القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 حماتي وضرتي كامله حكايات مني السيد



حماتي وضرتي كامله 

حكايات مني السيد

« بصي كويس دي الحاجة اللي عمرك ما هتكوني صاحبتها…» قالتها حماتي وهي داخلة عيادتي بكل غرور، وماسكة في إيد ضرتي الحامل، وجايباها مخصوص تكشف عندي أنا….

خمس سنين كاملة وأنا مستحملة الإهانة، وكل يوم أسمعها وهي بتناديني “الشجرة الناشفة”، كل ده عشان أخبي سر واحد لو خرج للنور… هيقلب حياة ابنها رأسًا على عقب.

لكن أول ما شفت صورة السونار…

فتحت درج مكتبي…طلعت التقرير الطبي المختوم.

وفي اللحظة دي عرفت… إن وقت الحقيقة خلاص جه.

باب عيادتي اتفتح فجأة من غير حتى ما حد يخبط.

صوت الباب وهو بيخبط في الحيطة خلي كل اللي قاعدين في صالة انتظار قسم النساء والتوليد يبصوا ناحيتنا.

رفعت راسي…ولقيت حماتي، الحاجة فايزة، داخلة بخطوات كلها ثقة وغرور وكأن المستشفى دي بملك أبوه.

وكانت ماسكة في إيد ندى…ضرتي…مرات جوزي التانية.

قعدتها قدام مكتبي وقالت بصوت عالٍ متعمدة إن كل الممرضات والموجودين يسمعوا:

“يا دكتورة إيمان… جبتلك ضرتك بنفسي عشان تكشفي على حفيدي. ما هو بيقولوا إنك أشطر دكتورة في المستشفى كلها!”

قالت كلمة “ضرتك” وهي مبتسمة بإتقان، كأنها بتستطعم كل حرف وطالع من بقها.

ندى حطت إيدها على بطنها، وعملت نفسها مكسوفة، بس ابتسامة الانتصار اللي لمحتها على وشها فضحت كل حاجة جواها…حصري على صفحة روايات و اقتباسات…

الحاجة فايزة ماجتش عشان تطمن على الحمل ولا حاجة…

هي جت عشان تدوس على جرحي في أكتر مكان بحس فيه بكياني…بصتلي وقالت باستهزاء:

“بصي كويس… أهو ربنا رزق ابني بالست اللي عرفت تديله الوريث. مش كل الستات ينفعوا يبقوا أمهات يا دكتورة.”

#حكايات_مني_السيـد

كل كلمة كانت بترجعني سنين لورا…خمس سنين وأنا بسمع إن العيب مني، وإني أنا السبب إن البيت مسمعش فيه صوت عيل.

خمس سنين وهي بتحملني الذنب وتفضحني قدام الطوب الأحمر…وخمس سنين وجوزي كريم واقف ساكت وموافق… ولا مرة اتكلم ولا قال الحقيقة.

الحقيقة اللي محدش في الأوضة دي كلها يعرفها… غيري أنا.

أخدت نفس عميق، ولبست الجوانتي، وقلت ببرود وبتعامل مهني خالص: “اتفضلي يا مدام ندى… اطلعي على السرير عشان نطمن على البيبي.”

بدأت أكشف عليها بالسونار، كل القياسات كانت مظبوطة بالملي، والجنين ما شاء الله صحته ممتازة.

أول ما خلصت، سألتني حماتي بلهفة وهي حاطة إيدها على قلبها: “ها؟ الولد كويس؟”

رديت عليها بهدوء:

“الحمل مستقر جدًا، والجنين صحته زي الفل.”

ضحكت حماتي بصوت عالٍ ملَى الأوضة وقالت قدام الممرضات:

“الحمد لله يا رب… أخيرًا ربنا كرم ابني باللي تعرف تجيبله حتة عيل تشيل اسمه!”

الممرضات بصوا في الأرض من الإحراج ومش عارفين يودوا وشهم فين مني…حصري على صفحة روايات و اقتباسات..

