوحدها، ونزلت تجري في البلد كلها عشان خدامة.”
رد عز من غير تردد:
“نزلت عشان واحدة كانت في خطر.”
“خطرها يخص رجالة الدوار.”
“وأنا راجل من الدوار.”
العمدة قرب منه لحد ما بقى بينهم خطوة واحدة.
“لا… دلوجتي إنت راجل مسؤول عن بيت فتحته من ساعة.”
ساد الصمت.
وبعدين قال العمدة بنبرة أقل حدة، لكنها كانت حاسمة:
“اسمعني زين يا عز… من الليلة دي، حياتك اتغيرت.”
ثبت عز عينه في عيون أبوه.
“عارف.”
“يبقى اعرف واجبك.”
وسكت لحظة، ثم قال وهو بيشاور ناحية السلم:
“اطلع لعروستك… كفاياك إكده.”
فضل عز واقف مكانه.
بص لغزل.
كانت واقفة منزلة راسهارفي الارض، بتحاول تمنع دموعها تنزل قدامهم.
قال العمدة من غير ما يحول عينه عن ابنه:
“والبت دي…”
لف ناحية غزل.
“ادخلي أوضتك، ومن بكرة ما أشوفكيش خارجة من السرايا إلا بإذن مني. مفهوم؟”
هزت راسها بسرعة.
“حاضر يا بيه.”
لفت تمشي.
لكن قبل ما تبعد، خطفت نظرة صغيرة ناحية عز.
نظرة مليانة ألف كلمة… و وجع… واعتذار…
وحب مستحيل.
أما عز…
ففضل واقف يبص في أثرها لحد ما اختفت جوه الممر.
ثم أخد نفسًا طويلًا، وطلع السلم بخطوات تقيلة.
كان رايح ناحية جناحه…
لكن قلبه، للمرة الألف، اتساب واقف في مكان غزل.
#انجي_الخطيب
فتح عز باب الجناح ببطء، وكان قلبة مقبوض وكأنه داخل سجن.
لقى ياسمين قاعدة على الكرسي اللي قدام التسريحة، لسة فكة شعرها الأسود الطويل على كتفها، وحاطة إيدها على خدها اللي كان لسة معلّم من القلم. أول ما سمع صوت الباب، رفعت راسها وبصتله في المراية. مكنش في عيونها دموع، كان فيه بريق من التحدي والشرود اللي يوحي إن الحرب لسة مخلصتش.
قفل عز الباب وراه بهدوء، وفضل واقف مكانه، عيونه متبتة على الأرض كأنه بيحاول يجمع بقايا أعصابه.
لفت ياسمين بكرسيها ليه ، وقالت بصوت هادئ ومستفز، بيقطعه السكوت:
“أهلاً بحضرة الضابط.. العريس اللي ساب عروسته في ليلة دخلتها، ورايح يدور على خدامة في نص الليل، وبعدين يرجع يقف قدام أبوه زي الولد الصغير؟!”
رفع عز عينه ليها، وكانت نظراته حادة لدرجة تخلي الحجر ينطق، وتقدم خطوتين بطيئين وقال بصوت جاف وواطي:
“كلمة كمان يا ياسمين، وهخلي الليلة دي تنتهي بجد بالطريقة اللي كنت قايل عليها من شوية.”
ضحكت ياسمين ضحكة قصيرة مليانة سخرية، وقامت وقفت وهي بتعدل فستانها الأبيض، وقالت:
“تطلقني؟ هتعملها؟ جرّب كده.. واطلع قول لأبوك والمأمور إنك طلقت بنته بعد ساعة من كتب الكتاب عشان جريت ورا بت شغالة! يومها البلد كلها هتاكل وشك، وسمعة عيلة العزايزة اللي أبوك ماشي يتباها بيها هتتفرم في التراب.”