أما أنا…فمشيت ناحية مكتبي بمنتهى الثبات والهدوء.

فتحت الدرج اللي تحت خالص…وطلعت ملف طبي قديم، عليه ختم المستشفى وتوقيع رئيس المعمل.

الملف ده فضل مستخبي ومقفول عليه بقاله خمس سنين كاملة… عشان بس أحمي كريم وأصون كرامته.

حطيته قدامهم على المكتب بصوت واضح.

وفي اللحظة دي… الضحكة اختفت تمامًا من على وش حماتي. #حكايات_مني_السيـد

وندى بصتلي بقلق وبدأت ألوان وشها تتغير.

بصيت للحاجة فايزة في عينها مباشرة وقلت:

“حضرتك عندك حق… الجنين فعلًا بخير وصحته ممتازة.”

سكت ثواني… الأوضة كلها بقيت هادية لدرجة إن صدى النفس كان مسموع.

فتحت الملف، وحطيت صباعي بثبات على نتيجة التحاليل، وقلت: “بس قبل ما تفرحي بالحفيد وتوزعي شربات… في حقيقة صغيرة أوي عن ابنك كريم لازم تعرفيها دلوقتي.”

#حكايات_مني_السيـد #حصري

مسكت الورقة بإيدي، وإيدي كانت ثابته زي الحديد، مفيهاش حتى هزّة صغيرة.

الحاجة فايزة بصت للورقة وهي مش فاهمة حاجة، لكن النظرة اللي في عيني خلت ابتسامتها تسيح وتختفي من على وشها كأنها ما كانتش موجودة اصلاً. ندى كانت أذكار وأسرع منها في استيعاب التوتر، قامت وقفلت عبايتها وهي بتبصلي بريبة، وإيدها لسه مشالتهاش من على بطنها.

“إيه التخاريف دي يا دكتورة؟” حماتي قالتها وهي بتحاول تسترد ثقتها المصنوعة، بس صوتها المره دي خانها وطالع فيه بحة قلق: “ما تنطقي! جايبالنا ملفات قديمة ليه دلوقتي؟ جاي تداري خيبتك وتعمليلنا حوارات في وسط المستشفى عشان تداري إنك شجرة ناشفة؟”

ضحكت… بس ضحكة هادية، من غير أي انفعال.

“شجرة ناشفة؟” كشفت التقرير على المكتب وخليت الحبر الأزرق والختم النسر يبانوا زي الشمس تحت إضاءة العيادة. “التقرير ده يا حاجة فايزة من خمس سنين، من أول سنة جواز لينا أنا وكريم. كريم اللي حضرتك جيتي تحميه مني وتبوسي أيدك وش وضهر إنه اتجوز ست تانية تشيل اسمه… ابنك كريم عنده عقم كامل وانسداد دائم، نسبته في الخلف طبيعي بتمتنع تمامًا… **صفر**.”

الكلمة نزلَت على الأوضة زي الصاعقة. الممرضة اللي كانت واقفة جنب الباب شهقت وغطت بقها بإيدها، والصمت ساد المكان، صمت ثقيل يشبه الصمت اللي بيسبق انفجار المفاعل!

الحاجة فايزة ألوان وشها اتغيرت في ثواني، من الأبيض للأسود للأحمر. عينها راحت على الورقة، وبعدين على ندى، وبعدين صرخت فيا بصوت طالع بالعافية: “إنتي كذابة! إنتي مفبركة التقرير ده عشان تحرقي قلبي! ابنك زي الفل ومفيهوش الهوا! اتجوز عليكي عشان إنتي مش ست، عشان إنتي عاقر!”

“التقرير ده مختوم من أكبر معمل ذكورة في مصر، وموقع عليه رئيس القسم اللي كان أستاذي في الكلية،” قلتها وأنا بقرب التقرير منها أكتر بثبات: “تقدر تاخديه وتروحي لأي دكتور في العالم تسأليه عن التقرير ده. أنا اللي استحملت الخمس سنين دول يا حاجة فايزة… استحملت إهاناتك، واستحملت كلام الناس، واستحملت تضربيني بالكلمة رايحة جاية، وكل ده ليه؟ عشان أحمي ‘رجولة’ ابنك اللي جرى استخبى ورا ضهري وترجاني بالدموع إني ما أفضحهوش ولا أكسر عينيه قدامك!”

في اللحظة دي، ندى كانت وشها أصفر زي الميتين. رجليها ما بقتش شايلاها، وسندت على حافة المكتب بالراحة وهي بتبصلي بذهول… بس مش ذهول الصدمة بس، ذهول واحدة اتمسكت متلبسة!

أنا ما كانتش عيني على حماتي بقدر ما كانت عيني على ندى…

الحاجة فايزة بصت لندى وهي بتنهج وتقول بخوف ورعشة في شفايفها: “ندى… ندى قولي حاجة! قولي إن الدكتورة دي بتتبلى عليكي وعلى جوزك! قولي إنها غيرانة منك عشان إنتي حامل في حفيد العيلة!”

ندى ما نطقش. كانت بتبص للأرض، وشفايفها بترتعش، وعرق بارد نازل على جبهتها.

قعدت على كرسي مكتبي، حطيت رجل على رجل، وسندت دقني على إيدي وأنا ببتسم لندى بنفس الابتسامة اللي كانت لسه مبتسماها لي من شوية:

“البيبي زي الفل يا مدام ندى… ما شاء الله صحته ممتازة وقياساته مظبوطة بالملي على الحسابات. بس السؤال المهم اللي لازم الحاجة فايزة تسألوهولك دلوقتي… **ابن مين اللي في بطنك ده يا شاطرة؟**”

حماتي صرخت صرخة هزت أرجاء قسم النساء والتوليد كله: “إنتي بتقولي إيييييه يا فاجرة؟! إنتي بتتهمي كنّتي في شرفها؟!”

“أنا بتكلم بالعلم يا حاجة،” قلتها ببرود أشد من التلج: “جوزك يا ندى ما يجيش منه خِلفة… مطلقًا. إلا لو كنتوا عملتوا حقن مجهري، وساعتها كبسولات الأجنة والعملية بتتعمل في مستشفيات ومعامل محددة، وأنا أعرفها بالواحدة ومفيش أي أوراق بتقول إن كريم عمل العملية دي. ده غير إن كريم أصلاً مكنش معاه جنيه يصرفه على حقن مجهري بعد ما حضرتك أخدتي منه شوشته عشان تجوزيه!”

الحاجة فايزة مسكت ندى من دراعها بغل وهزتها بعنف: “انطقي يا بت! انطقي قولي إنها بتكذب! قولي إن اللي في بطنك ده ابن كريم!”

ندى بدأت تعيط بهستيريا، تحاول تسحب إيدها من حماتي وهي بتقول بصوت مقطوع: “يا حاجة فايزة افهميني… يا حاجة والله العظيم كريم…”

“كريم إيه؟!” الباب اتفتح فجأة… المره دي بجد.

كريم كان واقف على الباب. كان جاي وراهم عشان يلحق المهزلة اللي أمه جرت تعملها في عيادتي، بس شكله كان سامع آخر كلمتين. وش كريم كان شاحب، باين عليه إنه مش قادر يقف على حيليه. بص في الأرض، ومقدرش يحط عينه في عيني ولا لحظة.

حماتي جرت عليه زي المجنونة، مسكت فيه من حتة قماشة قميصه وهي بتصرخ: “كريم! قول للدكتورة دي إنها كذابة! قولها إن التقرير ده مزور! قولها إنك بتخلف وإن اللي في بطن ندى ده ابنك وحفيد العيلة اللي حلمت بيه!”

كريم بصلها بكسرة… كسرة راجل عارف إن حبل الكذب اتعقد على رقبته وخلاص المشنقة اتسحبت.

“رد يا كريم!” صرخت أمه وهي بتضربه على سدره: “رد على أمك! قولي إنها بتبلت عليك!”