قرب منها عز لحد ما بقت بينه وبين الحائط مسافة خطوات معدودة، وبص في عيونها مباشرة وقال ببرود مرعب:
“أنتِ فاكرة إن الكراسي والألقاب بتهمني؟ أو إن كلام البلد ممكن يكسر لي كلمة؟ اسمعي مني زين يا بنت المأمور.. أنا اتجوزتك عشان أرضي أبوي، وعشان أقفل باب كلام طويل.. لكن لو فكرتي تدخلي بيني وبين أي حاجة تخصني، أو تعلي صوتك تاني، والله العظيم ما هيهمني لا أبوكِي ولا البلد باللي فيها، وهدفنك في السرايا دي وأنتِي حية.”
بلعت ياسمين ريقها بصعوبة لأول مرة، ولمحت في عيون عز نظرة جنون حقيقية مكنتش متوقعة تشوفها. رجعت خطوة لورا بصمت، ومقدرتش تنطق بحرف زيادة.
سابها عز ولف ضهره، وراح ناحية الشباك الكبير المفتوح على زراعات الذرة المظلمة في الخارج. مد إيده وفك أزرار قميصه، وطلع نفس طويل كأنه بيحاول يدخل الهوا لصدره المحروق.
غمض عيونه لحظة، فظهرت قدامه صورة غزل وهي قاعدة لوحدها بتترعش في البرد، فشد على كفه بقوة لحد ما عروقه برزت ، وعز في نفسه: الصبر.. بكرة يحلها الحلال.
……..
تاني يوم الصبح، كانت الشمس طالعة بلونها الذهبي الحامي، والزغاريد بصوتها العالي المخصوص ملأت جنبات السرايا كلها. الست “نفيسة”، أم عز، دخلت الجناح بفرحة كبيرة وهي معاها الخدامة شايلة صينية الفطار الكبيرة المليانة أصناف الصعيد الدسمة، ومعاها اتنين من الخدمات بيزغردوا بصوت ملي السرايا كلها.
الحاجة نفيس امرت الخدامة انها تحطتة الصينية على الطرابيزة االي قدام السرير بتاع العرايس ، وبصت لياسمين اللي كانت قاعدة على السرير بملامح هادية وابتسامة خفيفة، وبعدين لفت لـ عز اللي كان واقف عند الشباك مديّهم ضهره وبيشرب سيجارة بملامح جامدة متجهمة.
قربت نفيسة من ابنها، بابتسامة واسعة، وقالت بصوت مالي الكل:
“صباح الفل يا عريس! ألف مبروك يا ضل عيني.. طمني يا ولدي.. هاه.. فين شرفها اللي خدته إمبارح؟ رفعت راسنا ورأس عيلة العزايزة وسط البلد كلتها؟”
ساد الصمت في الجناح فجأة.. وكأن السقف وقع على الكل.
عز ماردش.. فضل باصص برة الشباك، والسيجارة بين صوابعه بتطلع دخان بطيء.
استغربت نفيسة السكوت، وبصت لياسمين اللي نزلت عيونها بابتسامة خبيثة ومستفزة. رجعت نفيسة بصت لعز، وقلبها انقبض، وقالت بنبرة اهتزت فيها الفرحة:
“عز! ما ترد عليا يا ابني.. مالك واقف ساكت اكده ليه؟ هو إيه اللي حوصل؟”
لف عز ببطء، وعيونه كانت جامدة وباردة زي الصخر، وبص لأمه وقال بصوت هادئ ومستفز لأعصاب الكل:
“ما دخلتش عليها يا أمي.”
اتفتحت عيون نفيسة على آخرها، وكأنها متصورة إنها سامعة غلط. صرخت بصدمة وهي ماسكة صدرها:
“مـا دخلتش عليها؟! يعني إيه ما دخلتش عليها يا عز؟! إنت اتجننت ولا جرى لعقلك ايه في ليلة دخلتك؟! عروستك قاعدة قدامك أهي.. إزاااي؟!”