كريم بصلي بعيون مليانة دموع ورجاء، كأنه لسه بيترجاني أنقذه، بس المرة دي… الخمس سنين كانوا كفاية أوي. كفاية وجع، كفاية إهانة، وكفاية تضحية بشر في ناس ما يستاهلوش حتى نظرة حسرة.

كريم وطي راسه للأرض وقال بصوت خافت ومخنوع: “التقرير صح يا أمي… أنا العيب مني.”

الأوضة كلها سكتت. الحاجة فايزة إيدها وقعت من على قميصه كأنها اتكهربت. خطت خطوة لورا وهي مش مصدقة، بتبص لابنها الوحيد، سندها اللي كانت بتباهي بيه الدنيا وتدوس على خلق الله علشانه.

“إيه؟” قالتها بذهول: “أنت… أنت بتقول إيه؟ أومال… أومال ندى…؟”

التفتت الحاجة فايزة لندى زي اللبؤة الجريحة. ندى طلبت الرحمة بعينيها، وبدأت تتراجع ناحية الباب وهي بتصرخ: “يا كريم قولها! قولها إنك عارف! قولها إنك إنت اللي وافقت!”

الكلمة دي نزلَت زي الزلزال في العيادة.

كريم رفع راسه فجأة وصرح فيها: “اخنسي يا زبالة! اخنسي وسدي بؤك!”

بس ندى كانت خلاص غرقانة فقررت تغرق الكل معاها، بصت للحاجة فايزة وقالت وهي بتشهق من العياط: “ابنك هو اللي اتقفق معايا! ابنك كان عارف إنه ما بيخلفش، وكان خايف منك ومن كلام الناس! هو اللي قاللي نتجوز ونسكت ولو حملت مش هيسأل ولا يفتح بؤه، عشان يثبت للناس كلها إنه راجل وإنه بيخلف وأن العيب في إيمان!”

الممرضات كتموا أنفاسهم من هول المفاجأة.

الحاجة فايزة بصت لابنها، وبعدين بصت لندى، وبعدين بصتلي أنا… أنا اللي كنت واقفة ورا مكتبي بكل ثبات، لامة أوراقي وحاجتي بالراحة.

حماتي حطت إيدها على قلبها، ورجليها خانيتها وقعدت على أقرب كرسي وهي مش قادرة تاخد نفسها، كبرياؤها كله اتدمر في لحظة، غرورها اللي دخلت بيه العيادة اتحول لحسرة وكسرة عين مش هتتمحي طول عمرها.

قربت من المكتب، لميت التقرير الطبي بالراحة، وحطيته جوة شنطتي. بصيت لكريم وقلت له بصوت واطي بس كل الأوضة سمعته:

“أنا حميتك خمس سنين يا كريم… صنتك وصنت كرامتك ورجولتك قدام أهلك والدنيا كلها، وانت سيبت أمك تاكل في لحمي وتسميني الشجرة الناشفة كل يوم وهي ما تعرفش إن الشجرة دي هي اللي كانت مظللة عليك وحامياك من الشفايف اللي كانت هتاكلك.”

بصيت للحاجة فايزة وقلت لها: “يا حاجة فايزة… الشجرة الناشفة هي اللي كانت حامية بيتك من الفضيحة. ورقتك الطلاق توصلني بكرة يا كريم… وإلا التقرير ده، بالشهود اللي في الأوضة، هيبقى في القضايا بكرة الصبح.”

مشيت من جنبهم وراسي مرفوعة لفوق، خطواتي كانت بتدب على أرض المستشفى بثقة عمرها ما كانت عندي قبل كده. سبتهم جوة بياكلوا في بعض، الفضيحة والشك والغدر بقوا في وسطهم، وأنا… أنا أخيرًا اتنفست حرية بعد خمس سنين سجن!



حماتي وضرتي ج2

حكايات مني السيد

خرجت من باب قسم النساء والتوليد، والهوا البارد اللي برة المستشفى خبط في وشي كأنه بيرد فيا الروح من جديد. لأول مرة من خمس سنين أستنشق هواء حقيقي، مش ملوث بريحة الظلم وكلام حماتي المسموم وكسرة عيني اللي فرضتها على نفسي بحجة “الأصل والجدعنة”.