تقدمت ياسمين بخطوات هادية، وقالت بصوت ناعم بس مليان سم، وهي بتبص لعز بتحدي:
“اسألي حضرة الظابط ابنك يا حاجة .. اسأليه ليه سابني في ليلة دخلتي ونزل يجري في الشوارع عشان يدور على خدامة، ولما رجع.. كان همّه الوحيد إنه يقلل مني ويكسرني، كأنه متجوزني غصب عنه!”
التفتت نفيسة لعز، وعيونها مليانة غضب وعتاب شديد، وقالت بصوت طالع منخفض من الصدمة:
“للدرجة دي يا عز؟! تفضل البت الشغالة على بنت المأمور وعلينا كلنا في ليلة زي دي؟! دي عار يا عز.. عار هتطلعه البلد كلها علينا!”
بص عز لأمه بيأس مكبوت، وبعدين وجه نظره الحاد لياسمين اللي كانت بتبتسم بغرور، وقال بصوت أصدم الكل:
“العار الحقيقي.. هو إنكم فاكرين إن الجواز غصب وبنتوه علي حسابتكم انتوا .. بس اسمعوها مني أنتوا الاتنين، وكلامي مش هعيده تاني: ياسمين في عصمتي َدخلتي عليها هتمها مش عشانوارضيكي با امي لا عشان اربيها واعرفها اني راجل ، لكن قسمي أني مقربش منها تاني بعد دخلتي عليها دا ملكي انا واللي هيغصبني علي حاجة تاني قسما بربي ، الهدنة اللي بيني وبين الكل هتخلص، ووقتها ماليش كبير!”
#انجي_الخطيب
رفعت الحاجة نفيسة إيديها الاثنين ولطمت على خدها من صدمة الكلام، وصرخت بصوت جاب آخر السرايا:
“يا نهار أسود ومطلعتلوش شمس ! نهارك مش فايت يا عز! بتعاند أبوك وبتعاند البلد كلها عشان اية؟! أنت اتجننت في مخك بجد ولا عيون حسدتك يا ولدي ؟!”
ياسمين وقفت من على السرير، وجسمها كله بيترعش من قمة الغيظ والقهر، وعيونها بتطلع شرار. بصت لعز وقالت بصوت مخنوق من كتر الغضب:
“يعني إيه هتدخل عليا عشان تربيني وبس؟! أنا بنت المأمور يا عز، مش جارية جيبتها من الشارع! وبكره أبويا لو عرف بالمهزلة دي، البلد دي هتقوم ومش هتقعد، وهتندم على الساعة اللي فكرت فيها تتحداني!”
ولا كأنه سمع صوتها أصلاً. عز طفى السيجارة في الطفاية ببطء وثبات أعصاب ، ورفض حتى إنه يبص لها. وبعدين نقل عيونه لأمه اللي كانت بتترعش من الغضب، وقال بصوت حاسم وقطع أي نقاش تاني:
“كلامي اتقال وخلصتة وانتهى يا أمي.. جهزي نفسك لليلة، وبعدها مش عايز أسمع صوت حد بينطق بحرف في الموضوع دا واصل.”
سابهم واتحرك بخطوات واسعة وقوية، وفتح الباب وطلع برة الجناح وقفل الباب وراه بقوة هزت حوائط السرايا، وسبهم في حالة صدمة وجنون لا توصف.
في الممر الطويل، كان سالم واقف مستنيه ووشه ميطمنش. أول ما شاف عز طالع، جري عليه بخطوات سريعة وقال بصوت مخضوض:
“الحق يا عز .. العمدة عرف باللي حوصل فوق، والدنيا قايمة تحت ومش قعدة، مرتك اتصلت علي ابوها فاروق المأمور وهو كلم العمدة وقالة انه جي في الطريق على هنه ومعاه ، وشكله كده جاي ناوي على شر كبير!”
وقف عز، وظهرت على شفايفه ابتسامة باردة وتحدي أعمى، وقال بصوت هادئ:
“خليه ييجي.. كنت مستنيه .”
#انجي_الخطيب
يتببببع


تعليقات
إرسال تعليق