ورايا جوة، كان صوت الصراخ والعياط طالع من الأوضة مسموح لأخر الممر… صوت الحاجة فايزة وهي بتنادي على كريم، وصوت كريم وهو بيتخانق مع ندى، والناس في صالة الانتظار بيتهامسوا وعيونهم زي الفلاشات بتطارد السر اللي اتفضح بعد طول كتمان. بس أنا؟ ما بصلتش ورايا ولا خطوة واحدة. اللي يبيعك بكلمة، ما يلزمهوش حتى تحس بالشفقة عليه لما الدواير تدور عليه.

ركبت عربيتي، وقعدت ورا الدركسيون ثواني… دموعي نزلت، بس مش دموع حزن، كانت دموع القهر اللي اتحبس جوة صدري كل السنين دي وأخيرًا خرج. دموع الفرج. شغلت العربية ومشيت على بيتي… بيتي اللي تحول مع الأيام لسجن، والنهارده بس قررت أهده فوق رؤوس اللي ظلموني.

وصلت الشقة، فتحت الباب ودخلت. المكان كان هادي، صامت، زي المقبرة. لميت هدومي بالراحة وبمنتهى الثبات. فتحت الشنط وحطيت فيها كل حاجة تخصني: أوراقي، شهاداتي، هدومي، حتى الصور اللي كانت بتجمعني بكريم رميتها في سلة القمامة من غير ما يرف لي جفن.

وأنا بلم حاجتي، الباب اتفتح وفجأة دخل كريم.

كان شكله يرحم… وش أصفر، عينيه جاحظة، قميصه متبهدل، ورجليه مش شايلاه. أول ما شاف الشنط مفتوحة على السرير، جرى عليا ورمى نفسه عند رجلي، مسك في رجلي وبكى بصوت طالع بالعافية زي الأطفال:

“إيمان… أرجوكي يا إيمان ما تمشيش! أنا آسف… والله العظيم آسف! أنا كنت ضعيف، كنت خايف أواجه أمي، كنت خايف من نظرة الناس ليا إني مش راجل! إنتي عارفة مجتمعنا بيعمل إيه في الراجل اللي ما بيخلفش! سامحيني يا إيمان وحقك على راسي!”

بصيت له من فوق لتحت ببرود أشد من الثلج. نفضت رجلي من إيده بقوة، ورجعت خطوة لورا:

“انطق يا كريم… قوم اقف على حيلك بلاش تمثيل. الخوف من الناس يخليك تظلم مرتك؟ الخوف يخليك تبص لأمك وهي بتهينني وبتناديني ‘الشجرة الناشفة’ وانت واقف ساكت وموافق؟ ده مش ضعف يا كريم… دي خيانة ونذالة! انت مش بس سبتني أتشال ذنبك، انت رحت اتجوزت وحدة تانية واتفقت معاها تجيب لك عيل من الشارع عشان تستر على نفسك وتلبسني أنا العار!”

كريم هز رأسه بنفي بهستيريا: “والله العظيم ما كنت أعرف إن الجنين مش مني! هي خدعتني! قالت لي إنها بتحبني وهتقبل تعيش معايا بشرطي، وأنا صدقتها… أنا كنت أعمى يا إيمان!”

“انت مريض يا كريم،” قلتها وأنا بقفل سوستة الشنطة الأخيرة بصوت حاد: “مريض بكبرياء زائف. أخدت ستر ربي ليك ودست عليه، وبعت الست اللي صانتك وشالت سرك خمس سنين كاملة عشان شوية منظرة قدام أمك والشارع. دلوقتي الحقيقة خرجت، والناس كلها عرفت مين الشجرة الناشفة، ومين اللي بيخدع مين.”

سحبت الشنط ومشيت ناحية الباب، وقف قدامي وهو بيحاول يمنعني: “مش هسيبك تمشي يا إيمان! أنا بحبك… إنتي الحقيقة الوحيدة في حياتي!”

ضحكت بصوت عالٍ… ضحكة مفيهاش أي فرحة: “تحبني؟ انت ما بتحبش غير نفسك يا كريم. لو بتحبني بجد كنت حميتني من أسلوب أمك. ابعد عن طريقي بدل ما الم عليك العمارة باللي حصل في العيادة النهارده، وانت عارف إن الممرضات زمانهم وزعوا الخبر على مصر كلها.”

الكلمة جمدته في مكانه. خاف من الفضيحة أكتر ما خاف إنه يخسرني. ساب الباب ووقف يترعش، وأنا فتحت الباب وخرجت، وسيبته في الممر واقف لوحده مع ضياعه.

تاني يوم الصبح…

كنت قاعدة في مكتبي بالعيادة الخاصة بيا، مش مستشفى الحكومة. المكان كان هادي، والشمس داخلة من الشباك بتنور كل ركن. كنت حاسة براحة نفسية ما حسيتهاش من سنين طويلة. كأن جبل كان شايله صدري واتنزع بلمسة واحدة.

الباب اتفتح، ودخل المحامي بتاعي، وحط قدامي ورقة رسمية.

“تمام يا دكتورة إيمان… القضايا جاهزة، وورقة الطلاق للضرر اترُفعت اليوم، والتقرير الطبي المرفق في القاضية معاه شهادة الشهود من الممرضات يضمن لك كل حقوقك وبسرعة القياسية كمان.”

ابتسمت له وقلت: “شكراً يا أستاذ أحمد… أنا مش عايزة منه غير حريتي وحقوقي الشرعية، مش عايزة أي حاجة تفكرني بيه.”

وفجأة… الباب اتفتح من غير استئذان.

المرة دي، كانت الحاجة فايزة.

بس ما كانتش الحاجة فايزة بتاعة إمبارح. ما كانتش الست المتبخترة اللي داخلة بشرها وغرورها وتناديني باستهزاء. كانت واحدة ثانية خالص… ظهرها منحني، وشها دبلان، عينها مكسورة، ولابسة طرحتها بأي كلام كأنها خرجت من بيتها في حالة ذهول.

المحامي قام وقف واستأذن وخرج وسابنا لوحدنا.

وقفت الحاجة فايزة قدام مكتبي، بس المرة دي ما قعدتش ولا فتحت بقها بكلمة فرعنة. كانت بتبص لي بنظرة فيها التماس ورجاء… كسرة العين وحشة، خصوصاً لما تيجي للي كان فاكر نفسه فوق البشر.

“عايزة إيه يا حاجة فايزة؟” قلتها بهدوء وأنا بقلب في أوراق أمامي على المكتب: “جاية تكشفي ولا جاية تطمني على الحفيد؟”

الكلمة نزلت عليها زي الس\كين. شفايفها اترعشت وقالت بصوت مكسور وبحششرة: “إيمان… يا بنتي…”

“بنتك؟” رفعت راسي وبصيت لها بثبات: “من إمتى بقيت بنتك؟ مش أنا كنت الشجرة الناشفة؟ مش أنا اللي مش ينفع أكون أم؟ مش أنا اللي كنتي بتدخلي عليا قدام الناس وتقوليلي ربنا رزق ابني بالست اللي تديله الوريث؟”

دمعة نزلت من عين الحاجة فايزة، مسحتها ببدل طرحتها وخطت خطوة قرب المكتب: “أنا غلطت في حقك يا إيمان… والله العظيم غلطت. أنا كنت عمياء… ابنك وندى خدعوني، كريم حرق قلبي وكسر ظهري قدام الناقص والزايد. البيت اتخرب يا إيمان… ندى هربت عند أهلها بعد ما كريم طردها وضربها، والناس في المنطقة ما حيلتهمش غير الكلام علينا… كريم قاعد في الأوضة قافل على نفسه ومش راضي يكلم حد ولا يأكل… البيت انهد على دماغنا.”

سمعتها وأنا حاسة برود تام. مش شماتة، بس إحساس بالحقيقة لما تأخد مجراها الطبيعي.

“وانتِ جاية لي ليه دلوقتي يا حاجة؟” سألتها بهدوء.

حطت إيدها على المكتب وبكت بمرارة: “تعالي ارجعي يا بنتي… ارجعي وكتم الأسرار. تعالي نلم الموضوع، ونقول إن التقرير ده كان غلط، وإن كريم كان بيتعالج وسليم… ارجعي وحافظي على بيتك وجوزك، وأنا والله العظيم لأشيلك على راسي من فوق، ومش هخلي كلمة تطلع مني تزعلك العمر كله!”

ابتسمت لها ابتسامة حسرة على تفكيرها… لسه لحد دلوقتي بتفكر في كلام الناس والمنظرة، لسه ما اتعلمتش الدرس.

“ترجعي للكدب تاني يا حاجة فايزة؟” قلتها وأنا بقوم أقف قدامها: “عايزاني أرجع للظلم والتمثيل عشان أستر على ابنك اللي ظلمني؟ خمس سنين وأنا ساكتة وبدفع من صحتي وكرامتي ونفسيتي عشان أستر عليه، وفي الآخر رحتوا اتجوزتوا عليا وجبتوا لي وحدة تتنطط عليا في عيادتي! انتِ ما جيتيش هنا عشان بتحبيني يا حاجة… انتِ جيتي عشان خايفة من الفضيحة، خايفة من نظرة جيرانك وقرايبك لما يعرفوا إن الست اللي كنتي بتهينيها هي اللي كانت ستراكم، وإن ابنك اللي كنتي بتباهي بيه هو اللي فيه العيب!”

مسكت أوراق الطلاق وحطيتها قدامها: “أنا خلاص… الطلاق شغال في المحكمة، والسر اللي حكايته إمبارح قدام الممرضات بقى ملك الناس كلها. أنا مش هكدب تاني، ولا هداري على حد. الشجرة الناشفة اللي كنتي بتتريقي عليها… طلعت هي الشجرة الوحيدة اللي كانت مدلية أصل وطيبة وحماية لبيتك، بس انتِ قطعتي الفأس بإيديك.”

الحاجة فايزة بصت للورق، وبعدين بصت لي وهي مش قادرة تتكلم. عرفت إن خلاص مفيش أمل، وإن القصر الزجاجي اللي بنته من الكبر والغرور اتهدم فوق راسها وراس ابنها للأبد.

عدت شهور…

حياتي اتغيرت تماماً. العيادة كبرت وبقت من أشهر العيادات في المنطقة، اسمي دكتورة إيمان بقى مرتبط بالنجاح والقوة. الناس بقت بتجيلي مش بس عشان أطبب أجسادهم، لكن عشان يشوفوا الست اللي وقفت قدام الظلم واستردت كرامتها في لحظة شجاعة.

سمعت إن كريم طلق ندى بعد مشاكل وقضايا مالهاش أخر، وإن فضيحتهم بقت على كل لسان. ندى سابت البلد كلها ومشت، وكريم استقال من شغله وقفل على نفسه البيت، أمه بقت تمشي في الشارع وشه للأرض، ما بقاش لها صوت ولا قدرة على التباهي على حد.

في يوم من الأيام، كنت واقفة في بلكونة شقتي الجديدة، شقة واسعة بتطل على النيل، والشمس كانت بتشرق بنور ذهبي مالي المكان. ماسكة كباية الشاي في إيدي، وبتبسم للدنيا.

أدركت إن الحق ممكن يتأخر، والظلم ممكن يطول ويسود لسنين، بس لما الحقيقة بتخرج… بتدمر كل الباطل في طريقها. أنا ما خسرتش حاجة… أنا كسبت نفسي، كسبت كرامتي، وأهم حاجة… كسبت حريتي.

رفعت راسي للسما وقلت من كل قلبي: “الحمد لله… أخيرًا الشجرة طرحت عز وكرامة.”




تعليقات

التنقل السريع
    close